العنف بين الأسرة والتعليم

العنف بين الأسرة والتعليم

يعتبر العنف من الظواهر الخطرة على استقرار المجتمعات وأمنها، وهو سلوك عملي ينتج عن الفكر المتطرف. وللتطرف أسباب كثيرة، حيث ذهب البعض للتنشئة الأسرية، وطرح آخرون مناهج التعليم كسبب من أسباب التطرف، واعتبر آخرون أن المعلم يلعب دورًا بارزًا في ظاهرة العنف الناتجة عن: إما طريقة تعامله مع الطلبة، أو ما يطرحه من أفكاره الخاصة المتطرفة على الطلبة، بطريقة تؤثر على تفكيرهم، لما للمعلم من دور هام ومحوري في صناعة وعي التلاميذ.

إلا ان التطرف كظاهرة ينشأ عنها العنف السلوكي، هو نتاج لكل ما سبق مضافًا إليه عوامل أخرى ليست محل بحثنا.

التنشئة والعنف الأسري

الرافد الأول للمعرفة بالنسبة للطفل هما الوالدان، بل يعتبران القدوة التي يبدأ الطفل بتقليدها في كل شيء. لذلك تعتبر السنوات الأربع الأولى بالنسبة للطفل، من أهم أعوامه التي تؤسس إلى صحته الجسدية، وصحته النفسية، والعاطفية.

ومن هنا يأتي الاهتمام في ضرورة اختيار الأكفأ والأصلح في الحياة الزوجية، وتشكيل مؤسسة أسرية تمتلك الرشد الكافي في ما هو موكل إليها من مهام وأهمها تربية الأطفال وصناعة الأجيال. وعند ظهور أي سلوك عنيف من الطفل في المدرسة في سنواته الأولى، تكون أولى نقاط البحث في الأسباب هي في ساحة الأسرة.كونها الساحة الأولى التي يتلقى فيها الإنسان علومه وأفكاره التي توجه وعيه وسلوكه.

لذلك تعتبر الأسرة مرحلة من أهم مراحل صناعة الإنسان ووعيه، كون العلم في الصغر كالنقش في الحجر، وهي أيضًا رافدًا من روافد التطرف وأسبابه. خاصة في حال توارث الأجيال المتعاقبة نفس نظم التربية بغثها وسمينها، بل حتى الأساليب التي كان يتبعها الأجداد والتي يعتدّ بها الأجيال اللاحقة كجزء من التراث الذي يفتخرون به، بل يدّعي بعضهم أن الشدة والقسوة كانتا سببًا هاما في إخراج أجيال قوية، وهنا يتضح انقلاب دلالات كثير من القيم والمفاهيم في منظومة التربية.

ويظهر أيضًا جليًا في ممارسة الأبناء لنفس منهج السلطة الأبوية في التربية، والتي تقوم على إلغاء ما وهبه الله بالقوة لكل إنسان وهي الارادة والحرية والاختيار، وهو إلغاء لتحويل هذه الموهبة بالقوة إلى الفعل من قبل الفرد الجديد أي الطفل، حيث بممارسة السلطة الأبوية في التربية فإن ذلك كفيل في بذر بذور التطرف والعنف في الطفل سواء لفظيًا أو سلوكيًا، حيث يتلقى الطفل منذ نعومة أظفاره على إلغاء حقه في الاختيار الحر الموجه، وفي إبداء أي رأي مخالف لسلطة الأب أو الوالدين، بحجة الاحترام وعدم معصية الوالدين، وهو ما لا مدخلية له لا بالاحترام ولا المعصية، بل هو نوع من الاستبداد الذي توارثه الآباء من الأجداد، ويمارسونه نتيجة التنميط الوراثي والاجتماعي، وعدم محاولة الخروج من هذا النمط الوراثي والاجتماعي، وغياب الوعي الفارق بين الأجيال، والأساليب، والنظم التربوية، دون المساس بالأسس والثوابت. وبذلك تنمو أجيال أخرى معنفة أسريًا، وتملك بذور الإقصاء، والتطرف، وأحادية الرأي والتفكير.

واليوم ما نحتاجه هو عملية تأهيل شاملة قبل مرحلة الزواج، هذا التأهيل ليس مجرد معلومات تدرس أو تلقن، بل تأهيل يحقق الرشد بأهمية المؤسسة الأسرية، وتوزيع الأدوار فيها، وأهلية كلا الزوجين للإنجاب والتربية، خاصة التربية المرتكزة على القيم الإيجابية والأخلاق، وإرساء الأساس واللبنة الأولى في وعي وإدراك الطفل.

بمجرد الزواج وقبول الطرفين لا يعني أهلية الطرفين لتشكيل بناء أسرى، والدليل نسبة الطلاق المرتفعة والتي وصلت إلى ٥٦٪ في الزيجات الحديثة حسب آخر الإحصاءات، وارتفاع هذه النسبة دليل على عدم رشد الأطراف بأهمية المؤسسة الأسرية، فاشتراط الزواج بالبلوغ والقبول ليس كافيًا لبناء أسرة على أسس صحيحة، بل يفترض أن يضاف له الرشد الذي يوثق إدراك الأطراف المعنية للمسؤولية المنوطة بكل طرف، والتكافؤ في كافة المجالات بين الطرفين، وبفاعلية كل طرف في هذا البناء ودوره، وبوعي الفارق الزمني بين الأجيال والفرق بين الثوابت التربوية ومتغيراتها دون إفراط وتفريط.

العنف والمناهج التعليمية

المدرسة هي المكان الذي يقضي فيه الإنسان وقتًا طويلًا من عمره، وهي المكان الذي يصنع مركز أفكار الإنسان، وبالتالي عقله الذي يوجه سلوكه وأخلاقه. فعدد الساعات التي يقضيها الطفل يوميًا في المدرسة يتراوح بين ٧-٨ ساعات يوميًا. وإن قسناها على ساعات وجوده في المنزل وساعات النوم مع ساعات اليوم، نجدها تقريبًا منتصف وقته.

فهو ينام ٨ ساعات يوميا، ويقضي ٨ ساعات في المنزل وقد تكون مقسمة بين دراسته وأسرته وأصدقائه، بالتالي أطول فترة يبقى فيها الطفل في تواصل مستديم مع محيطه هو المدرسة.

وأي تقدم في أي أمة أو مجتمع يعتمد على التقدم في التعليم وفي المناهج التي تصنع الإنسان وأفكاره، وعندما تريد قتل مجتمع، فما عليك إلا أن تحول مناهج التعليم إلى مناهج تلقينية خالية من الفلسفة ومنهج السؤال السقراطي. حتى تنمي في الطفل عملية التنميط، وتقتل ثقافة السؤال والإبداع وحرية التفكير واتساع الأفق.

وبمجرد أن يصبح الطفل تلقيني المنهج، سيصبح أحادي التفكير وهو ما يخلق لديه انكفاء على الذات، والبقاء في صندوق ضيق يرى العالم من خلاله، وتدريجيًا لا يعترف إلا بالأنماط الشبيهة له اجتماعيًا، وهنا تنمو حالة التطرف تدريجيًا، وإذا كانت مقرونة بتشريعات دينية متطرفة تكفر الآخر، فهنا يصبح تطرف مشرعن دينيًا، وقد يتحول تدريجيًا إلى عنف سلوكي يهدد استقرار المجتمع وأمنه.

لذلك تولي الدول المتقدمة أهمية قصوى لمناهج التعليم وآلياته، بل تولي أهمية قصوى لقيمة المعلم وقدراته وكفاءاته، لما للمنهج وللمعلم من دور جدا محوري في تقدم المجتمعات، فهما مصنع الأجيال. وحسب تقرير الأمم المتحدة حول التعليم في الوطن العربي لعام ٢٠٠٣:

“بدأت عدة من دول عربية في العقد الأخير بتنفيذ مشاريع للتطوير التربوي، وتنصب جهود التطوير هذه بوجه خاص على مراجعة المناهج الدراسية وإدخال التعديلات على محتواها من قبل فرق وطنية، وعادة لا ينشب خلاف حول مضمون المواد العلمية، باستثناء بعض الموضوعات التي يرى البعض أنها تمس المعتقدات الدينية، مثل تعليم أصل الوجود ونظرية النشوء والارتقاء، أو موضوعات قد تمس محرمات اجتماعية مثل تعليم الثقافة الجنسية، أما المواد الإنسانية والاجتماعية فنظرًا لعلاقتها وتأثيرها المباشر على أفكار النشئ ومعتقداتهم، تقوم السلطة القائمة على إصدار المناهج والكتب المدرسية برعايتها مباشرة، فتأتي مثقلة بالافتخار بمنجزات الماضي، والثناء على الذات، ووضع اللوم على الأجنبي، وتكريس مشاعر الولاء والتأييد للنظام القائم، وليس من غير المألوف أن تبدأ الكتب المدرسية في كثير من البلدان العربية، بصورة تتصدر الصفحة الأولى للحاكم أو لرئيس الدولة، حتى في الكتب الحيادية كالرياضيات والعلوم، أو دفاتر الأشغال والواجبات المدرسية.

ويرى الباحثين أن المناهج الدراسية العربية، تبدو وكأنها تكرس الخضوع والطاعة والتبعية، ولا تشجع التفكير النقدي الحر. فمحتوى المناهج يتجنب تحفيز التلاميذ على نقد المسلمات الاجتماعية أو السياسية، ويقتل فيهم النزعة الاستقلالية والإبداع ) منير بشور ورقة خلفية للتقرير).

ويختم في هذه الجزئية الكلام حول المناهج في الوطن العربي قوله: “وبشكل عام إن المناهج في البلدان العربية، بدءً من المرحلة الابتدائية، أو حتى ما قبلها تبدو تجسيدًا لمفهوم يعتبر عملية التعليم كما لو أنها عملية إنتاج صناعي تلعب فيها المناهج وتفريعاتها والمضامين المشتقة منها دور القوالب المفترض أن تنصب فيها عقول الناشئة”.

وبذلك تكون مخرجات التعليم من الأجيال، مخرجات أحادية التفكير النمطي، تلقينية عاجزة عن إبداع أسئلة تثويرية، وغير مؤهلة لإنتاج معرفة، كون الغاية القصوى من العلم هو تطوير القدرات العقلية والذهنية، ومدها بالأدوات والأساليب وآليات التفكير الخلاق القادر على إنتاج معرفة ناهضة”.

ورغم أن التقرير يعود لعام ٢٠٠٣ م إلا أنه مازال يحاكي واقعنا، وهو ما يعكس الركود الذي تمر فيه العملية التعليمية في الوطن العربي، وتطورها السلحفاتي، وهو ما سينعكس على نوعية الأجيال التي سيتم إنتاجها كمخرجات من التعليم.

المعلم والعنف الطلابي

كلما ارتقى المعلم أخلاقًا وعلمًا، كلما ارتقى التلميذ في نفس الاتجاه والعكس بالعكس.

يسلط التقرير ذاته الضوء على وضع المعلمين والمعلمات قائلًا: “لتقييم مستوى التعليم، علينا تلمس قدرات المعلمين على تحفيز التلاميذ والتفاعل معهم وتشجيعهم على الابتكار والتفكير النقدي الخلاق.

والمعلومات المنشورة عن مثل هذه المؤهلات والقدرات نادرة، وتقتصر على الملاحظات الشخصية والانطباعات العامة. مما لا شك فيه أن هناك عددًا كبيرًا من المعلمين من ذوي الخبرة والمؤهلات العالية الذين يلعبون دورًا حيويًا في إنجاح العملية التعليمية. ولكن توجد مجموعة من العوامل التي تؤثر بالسلب على قدراتهم، منها تردي مستوى المرتبات للمعلمين في بلدان عربية كثيرة مما يضطر المعلمين في كثير من الأحيان إلى القيام بأعمال أخرى تستنزف طاقاتهم وتجعلهم غير قادرين على إعطاء تلاميذهم الرعاية الكافية. كما يؤثر سلبًا على قدرات المعلمين نقص الإمكانات المتاحة، وسوء المناهج، وظاهرة تكدس الفصول في بعض البلدان العربية ونوعية التدريب الذي تلقوه، فهم في الأغلب تخرجوا من كليات ومعاهد عليا يسود فيها التلقين وقلة التفكير النقدي. هذه العوامل تؤثر بالسلب على قدرات المعلمين وتكبل رغبتهم في التفاعل الخلاق مع تلاميذهم”.

وكما يؤثر الوالدان في أفكار وسلوكيات أبنائهم، كذلك يكون للمعلم الأثر الكبير في صناعة كثير من وعي التلاميذ وسلوكياتهم ونمط تفكيرهم وتفاعلهم، خاصة أن احتكاك المعلم بالتلاميذ هو احتكاك مباشر ويومي، ينقل من خلالها المعلم خبراته وسلوكه للطلبة. لذلك يعتمد كثيرًا ارتباط التلميذ بالمدرسة على علاقته بالمعلم.

فالعلاقة الإيجابية الصحية القائمة على الحب والاحترام التي يوجدها المعلم، تدفع الطفل لحب المدرسة والدراسة، ويعطيه الدافع الكبير لبذل الجهد للتفوق وإحراز رضى معلمه. بل تخلق رابطة إيجابية يلعب فيها المعلم دور المؤثر القدوة، والتلميذ دور المتأثر المقلد لمعلمه،” كاد المعلم أن يكون رسولا”.

وكلما استخدم المعلم أسلوب التعنيف وعدم الاحترام، كلما انعكس ذلك على سلوك الطفل العنيف كرد فعل نفسي عند الطفل، ليحمي به ذاته التي تهان أمام الطلبة من المعلم. وهذا فضلًا عن الأثر الذي يتركه تعنيف المعلم على علاقة الطفل بالدراسة والمدرسة والمادة التي يدرّسها هذا المعلم. فكم من التلاميذ كانوا مبدعين في مواد  علمية معينة، ثم رسبوا فيها والسبب المعلم وأسلوبه ومنهجه.

وكم من طلاب تركوا الدراسة بسبب المعلم الذي يمارس أسلوب تعنيفي قاس مع الطلبة، أثّر بشكل كبير على نفسية الطلبة وراكم في دواخلهم العنف، الذي انعكس على علاقة الطالب بمحيطه الأسري والاجتماعي والمدرسي. فالمعلم بأسلوبه ومنهجه قد يصنع مبدعين علماء، وقد يصنع جنود تابعين ضعفاء فاشلين. لذلك العنف المدرسي الذي يمارسه بعض المعلمين، يعتبر أحد أهم روافد العنف والتطرف في المجتمع.

خاتمة وتوصيات

بعد تشخيص الخلل من زاوية نظر الكاتب، أجد من الضروري وضع مجموعة توصيات علاجية، قد تتيح الفرصة لمعالجة تلك الإشكاليات، ومنها نعالج ظاهرة العنف وأحادية التفكير.

فمن وجهة نظري نحن نحتاج إلى:

 – ترشيد اجتماعي للمقبلين على الزواج، ينمي من وعيهم ويرشد لهم خياراتهم وينبههم على أهمية المؤسسة الزوجية ووظيفة كل من الأم والأب، وخطورة العملية التربوية، ودورهم الكبير فيها.

 – الدفع باتجاه تعديل مناهج التعليم، ليقوم عليها متخصصون قادرين على رفد الطالب بنظم تعليم متطورة، تنمي لديه القدرة على السؤال الحر، وتزيد ثقته بذاته، وتكرس من مبدأ المواطنة والتعايش والتسامح. وتطور قدرته النقدية وجرأته على السؤال، وتثوير الأفكار والفكر الخلاق.

 – تطوير المعلمين بدورات تدريبية عالية في علم النفس التطوري، وآليات التعليم المتطورة، ونظم التواصل الراشد مع التلاميذ. وبطرق تطوير قدرات الطلبة واكتشاف مكامن الإبداع فيهم، هذا فضلًا عن النهوض بمستوى الدخل، شريطة ربطه بنوعية الإنتاج التي يفترض أن تقترن بمخرجات الطلبة من التعليم، وربطها برصيدهم المعرفي وقدرهم على إنتاج المعرفة، حتى يتم تقييم المعلم بشكل دوري بناءً على مخرجات التعليم ومدى القدرة على إنتاج المعرفة التي ترتكز على ثقافة السؤال ومنهج البحث العلمي.

ولا يمكن النهوض في كل ما سبق، إلا بوجود قرار وإرادة حرة تتبناها كل السلطات، وتضع لها ميزانية وأولوية وتعتبرها واجب وطني على الجميع النهوض به.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
المدرسةالتعليمإيمان شمس الدينالأسرةالعنف

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*