مسألة الشر عند الفيلسوف الشيخ مصباح اليزدي

مسألة الشر عند الفيلسوف الشيخ مصباح اليزدي

تنزيل المقال

يمثل الشر ظاهرة إنسانية ارتبطت بوجود الإنسان على الأرض منذ بدء الخليقة، وهو من أقدم المباحث التي طرحها الفلاسفة والمفكرين ولا زالوا في مجال التعرف على الوجود، وعلى ماهية الشر، وقد عبّر عن مسألة الشر تلك التساؤلات التي طرحها الفيلسوف الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي (قدس سره) حيث قال: “إذا كان الله حكيمًا رحيمًا فكيف يسمح بوجود الشر؟ لماذا خلق الله الشرور؟ كيف تصدر عن علة هي خير محض معلول يكون شرًّا؟” (1).

وللإجابة على هذه التساؤلات ومعرفة علة الشر، بدأ الشيخ مصباح اليزدي يحدّد رؤيته للشر باعتباره ليس مخلوقًا، وإنما هو أمر عدمي، لأن حيثية الشر هي حيثية عدمية، والشرور بما فيها من الآلام والأوجاع والعذابات ترجع إلى جهات عدمية وهي بعيدة كل البعد عن “الخلق” و”الإيجاد”، و”الصدور”؛ إذ يمثل الشر بهذا الشكل طابع سلبي غير جوهري (2). ومن ثم يكون وجوده في العالم وجود بالعرض لا بالذات (3).

رأى الشيخ مصباح اليزدي أن الشرور الموجودة في هذا العالم يمكن تقسيمها إلى نوعين: الأولى: الشرور الأولية، وهي الشرور التي تحدث من دون تدخل الإنسان، كالزلازل والفيضانات، والثانية: الشرور الثانوية، وهي الناتجة عن أفعال الإنسان واختياراته السيئة، وآثارها المتحققة نتيجة هذا الاختيار أو ذاك، مثل أن يختار الإنسان أن يفعل الذنوب التي تكون من أثرها جلب الشر على الإنسان (4). ومن تمثّلات الشر التي تطرأ على الإنسان، الألم والمعاناة والوجع والقلق والبلاءات والمصائب والأوبئة والجهل (5).

وحول تفسير مسألة الشر، أكد الشيخ مصباح اليزدي على أن لهذا الوجود إله واحد له من الكمالات التي لا يتصف بها أي من الممكنات، حكيم عليم، وخير محض، وليس فيه من الشر بشيء، خالق كل شيء على أساس الحكمة والمصلحة (6)، وهذه الحكمة الألوهية والربوبية تقتضي توفير أسباب التكامل الإنساني، وفق الاختيار الحر للإنسان لا الجبر، وتحقيق هذا الاختيار الإنساني يقتضى وجود نظام يكون فيه الخير والشر والحسن والقبيح، ومن ثم يكون هذا العالم بكل ما فيه من خير وشر متعلقًا بالعرض للإرادة الإلهية وليس بالأصالة، كون هذه الشرور من لوازم التكامل الإنساني الذى يصل إليها الإنسان من خلال اختياراته الصحيحة التي يمكن أن توصله إلى طريق الحق والسعادة، ولكن الإنسان قد لا يختار الطريق الصحيح ويخطئ في تقدير اختياراته مما يترتب عليه لوازم وتوابع يكون الشر من بينها، فإرادة الإنسان الحرة نتاج الإرادة الإلهية التي تعلقت بوجود الإنسان ليختار وفق إرادته الحرّة طريقًا يوجب كماله بحيث يكون وجوده قابل للصعود والهبوط والتحول والتغير(7).

والشر بنظرة الشيخ مصباح، فعل إنساني يرتبط بالمصلحة الخاصة للإنسان، فهو نتاج أفعالة واختياراته، ومصالحه وأهدافه الخاصة، ورغم ذلك قد تحتوي هذه الأفعال على منافع أخرى كامنة، فقد تكون وسيلة تنبيه وجرس إنذار للآخرين لكي ينتبهوا لما يدور حولهم (8).

واعتبر الشيخ مصباح أن الشرور والنقائص والابتلاءات في هذا العالم هي تمهيد أرضية الاختيار الإنساني، الذي يمثل حركة صعود وتكامل تمثل الخير، وحركة سقوط وتسافل تمثل الشر، وباختيار الإنسان الحر يحدد أي طريق يسلك الخير أم الشر؟ فبواسطة هذا الاختيار يتمكن الإنسان من الوصول إلى أعلى مراتب الكمال والفيض الإلهي، وهي من ناحية أخرى تمثل منحة إلهية للإنسان، حيث تمهد له أرضية تقرّبه إلى الله فيتوب ويتضرّع ويصلّي، فيحقق تكامله ﴿فَلَوْلاَ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ (9).

ورأى أن ما نعتبره شرًا قد يكون اختبارًا أو امتحانًا من الله للإنسان، وضرب مثلًا لذلك بما أورده القرآن الكريم من واقعة النبي إبراهيم عليه السلام والمنام الذى رأى فيه أنه يقطع رأس ابنه إسماعيل عليه السلام والذى وهبه الله له على الكبر، وهذا المنام ليس مجرّد منام عادي، إذ هو وحي من الله إلى النبي إبراهيم، ولذا يجب أن ينفذ، وهذا بحدّ ذاته اختبار وابتلاء من الله إلى النبي إبراهيم، وكانت مصلحة النبي إبراهيم تكمن في الامتثال لأمر الوحى، وهذا الامتثال  والخضوع للأمر يكون مقدمة للوصول إلى كمال عظيم، فالابتلاءات التي يمنحها الله للإنسان يقصد منها امتحان الإنسان هل يمتثل ويخضع أم لا؟ هل يؤدي الواجبات ويترك المحرمات أم لا؟ فمثل هذه الأوامر التي تكمن المصلحة فيها في الاستعداد للخضوع والامتثال، تكون المصلحة التي فيها أقوى بكثير من مصلحة الفعل ذاته (10).

والشر عند الشيخ مصباح اليزدي مسألة نسبية؛ فالنار التي تحرق وتسبب الدمار هي ذاتها التي تطهي الطعام وتقوم بتدفئة الإنسان من البرد الذي قد يؤدي إلى موتة، فما يظنه الناس شرًا خالصًا لا يخلو من بعض الخيرات (11).

وهكذا كانت تصورات الشيخ مصباح اليزدي لمسألة الشر، حيث أكد على أصالة الخير فى مقابل عرضية الشر وعدميته، وعلى ارتباط الشر بطبيعة الإنسان التي تمنحه القدرة على اختيار أفعال خاطئة كنتاج للغضب أو الرغبة، وهو ما يفسر أن الشر أساسه الإنسان، وقد استعان الشيخ مصباح اليزدي بالعقل والوحي لفهم المبررات لوجود الشر، ومن هنا نرى أن الشيخ مصباح اليزدي تتفق نظرته لمسألة الشر مع نظرة الفيلسوف صدر الدين الشيرازي من حيث  تعريف الشر وإثبات وجود الشرور، فمن جهة التعريف أكد الشيخ مصباح على أن حيثية الشر حيثية عدمية، وأن وجوده بالعرض لا بالذات، وهو نفس الكلام الذى قاله صدر الدين الشيرازي في الأسفار الأربعة حيث أكد على أن الشر ليس أمرًا وجوديًّا، بل أمر عدمي وخواء، وأن الأصالة للخير والشر واقع بالتبعية، أما من ناحية إثبات وجود الشر، فلم ينفِ ذلك الشيخ مصباح ولا صدر الدين الشيرازي، ففي كتاب الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة أكد صدر الدين، أن الوجود ليس خال من الشرور بكل أنواعها ومستوياتها، ولكن هذه الشرور ليست مقصودة لذاتها وهو ما قاله أيضًا الشيخ مصباح اليزدي.

المصادر:

  • محمد تقي مصباح اليزدي، ما وراء الشر: بحث في فلسفة الشرور وتحديد الموقف إزاءها، ترجمة: على الهادي مشلب، (بيروت، دار المعارف الحكمية،2021)، الصفحة15، والصفحة18.
  • المصدر نفسه، الصفحة 18.
  • المصدر نفسه، الصفحة 22.
  • المصدر نفسه، الصفحة19.
  • المصدر نفسه، الصفحات 11 و15 و57.
  • المصدر نفسه، الصفحة17.
  • المصدر نفسه، الصفحات 26 – 31.
  • المصدر نفسه، الصفحات 63-64.
  • المصدر نفسه، الصفحتان 22 و38.
  • المصدر نفسه، الصفحتان 55 و 56.
  • المصدر نفسه، الصفحة 10.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
الشرور الأوليةالمفكرأهل الشريعةالشر

المقالات المرتبطة

حوار الدهشة والرهبة بين لحظتي إنبثاق

الوقوف على الحوار الإسلامي-المسيحي، يقتضي الرجوع إلى اللحظة الأولى لانبثاق الدعوة الإسلاميّة، فهي جاءت في محيط جاهليّ

ذكرى أبي الشهداء

الألم لذكرى تلك الدماء النقيّة الطاهرة ما ارتوت هذه الأرض بأطهر منها، والعزّة بذلك الشمم العالي، ما شهدت هذه الأرض مثله، وإنّهما لمزيج مقدّس

كيف انحرفت الحداثة عن مسارها الحقيقي وتحولت إلى عكسها؟

بعد أن أصبحت “الحداثة” مسلمةً ومعيارًا تقاس على قواعدها الأمم بتطورها وتخلفها،

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*