النظرة الخصوصية سبيل إلى الإرشاد

النظرة الخصوصية سبيل إلى الإرشاد

ترجمة: خالد كريم        

لقد أصبحت التعددية الدينية أمرًا واقعًا في  هذا العصر  تمامًا كما جاء في سياق بشارة القديس بولس في أوروبا. إلا أنها أصبحت اليوم أمرًا ذات أهمية بالغة وذلك بسبب الحضارة الغربية التي تتجه اليوم أكثر إلى موضوع الحقوق المرتبط بحكومة سياسة رعوية لا ترغب إلحاق الضرر بأي شخص على حساب معتقداته الدينية.

إن التعامل مع هذا الموضوع الثقافي أمر بالغ الأهمية: إن الدفاع عن المسيحية يبدو وكأنه تقليل من شأن الأديان غير المسيحية، وهذا أمر غير مقبول في مجتمع متعدد الحضارات.

بالنسبة لشعوب ذات معتقدات سياسية تحررية، فإن جدول أعمال التعددية الثقافية لا يسمح للأديان أن تدّعي الحقيقة، وذلك لتجنب التباهي والإمبريالية. في الحقيقة يبدو أن هناك مفهوم واسع الانتشار بأن التعددية الدينية يستلزم اعتدالًا أو ادعاءً غير مقبول مبدأ الاستئثار. وفي هذا الإطار فإن جدول أعمال التحرر السياسي يملي بأن تعامل جميع الأديان على أرضية واحدة. وعلى أي حال، فإن هذه تعتبر خطوة صغيرة من هذا الحكم السياسي المتعلق بالاعتدال وهي جزء من التصريح بأن جميع الأديان متساوية في الأساس. ولكن هل هناك سبب يدفعنا باتجاه قبول احترام الأديان الأخرى؟ أو اعتبار أن جميع هذه الأديان تشكل طريقًا صحيحًا يؤدي بنا إلى الخلاص؟

إن مهمتي في هذه المقالة، هي أن أحاول اكتشاف عدد من القضايا التي تتضمن معنى التعددية الدينية وخاصة بما يتعلق بموضوع الخلاص. إن هذا مجال واسع أصبح أكثر أهمية في الوقت الذي أصبح المجتمع الغربي متعدد الحضارات، وحيث إن المسيحية تستمر في التوسع لتعم الحضارات غير المسيحية وخاصة في إطار المحيط الهادئ. ولنعطي هذا الموضوع حقه فمن الضروري أن نأخذ بعين الاعتبار بعض المواضيع الأساسية المتعلقة بالتعددية الدينية قبل اكتشاف الموضوع الأكثر أهمية، ألا وهو موضوع الخلاص.

والآن أريد أن أوضح الأمر من البداية: إنني أعتبر القضايا التي يطرحها من يقول بفكرة التعددية قضايا شرعية وهامة. ولا يمكن وضع هذه الأفكار جانبًا بأي شكل من الأشكال. وأريد أن أؤكد بأن انتقاداتي للتعددية نابع من التساؤلات التي طرحتها هذه الفكرة، ومن توافق أولئك الذين طرحوا هذه الفكرة. وبشكل خاص أريد أن أبدي تقديري للقضايا الإنسانية التي طرحها أصحاب فكرة التعددية، وخاصة ما أظهره هؤلاء من قلق بما يتعلق بالناحية الأخلاقية لأسلوب أصحاب النظرة التخصصية بالنسبة لعملية الخلاص. الديانة المسيحية في الغرب، وخاصة البروتستانتية، قد أخفقت في تقديم الكثير من القضايا التي يطرحها أصحاب فكرة التعددية. أنا أعتبر أن نهوض فكرة التعددية هو محرك أساسي للبدء في مهمة اكتشاف هذه القضايا. هذه القضايا هي في الحقيقة معقدة لدرجة أني أحاول فقط أن أقارب هذه القضايا في هذا الفصل، وبهذا فأنا أمهد الطريق لعمل جوهري في المستقبل.

طبيعة التعددية

يقول نيو بيجن في تعليقه على موضوع “البشارة في المجتمع التعددي”: لقد أصبح معروفًا بأننا نعيش في مجتمع تعددي، وليس مجرد مجتمع فيه تعدد وتنوع الثقافات والأديان وأساليب الحياة المتعلقة بهذا المجتمع، وإنما هو مجتمع تعددي بمعنى أن التعددية هي مجموع أشياء تلقى استحسانًا واحترامًا”.

من هنا، نرى أن نيو بيجن يميز بين التعدددية كواقع والتعددية كأيديولوجية، أي بين الاعتقاد والعمل على تشجيع التعددية، والاعتقاد بأن التعددية أمر يستدعي التصدي له كونه إمبريالي وعدواني.

أما بالنسبة للاعتقاد الأول فلا جدال فيه. فانتشار المسيحية قد استمر في عالم التعددية وكان دائمًا في عملية صراع مع المعتقدات الفكرية والدينية المنافسة. لقد ظهرت البشارة في قالب اليهودية وانتشرت في أوساط المدنية الهيلينية (اليونانية). إن ظهور التعددية لم يطرح تعارض مع نظرية أو نشاط الإنجيلية المسيحية، بل تقربنا كثيرًا من عالم العهد القديم نفسه.

وفي هذا الإطار، يقول السيد ميشال غرين، الإنجيلي الإنجلو – كانديان معلّقًا على الوضع المتعارض مع الكنيسة القديمة كما جاء في كتاب القانون: “إني أرى أن معارضة الناس لإعلان البشارة المسيحية أمر مثير للسخرية هذه الأيام؛ ذلك أن العديد من الأديان الأخرى تتزاحم على عتبة هذا العامل. ما هو الجديد في ذلك؟! لقد كان تعدد الأديان في الزمن القديم أكبر مما هو عليه اليوم. والمسيحيون الأوائل كانوا يدّعون الأولوية بالسيد المسيح مما أدى إلى وجود مشكلة مع الأديان الأخرى منذ البداية. ولكن أسلوبهم كان جيدًا، فهم لم يشجبوا الأديان الأخرى، بل أعلنوا ولاءهم للسيد المسيح بكل قوة من البداية”.

إن إعلان وتعزيز التبشير ضمن مناخ التعدد الديني استمر خلال الانتشار المسيحي كما من خلال انتشار المسيحية في روما الوثنية، وتأسيس كنيسة مار توما في الهند الجنوبية، أو من خلال التزامن بين المسيحية والإسلام في فترة الخلافة الإسلامية. فهذه أمثلة على ظروف كان فيها رجال اللاهوت المسيحيون وعامة المؤمنين من المسيحيين يدركون بأن هناك أديان بديلة عن المسيحية.

إن هذه الفكرة يمكنها أن تكون غائبة عن أذهان الكتّاب الإنجليز والأمريكان في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. فبالنسبة لهؤلاء الكتّاب فإن التعددية قد تعني أمرًا أكثر من مجرد تنوّع في أشكال البروتستانتية، بينما كانت النظرة للأديان الأخرى على أنها حالة توتر قديم بين البروتستانتية والكاثوليكية الرومانية. ولكن الهجرة من القارة الهندية قد غيّر الأمور في إنكلترا، حيث أصبح الإسلام والهندوس وجهان لهوية دينية تمثل الأقليات تمامًا كما اهتزت فرنسا من وجود الإسلام من خلال الهجرة من مستعمراتها السابقة في شمال أفريقيا.

ونتيجة لذلك أصبح اللاهوتيون الغربيون، الذي يتحكمون بعملية الجدال في هذه الأمور، يدركون هذه الأمور، وقد بدأوا يوجهون هذه الأمور التي أصبحت حقائق روتينية في الحياة للمسيحيين في جميع أنحاء العالم.

ولكن الأساليب الدينية للأديان التي انتشرت ضمن المجتمعات المسيحية لم يكن لها أثر على الديانة الغربية.

إن الأساليب المعمول بها مبنية على الافتراضات الغربية، إما بشكل ظاهر وواضح من قبل المتدينين الغربيين، أو بشكل سلبي من قبل الشعوب المثقفة بالمفهوم الغربي، ويستطيع اكتشاف ذلك إذا نظر إلى كلمة دين بعمق أكثر.

ما هو الدين؟

هناك اعتماد كبير على الفئات الغربية بما يتعلق بكلمة دين. يقول السيد جايمس فريزر (1890) في عمله الكلاسيكي والمثير جدًّا للجدل “الغصن الذهبي”: “على الأرجح أنه ليس هناك موضوع تختلف الآراء حوله أكثر من موضوع الدين، ومن الصعب أن يكون هناك تعريف للدين من شأنه إرضاء الجميع”. ولكن يبدو أن هناك إصرارًا ظهر حديثًا يرجع كل الأديان إلى نفس الظاهرة الأساسية.

هناك سؤال فكري يطرح الآن – من الذي يصنع القوانين ويحدد بالتالي ما هو دين وما هو غير دين؟ إن قوانين هذه اللعبة تحدد النتيجة. من يقرر؟ في إطار البحث الغربي الحديث حول الأديان يعتبر الدين بمثابة فئة متوارثة ومتفق عليها. ولكنه ليس في الحقيقة هكذا. يقول “جون ميليانك” في دراسة حديثة مهمة بأن افتراضات التوارث الديني ترتكز إلى الإطار الحديث في المواجهة كحوار، ولكن من الخطأ أن نتصور بأنه ظهر بشكل متزامن بين جميع المشاركين كحقيقة واقعة ومدركة تمامًا. بل على العكس، إنه من الواضح أن الأديان الأخرى قد اعتبرت من قبل المفكرين المسيحيين على أنها نماذج من الدين المتوارث لأن هؤلاء المفكرين قد صنفوا بشكل منهجي الظواهر الثقافية الغريبة ضمن فئات تتضمن المبادئ الغربية بما يؤلف الفكر الديني والممارسة الدينية. هذه التصنيفات الخاطئة كثيرًا ما لقيت قبولًا في الأوساط الدينية الغربية نفسها، والذين هم غير قادرين على مقاومة الصبغة السياسية المنمقة للمقالة الغربية.

لذلك علينا أن نشعر بارتياب شديد حيال الافتراض الساذج بأن الدين هو مقولة واضحة ويمكن تمييزها بشكل واضح عن الحضارة بشكل تام.

والحقيقة بأن الديانة الإغريقية، والكنفوشيوسية، والطاوية والأديان المتعددة والمختلفة الهندية والتي وضعت جميعها تحت عبارة التوارث الديني – الهندوسية، المسيحية، والطوطمية، والأرواحية كلها من الممكن أن تسمّى أديان، وهذا يشير إلى كون هذا خليط من فئات دون التمييز بين شخصية كل منها.

إن الخطوة الأولى في مخاطبة التعددية الدينية هي أن نضع جانبًا مبادئ الدين الذي يعكس تحيّز الحضارة الغربية. ليس هناك مكان في الأديان العالمية لمبدأ التحيّز العرقي للدين الذي يعكس بوضوح الافتراضات الغربية والفهم الخاطئ للظواهر الحضارية غير الغربية. لقد أخفقت الديانة الغربية في تحقيق ذلك. إن نظرة علم الاجتماع كانت أكثر احترامًا لمختلف العقائد والأديان، كما يشير إلى ذلك أنطوني جيدنز، أستاذ علم الاجتماع في جامعة كامبردج، حيث يقول: إن الدين لا يمكن تعريفه بعبارات غربية: أولًا يجب أن لا يُعرّف الدين على أنه التوحيد، فمعظم الأديان تتضمن تعدد الآلهة، وفي بعض الأديان لا يوجد آلهة أبدًا؛ ثانيًا يجب أن لا يُعرّف الدين على أنه مجموعة قوانين وقواعد إنسانية وأخلاقية تتحكم بسلوك المؤمنين؛ ثالثًا أن الدين ليس بالضرورة متعلق بتفسير الوجود؛ ورابعًا يجب أن لا يُعرّف الدين على أنه أمر خارق يتضمن الاعتقاد بالعالم المجرد والغيبي.

وباختصار هناك حاجة لاحترام استقلالية ما سميناها أديان بدلًا من أن نحاول اصطناع تركيبة تختصر جميع هذه الأديان في دين واحد.

إن التعميمات قد تكون نافعة وتسمح لنا فهم الأديان، ومع ذلك فإن هذه التعميمات هي مجرد أوصاف ولا يمكن أن يسمح لها بأن تصبح قواعد تحدد ما هو دين وما هو ليس بدين. إن موضوع التعددية الدينية ككل كان خطأ فكريًّا يحاول دمج جميع الأديان في نفس الإطار. وربما كان أكثر هذه الأفكار عجرفة هو الاستعمال السطحي والنادر لاستعمال عبارة الأديان العليا (السماوية) والتي تشير إلى تلك الأديان التي تعتبر أرقى من غيرها على أساس الإدراك الغربي. إن استعمال هذه العبارة مهين ومسيء للأديان الأخرى وخاصة في صحاري أفريقيا ولذلك يجب التخلي عنها. فهذه العبارات لا معنى لها وهي تنحصر فقط في أولئك الذين لديهم جدول فكري يقضي باختزال الأديان وهذا أمر مسيء وإمبريالي.

احترام الأديان الأخرى

إن النقاش حول مكانة المسيحية بين الأديان العالمية يجب أن يستند إلى أساس الاحترام المتبادل إن كان من طرف المسيحيين اتجاه من هم غير مسيحيين، أو من طرف غير المسيحيين اتجاه المسيحيين. هذا الاحترام يمكن أن يُعبّر عنه من خلال الحوار الذي يُعتبر محاولة من قبل الناس على اختلاف معتقداتهم ليتوصلوا إلى فهم أعمق لبعضهم البعض. ولكن هذا الحوار لا يمكن أن يدور على أساس الافتراض الداعم والذي يعتبر أن كل فئة تقول نفس الشيء. الحوار يتضمن الاحترام ولكنه لا يفترض الاتفاق.

إن التأكيد على الحوار بين الأديان المتعددة يبدو أنه يستند إلى أسلوب الحوار السقراطي. فهذا الأسلوب يفترض أن المشاركين في الحوار يتحدثون أساسًا عن كينونة واحدة يراها كل فريق من زاويته الخاصة. الحوار إذن، يمثّل أسلوبًا يسمح لوجهات النظر المختلفة أن تسهم في خلق إدراك متراكم يتعدى حدود النظرات الجزئية، وبهذا فإنه يسمح لكل المشاركين أن يخرجوا بأفكار أكثر غنى وفعالية. في مضمون الحوار المتبادل بين الأديان يكون الأسلوب التحاوري مشابهًا جدًّا لموضوع الملك والرعية عندما أمروا عددًا من المكفوفين أن يتحسسوا أعضاء مختلفة من جسم الفيل. ولقد كان وصف كل واحد منهم مختلف عن الآخر ظاهريًّا، ولكن جميعهم كان يعطي في وصفه الخاص جزءًا من الحقيقة الكلية. إن كل من وجهات أولئك المكفوفين هي نظرة أصيلة وصحيحة بحد ذاتها ولكنها تبقى غير دقيقة في وصف الحقيقة الكلية التي تمثل هي جزءًا منها فقط. ولكن ما هي أهمية هذا الإطار للنقاش بين أديان العالم؟ في هذا الإطار يقدم لنا السيد نيو بيجن ملاحظة هامة وحيوية جديرة بأن تؤخذ بعين الاعتبار.

إن في هذه القصة الشهيرة، قصة المكفوفين والفيل، نلاحظ أن النقطة الأساسية في القصة هي دائمًا مغفلة. إن القصة نقلت من وجهة نظر الملك وحاشيته الذين هم في الحقيقة ليسوا مكفوفين ولكنهم يستطيعون أن يروا أن هؤلاء المكفوفين غير قادرين على استيعاب الحقيقة الكلية للفيل، وهم فقط قادرون على الحصول على جزء من هذه الحقيقة. إن هذه القصة دائمًا هدفها أن تحايد التأكيد على الأديان الكبيرة، وليتعلم هؤلاء المشاركين في الحوار المتواضع وإدراك أن لا أحد منهم يستطيع أن يمتلك الحقيقة أو جزءًا منها. ولكن بالتأكيد فإن النقطة الأساسية في القصة هي تمامًا على عكس ذلك. إن القصة هذه منقولة على لسان الملك وهي ادعاء متعجرف من قبل شخص يدعي أنه يعرف الحقيقة التي تصب فيها جميع أديان العالم. إنها تدعي معرفة الحقيقة الكلية وهذا يجعل المعرفة بالنسبة لباقي الأديان معرفة نسبية وجزئية.

إن السيد نيو بيجن يشير إلى التعجرف الكامن لكل من هذه الادعاءات القادر على النظر إلى كل الأديان من موقع واحد يرى الحقيقة الكاملة. كي يستطيع الناس أن يدّعوا أنهم يرون الصورة الكبرى بينما يرى المسيحيون والآخرون الجزء فقط فهذا مساو للإمبريالية، إلا إذا كان هناك معرفة عامة مفتوحة للتدقيق والنقد العام.

إن المدخل المتميز للمعرفة الشاملة للحقيقة يلاقي عادة تشكيك قوي، ليس فقط للافتقار الواضح للأسس التجريبية لهذا الادعاء ولضعفه وعدم قدرته على مقاومة البرهان والتكذيب. يتفق الباحثون بشكل عام على أنه ليس هناك موقع متميز تستطيع رؤية الصورة الكبرى من خلاله، إلا إذا كانت الحقيقة الكلية والتي تجعل من كل الادعاءات الأخرى نسبية، قادرة على إثبات نفسها من خلال التحليل التجريبي. إن الادعاء بأن جميع الأديان نوعًا ما تؤلف العناصر المختلفة للحقيقة الكلية أمر غير مبني على قاعدة شرعية. فهي في الحقيقة تمثل فكرة تأملية وغير قابلة للبحث والاختبار.

 

 

الحوار وعدم الاتفاق

من المحتمل تمامًا أن ينخرط المسيحيون في حوار مع غير المسيحيين إن كان هذا الحوار مبني على إقناع ديني أو لم يكن دون الاعتماد على الطريقة السطحية في التفكير أي الطريقة الأبوية في التعامل والتي تعتبر أن جميعنا يقول نفس الشيء. وكما يقول بول غريفاس ودلماس لويس: إنه من المنطقي والعملي بالنسبة لنا كمسيحيين أن نحترم ونوقر من يمثل التقاليد الأخرى طالما ما زلنا نعتقد، وعلى أسس منطقية، أن بعض عناصر من وجهات نظرهم خاطئة.

وعلى عكس أسلوب جون هيكس الأكثر تجانسًا، نرى أن جون. ف. تايلر يلاحظ أن الحوار الدائم بين الفرقاء المختلفين في الآراء والذين يدركون ويحترمون وجهات نظرهم المختلفة والتناقضات والاستثناءات المتبادلة بين طرائق التفكير المختلفة.

الحوار إذًا يتضمن الاحترام وليس الاتفاق بين الفرقاء بالضرورة، وهذا الحوار يدل على استعداد للمغامرة، حيث إن الشخص الآخر من الممكن أن يكون على حق. وإدراك هذه الحقيقة من الممكن أن يؤدي إلى تغير المواقف. فهناك احتمال على سبيل المثال أن مسلم متحرر من الأوهام من الممكن أن يجد أن المفهوم المسيحي للخلاص مناسب أكثر ويجذب الاهتمام أكثر من مفهوم الإسلام عنده، وبالتالي قد يقرر التحول إلى المسيحية. إن هذه الظاهرة والتي تحدث مرارًا وباتجاهات مختلفة في العالم يجب أن تتجسد في أي محاولة لفهم التعددية الدينية.

إن الحوار هو ذات أهمية من حيث إنه يعزّز فهمنا للأديان الأخرى من ناحية، ولأنه يمثل المنبّه والموقظ من السبات من ناحية أخرى ويجعلنا نعيد تقييم فهمنا لديننا بإجبارنا على تفحّص النواحي المختلفة على ضوء مصادره الأساسية. إن أحد اهتماماتي متعلق بتطور العقيدة المسيحية. لقد لاحظت مدى أهمية التطور المذهبي بما يتعلق بالحوار مع الأديان غير المسيحية. ولكن هذا لا يعني أني أعتبر أن بعض العقائد المسيحية هي رد فعل أو استجابة للضغوطات غير المسيحية، بل أقول كحقيقة واضحة بأن الحوار مع غير المسيحيين من الممكن أن يعطينا محرّكًا للمسيحيين لإعادة تفحص وجهات النظر المتمسك بها منذ زمن طويل والتي تظهر بأنها تستند على أسس غير صحيحة.

إن الحوار هو آلية ضغط تجبر المسيحيين لإعادة اختبار أسسهم العقائدية ليؤكدوا بذلك أنهم أوفياء لما يزعمون. إن البروتستانتية يجب أن تخضع لمبدأ أن الإصلاح الكنسي هو إصلاح دائم وثابت، والحوار هو أمر يضغط دائمًا باتجاه تأمين هذه العملية الإصلاحية بشكل مستمر. إن هذا الحوار هو بمثابة وقاء من الغرور والكسل، وهو باعث للعودة إلى الإيمان بدل البقاء على التفسيرات الجارية أو المعمول بها.

إن النقاشات حول التعددية الدينية قد أعيقت كثيرًا بسبب بعض الناس ذوي النية الحسنة، ولكنها ذات عقلية زائفة منغلقة على فكرة تقول إن جميعنا يقول نفس الشيء في كل العالم هذا المفهوم يلغي الفرق بين الأديان ليبني نظرية مصطنعة تتعلق بالطبقة العامة. إن هذا الإلغاء المتعمد للفروقات بين الأديان هو غير مقبول أكاديميًّا. إن هذا التهرب غير محتمل من قبل أولئك الذي يهتمون بصنع العدالة اتجاه أديان العالم وبعكس ما ينظر إليه أتباع هذه الأديان الذين تنبثق أفكارهم من النصوص المصطنعة لهذه الأديان، والتي تنبثق من النزعات المتجانسة للباحثين في الدين.

في دراسة هامة وحديثة يقول السيد يال ثيو لوجيان كاثرين تانر بأن الديانة المتعددة المتحررة قد استسلمت “للنقاش الاستعماري”. إن أي محاولة لإظهار أن الأديان جميعها تنحصر في نفس المصادر الماورائية أو محاولة التقليل من الفروقات من أجل إظهار تنميق نظري، هي في الواقع محاولة غير مقبولة.

إن التعميم الذي تلجأ إليه الأديان المتعددة، أمر يصطدم بفكرة الحوار الأساسي من حيث إن هذه التعميمات قد تسيء الحكم على النتائج. إن التعميمات والتي يجب أن تبنى من خلال عملية الحوار، هي في الواقع مكونة من قبل التعدديين مسبقًا لتخدم افتراضات هذا الحوار.

فالتعدديون يحصرون أنفسهم ويهتمون بما سيقوله أتباع الأديان الأخرى حول تفسيراتهم لهذه التعميمات. علاوة على ذلك فإن تركيز التعدديين على التعميمات يهمل الفروقات بين أديان العالم. إن إصرار التعدديين على وجود مبادئ عامة بين الأديان كشرط للحوار يظهر عدم الرغبة في إدراك عمق ودرجة الخلاف بين الأديان أو أهمية هذه الفروقات الإيجابية.

بالإضافة إلى ذلك يحاول تانر التأكيد على أن التعدديين يخفون بعض الجزئيات في مفهومهم بادعائهم أنهم يحاولون إيجاد تعميمات بين أديان العالم. وبالإضافة إلى أن هذا غير صحيح، يقول تانر: إن هذا الأسلوب يجعل المنظرين التعدديين قريبين جدًّا إلى الاستبدادية والتي هي جزء مما يريدون أن يتجنبوه في مشروعهم.

من الواضح أن الخلافات موجودة بين أديان العالم إن كان ذلك من خلال النظرة إلى التفسيرات التاريخية، أو من خلال الطرح العقائدي. إن العهد الجديد يؤكد على أن المسيح قد مات على الصليب. والقرآن يؤكد أنه لم يمت على الصليب. فهذه حالة بسيطة على وجود خلاف حول مسألة مهمة في التاريخ. أيضًا هناك من يعتقد بتقمص الأرواح، وآخرون ينكرون ذلك. وهذا أيضًا يظهر حالة خلافية في ادعاء الحقيقة، وإنكار هذه الحقيقة يذهب بالبعض إلى حد الابتعاد عن النقاش المنطقي ويظهر نوعًا من العناد الفظ. إن الخلاف الصادق في وجهات النظر ليس خطيئة، وأكثر من ذلك، فإن الرغبة في إدراك هذه الخلافات من شأنه أن يلغي عملية النقد الأساسية بين المتحاورين.

لنأخذ بعين الاعتبار الحوار الذي جرى بين اليهود والمسيحيين والذي شاركت به شخصيًّا. في دراسة حديثة يقول الكاتب اليهودي المميز يعقوب نيوزنر: إنه ليس هناك من حوار يهودي – مسيحي بمعنى العقيدة الأساسية لكل دين، ففكرة تجسيد المسيح عند المسيحيين، وفكرة النداء المقدس لإسرائيل عند اليهود هي أفكار قد أسقطت من قبل أولئك المنخرطين في عملية الحوار. ثم يسأل يعقوب نيوزنر إذا ما كان هذا حوار حقيقي وإذا ما كان هناك فشل في مواجهة هذه الخلافات الواضحة. فلماذا يحاول إذًا المتحاورون إيجاد نقاط اتفاق ويتجاهلون الخلافات الأساسية؟

فمن ناحية نرى أن الجواب على هذا السؤال بسيط: إن النقطة الأساسية في مثل هذا الحوار هو أنه عادة يبني تعميمات من أجل تعزيز الفهم المتبادل والاحترام في عالم عصري يستقطب الأطراف، ويظهر أن الخلافات الدينية ذات أهمية سياسية جوهرية. ولكن هذا الهدف الجدير بالاحترام له جانب أكثر سلبية. وكل هذا يؤدي إلى الكبت المتعمد للخلافات في اهتمامات كل من الأطراف. إنه من المناسب اعتبار أديان العالم على أنها مختلفة فيما بينها في قضايا، منها: العقائد. إن العقيدة المسيحية تعتبر أن الوحي الإلهي قد تجسد في عيسى المسيح، والإسلام يعتبر أن الوحي الإلهي قد تجسد من خلال محمد (ص). ومع أن كلًّا من العقيدتين تقرّان بفكرة الوحي الإلهي إلا أن كل من العقيدتين تختلفان على إطار ومضمون هذا الوحي. المسيحيون يصرّون على أن المسيح قد صُلب، والمسلمون يصرون على أنه لم يصلب. على أي حال علينا احترام هذه الخلافات. فهذا يذكرنا أن المسلمين ليسوا مسيحيين والعكس صحيح. فإذا كان المؤمن من أي الطرفين يؤمن فعلًا بأمر ما، فالخلاف يكون أمرًا مسلّمًا به ومناسب، كما يؤكد الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي حيث يقول لا أحد سوى الشخص المبتدئ والمتعاون يعتقد حقًّا أن أي رأيين متضاربين حول موضوع مريم هما في الحقيقة جيدين.

ليس من الجرم أن لا نتفق مع الآخرين، إنما من غير المناسب أن نحاول كبت أو إلغاء هذه الخلافات على حساب معتقدات سابقة. لقد كتب جورج ليندبك عن النزعة التحررية لإيجاد تجانس بين الأشياء قائلًا: “إن أسلوبي هو احترام وتقدير الخلافات الأصيلة والبحث في معاني ومفاهيم هذه الخلافات”. ليس هناك مكان للخداع الفكري الذي يرفض أن يُقر مثلًا بأن المسيحيين يعبدون ويؤلهون عيسى المسيح كإله ومخلّص، بينما يعتبر المسلمون بأن القرآن هو كلمة الله المنزلة على نبيه محمد (ص). كلا الدينين ملتزمان بالتبشير والهداية وكل دين يعتبر أنه هو الدين الصحيح. بالنسبة للإسلام فهو يعتبر أن المسيحية مختلفة وخطأ.

النظرة الخصوصية للأديان وفكرة الخلاص

فإذًا ما هو الطريق الذي يجب أن تتبناها الأديان للوصول إلى الخلاص المسيحي ضمن الوضع الديني العالمي؟ إن النقطة الأساسية نقطة البداية الأساسية هي فكرة الخلاص ذاتها، إن فكرة الخلاص المسيحية هي في الحقيقة معقدة جدًّا. إن الصور الأساسية في العهد الجديد والتي تتحكم بالعناصر المختلفة المتعلقة بهذا الموضوع تتضمن عبارات ومفاهيم مستنبطة من علاقات شخصية وأمور شرعية وتحولات أخلاقية. ولكن في إطار هذا الاختلاف الكبير في مفاهيم طبيعة الخلاص، هناك عامل ثابت في هذه المسألة أن الخلاص يجب أن يفهم على أساس حياة وموت وبعث يسوع المسيح. إن عملية الخلاص هي احتمال فقط بما يتعلق بالسيد المسيح.

إن المسيحيين القدماء، لم يترددوا عن استعمال عبارة المخلص والتي تدل على السيد المسيح، رغم الحقيقة بأن هذه العبارة قد استعملت بشكل واسع ضمن الإطار الديني العام، حيث ظهرت البشارة منذ البداية. أما بالنسبة لكتاب العهد الجديد، فهم يعتبرون المسيح المخلص الوحيد للإنسانية وعلى أساس الدليل المتوفر في العهد الجديد، فإن هذا يبدو استنتاجًا مناسبًا وضروريًّا. إن الدليل المتعلق بالمسيح كان بحاجة لتفسير في هذا الاتجاه – أي اتجاه الخلاص – وهذا ما حصل فعلًا.

إن هذا لا يعني على أي حال، أن المسيحيين الأوائل قد اعتقدوا بأن عيسى المسيح مخلّص يحمل فكرة الخلاص مثل من سبقه من الرسل، وكانوا يحملون اسم المخلص. في الديانة الإغريقية الكلاسيكية “بوزيدون”، “ديوز كيروري” هؤلاء كلاهما كانا يعتبران مخلصين ومع ذلك، فإن الخلاص الذي هو موضوع بحثنا، يبدو انبثق من واقع مرحلي خطير أكثر ما هو نابع من فكرة الإنقاذ أو الخلاص الأبدي. فإذًا إن العهد الجديد يؤكد على فكرة تجسد الله في يسوع المسيح أن المفهوم المسيحي القديم والمبني على العهد الجديد، أيضًا أكّد على هذه الخصوصية. ومع أن المسيحيين الأوائل اقرّوا بأن الوحي الإلهي كان يذهب إلى أبعد من يسوع المسيح إلى حدّ أن الله أظهر نفسه في أبعاد مختلفة، ومن خلال وسائل طبيعية متعلقة بنظام الخلق والضمير الإنساني والحضاري إلا أن هذه المعرفة العامة لله، لم تكن مفهومة على أنها فكرة الخلاص العام. “جون كالفين” ذكر الأساليب المختلفة لمعرفة الله الخالق ومعرفة الله الفادي، فالمفهوم الأول كان مفهومه بشكل عام لدى الجميع من خلال الطبيعة وبطريقة أوضح من خلال الكتاب المقدس، أما الفكرة الثانية والتي تعتبر وحدها مكونًا أو مؤلفًا أو مفسّرًا للمعرفة المسيحية بالله، فهذه عرفت عن طريق المسيح كما هو ظاهر في الكتاب المقدس، لذلك، كالفن لم يكن لديه مشكلة بأن يفهم أن كل من اليهود والمسلمين كان لديهم معرفة بالله الخالق بينما نرى أن النظرة التخصصية المميزة للمسيحيين لمعرفة الله هي متعلقة بمعرفته كفادي أكثر مما هو خالق.

هنا كالفن يعبر عن مفهوم قديم في الديانة المسيحية، ذلك أن معرفة الله، يمكن أن تكون موجودة خارج إطار المفهوم المسيحي. إن وضع كالفن أصبح مرسخًا أكثر ضمن المفهوم الجديد رغم التحدي العنيف لكارل بارث الذي كان يصر على أن معرفة الله متوفرة ويمكن الوصول إليها خارج إطار المسيح، ومن هنا فكرة الانتقال من فكرة المركزية المسيحية إلى فكرة الآحادية المسيحية. إن الفكرة أو الاعتقاد القوي بالديانة الطبيعية ضمن المفهوم الإصلاحي تشير إلى عقيدة مبنية أساسًا على الكتاب المقدس، وتقول بأن الله لم يترك نفسه من دون شهود في هذا العالم، إن كان في الطبيعة ذاتها وفي الفلسفة الكلاسيكية أو في أديان أخرى، مثال على ذلك Romans 32:18:1 تتضمن بوضوح الوحي المقدس كظاهرة إنسانية فكرية وتجربة كانت سابقة لمجيء المسيح، وتشير بأن هذا يمكن أن يعتبر تحضير للبشارة ذاتها.

نفس المبدأ العام هذا موجود في الدوغمائية اللوثرية، وعادة وردت في عبارات تميز بين الإله (Dios absconditus) و (Dios revelatus). وكما يعبر عن هذا كارل برايتن حيث يقول: إن الديانة اللوثرية تؤكد على إظهار لله ذات وجهين: أولًا من خلال الله الخفي للخلق وللقانون (Dios absconditus)، ومن خلال الله الظاهر من خلال البشارة (Dios revelatus). إن أسلوبًا متشابه لهذا نراه مرتبطًا بمؤتمر الفاتيكان الثاني، وهذا يسمح بمعرفة الله خارج إطار المجتمع المسيحي خصوصًا وما هو بشيء جديد أو خلافي، ما هو إلا إعادة لمفهوم قديم.

على أي حال هناك تصحيحات يجب إضافتها:

أولًا: المفهوم المسيحي يقدم شاهدًا لفهم خاص لله ولا يمكن أن يختلط هذا المفهوم في المفاهيم الأخرى الموجودة في أديان أخرى. لنقول بأن أمرًا ما يمكن أن يعرف عن الله في أديان غير مسيحية هذا لا يعني أننا نقول إن كل عنصر في مفهوم هذه الأديان عن الله منسجم بالضرورة مع المسيحية، ولا يعني أيضًا أن كل عنصر من المفهوم المسيحي عن الله يجب أن يكون ورد في الديانات الأخرى. إنما نتحدث هنا عن نقاط تماس، ولا نتحدث عن هوية ولا عن اتفاق ثابت وأساسي.

ثانيًا: في المفهوم المسيحي المعرفة الفكرية أو الحقائقية لله، لا تعتبر مختلفة بحدّ ذاتها. وكما أشار “سورين كريغارد” في كتابه “النص غير العلمي والاستنتاجي” أنه من الممكن تمامًا أن نعرف عن المفهوم المسيحي لله دون أن نكون مسيحيين بالضرورة. إن معرفة الله هي شيء والخلاص هو شيء آخر، أن نقر بأن شيئًا ما يمكن أن يعرف عن الله في الأديان غير المسيحية هو أن نضمن فكرة أن الخلاص في المفهوم المسيحي ليست موجودة في هذه الأديان.

ثالثًا: وأبعد من ذلك، إن فكرة الخلاص تختلف من دين إلى آخر. ففي الأديان القومية في غرب أفريقيا مثلًا قابل للإدراك فليس هناك عنصر غيبي قابل للإدراك في فكرتهم عن الخلاص. وأيضًا إن التعاطي الكسول في الترجمات الإنكليزية في الكتابات الدينية الأخرى خاصة في الهند والصين قد بعث على الافتراض بأن كل الأديان تشترك في نفس الأفكار العامة عن الخلاص. في الحقيقة إن العبارة الإنكليزية للخلاص تستعمل عادة لتترجم العبارات السنسكرتية والصينية بمفاهيم مختلفة كليًّا عن المفهوم المسيحي. هذه الانحرافات هي مموهة بعملية الترجمة والتي توحي مرارًا إلى انحراف غير موجود. لذلك هذه النقاط مهمة جدًّا للاكتشاف والبحث.

المفهوم المسيحي للرب

لقد مرت فترة حيث كان هناك تعاطفًا مع فكرة أن التفاهم المتبادل بين أديان العالم كان من الممكن أن يتعزز لو قبل المسيحيون بنوع من الثورة الكوبرنيكية حيث يتوقف المسيحيون عن اعتبار عيسى المسيح ذات أهمية مركزية، وأن يفكروا بدل ذلك بالله فقط؛ ذلك أن فكرة التركيز على الرب أنجح من التركيز على المسيح.

في المحصلة، إن النظرة الآن لتقديس المسيح كحاجز جدّي للتفاهم بين الأديان بمعنى أن القرآن هو أيضًا حاجز، هذان الأمران مكملان للديانتين الإسلامية والمسيحية وأن نلغي هذين الأمرين، هذا يعني أننا غيرنا الأديان، وبهذا نكون قد ساعدنا في تدمير وتحطيم المصالحة بين الديانتين، وهذا ممكن أن يكون احتمالًا فرضيًّا في غرف الدرس الأكاديمية، بينما في العالم الواقعي علينا أن نتعلم أن نعيش ضمن صراعات قائمة على مميزات مختلفة في كلتا الديانتين بدل من أن نحاول التلطيف من هذه الخلافات. ليست الأديان موضوع صياغة يقوم بها أصحاب الأيديولوجية التعددية، وإنما هي في الواقع حقائق حية قائمة تتطلب منا الاحترام.

إنها مسألة بسيطة أن الديانة المسيحية التقليدية تقاوم بشدة فكرة التعدديين الذين يعملون على إظهار التجانس بين الأديان وذلك على حساب القدسية المسيحية. إن الإيحاء بأن كل الأديان تتحدث بشكل أو بآخر عن فكرة الله الغامضة، تجد نفسها هذه الأديان في مأزق فيما يتعلق في بعض الأفكار التي هي بالأساس مسيحية، وعلى وجه الخصوص مبدأي الثالوث القدسي والتجسد. مثلًا إذا كان الله المتجسد بالمسيح كمبدأ مقدس يؤكّد بعبارات غير متقاربة، فإذًا شخصية المسيح التاريخية مع الشاهد المقدس – إنجيل – يصبح ذات أهمية أساسية للديانة المسيحية. إن هذه المبادئ المميزة هي بالواقع مربكة لأولئك الذين يرغبون بفضح ما يعبرون عنه (الديانة المسيحية أو اللاهوت المسيحي الفريد)، والذين يتابعون مطلبهم بأن تكون المسيحية قادرة على التخلي عن مبادئ معينة مثل التجسد والذي يتضمن وجهًا ساميًا في التعريف بين عيسى المسيح والله. وهذا في مصلحة علم المسيحيات إلى حد ما، والذي هو قابل للتعديل لفكرة التحررية. وفي نفس الطريقة إن فكرة الله هي في أي معنى واضح أو معرف بمفهوم المسيحية ممكن وضعه جانبًا بناء على التفسيرات اللاهوتية المرحلية المتعلقة بهوية وأهمية عيسى المسيح والتي يجدها التعدديون التحرريون أمرًا مربكًا. لذلك لنأخذ بعين الاعتبار هاتين النقطتين ونرى ما هما.

أولًا: إن فكرة التجسيد مرفوضة عادة كأمر لاهوتي، لذلك، نرى أن جون هيك وشركاؤه يرفضون التجسد بناءً على مقاييس منطقية، ومع ذلك فهم يخفقون في بحث مسألة وهي لماذا على المسيحيين تعزيز هذا المبدأ في المقام الأول. يبدو أن هناك برنامج عمل يحاول استئصال وإلغاء فكرة المسيحية المتميزة في هذه النقطة. إذًا هناك تمييز حاد بين شخصية المسيح التاريخية والمبادئ التي يمثلها. بول كريتر واحد من مجموعة التعدديين والذي اهتم بوضع إسفين بين المسيح كحدث والذي هو نموذج خاص بالمسيحية، وبين المسيح المبدأ والذي هو مدخل لكل العقائد الدينية المعبر عنها بخاصية مميزة، وكلا الأمرين صحيح.

إنه من المهم أن برنامج التعدديين يجبر أتباعه على تبني وجهات نظر المسيح المتوارثة ليلبوا احتياجات هذا البرنامج، وبمحاولة لوضع عيسى المسيح في قالب معلمي الإنسانية العظماء. نرى أن الهرطقة الإبنوسية أعيد إحياؤها وأصبحت سياسيًّا صحيحة. إن عيسى المسيح واحد من الخيارات الدينية التي أصبحت متوفرة بواسطة معلمي الأديان العظماء. فإذًا هو واحد من الصبيان إذا صح أن نعتبر هذه العبارة اليكوشيرية.

ثانيًا: إن الفكرة القائلة بأن الله هو بطريقة ما معروف من خلال المسيح قد ألغيت، إن التعدديين والذين أسرتهم صورة الثورة الكوبرنيكية والتي هي عبارة مضللة في الكتابات الحديثة في هذا المجال يتطلبون بأن المسيحيين عليهم الابتعاد عن البحث في المسيح ويهتمون بالبحث بالله، ومع ذلك نراهم يخفقون في إدراك أن رب المسيحيين يمكن أن يكون مختلف عن غيره من القدسيات، وأن فكرة الثالوث المقدّس توضح طبيعة هذا التمييز. وكما جادل روبرت جنسون بطريقة مقنعة فكرة اللاهوت المقدس واعتبرها محاولة لتعريف هذا الإله ولتجنب التصادم مع المدعين المنافسين لهذا اللقب. إن هذا المبدأ يعرف ويدافع عن خصوصية التميّز الكلي لإله المسيحيين.

هذه النقطة ذات أهمية عالية. معظم التعدديين الغربيين يعملون بمفهوم الله ضمن المفهوم المسيحي لذات الله وشكله إذا كان هذا واضحًا ومعلنًا أم لا. مثلًا هم يستجيبون مرارًا لفكرة الله المحب والمبارك، مع أن هذا مفهوم مسيحي ومميز لله مرتبط مباشرة بعيسى المسيح فليس هناك شيء ما متعلق بفكرة كانط عن الله والتي هي فكرة منطقية وهي مستقلة عن الحضارة وفطرية، هي في الواقع مرتكزة على الدين وقد تشكلت هذه الفكرة بشكل عميق بالافتراضات المسيحية غير المعلنة والتي هي متأصلة في منشئه الاجتماعي. وكما يشير جافن دو كوستا إلى مفهوم جون هيك عن الله والذي يلعب دورًا مهمًّا في وجهة نظره عن التعددية. هذا المفهوم الذي تشكل من اعتبارات مسيحية لاهوتية وبصرف النظر إذا كان هو يدرك ذلك، أو إذا كان مستعدًّا لإعلان ذلك. وهنا يتساءل كانط عن مدى تيقن هيك من طرح فكرة الله المخلص لكافة الخلق إن لم يكن قد أسس فكرته هذه من خلال وحي الله المتجسد في المسيح، وهذا يعيد فكرة اللاهوت المسيحي للبحث على مسرح الأحداث.

لقد وضع التعدديون إسفينًا بين المسيح والله، وكأنهم كانوا مضطرين لأن يختاروا بين واحد والآخر – أي بين المسيح والله – إذا افترضنا أن الله موضوع البحث – مشترك بين كل المفاهيم الدينية فإن المؤشر يتراوح باتجاه الأسلوب اللاهوتي. وفي النتيجة فإن القدسية المسيحية عند التعدديين تصبح ذات أهمية بسيطة جدًّا. إن الحد الأدنى للقدسية المسيحية ضمن المفهوم المسيحي هي فقط مقبولة في الفترة الحديثة. إن الحقيقة الغامضة بأن القدسية المسيحية كانت قد رفضت باعتبارها هرطقة من قبل الكنيسة القديمة هي أمر متجاهل. فإذا كان لدى التعدديين مصدر معصوم للمعرفة عن الطبيعة وعن أهداف الله بعيدًا عن المسيح، فإذن ما هي قيمة البشارة؟ وما هو هذا الإله الذي يمكن معرفته بمعزل عن المسيح؟ هل نحن الآن نتحدث عن الله وأب سيدنا المسيح (1 Peter 1:3)، أو عن ألوهية مختلفة؟ إن فكرة الله من الممكن اعتبارها مسيحية فقط إذا كانت خاضعة لمقياس معرفة الله من خلال عيسى المسيح، وكما هو معروف بالنسبة لنا من خلال الكتاب المقدس.

والآن ما علاقة هذه النقطة بموضوع بحثنا؟

إن المفهوم المسيحي للخلاص يتضمن علاقة متبدلة مع الله إنْ كان ذلك يفهم على صعيد شخصي أو جوهري أو أخلاقي أو شرعي. ولكن عن أي إله نحن الآن نتحدث؟ إن كتّاب العهد القديم كانوا واضحين بأن عملية الخلاص كما فهموها لم تكن عن علاقة جديدة مع أي من آلهة الكنعانيين أو الفلسطينيين القدماء أو الآشوريين، وإنما عن إله واحد – هل إله إسرائيل والذي كانوا يعرفونه من خلال لقب خاص به وهو السيد أو (يهوا) بالنسبة للمسيحية، فإن فكرة الخلاص ترتكز بشكل ظاهر على علاقة تترسخ مع الزمن وتكتمل إلى أبعد من الزمن – وحيث إنه ليس هناك أحد غير الله – الله – وأب سيدنا عيسى المسيح. ولذلك نحن نبحث في فكرة خصوصية جدًّا عن الخلاص وكما سأوضح ذلك لاحقًا.

مكانة عيسى المسيح في عملية الخلاص

لقد أشرنا إلى أهمية عيسى المسيح في المفهوم المسيحي لله وإلى ميل التعدديين والذي يتلخص، كما يشير هارفي كوكس، إلى تلطيف شخصية المسيح نفسه. بالنسبة لكوكس فإن أفضل طريقة بالنسبة للمسيحيين إذا أرادوا الانخراط في حوار ديني هو أن ينطلقوا من إدراك أن المسيح هو أكثر العناصر المسيحية خصوصية.

وهنا يؤكد كوكس بأننا يجب أن ننطلق دائمًا من شيء مادي ملموس وتاريخي بدل أن نبدأ بشيء مجرد. وبالنسبة للمسيحيين فإن عيسى المسيح هو ذلك العنصر المادي والذي له خصوصية، لذلك فإن اللاهوت المسيحي والروحية المسيحية والعيادة المسيحية هي مرتكزة على المسيح.

إن العهد الجديد الذي يُعبّر ويشرّع هذا التركيز على المسيح لا يعتبر بأن المسيح هو مجرد تعبير عن الخلاص المقدس والذي من الممكن أن يوجد بشكل آخر. إن المسيح هو عنصر مقوّم أساسي لذلك الخلاص. بالنسبة للمفهوم المسيحي فالمسيح هو أكثر من مجرد رسول، بل هو رسول ومخلّص في نفس الوقت. فإذن التعدديين هنا لديهم عدد من الخيارات بدءًا من الإعلان بأن العهد الجديد ممكن أن يكون خاطئًا في هذه المسألة، وصولًا إلى الإيحاء بأن هذه التأكيدات من الممكن أن تكون صحيحة بالنسبة للمسيحيين ولكن ليس لها قوة التغيير خارج إطار الحدود الكنسية، ومع ذلك فإن العهد الجديد يعتبر بشكل واضح أن السيد المسيح مخلص للعالم وليس فقط للمسيحيين، وبهذا فهم يشيرون إلى أهمية هذه الشخصية كمخلص على نطاق عالمي.

طبيعة الخلاص

لقد بحث جون هيك في دراسة مهمة قائلًا: إن هناك بنية محورية عامة لكل الأديان والتي هي متشابهة بالأساس وتعرض إطارًا لاهوتيًّا للخلاص. وبما معناه أن كل الأديان تهتم بالخلاص والتحرر والتنوير وبلوغ المراد. ولكن من الواضح أن هذه المفاهيم عن الخلاص هي مختلفة راديكاليًّا وتتحقق بطرق مختلفة وفقط الشخص المصمم بشكل عنيد والذي يعتبر كل هذه الاتجاهات على أنها نابعة من المبدأ الكلي لا بدّ أن يتحلى بمرونة فكرية كافية ليقوم بهذا العمل. هل المسيحية والشيطانية كلاهما يمتلكان نفس المفهوم للخلاص؟ إن معارفي من أتباع الشيطانية لا يعتقدون ذلك. إن الشيطانية تقرّ بأنه يوجد إله ولكنهم اختاروا عبادة نقيض هذا الإله. في الحقيقة إن هذه الفكرة الازدواجية لا تنذر بالخير لنظرية التعدديين للأديان.

إن المراقب المحايد والمتحرر من ضرورة الإصرار بأن كل الأديان هي في الأساس واحدة، من الممكن أن يقترح بأن هذه الأديان ليست هي مجرد طرائق مختلفة لتحقيق مفهوم الخلاص، بل هي مجرد طرائق مختلفة كليًّا وأساسًا. إن رؤية راستافاريوRastafariau للجنة التي يخدم فيها البيض السود، فكرة هوميروس عن الجحيم، المفهوم الإسكندنافي لحجرة الخلود أو دار الخلود، والرؤية البوذية للسعادة القصوى والتي تتحقق من خلال إماتة ملذات النفس، والأمل المسيحي في البعث وحياة الخلود كلها مختلفة بشكل واضح، فإذن كيف نعتبر كل الطرق إلى الخلاص صحيحة في الوقت الذي نرى فيه أن الأهداف مختلفة تمامًا؟

فإذا نظرنا إلى الاختلافات المتعددة ضمن الأديان حول طبيعة الخلاص، نرى أن المفاهيم المسيحية للخلاص تركز على بناء علاقة بين الله – في المفهوم المسيحي للكلمة -ومخلوقاته من البشر ويستعملون صورًا عن الخلاص ترتكز على موضوع (الخلاص في ومن خلال المسيح)، وبمعنى آخر فإن الخلاص هو أمر ممكن ومحتمل فقط إذا أخذنا في الاعتبار حياة وموت وبعث عيسى المسيح.

وبرغم التشعبات الكبيرة بين الأديان حول موضوع وطبيعة تحقيق هذا الخلاص إلا أن هناك نقاط متشابهة. فمثلًا التمييز بين “خلاص القطط”، “وخلاص القرود” فمن المفهوم الهندوسي هو دون شك مؤسس على مبدأ النعمة الإلهية. النمرة الأم تحمل صغارها بينما صغار القرود هم يتعلقون بأمهاتهم. وهذا يشير إلى الاختلاف في الأديان على النعمة الإلهية. ولكن هذا التمييز لا يوجد في أي من الوثائق الأساسية في الهندوسية بداية من vedic period المرحلة الفيدية (الهندوسية) (2000- 600 ق.م) حيث نرى تركيبة بين ديانة الآريين (الهنود) والتي تتضمن الإشراك بالله وتقديم القرابين، والمؤمنين بوحدة الوجود (Pantheistic Monism of Vpaniahad) ولا حتى خلال الفترة (Pantheistic period). فلقد ظهرت في فترة الأسطورة الهندية period  Puranic  (1200-300 ب.م) حيث كانت خلال هذه الفترة أشكال الديانة المسيحية السورية مقرّة في الأديان في المناطق الجنوبية في الهند، وهي مرتبطة مباشرة بالسيد Ramanuja  Si-  في القرون الوسطى (1050- 1137). لذلك فإن خلاص القطط يمثل تشابهًا موروثًا بين الهندوسية والمسيحية، أو تمثل الميل إلى بعض الكتّاب الهندوسيين الذي اقتبسوا أفكارًا من المسيحية. وللأسف فإن السؤال هذا لا تتوفر لدينا المعلومات للإجابة عليه لعدم توفر عناصر فكرية عن أديان تلك المرحلة من التاريخ. ولكنه سؤال يجب أن يُطرح. إن التشابه يعكس أن هناك اقتباس ولكنه ليس من الضرورة أن يعكس تلك الاقتباسات نوع من الاختلاف. إن النزعة السنسكريتية القوية في الديانة الهندوسية ملاحظة بشكل واضح وربما تكون هذه الأفكار مسيحية في أساسها.

إن الخلافات في مفهوم الخلاص تنعكس أيضًا في عبادات المجتمعات الدينية. أولئك المؤمنون بالفكرة البوذية للخلاص من الصعب أن يصبحوا مسيحيين، وذلك لأن اللاهوت المسيحي والديانة والصلاة المسيحية تعكس معتقدات خصوصية متعلقة بشخص وعمل عيسى المسيح. إن العبادة المسيحية تعكس معتقدات متعلقة بطبيعة الخلاص والمخلّص. لقد أكّد جيوفري واينرايت وغيره على الطريقة التي تكوّن فيها اللاهوت وتسبيحة الشكر لله مرتبطان بقوة، وبهذا هم يجعلون هذا الأمر من المستحيل أن ينفصلا عن بعض، مثلًا إن الفكرة البوذية للخلاص قريبة من العبادة المسيحية، وفي نص آخر يتعلق بهذا الأمر أن يستمر المسلمون في شكهم في تعريف ومفهوم تطبيق العبادة المسيحية لعيسى المسيح. هم يعلنون أن عيسى هو ابن الله وينظرون إليه كبدعة من البدع.

وإذا أخذنا هذه النقاط بعين الاعتبار علينا توجيه السؤال التالي، هل يمكن لعملية الخلاص أن تتم خارج إطار المسيحية؟ كنتيجة لكتابات “كودفيك ودجنستن” علماء اللاهوت أكثر تحسسًا، ويحتاجون لإقرار النص التي استعملت فيه الكلمات، بالنسبة لـ “وجنستن” فهو يرى أن كل الحياة (حياة المسيح) لها أهمية قصوى في إظهار معناها، ومع ذلك فإن كلمة الخلاص استعملت مرارًا بطريقة غير دقيقة، بالنسبة لـ”ودجنستن” إن خصوصيات طريقة الحياة مهمة جدًّا لمفاهيمنا. هل من الصحيح أن نقول إن مفاهيمنا تعكس حياتنا؟ الجواب أن هذه المفاهيم تقف في منتصف الحياة.

فإذًا، إن شكل العيش أو الحياة المسيحية له أهمية بالغة لنعرف مفهوم المسيحيين عن الخلاص، وما يتضمن، وما هي أهداف هذا الخلاص، وكما يشير “ودجنستن” نفسه بأن نفس هذه الكلمة من الممكن أن تستعمل بتعدد من المعاني، ولنعالج هذا الأمر علينا أن نبتدع مفردات جديدة، حيث تكون كل كلمة محددة المعنى، ولكن هذا خيار ليس حقيقي. إن اللغات كالأديان هي كل حي ومنسجم ولا يمكن استعمالها بطريقة مصطنعة. إن الطريقة المقبولة والممكنة ودائمًا حسب “ودجستن” هو أن نحتمل المشقة لنحدد المعنى الصحيح للكلمة وكيف يجب أن تفهم لنتجنب التشويش، وهذا يتضمن دراسة متعمقة لمرادفات هذه الكلمة واشتقاقاتها ومعانيها المختلفة واستعمالها بالشكل الصحيح. إن الخلاص هو حالة قيد البحث، وأن استعمالها وما يتعلق بها من أفكار ضمن التقليد المسيحي خاصة في العبادة يشير إلى فهم مميز عن ديانة المسيحيين، وكيف يجب أن تفهم وتنقل إلى أتباع هذا الدين وطريقة فهمها.

إذا كان الخلاص يفهم منه على أنه منفعة يحققها عناصر المجتمع إن كان على الصعيد الفردي أو الجماعي فكل الأديان تتقدم بهذا الخلاص. كل الأديان وفقط الأديان تقدم شيئًا، وتعطي شيئًا، على أي حال إن هذه عبارة عامة لها قيمة لاهوتية عظيمة: إن كل الأديان وكل النظريات السياسية مثل الماركسية والمدارس الطبنفسية مثل المدرسة “الروجرية” من الممكن منطقيًّا أن تعتبر خلاصية.

إن العبارة القائلة بأن كل الأديان تقدم الخلاص هي احتماليًّا من الممكن أن تعتبر تكرارًا وحشوًا. فقط إذا استعملنا أقوى المعاني من الممكن أن تكون كل الأديان تمثل
الخلاص. إن احترام كلية الأديان العالمية، يتطلب أن يكون هناك مفهومًا خصوصيًّا للخلاص؛ أي بمعنى أن علم التشكّل المتميز لمفهوم الدين عن الخلاص، وهذا يتضمن القاعدة التي يستند إليها الخلاص، إطار وشكل هذا الخلاص وطبيعته المتوارثة كل هذا يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار، وليس علينا أن نجانس بين أفكار مختلفة بسبب ضغط معين، اجتماعي أو أكاديمي.

إن الشخصية المتميزة لكل دين يجب أن تُؤكّد، مثلًا: البوذية تطرح أسلوبًا معينًا للخلاص، كما أن المسيحية تطرح أسلوبًا مختلفًا، وهذا لا يعتبر نقدًا للبوذية؛ إذ لا تطرح نفس مفهوم الخلاص عند المسيحية والعكس صحيح. من الضروري أن نحترم الخلافات هنا، وأن تحاول مقاومة كل هذه الخلافات ووضعها في قالب واحد. وعلى ضوء هذا الأسلوب يمكن أن نطلق العبارة التالية:

  1. إن المسيحية لها مفهوم خاص لطبيعة ووسائل وأسس الحصول على الخلاص، والمفهوم المسيحي للخلاص مثل فكرة المسيحيين عن الله فهي تحدد لاهوتيًّا (الثالوث المقدس مفهوميًّا). وتمامًا نرى أنه ليس شرعيًّا أن نستعمل كلمة الله بمعنى غامض وعام، وبهذا نكون قد سمحنا بفهمها بأنها تدل على أن كل الأديان تشترك في قدسية واحدة، لذلك ليس من المناسب استعمال كلمة خلاص على أنها عامة لكل الأديان. إذا ما استعملت ضمن نص محدد لدين معين فإن هذه الكلمة الإنكليزية (الخلاص) والتي تترجم الإغريقية والعربية والعبرية والسنسكريتية والصينية بمعان أكثر تعقيدًا، وهذا يجعلها تعطي معنًى مغايرًا. لذلك إن كلمة الخلاص هي ليست كلمة عامة.
  2. إن المسيحية هي الدين الوحيد الذي يوفر الخلاص بالمفهوم المسيحي لتلك الكلمة. إن هذه الجملة السخيفة تقر هذه النقطة ويؤكّد ذلك “ودجنستن” قائلًا: إن هناك حاجة حيوية لتوضيح معاني هذه العبارات الخاصة والتي استعملت بها، وفي هذا الإطار فإن كلمة خلاص لا معنى لها إلا إذا تحدّد مضمونها، إنه من الضروري أن نبني (شكل الحياة) والتي تعطي لهذه الكلمة معناها المتميز، وفي هذه الحالة علينا الرجوع إلى مبادئ المسيحية والعبادة المسيحية كما هو وارد في العهد الجديد ومترسخ في مفهوم التقليد المسيحي.
  3. إن الخلاص في المفهوم المسيحي للكلمة هو احتمال جذاب لأولئك الذين هم خارج المجتمع المسيحي. إن المهمة الكلية للإنجيلية الآن تعتبر ذات حيوية بالغة لجميع الكنائس المسيحية في العالم، وهي تتجه كلها لإعلان هذا الخبر السار للعالم.
  4. إذا ما تجاوبنا مع البشارة المسيحية وتبنينا الخلاص الذي تتضمن فإننا كأفراد نصبح أعضاء في الكنيسة، هذا لا يعني أننا بالضرورة نصبح عناصر لكنيسة مؤسساتية، بل هذا يعني أن نكون أوفياء للتعريف اللاهوتي للكنيسة على أنها مؤسسة المؤمنين والتي تتعدى حدود البنية المؤسساتية. وكما يقول “أغنطيوس أوف أنتيوغ”: حيثما يكون يسوع المسيح يكون هناك كنيسة عامة.
  5. فإذًا إنه من الملائم أن نؤكد أن في الكلمات المنقولة لـ “سيبريان أوف قرطاج” والتي تقول: إنه ليس هناك خلاص خارج الكنيسة سيكون من الواضح من التحليل السابق أن أي شخص قبل بفكرة الخلاص بمفهومها المسيحي هو لا شك عضو في الكنيسة المسيحية، ويجب أن نؤكد أن مثال “سيبريان” قد فسّر مرارًا بأن الخلاص فقط يتأتى من خلال الكنيسة. على أي حال فإن هذا ليس المعنى الوحيد الذي يفسر هذه الكلمة. إن هذا المثال في مضمونه يؤكد على أن هناك رباط لا ينفك بين الخلاص المسيحي والمؤمنين المسيحيين.

الخلاص المسيحي وأديان العالم

إذا أخذنا بعين الاعتبار هذه النقاط نعود إلى سؤال الخلاص في الأديان. إن كل الأديان هي خلاصية، كل دين بحسب مفهومه؛ أي أن كل دين له مفهومه الخاص للخلاص. ولكنني شددت على أن هناك مفهومًا مسيحيًّا خاصًّا للخلاص والذي هو مبني بشكل فريد على حياة وموت وبعث عيسى المسيح، وأن نؤكد بأن هناك مفهومًا خاصًّا مسيحيًّا للخلاص، هذا لا يعني إنكار أن الأديان الأخرى تطرح خلاصًا بمفاهيمها الخاصة، وبكل بساطة نلاحظ أن الخلاص الذي هو موضوع بحثنا يختلف من دين إلى آخر، بل إنه خاص وليس عامًّا. إنه من الحق لكل مسيحي أو مسيحية بأن يرغب في مشاركة الآخرين مفهومه للخلاص، وهذا لا يعني أنه يقلل من شأن الآخرين إنما فقط هي رغبة في الاشتراك في هذه التجربة. وفي سوق حرة للأفكار، إن الانجذاب والكشف عن المفهوم المسيحي للخلاص هو الذي يحدد اعتنقاء الآخرين لمفهوم الخلاص هذا وبذلك يصبحون مسيحيين. إن الخلاص بالمعنى المسيحي متوفر عالميًّا. إن الإعلان المسيحي للخلاص ليس محصورًا بمنطقة جغرافية أو ثقافية أو اجتماعية، وليس على المرء أن ينضم لمنطقة مسيحية ليحصل على الخلاص الإلهي، وبتلقي هذا الخلاص يدخل المرء الكنيسة ليس بمفهومها المادي كبناء أو حرم، وإنما بمفهوم مجتمع من المؤمنين. إن المسيحية لا تعلن بأن الخلاص هو محصور فقط على أولئك الذين هم ضمن حدود الكنيسة، إن الكنيسة ممكن أن تفهم على أنها مؤسسة للتائبين، ولكن أولئك الذين هم خارج حدود الكنيسة مدعوون للمشاركة في حفلة الزفاف هذه شرط أن يرتدوا ثيابًا مناسبة. هذا حسب ما قال متى (1:22 – 12). لا أحد فكره على حضور هذا الزفاف وإنما الدعوة عامة. إن خصوصية هذه الدعوة والتي تستقر على شخص وأعمال المسيح ليست بالضرورة تصطدم مع الإعلان العام هذا الاستجابة له.

ومع هذا التأكيد غير المريب لخصوصية حكمة الله في التوبة من خلال عيسى المسيح نرى أن العهد الجديد يقر بإرادة الله المخلصة للجميع. إن ارادة الله هي إنقاذ كل الناس والوصول إلى معرفة الحقيقة ( Tim241). الله يريد إظهار رحمته للجميع (Kor 11:3). إن الله لا يريد لأحد أن يموت ولكنه يريد لكل شخص أن يتوب    1 Peter 4:9)). إن اللاهوت المسيحي المسؤول عليه أن يكيف نفسه مع القوة الخالقة والتي تنتج من التأكيد المتشابه مع العهد الجديد على خصوصية شخص وأعمال المسيح وشمولية إطار بعثته.

هذه القوة لا يمكن أن تذوب ببساطة بتبني طريق أو خط سير عام، والذي يعلن بأن الكل سوف يخلص في النهاية. إن هذه الطريقة لها مغريات ولا سيما أنها قريبة لفكرة الله المحب، ولكن إن فكرة خلاص جميع الناس تتطلب استثناء عدد من المعتقدات بمعنى أن الكل سوف يرضى بأن يخلص. وماذا يحصل إذا كان البعض يرغب باستعمال الحرية المعطاة له من الله ويختار ذلك العرض، ويفضلون أن يذهبوا بالطريق الآخر؟ وفي هذه الحالة إن مبدأ التعميم يتطلب منا أن نتصور وضعًا يفرض فيه الله الخلاص على الأفراد. إن هذه خطوة صغيرة تبتعد بنا عن التفاؤل الذي يؤكد بأن (الكل) يجب أن يخلص أرادوا ذلك أم أبوا. إن المفهوم المسيحي لحب الله هو حب قابل للشك وصل إلينا من خلال المسيح. إن الله يقدم نفسه لنا ضمن معرفة ممكن أن نرفضه من خلالها. إن التعميم ينكر على الإنسانية الحق بأن تقول لله: لا. ورغم مغريات هذه الكلمة (الخلاص) فإنها تنقلب لتظهر لنا بشكل مظلم. وبهذا هي تطرح بشكل دقيق القضايا نفسها المرتبطة بالسلطة المقدسة والمسؤولية البشرية والمرتبطة بأسلوب “جون كالفن” والذي لا يلقى حماسًا كبيرًا من قبل التعدديين وطمأننا الإنجيل الخصوصية وتعاليم البشارة: لقد تأكدنا أن أولئك الذين يستجيبون للدين من خلال الوعظ والبشارة بأنهم سوف يخلصون، لا نستطيع الوصول إلى استنتاج أن فقط أولئك الذين يستجيبون سوف يخلصون. إن وحي الله ليس محدودًا في الوعظ البشري الظاهري في الأخبار الطيبة إنما يمتد إلى أبعد من ذلك. علينا أن نستعد لنفاجأ ونندهش من أولئك الذين سوف نلتقي بهم في مملكة الله. في وعظه في الأخبار الجيدة عن تلك المملكة نرى المسيح بدون بعض أولئك الذين سوف يكونون من المستفيدين ومنهم Nine Vites، ملكة شيبا، وأولئك الذين عاشوا في مدن صور، صيدون، وصدوم، وعامورة هذا بإصحاح متى (10: 15، 11:22؛ 12: 41-42). في المقاييس اليهودية الثابتة لا أحد من هؤلاء له الحق في مملكة الله. ومع ذلك فإن رحمة الله كانت تمتد إلى أبعد من حدود الإنسانية كما كان يقول أصحاب المذهب اليهودي ضيق الأفق.

إن هناك ربما خطر من أن يكرر المسيحيون هذا الخطأ، حتى ولو بحسن نوايا بأن يضعوا حدودًا مصطنعة لسلطة وحرية وحب الله.

فإذًا ما هو مصير أولئك الذين لم يكونوا قد سمعوا البشارة من قبل، هل عمومية هذه البشارة المعدلة بالحقيقة بأن هذه البشارة لم تكن قد وصلت للجميع وبهذا لم يتم الاستفادة منها في الجميع؟ لا شك أن هناك أنماط من الإنجيلية اللاهوتية قد سببت قلقًا كبيرًا في هذا الإطار من خلال الإصرار بأنه فقط أولئك الذين يستجيبون ظاهريًّا أو ماديًّا للبشارة فقط سوف يخلصون. إن التعدديين وغيرهم كثير يلاحظون أن هذا يلغي الغالبية الكبرى لهؤلاء الذين لم يعيشوا، أولئك المحرومين من الخلاص بسبب ظروف تاريخية أو جغرافية. ولكن هذا لاهوت خاطئ والذي يحدد إطار العمل الإلهي وقدرته المخلصة وكما أشار “ستورت هاغيت”: إذا كان كل إنسان في كل الأزمان والعصور قد حصل بشكل موضوعي على التوبة في عيسى المسيح، وإذا كان هذا حصل برغبة إلهية لكل إنسان، فهذا يعني أن كل فرد من البشر ممكن أن يحصل على هذا العون بصرف النظر عن ظروفه التاريخية أو الجغرافية أو الشخصية. إن الإخفاق البشري في التبشير لا يمكن أن يتعدى ليعني إخفاق الله في التخليص. في النهاية إن الخلاص ليس مشروطًا ثقافيًّا، وليس مقيدًا بشريًّا. إنها سلطة الله غير المقيدة وهبته إلى شعبه كما تنص على ذلك العقيدة القديمة والتي تقول:

لقد بحثت عن الله وأخيرًا عرفت.

لقد حرك نفسي لأعرفه، وليعرفني.

لم أكن أنا الذي وجدت، آن أيها المخلص الحقيقي كلا، إن وجدت بقدرتك.

إذا كان هناك استحالة أن يوعظ البشر من خلال الرسل فإن الله لا يعيقه أن يوصل الإيمان إلى الناس حتى لو كان هذا الأمل يفقد شخصيته المسيحية. إن فكرة النعمة الإلهية قد أهملت إهمالًا شديدًا في مهمتنا اللاهوتية حتى إننا تغاضينا عن الحقيقة المجيدة بأن الله ذهب أمامنا يمهد لنا الطريق لنتبعه.

إن في المناخ الثقافي القاسي وغير المحتمل العديد من الأمم الإسلامية والتي فيها التبشير الصريح بالمسيح مستحيل، ويواجه عقابًا في السجن أو الموت. نرى أن العديد من المسلمين يصبحون مسيحيين إما من خلال الأحلام أو الرؤى، حيث يخاطبون بواسطة المسيح ربما علينا أن نكون أكثر تحسنًا بالنسبة للطرائق التي يعمل بها الله، ويحقق ذلك الأمر ومهما كان وعظًا مهمًّا إلا أن الله في النتيجة لا يعتمد عليه.

إن المسيحيين مسؤولون بأن يعلنوا هذه الأخبار الجيدة عن حب الله لشعبه على أساس أنه ليس هناك حدودًا ثقافية أو عرقية أو لغوية أو ظرفية لقبولها، ولكن علينا أن لا نعتقد أننا من خلال التبشير نستطيع أن نجعل الخلاص ممكنًا ومتوفرًا. الله وحده الذي يحقق هذا الخلاص من خلال عمل المسيح والذي يستعمل الوعظ وسيلة لتحقيق هذا الخلاص،  ولكنها ليست الوسيلة الوحيدة أن خلاص الله لا يجب أن يكون محصورًا في وعظ الإنسان وكأن الروح القدسية كانت صامتة وغير فعالة في عالم الله، أو كأن تحقيق خلاص الله يعتمد كليًّا على عملائه من البشر. إن الخالق ليس معتمدًا على فرد في تحقيق أهدافه ونحن يجب علينا بمفاهيمنا اللاهوتية أن لا نعني بأن عمل الخلاص الإلهي معتمد علينا، وأن هذا يخلط فكرة المسؤولية البشرية مع الفكرة المختلفة للسلطة القدسية الكلية والتي يظهر تخلي الله عن انخراطه واهتمامه بهذا العمل، وبأنه يوكل هذا العمل كليًّا لخلقه.

ومن هنا فإن الأسلوب الإصلاحي في مسألة الأديان له حسناته الخاصة وخاصة في الإصرار القوي بأن سلطة الله لن تسمح لإرادة الله بأن يفشلها البشر. من الممكن أن يكون المسيحيين قد أخفقوا في توصيل الأخبار الجيدة لكل الناس، وهذا لا يعني أن الله سيخفق بأن يجعل الخلاص للجميع. وفي النهاية إن النظرة الإصلاحية حول هذه المسألة تتعلق بالالتزام الكلي بفكرة حرية الله والذي يعبر عنه سؤال إبراهيم البياني: أليس خالق الأرض قادر على العدل؟ (GeN 18:25). إن الاعتقاد بأن الله سيفعل ما هو صحيحًا، وأن هذا سيتم من خلال ممارسة الله لسلطته على خلقه، فإن هذا يعزز ويغذي فكرة الإصلاح في هذه المسألة. ممكن لنا أن لا نفهم الأمور كليًّا ولكن نعتقد اعتقادًا حازمًا بأننا من الممكن الاعتماد على حكمة الله ورؤيته الصحيحة والمتجسدة في يسوع المسيح كما نعتبر مسألة الخلاص والأديان الأخرى.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
التعدّديّة الدينيّة

المقالات المرتبطة

صعوبات تحديد الدين

سمات الدين المميّزة اصطدم المؤلفون، منذ القرن الثامن عشر ميلادي، عندما بدأت المحاولات الأولى لدراسة الدين دراسة علمية، بمشكلة تحديده،

المفهوم الإسلامي للرحمة

على الناس أن يسعوا ليكونوا رحماء ولطفاء حتمًا، وهذا يعني أن يحبوا لجيرانهم ما يحبون لأنفسهم.

قراءة في كتاب تأسيس مشهد ديني: التعليم العالي الشيعي في الدولة الصفوية

كيف استطاعت أمة ذات أغلبية سنية أن تصبح شيعية بمعظمها في غضون قرنين فحسب؟ كيف ساهم الباحثون في تأسيس مجتمع مختلف؟

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<