“دور جهاد التبيين في مواجهة الحرب الناعمة”

أقام معهد المعارف الحكمية نهار الأربعاء 10/5/2023 الساعة الخامسة عصرًا، وضمن سلسلة محاضرات “جهاد التبيين” المحاضرة الرابعة مع الدكتور علي الحاج حسن فكانت بعنوان: “دور جهاد التبيين في مواجهة الحرب الناعمة“، بحضور نخبة من المثقفين والمهتمين.

استهل الدكتور علي الحاج حسن محاضرته بالحديث عن تعدد أوجه الارتباط بين مفهومي جهاد التبيين والحرب الناعمة، فمن جهة يمكن النظر إلى الحرب الناعمة باعتبارها تهديدًا، ليكون التبيين أداة للمواجهة، ومن جهة ثانية يُعبّر المفهومان بكليتهما عن منظومة قيمية واعتقادية أو أيديولوجية ترسم ملامح الهوية عند الأفراد والجماعات من منطلق أن مدار الحرب الناعمة هو الهوية وما يرتبط بها من تشكلات الذات، فيؤدي التبيين حينها دور المظهر والمفصح والمدافع عن حيثيات الهوية.

وتابع متسائلًا، من هذا المنطلق هل يؤدي جهاد التبيين دورًا ما في مواجهة الحرب الناعمة؟ وما هي الأسس والركائز التي يعتمد عليها في المواجهة المطلوبة؟

ولفت إلى أنه من المفيد رسم معالم الخطر الذي تشكله الحرب الناعمة على الهويات الخاصة لتتجلى طبيعة الدور الذي يؤديه جهاد التبيين في المواجهة. مؤكدًا أن الدراسات والكتابات التي تناولت الحرب الناعمة وحللت أهدافها، أجمعت على أنها عمل مخطط له بشكل مسبق يستهدف قيم ومعتقدات جهة معينة لتغيير سلوكها وأولوياتها واتجاهاتها، مستعينة بكافة الوسائل والأوات الجاذبة… 

وفي معرض حديثه عن مخاطر الحرب الناعمة، لفت إلى جملة أمور منها:

  • تُشكل القيم والمعتقدات والأيديولوجيات وكل ما يرسم معالم الهوية عند الأفراد الإطار الأول لاستهدافات الحرب الناعمة حيث يجري العمل على خطين: تشويه القيم والمعتقدات الموجودة لإسقاطها، ومن ثم بناء منظومة قيمية جديدة عند المستهدَف تلبي طوحات المعتدي.
  • عندما يتم تشويه القيم وزرع أخرى مكانها يمكن تغيير سلوك الفرد الذي يجب أن يتناغم مع الهوية المؤمن والمقتنع بها. وهذا يعني بالضرورة صيرورة الإنسان إنسانًا آخر طبق ما يريده المستهدِف. وهنا يتجلى الخطر الأكبر أيّ بناء مجتمعات تفقد هوياتها الخاصة.
  • إذا كان المدخل الأساس في فعالية الحرب الناعمة، مقدار الجاذبية التي تحتويها، فهذا يعني أن الاقتناع بهوية الآخر يقوم على أساس الأكثر جاذبية، وليس على أساس حقانية القيم والمعتقدات ومدى مطابقتها للواقع ومصالح الإنسان ومنافعه. وقد يدفعنا الأمر للسؤال عن الخداع والتشويه والتآمر، الذي تتضمنه وسائل وأدوات الحرب الناعمة في سبيل إقناع الطرف المستهدَف.
  • يمتاز الإنسان من بين كافة المخلوقات بأنه صاحب عقل وحكمة وتدبير وتفكير. وهو بالتالي يبني سلوكياته على أساس القناعة والتعقل باعتبار أن الإنسان لا يبادر إلى أيّ سلوك بعيد عن قناعاته التي يُفترض أنها بنيت على أساس من اليقين والتفكير السليم حتى لو فرضنا أن سبل انحراف التفكير السليم موجودة وهي كثيرة، إلا أنّ الاتجاه الغالب على الإنسان قبول السلوكيات التي تطمئن وتستقر لها النفس من منطلق الحق واليقين.

واعتبر أن الإنسان إذا كان مستهدفًا بما يُعرف بالحرب الناعمة التي تغرس يقينًا وقناعة مزيفتان ومشوهتان، لذلك فالسبيل للمواجهة ينحصر في الأدوات والوسائل التي تعيد اليقين والقناعة الذهنية إلى الحالة الطبيعية المبنية على أساس الواقع والحق. متسائلًا، هل بإمكان جهاد التبيين أداء هذا الدور؟

ثم تطرق إلى أن التبيين ليس أمرًا جديدًا على مستوى الفكر البشري، بل هو من مستلزمات المعرفة البشرية ومن أساسيات التفكير. مشدّدًا أنه لا يمكن بناء معرفة من دون تبيين، كذلك الأمر في مسائل الدفاع عن المعرفة أمام سيل الشبهات والإشكالات، فالهويات الغامضة المعقدة لا يمكن قبولها أو تبنيها ولا يمكن الدفاع عنها.

وأكد بأن التبيين في الأساس عبارة عن ذلك العمل الذي يتضمن مفاهيم: الإظهار، الإبانة، الكشف، الإفصاح، شرح المبهم، إفهام المعنى و…. لافتًا أنه وبهذا المعنى يصبح التبيين الوسيلة الأساس لمعرفة الحقائق وتبيين الغوامض ورفع الشبهات والإشكالات.

 ثم تابع موضحًا، بأنه عندما يتحقق التبيين تظهر نتائجه على مستوى معرفة حقيقة الهوية ودفع الشبهات عنها والاعتقاد بحقانيتها، فيشكّل مدخلًا لمواجهة الحرب الناعمة.

وصرّح الدكتور الحاج حسن إلى أن أول من أطلق مصطلح جهاد التبيين هو الإمام السيد علي الخامنئي، الذي يؤكد على الدور الأساس والمحوري والهام لجهاد التبيين في مواجهة الحرب الناعمة.

وعن الدور الهام والواضح الذي يؤديه جهاد التبيين في مواجهة الحرب الناعمة، خلُص الدكتور إلى النتائج التالية:

  • يحمل جهاد التبيين قيمة ذاتية من منطلق أنّه يُشكل الحجة والبرهان. وهذا يعني أن التبيين يحمل الإقناع في طياته مما يساهم في كونه منطلقًا لمعرفة الحق عند من يريد، وطريقًا لمواجهة تشويهات وشبهات المعتدين…
  • التبيين وسيلة من وسائل تبديل الجهل إلى علم، ورفد الأذهان بالمعارف التي تُشكل أساس المعتقدات والهويات، وبالتالي فهو يمتلك القدرة على رفد الإنسان بأدوات ووسائل ومقدمات الوعي والبصيرة.
  • يُشكل جهاد التبيين أساس استخراج الطاقات الكامنة في المجتمع. ويبادر الأفراد إلى الإبداع والمشاركة والحضور والعمل بمسؤولياتهم، عندما ينهض من يأخذ على عاتقه تبيين الأمور وتوضيح الحقائق، ورسم معالم الإستهدافات.
  • جهاد التبيين وسيلة لإحباط مؤامرات الأعداء. وإذا كان التبيين أداة للمعرفة، فهو في الجانب الآخر محرّكًا لنهوض الأفراد بمسؤولياتهم، وإيجاد حركة عملية في مقابل التهديد الموجود، وبالتالي إفشال خطط الأعداء ومشاريعهم.

وشدّد الدكتور علي الحاج حسن في ختام محاضرته على أنه لا يمكن الغفلة عن الدور الذي يؤديه التبيين في سبيل مواجهة الحرب الناعمة، لذا، قدّم الدكتور عدة اقتراحات تتمحور حول كيفية جعل التبيين مؤثرًا، فاعلًا، وهادفًا، وهي كالتالي:

  1. لن يكون جهاد التبيين مؤثرًا في الحدود المطلوبة والذي بإمكانه أن يكون بمستوى الاستهداف، ما لم يتحول من ممارسة فردية إلى قضية محورية، تتطلب إيجاد هيئة تفكير وتخطيط ومواكبة للتحديات والتهديدات، ومن ثم تطوير الأساليب والتقنيات.
  2. الدعوة لإيجاد إطار يأخذ على عاتق رسم معالم القوة الناعمة الذاتية وحدود الهوية الخاصة والتي تحكي عن معتقداتنا وقيمنا. ومن ثم العمل على تثقيف المجتمع بثقافتنا التي تحكي قيمنا ومصادر قوتنا، وبذلك يمكن القول بإمكانية المواجهة.
  3. الدعوة إلى إعادة التفكير في أساليب الخطاب الديني، على سبيل العمل على تطويره (شكلًا ومضمونًا) ليواكب جاذبية الخطاب المعادي، مما يجعله أكثر تأثيرًا.
  4. توسيع نطاق الخطاب وعدم حصره بجمهورنا. وكذلك تنّوع الخطاب على مستوى المحتوى والأساليب والأدوات.
  5. إيجاد برامج ونشاطات تثقيفية تفند حقيقة خطاب الآخر، وتبيّن فساد النموذج الذي يقدمه.
  6. إيجاد مجموعة من الكيانات والمنصات ووسائل الإعلام التي من الممكن أن تعمل على تبيين الحقائق طبق الأساليب الحديثة بالأخص عبر وسائل التواصل.
  7. بناء سردياتنا الخاصة من ثقافية وسياسية وتربوية و…. والتي تحكي عن هويتنا ويمكن من خلالها تقديم الصورة ومخاطبة الآخر، ومن ثم صياغة تجربتنا وتدوينها.

وفي ختام المحاضرة دار نقاش بين الدكتور علي الحاج حسن والحاضرين اتسم بالجدية والدقة.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
جهادتبيينناعمةهويةمعرفة

المقالات المرتبطة

ها هو اليتيم بعين الله

استضاف منتدى النقد الأدبي، في معهد المعارف الحكمية، وفي الفترة الممتدة ما بين 28 آذار و4 نيسان 2016 الكاتب الإيراني الدكتور محمد رضا سرشار،

التطبيع والإشاعة.. فتنة الغيبة والبهتان

  عقد معهد المعارف الحكمية مساء أمس لقاءً حواريًّا مع سماحة الشيخ شفيق جرادي تحت عنوان: “التطبيع والإشاعة.. فتنة الغيبة

الدرس العاشر – شرح الدعاء الأول من الصحيفة السجادية

في متابعة لشرح أدعية الصحيفة السجادية تطرق سماحة الشيخ شفيق جرادي إلى الحديث المروي عن الإمام الصادق عليه السلام حيث يقول الإمام : “حبّ الله إذا أضاء على سرّ عبد أخلاه عن كل شاغل وكل ذكر سوى الله عند ظلمة.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<