الحوار السياسي في خطب أمير المؤمنين (ع)

الحوار السياسي في خطب أمير المؤمنين (ع)

تقديم

الحوار عند أمير المؤمنين (ع)، هو حوار رسالي سماوي، يرتبط بالأرض من خلال نشر قيم الإسلام في العدل والإخاء والمساواة، ولأن الإمام (ع) حكم الأمة الإسلامية، فقد كان له حوارات سياسية متعددة وكثيرة ومتنوعة، حتى قبل أن تؤول الخلافة إليه، ننظر مثلًا في كلمته لأبي بكر وعمر بعد بيعة السقيفة: “تحاججتم للأنصار بمكان رسول الله منكم، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به الأنصار، فإن كانت الخلافة في قريش، فأنا أولى الناس بها، وإلا فالأنصار على دعواهم نحن أولى برسول الله حيًّا وميتًا، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون وإلا فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون…”[1].

وهي كلمة سياسية مثالية، لأنه يحتج بما احتج به غيره، وأقام عليهم الحجة والدليل الساطع، فقد أقام دليلًا سياسيًّا مرتبطًا بالقرآن الكريم. صحيح لم تلب الأمة حجته، ولكنه وضع أسس العدالة والاختيار الأمثل لمن يحكم المسلمين عبر القرون التالية.

وفي هذه الدراسة نكتب عن الفكر والحوار السياسي عند الإمام علي (ع). وذلك في نقاط أربعة:

أولًا: الحوار لغة واصطلاحًا

الحوار في اللغة من الأصل الثلاثي “حور”؛ بمعنى الرجوع إلى الشيء وعنه، وكل شيء تغير من حال إلى حال فقد حار، والمحاورة مراجعة الكلام، حاورت فلانًا في المنطق وأحرت إليه جوابًا …تقول: سمعت حويرهما وحوارهما، كما يذكر في لسان العرب إضافة إلى المعاني المذكورة: الحور ما تحت الكور من العمامة لأنه رجوع عن تكويرها وكلمته فما رجع إلي حوارًا… وأحار عليه جوابه: رده، والمحاورة المجاوبة[2].

فكما يبدو أن الحوار أخص من الكلام والخطابة ويشمل المحادثات بين الطرف، الذي يُتوقع منه رد فعل من الطرف الآخر، يعني المتلقي .

أما من حيث استعمال هذا المصطلح وتداوله، قد لا نعثر على الكثير من عبارة (الحوار) في كلام الوحي أو النصوص الواردة، حيث استخدم القرآن الكريم عبارتي (الحوار) و (الجدال) في عدد قليل من المواضع؛ لكنها لا تشمل المعنى المراد منه في هذا المقال.

هذا في حين استخدم القرآن الكريم عبارة (الجدل) في 27 موضع، وتحدث عن هذا الموضوع من زوايا مختلفة، فلم يقف هذا المصطلح عند حدود النزاعات الفردية أو الاختلافات الاجتماعية، بل شمل أيضًا الصراعات الدينية والسياسية التي تسيطر على المجتمع، واستعمال الجدل كثير في الروايات، والإشارة إليه غالبًا يتطرق إلى الجانب السلبي والتحذير منه بسبب عواقبه السيئة حين يستعمل الحوار في إطار أوسع، ويشمل كثيرًا من المحادثات المحدودة وغيرها، والجانب السلمي أبرز فيه من الجانب التخاصمي .

“فقد يحدث للإنسان أن يتحرك من أجل إعطاء فكرته صفة الوضوح التي تتمثل في النفاذ إلى كل جانب من جوانبها لئلا تبقى هناك حاجة للاستفهام والمعارضة الناتجة عن خفاء بعض القضايا الملحة، وهنا يبرز الحوار الذاتي تارة، والحوار المشترك أخرى”[3].

ولعلّنا لا نعثر في كتاب نهج البلاغة، أو في النصوص الأخرى المروية عن الإمام علي (ع) على عبارة (الحوار)، غير أن بإمكاننا العثور في هذه الروايات على عبارات مرادفة ومشابهة لها، وكذلك نجد بعض المفاهيم غير المباشرة التي تدلّ على هذا المعنى؛ هذا إلى جانب سيرته (ع) العملية ووصاياه التي تحدثت عن آداب الحديث وأسس العلاقات الاجتماعية، والتي يمكن التعرف من خلالها على رؤية الإمام (ع) للحوار وشروطه وأصوله، وكذلك الأساليب المؤثرة فيه. ولا شك أن الشروط والأساليب في الحوار هذا يرتبط بالأطراف المترامية في الحوار والظروف الخاصة به، كما أن الحوار مع العدو يختلف عن الحوار فيما بين الأصدقاء. والدراسة هذه تُعنى بهذا الأخير وتبحث عن الأهداف والأصول والأساليب التي يجب مراعاتها للوصول إلى النتيجة .

ثانيًا: خصائص الحوار

إن واحدة من خصائص التواصل هي الهدف من إقامته، فلكل من طرفي التواصل أهدافه الخاصة، ويسعى من خلال هذا التواصل إلى تحقيق نتائج طيبة، وتأسيسًا على ذلك فإن التواصل ليس ظاهرة غير هادفة وعديمة الجدوى؛ بل إن تحديد الهدف والغاية منها سيساهم في عملية تفعيلها بشكل أكثر ويساعد على تصحيح مسارها .

ولقد فصلت أستاذة علم النفس الأمريكي لينهان Linehan 1979 بين إثبات الذات المباشر وغير المباشر، حيث يعتقد أن إثبات الذات المباشر والمعلن ليس هو الأسلوب الأفضل على الدوام خاصة فيما يتعلق بالأشخاص الذين يسعون إلى جعل الغير ينظرون إليهم بإيجابية، وعلى هذا الأساس، فإن إثبات الذات بصورة مبهمة وغير مباشرة قد تكون أكثر تأثيرًا في بعض الأحيان[4].

إن تبادل الحديث والكلام يعود على الشخص المتكلم والمحاور بفوائد عديدة ومختلفة ومن بينها:

تبادل المعلومات

إن فهم كل إنسان للعالم الذي يعيش فيه محدود بمدى القدرات التي تتمتع به حواسه الخمس، لكن تبادل الحديث بين الأشخاص يساعد على انتقال المعلومات والمفاهيم الخاصة بكل شخص – والمستمدة من رؤيته وإدراكه الخاص – إلى الشخص الآخر[5].

حلّ الخلافات والمشاكل

إن رؤية الأشخاص وفهمهم للظواهر المختلفة مرتبط بالقواعد التي ينطلقون منها، والزاوية التي ينظرون من خلالها إلى الأشياء، فلا يمكن لشخصين أن يشغلا حيّزًا وجوديًّا متساويًا في فترة زمنية واحدة، إلا أن التباين في الرؤية والمعرفة هو أمر طبيعي بحدّ ذاته، على الرغم من أنه يشكّل أحيانًا عائقًا أمام حلّ القضايا.

بلورة السلوكيات وتعديلها

كما إن السلوكيات والآراء تتبلور من خلال التعليم والتعلّم فإنها تتغير وتتعدل أيضًا من خلال ذلك، وقد يتم استبدالها بسلوكيات وآراء مغايرة، وفي هذا الإطار فإن سلوكيات الغير وردود أفعالهم اتجاه الأفعال والأقوال المختلفة التي تصدر عنا هي في الواقع تمثل انعكاسًا لطبيعة سلوكنا مما يجعلنا ندرك مستوى تأثير سلوكنا على الغير، ويمثل هذا الأمر أحد أهم الوسائل التي تساعدنا على تصحيح سلوكياتنا أو تعديلها أو بلورتها.

في الواقع، فإن سلوك الغير وردود أفعالهم اتجاه سلوكنا وحديثنا هو بمثابة المرآة التي تعكس مستوى التأثير، الذي يتركه سلوكنا وحديثنا وردود أفعالنا على الآخرين، ويمكننا من خلال التدقيق في هذه المرآة أن نعرف مستوى المكاسب والأضرار التي نجمت عن سلوكنا وحديثنا[6].

ومن هنا، فإن الإمام علي (ع) وإلى جانب تأكيده على الهدف من الحوار، الذي أشير إليه؛ فقد بيّن (ع) – ومن خلال سيرته ومحاوراته المتعددة مع الناس؛ وكذلك من خلال الرسائل التي بعثها إلى عمّاله والحكام المختلفين – جملة من الأهداف؛ ومن بينها: تعريف الحق والدفاع عنه، ودفع الشبهات والردّ على مواطن الاتهام؛ وفي حال لم يتمكن الإنسان من دفع الشبهات والتهم فيكتفي على الأقل بإجراء حوار يتمكن من خلاله من إخراج العقد المتراكمة، وإزالة أسباب الضجر والكدر.

ثالثًا: منطلقات الحوار

إن فهم كل إنسان للعالم الذي يعيش فيه محدود بمدى القدرات التي تتمتع به حواسه الخمس، لكن تبادل الحديث بين الأشخاص يساعد على انتقال المعلومات والمفاهيم الخاصة بكل شخص – والمستمدة من رؤيته وإدراكه الخاص – إلى الشخص الآخر، ولا بدّ لكل حركة أهداف وغايات يحاول الإنسان الوصول إليها عن الطرائق المختلفة وبأساليب منسجمة لها، وينبّه علي (ع) بهذه المرامي التي نشير إلى بعضها:

  1. تعريف الحق والدفاع عنه

إن عملية التواصل – وخاصة التواصل الكلامي – يمكن لها أن تحقق العديد من الأهداف المختلفة، ومن بينها الحصول على المعرفة، والإدراك، والفهم المتبادل، وإظهار ما يضمره الوجدان والتعرّف الأكثر على الشخص المحاور. وقد اعتبر الإمام (ع) هذه الميزة – أي التعارف والتفاهم المتبادل- بأنها من أهداف الحوار، وقد طالب (ع) أصحابه أن يعرفوا أنفسهم من خلال الكلام والحوار فيقول: “تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ الْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ”[7].

إن ما يجعل الإمام علي (ع) يندفع في الحوار مع أطراف متعددة، وبأشكال مختلفة سواء عبر الكتابة أو الحديث المباشر، وسواء مع الناس أو مع عمّاله أو المعارضين له، وحتى مع أعدائه أيضًا – كمعاوية مثلًا- هو بيان الحق ودفع الباطل، حيث يقول في هذا الصدد: “وَايْمُ اللَّهِ لَأَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ”[8].

  1. دفع الشبهات والردّ على التهم

إن من أهداف الحوار هو معالجة سوء الفهم ودفع الشبهات والتهم الموجهة للدين والدول أو أركان هذه الدولة، وقد انطلق الإمام (ع) في كثير من حواراته مع معارضيه أو مع أعدائه من هذا المنطلق، وسعى من أجل تحقيق هذه الأهداف، ومن ذلك قوله لطلحة والزبير عندما نقما منه واتهمانه بعدم استشارة أحد في اتخاذ القرارات فقال (ع): “لَقَدْ نَقَمْتُمَا يَسِيراً وَأَرْجَأْتُمَا كَثِيراً أَلَا تُخْبِرَانِي أَيُّ شَيْ‏ءٍ كَانَ لَكُمَا فِيهِ حَقٌّ دَفَعْتُكُمَا عَنْهُ أَمْ أَيُّ قَسْمٍ اسْتَأْثَرْتُ عَلَيْكُمَا بِهِ أَمْ أَيُّ حَقٍّ رَفَعَهُ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ضَعُفْتُ عَنْهُ أَمْ جَهِلْتُهُ أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ”[9].

3 .حلّ مشاكل الناس

إن الكثير من الحوارات المتبادلة؛ خاصة تلك التي تجري بين الناس والسلطات الحاكمة، تساهم في التخفيف من آلام الناس، وتشعرهم بالراحة وتخفف عنهم الكثير من الضغوط النفسية، إن مثل هذه التأثيرات التي يتركها الحوار على الحالة النفسية للمجتمع تشكل واحدة من الأهداف التي يصبو إليها هذا الحوار، وقد سعى الإمام علي (ع) من خلال حواراته مع الناس ومع أصحابه وحتى مع معارضيه أيضًا إلى تحقيق مثل هذا الغرض فهو يقول: “أَطْلِقْ عَنِ النَّاسِ عُقْدَةَ كُلِّ حِقْدٍ وَاقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ كُلِّ وِتْرٍ”[10].

إن مثل هذا الأمر – أي تحقيق الأمن النفسي – يمثل أحد الوسائل المهمة التي تساعد الإنسان على الوصول إلى الأهداف التي يسعى إليها من خلال الحوار، إنه ينمّي فيه الشعور بالأمن والراحة ويجعله على استعداد لتقبل الحوار والمفاهيم المطروحة.

يقول الإمام علي (ع): “تأميل الناس نوالك خير من خوفهم نوالك”[11].

وذلك لأن المراحل المختلفة للحوار التي تبدأ بالميل والانجذاب، وتنتهي بالتقدم والتأثير تقوم على أساس الشعور بالأمل والإحساس بالأمن.

ولخلق مثل هذا المناخ الآمن ينبغي على طرفي الحوار أن يفهما بعضهما البعض، وأن يضع كل واحد منهما نفسه مكان الآخر، وأن يستشعر كل واحد منهما الأجواء والأوضاع التي يعيشها الآخر، وأن يتخلى الجانبان عن الغرور والغطرسة، ويؤكد الإمام (ع) على ذلك قائلًا: “اصحب الناس بما تحب أن يصحبوك تأمنهم ويأمنوك”[12].

إن الحوار يعني التذاكر وتبادل المعلومات بين شخصين أو أكثر، ويمتاز بحالة من الاندفاع والتحوّل، أي أنه في حالة حركة انسيابية مستمرة وبعيدة عن السكون، وحالة من شيء إلى آخر، ومن حالة إلى أخرى، فلو دققنا في المحادثات والحوارات التي تدور بين شخصين أو أكثر لأمكننا اكتشاف أمور كثيرة في هذا المجال، فعلى سبيل المثال سنكتشف أول الأمر حالة الانجذاب في الحديث بينهما، وهذا الميل والانجذاب ينشأ في العادة من الحاجة التي يشعر بها أحد أطراف الحوار أو كلاهما، وهما في الوقت الراهن يبحثان عن أجوبة للأسئلة التي تواجههما وعن حلول للمشاكل التي يعانيان منها، والحالة الثانية هي (التقدم) والبحث والتفتيش عن أجوبة وحلول معينة والتي تظهر على شكل حوار ومحادثة، والحالة الأخيرة هي الوصول إلى (أجوبة) والعثور على حلول، إن حالة الانسيابية والابتعاد عن السكون هي نتيجة التغير في الحالات والعبور من مرحلة إلى أخرى والتي يطلق عليها بالاندفاع أو (التحوّل)، بينما يطلق على تأثر الأشخاص ببعضهم البعض، والذي يتحكم في معدلات سرعة التحوّل من مرحلة إلى أخرى؛ عبارة (التأثير المتبادل).

4.حفظ الأصول في الحوار

هناك ميزة أخرى يتميز بها التواصل وهي تعدد الأبعاد، فالقائمون على الحوار؛ ومن خلال اختيار المحاور التي سيبحثونها؛ والمواضيع التي ينبغي عليهم تجنبها، وخاصة فيما يتعلق باختيار الكلمات والأنماط المستخدمة في الحوار؛ وكذلك أسلوب الكلام وسرعته؛ وجميع الخصائص والسلوكيات الأخرى؛ يقومون بالتحكم بطبيعة الحوار ومسيرته[13].

ولذا، ينبغي على أطراف الحوار وبعد تحديد أهدافه المرجوة أن يهتموا بقواعده وأساليبه الخاصة، وأن يتجنبوا الآفات التي تؤدي إلى انحراف الحوار عن مسيره الصحيح.

بعد بيان أهداف الحوار واتجاهاته ينبغي شرح الأصول الأساسية للحوار، وكذلك التعريف بمستلزماته ومحذوراته وذلك للحؤول دون انحرافه عن مسيره.

لقد أكد الإمام علي (ع) مرارًا على الصدق في الكلام، وعلى سعي الإنسان إلى استيعاب وإدراك ما يجري على لسانه؛ والحكمة من أي كلمة تصدر عنه؛ والتفكير بعواقبها؛ وإلى جانب ذلك الاعتماد على قول الحق وقبول الحق، وعدم التعصب والانحياز في الحوار، وهذا ما يمكن ملاحظته في خطب الإمام (ع) وسيرته، ونشير هنا إلى بعض الشواهد في هذا المجال:

  1. صدق الحديث

إن الشرط الأساس لتحقيق حوار ناجح هو التزام أطراف الحوار بصدق الحديث وسلامة السلوك، فعدم الالتزام بالصدق يلحق الضرر أولًا بالشخص الذي صدر منه، فيظهر بالمظهر السيء أمام محاوره مما يحول دون وصول الحوار إلى النتيجة المطلوبة.

يقول الإمام علي (ع): “احذر فحش القول والكذب فإنهما يزريان بالقائل”[14].

إن الالتزام بالصدق من الأهمية بحيث يؤكد الإمام (ع) على اجتناب الفحش والكذب حتى في أحلك الظروف وأشدها؛ وقد منع أصحابه من استعماله حتى مع جيوش الأعداء، وطالبهم باجتناب مختلف أشكال النفاق والمراءاة، وبالالتزام بالصدق والعهد وأن لا يناقض حديثهم الواقع؛ حتى لو أدى ذلك إلى التخلي عن الخلافة أو التأخير في تولي الدولة العادلة لزمام الأمور، ومن هنا فعندما أراد الناس بيعة الإمام (ع) على شرط العمل بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وسيرة الشيخين قبل الإمام (ع) بالشرطين الأولين لكنه رفض الشرط الثالث – الذي لم يكن مقتنعًا به – بكل صراحة ووضوح، فالإمام (ع) وإلى جانب أنه يوصي أصحابه بالالتزام بالمداراة والرفق والتسامح وعدم التعصب فهو يرفض أن يتخلى أصحابه عن مبادئهم وثوابتهم الأساسية من أجل تحقيق الأهداف التي يسعون إليها، ويوصيهم بألّا يظهروا على لسانهم بخلاف ما تضمره قلوبهم، بل يحذر من هذا الأمر بشدّة قائلًا: “المنافق لسانه يسر وقلبه يضرّ”[15].

ويقول (ع): “إني أخاف عليكم عليم اللسان منافق الجنان يقول ما تعلمون ويفعل ما تنكرون”، ويقول (ع) أيضًا: “كثرة الوفاق نفاق”[16].

ومن هنا، فالإمام (ع) يحذر أصحابه من النفاق ويؤكد على أن التوافق الكامل في الحوارات والأحاديث يدلّل في أغلب الأحيان على النفاق وانعدام الصدق، كما إن الإمام (ع) يحذر أيضًا من المنافقين، وذلك لأنهم لا يلتزمون بالصدق وقد يعملون على خداع الإنسان ويتسببون في انحرافه عن المسيرة، حيث إنهم يوافقونه في العلن لكنهم يخالفونه في الخفاء، ويعتبر الإمام (ع) أن خطورة مثل هؤلاء الأشخاص كبيرة إلى حدّ أنه يوصي بعدم مجالستهم وفي حال أُجبر الإنسان على مجالستهم فعليه أن لا يقول لهم بصراحة إنهم كاذبون .

  1. قول الحق والنزول عنده وعدم التعصب

إن قول الحق وعدم التعصب وعدم الانحياز في الحوار يعتبر من أصول الحوار التي أكد عليها الإمام (ع) حيث يصف الشخص الذي لا يقول الحق بالأحمق والخاسر، وبالرغم من أن الإمام (ع) يفضل الالتزام بالصمت ويرجحه على الكلام في كثير من الأحيان لكنه يحثّ في المواقف التي تستوجب قول الحق على أن لا يسكت الإنسان.

يقول الإمام (ع): “قولوا الحق تغنموا واستكتوا عن الباطل تسلموا”[17]. وعنه (ع): “من استحى من قول الحق فهو أحمق”[18]. وعنه أيضًا: “لا يخصم من يحتج بالحق”[19]. ويقول في حديث: “أخسر الناس من قدر على أن يقول الحق ولم يقل”[20]. وعنه في حديث آخر: “القول بالحق خير من العيّ والصمت”[21].

ويعتبر الإمام (ع) في مواضع أخرى بأن العمل بالإنصاف في التعامل مع الناس يجلب العزّة والكرامة، فيقول: “إلا أنه من ينصف الناس من نفسه لم يزده إلا عزًّا”.

إن الشعور بالعزّة لدى الإنسان يبعده عن الكثير من المساوئ ومن بينها عدم الصدق في القول، والنفاق في الحديث والتي هي جميعًا ثمرة شعور الإنسان بالذل والهوان.

يقول (ع): “نفاق المرء من ذلّ يجده في نفسه”[22].. وسبب ذلك أن انعدام الشعور بالعزّة لدى الإنسان لا يبقي له أي أثر للإنسانية والاستقامة والصدق والصراحة، ويؤدي ذلك إلى الانحطاط الأخلاقي الذي يمثل الآفة التي تقضي على الأفراد والمجتمع، فترك الكذب يجري على اللسان، وترك النفس تتحوّل إلى رهينة للفساد والضياع هو ناتج عن الذلّ والمهانة.

ومن الواضح أن الاهتمام بالغير واحترامهم والحفاظ على كرامتهم ومراعاة مشاعرهم خاصة عند التسليم بقول الحق الصادر عنهم، فإنه دليل على العزّة والكرامة التي يتمتع بها الإنسان وقدرته على استمالة القلوب إلى جانبه، حيث لا يمكن الفصل بين المشاعر والأفكار أبدًا، وهذا ما يؤكده علماء النفس بقولهم: إن العواطف تلعب – إلى جانب المعرفة – دورًا مهمًّا في حياتنا الشخصية، ففي الوقت الحاضر لا زال هناك تباين في الآراء حول الدور الذي يلعبه التفاعل والعوامل النفسية والاجتماعية.

ويرى كل من شاختر وسينجر في نظريتهما المشهورة: إن ردود الأفعال الداخلية لدى الإنسان تؤثر على إثارة أحاسيسه الظاهرة، ومن ثم يسعى الإنسان إلى إيجاد متنفسًا لهذه الأحاسيس على مستوى الواقع والمحيط؛ مثل هذا النوع من المعرفة هو الذي يحدد مستوى التفاعل لدى الإنسان ويدفعه إلى انتهاج السلوك المناسب[23].

وبالرغم من الانتقادات الكثيرة التي وجهت إلى هذه النظرية إلا أن هناك العديد ممن يرون بأن عوامل المعرفة تلعب دورًا كبيرًا في بلورة الانفعالات لدى الإنسان.

على كل حال لا يمكننا الفصل بين أبعاد المعرفة والعواطف بشكل كامل؛ أي لا يمكننا الفصل بين أحاسيسنا وأفكارنا (وينتون، Winton ) فالفكر والإحساس مرتبطان بشكل وثيق ببعضهما البعض[24].

إلى جانب ذلك فإن الإمام علي (ع) يحذّر أيضًا من أي نوع من التعصب الذي يؤدي إلى إثارة الأحاسيس باستثناء ما يتعلق بالحق ووجوب الثبات والإصرار عليه، حيث يقول: “إن كنتم لا محالة متعصبين فتعصبوا لنصرة الحق وإغاثة الملهوف”[25].

كما يحذر (ع) من الاستبداد والفردية والاستئثار بالرأي حيث يقول: “من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها”[26].

  1. الحوار على العلم والوعي

من بين الأمور التي أكّد عليها الإمام علي (ع) هي المعرفة والوعي بما يرتبط بالحوار، حيث طالب الإنسان بأن لا يستند في حديثه إلى الظن والشك، وفي حال تعذر ذلك، فالأفضل له أن يلتزم بالصمت حيث يقول: “أيها الناس لا تقولوا بما لا تعرفون فإن أكثر الحق في ما تنكرون واعذروا من لا حجة لكم عليه”[27].

وعلى هذا الأساس فإن على الإنسان المؤمن أن لا يسعى إلى إثبات أفكاره الواضحة بأي ثمن كان، فكيف بالقضايا الخافية والمبهمة فهي الأولى في هذا المجال، فعندما لا يكون الحق جليًّا وواضحًا فقد يتعرض الإنسان للانحراف عن المسيرة الصحيحة.

إن حالة الوعي والبصيرة يجب أن لا تقتصر على كلام الإنسان فحسب، بل تشمل أيضًا الأسلوب والكيفية التي يستخدمها في أدائه لهذا الكلام، فعليه أن يكون على دراية ووعي بهذه الأساليب، يقول الإمام علي (ع) في هذا المجال: “إياك والكلام فيما لا تعرف طريقته ولا تعلم حقيقته”[28].

  1. الحكمة في الحوار

إن انتهاج الحكمة في الحوار ودراسة العواقب والنتائج التي تتمخض عن هذا الحوار هي من الأصول المهمة التي أكد عليها الإمام (ع) مرارًا وتكرارًا، فمن الواضح أن الحوار القائم على الحزم ودراسة العواقب يتميز بالكلام الحسن والرفق والمداراة مع الناس، وهي أيضًا من الأمور التي أكد عليها الإمام (ع) فهو يقول: “كمال الحزم استصلاح الأضداد ومداراة الأعداء”[29].

وقد أكد الإمام (ع) في عدد من المواضع على أن الحكمة هي من ميزات الإنسان المؤمن وإن المنافق قد لا يتمتع بنصيب كبير منها؛ فهو (ع) يقول: “الحكمة ضالّة كل مؤمن فخذوها ولو من أفواه المنافقين”[30]. وقال (ع): “الحكمة لا تحلّ قلب المنافق إلا وهي على ارتحال”[31]. وعنه (ع) أيضًا: “كسب الحكمة إجمال النطق واستعمال الرفق”[32].

ويقول (ع) في حديث آخر: “إِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ، وَإِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ خَيْراً أَبْدَاهُ وَإِنْ كَانَ شَرّاً وَارَاهُ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ لَا يَدْرِي مَاذَا لَهُ وَمَاذَا عَلَيْهِ”[33].

ومن هنا، فإن الإنسان المؤمن يدرس العواقب والنتائج التي قد تترتب على كلامه، وكذلك الفوائد والأضرار التي قد يتمخض عنه قبل أن يبدأ به فهو يتدبر عواقب كلامه قبل أن يطلقه ويصبح أسيرًا له.

كما يقول الإمام (ع): “حدّ العقل النظر في العواقب”[34].

كما إنه (ع) يوصي بالتدبر والتفكر قبل اتخاذ أي قرار، أو قبل الإقدام على أي خطوة فهو يقول: “تفكر قبل أن تعزم، وتدبّر قبل أن تهجم”[35].

رابعًا: أساليب الحوار

إن بيان الأهداف والأصول وحده لا يكفي لإدارة حوار ناجح وموفق، بل ينبغي أن يجري هذا الحوار في إطار معين كي ينسجم مع الأهداف والأصول التي أشير إليها، ولكي لا تؤدي الأساليب المستخدمة إلى الانحراف عن الأهداف والغايات المرجوة، وبالتالي يكون الحوار مبتورًا.

ومن هنا، فإن التحلي بالحلم والصبر في الحوار، واجتناب العناد والاستبداد والاستئثار بالرأي، والاهتمام بالقواسم المشتركة للوصول إلى تفاهم مشترك؛ وتجنب الخلافات والاستعانة بالجدل الأحسن؛ والتأكيد على الأمور التي يقبل بها الطرف الآخر مع أنها قد لا تحظى بموافقة الإنسان وقبوله؛ تعتبر كلها أساليب فاعلة أكّد عليها الإمام علي (ع) كما إنه يستفيد كثيرًا من سنن السابقين والوقائع التاريخية كنماذج حيّة وواقعية ويعرضها على الصديق والعدو بالرغم من أنه أراد من كل واحد منهما هدفًا معينًا وغاية مختلفة.

1 . التحلي بالحلم والصبر في الحوار.

هناك حالات وظروف يصعب معها إجراء الحوار مع الغير ومن بينها: إن أغلب الناس يشعرون برغبة عارمة في تقديم النصح للغير وسبب ذلك شعور الإنسان بالاقتدار والعظمة، فمن السهل علينا أن نقدم النصح للغير وأن نوفر لهم العلاجات والحلول الخاصة بمشاكلهم حتى وإن لم نقم بدراسة صحة هذه الحلول من سقمها ومدى انسجامها مع قدراتهم ومخاوفهم ونقاط القوة والضعف لديهم.

 في حال لم يقبل الطرف الآخر بالاقتراحات والحلول المطروحة، واتخذ موقفًا دفاعيًّا اتجاه ذلك فقد يسعى الإنسان إلى فرض هذه الحلول من خلال الجدال والضغط النفسي، وبالتالي سيزيد ذلك من تمسك الطرف الآخر بآرائه وإصراره على مواقفه.

إن الاستيعاب الحقيقي لمشكلة الإنسان لا يكون من خلال حصر الاهتمام بأحد أبعاد هذه المشكلة، بل يجب أخذ جميع أبعاد المشكلة بعين الاعتبار، ففي المرحلة الأولى يوصي الإمام (ع) بالالتزام بالحكمة ودراسة العواقب كمنطلق للحوار، وهو الأمر الذي أشير إليه سابقًا، ومن هنا ينبغي أولًا استيعاب الظروف الخاصة بالشخص المخاطب وأن لا يتم النيل من كرامته وعزّة نفسه.

وعزّة النفس هذه هي عبارة عن القيم المؤثرة في نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى ذاته، وبعبارة أخرى فهي احترام الإنسان وتقديره لذاته، أو الصورة النمطية التي يرسمها الإنسان لنفسه، وفي حال تعرضت عزّة النفس هذه إلى صدمة، أو شعر الإنسان بأنه يواجه كلامًا من موقع تعسفي لا تراعى فيه ظروفه ومكانته، فإنه ليس فقط لن يتأثر بهذا الحوار، بل قد يترك عليه آثارًا سيئة ونتائج معكوسة.

لكن وفي حال تمت مراعاة الأصول الأساسية للحوار، ثم تعامل الطرف الآخر بازدراء وجهل، فإن الإمام علي (ع) يوصي بالحلم والصبر واجتناب الغضب والغيظ فهو يقول: “إذا حلمت عن الجاهل فقد أوسعته جوابًا”[36]. ويوصي (ع) بمواجهة الكلام السيء بالأسلوب التالي: “إذا سمعت من المكروه ما يؤذيك فتطأطأ له يخطل”[37]. كما يوصي (ع) بتجنب الغضب والتطرّف والاستناد إلى الدليل والحجة مع صون اللسان عن الكلام الباطل والخاطئ حيث يقول: “دع الحدّة وتفكّر في الحجة وتحفّظ من الخطل تأمن الزلل”[38].

لقد أكد الإمام (ع) على التواصل والحوار المتبادل بين الطرفين، وذلك من خلال الكلام البليغ والجميل والحسن الذي يعود بمردود حسن ونتائج طيبة، فهو يقول: “أجملوا في الخطاب تسمعوا جميل الجواب”[39]. ويعتبر الإمام (ع) إن من أدوات التواصل هو الابتعاد عن الشتم والبذاءة في الحديث حتى مع الأعداء، لذا فإنه (ع) عندما يسمع إن الصاحبييْن “حجر بن عدي”، و “عمرو بن الحمق” قد شتما ولعنا أعداءهما المشاركين في حرب “صفين”؛ أرسل (ع) إليهما ونهاهما عن ذلك وعندما استوضحا الأمر قال لهما: “إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ وَلَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ وَذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ وَأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ”[40].

2 .الابتعاد عن العناد

من الأمور التي تؤكد عليها الروايات هو تجنب العناد، خاصة عندما يرافق العناد حالة من الاستبداد في الرأي والإصرار على الموقف.

ويعتبر الإمام (ع) إن من شروط المصاحبة والمسايرة والمحاورة هو المعارضة القليلة والمحدودة حيث يقول (ع): “شرط المصاحبة قلّة المخالفة”[41].

فإن المراء والجدال أكثر الأشياء مضرة في تفريق الأصدقاء وجلب معاداتهم، “فإذا كان العجز عن إتيان المكرمات نقصًا، فإن منطق الحنان على لسان علي يجعل العاجز عن اكتساب إخوة الناس أكثرهم نقصًا… ويضيف إلى هذا العجز، عجزًا آخر هو الميل إلى الخصومة … بل الأولى هو لين الكلام لما فيه من شد الأواصر بين القلوب منبع الحنان: وإن من الكرم لين الكلام، وليس بين نزعات القلب ما هو أدعى إلى الراحة من شعور المرء بأن له في جميع الناس إخوانًا أحبّاء”[42].

ويحذر الإمام (ع) من العناد ونتائجه المتوقعة على المدى القريب والبعيد فيقول: “اللجاج أكثر الأشياء مضرّة في العاجل والآجل”[43].

ويعتبر (ع) بعض أنواع العناد واللجاجة قد تؤدي إلى إشعال الحروب والنزاعات فيقول: “إياك ومذموم اللجاج فإنه يثير الحروب”[44].

ولذا، فقد نهى الإمام (ع) عن التسرّع في الجواب والعناد والإصرار على الرأي خاصة إذا لم تتضح الأمور بشكل كامل وشابها الغموض والإبهام، فهو (ع) يقول في عهده لمالك الأشتر: “إِيَّاكَ وَالْعَجَلَةَ بِالْأُمُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا أَوِ التَّسَقُّطَ فِيهَا عِنْدَ إِمْكَانِهَا أَوِ اللَّجَاجَةَ فِيهَا إِذَا تَنَكَّرَتْ”[45].

وكما إنه (ع) يحذّر من العناد في الكلام فهو كذلك يحذّر من إشعال نار العناد في الطرف الآخر، ويعتبر أن أحد عوامل إثارة العناد فيه هو الملامة فيقول: “الإفراط في الملامة يشب نار اللجاجة”[46].

3 .التأكيد على القواسم المشتركة وتجنب أسباب الفرقة

كثير ما يأتي فشل الحوار نتيجة تناول القضايا الجزئية والفرعية المختلف عليها، وكذلك نتيجة عدم الاهتمام بالقواسم المشتركة الكثيرة التي يجمع عليها أطراف الحوار، وقد أكد القرآن الكريم على هذه النقطة في إطار دعوته لأتباع الأديان الأخرى فقد طالب الجميع بأن يتحركوا انطلاقًا من القواسم المشتركة للتوصل إلى توافق مرحلي حيث يشكل هذا الأمر مقدمة لدعم الحوار ومنعه من الوصول إلى طريق مسدود.

يقول تعالى في هذا الصدد: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾[47].

ويحذّر الإمام (ع) أصحابه من تناول القضايا الجزئية؛ فهي وعلى الرغم من حقانيتها إلا أن من الصعب استيعابها من قبل الطرف الآخر، الذي هو غريب عن روحها ومعانيها حيث يقول (ع): “خالطوا الناس بما يعرفون، ودعوهم مما ينكرون، ولا تحمّلوهم على أنفسكم وعلينا، فإنّ أمرنا صعب مستصعب”[48].

من الواضح أن الالتزام بمثل هذا النوع من الحوار لا يعني التسليم للعقائد التي يحملها الطرف الآخر، ولا يعني التراجع عن المواقف المحقّة، بل إن الهدف من ذلك – كما يؤكد الإمام (ع) – هو تعزيز العلاقات الاجتماعية بين الناس وحتى لا يغلق باب التفاهم والتعاون في داخل المجتمع؛ ففي ذات الوقت الذي يؤكد فيه الإمام (ع) على أن مثل هذا النوع من الحوار هو مجرد محادثة لا أكثر وينبغي الحفاظ فيه على القيم والأصول والمبادئ حتى لا يخضع الإنسان للإسقاطات والسلوكيات التي تصدر عن الطرف الآخر، يقول أيضًا: “خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم”[49].

وعلى هذا الأساس فإن التنازل عن بعض القضايا الجزئية والاجتهادية في الحوار – بحيث لا تتعرض الأصول والقيم للضرر – هي ليست مرفوضة فحسب، بل إنها من الأمور المؤكّد عليها، وذلك لتعزيز الوحدة والانسجام داخل المجتمع وهو لا يمثل أبدًا نوع من النفاق وعدم الصدق أبدًا؛ إذ إن هذا الأسلوب هو عبارة عن مجاراة الناس ومسايرتهم إلى حدود ومستوى إدراكهم واستيعابهم والانفصال عنهم عند الاقتضاء، ومتى ما تم المساس بالعقائد والقناعات الخاصة بالإنسان.

4 .الجدال بالتي هي أحسن

ليس هناك تقييمًا أهم بالنسبة للإنسان من تقييمه لذاته، وإن مثل هذا التقييم يشكل أكثر العوامل تأثيرًا في الحالة النفسية للإنسان، وهذا النوع من التقييم لا يعني مجرد إصدار حكم واضح وصريح سواء كان شفاهيًا أو مكتوبًا، ولا يعني أيضًا عدّ صفات الإنسان أو وصف حالاته، بل هو مشاعر وأحاسيس، هذه المشاعر والأحاسيس يصعب فصلها أو تحديدها؛ وذلك لأن الإنسان وحده من يجرّبها دومًا وتمثل جزءًا من الأحاسيس الإنسانية الأخرى وتتدخل في جميع ردود الأفعال الحسيّة، وعلى هذا الأساس للإنسان – في مجال الحوار والمحادثة والسعي إلى إقناع الطرف الآخر – أن يحترم هذا الشخص والقيم التي يحملها وينطلق من هذا الأمر لتقديم الإجابات والردود. ومن بين أفضل الأساليب في هذا المجال؛ هو أسلوب الجدال بالتي هي أحسن التي أكد عليه القرآن الكريم بقوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[50].

وهو ذات الأسلوب الذي أكد عليه الإمام (ع)، والذي يحترم كثيرًا القيم والقناعات التي يحملها الطرف الآخر، ومن هنا فقد تعامل (ع) مع أشخاص مثل معاوية وطلحة والزبير الذين رفعوا لواء المعارضة لخلافته انطلاقًا من القناعات والمفاهيم التي يحملونها هم، فقد كان المعارضون للإمام يعتبرون أن شرعية الخلفاء السابقون جاءت فقط من خلال مبدأ الشورى وإجماع المسلمين، وعلى الرغم من رفض الإمام (ع) لمثل هذه المبادئ إلا أنه قام بمحاورتهم على أساسها وانطلاقًا منها، وقد مارس الإمام (ع) ذات الأسلوب مع حادثة السقيفة وبيعة أبي بكر، فعندما كانوا يستدلون على ما ذهبوا إليه بالقول بأن مجرد كون المرء صحابيًّا لا يكفي لتوليه أمر الخلافة، بل إن القرابة من رسول الله (ص) هي أيضًا معيار في هذا المجال؛ كان (ع) يقول لهم بأنه أقرب الصحابة إلى رسول الله (ص).

5 .الاستفادة من سنن الماضين والاعتماد عليها لاستشراف المستقبل

من العوامل التي تساهم في توفير الأمن النفسي هو احترام العقائد والسنن السليمة لدى الناس لكن بشرط أن لا يشجعهم ذلك على ممارسة الشرور، وبالتالي يأمن المذنب من العقاب، يقول الإمام (ع) في هذا الصدد: “أقم الناس على سنتهم ودينهم وليأمنك بريئهم وليخفك مريبهم”[51].

إن التقاليد الصحيحة التي عمل بها كبار القوم وساهمت في شيوع حالة الانسجام والألفة بين الناس ينبغي أن يتم احترامها خلال الحوار، وبالتالي فإن الإضرار بمثل هذه التقاليد والنيل منها قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، يقول الإمام (ع) في هذا المجال: “وَلَا تَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاجْتَمَعَتْ بِهَا الْأُلْفَةُ وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ وَلَا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ”[52].

ولذلك، فإن الاستدلال بحوادث الماضي غالبًا ما يجعل الحوار أكثر واقعية ويسرّع في التوصل إلى النتائج. ويقول الإمام (ع) في هذا الصدد: “استدل على ما لم يكن بما كان فإن الأمور أشباه”[53].

إن هذا الأسلوب لا يساهم في إقناع الصديق فحسب، بل ويؤدي في كثير من الأحيان إلى إلزام الخصم ودحض أدلّتة وحججه.

ومن هنا فقد استخدم الإمام (ع) هذا الأسلوب في حواره مع خصمه وتحدث بصراحة عن الوقائع الماضية عندما خاطب معاوية، حيث أشار إلى مقتل جدّه – أي جدّ معاوية – وخاله وأخيه على يده (ع).

خاتمة

إن الدور الذي يلعبه اللسان – وما يصدر عنه – والتأثير الإيجابي والسلبي الذي يتركه؛ قد أثار – ومنذ الأزل- اهتمامًا كبيرًا لدى الأوساط الدينية؛ خاصة وإنه يترك أثرًا مميزًا في الطرف الآخر المشارك في الحوار، والذي قد يضم شخصين أو أكثر، وبالتالي فإن الحصول على نتيجة من هذا الحوار مرتبط أساسًا بالأساليب والأصول المتبعة في هذا الحوار.

لقد وضّح الإمام علي (ع) من خلال أحاديثه وسيرته الأهداف والأصول والأساليب التي ينبغي أن تتبع للوصول إلى حوار ناجح وموفق، والتي أشير إلى عدد منها في هذه العجالة، ولا بدّ من الإشارة أيضًا إلى أن التوجه العام لهذا الخطاب يتناول الحوار بين الأصدقاء.

ولقد تحدث الإمام (ع) عن الآفات التي تفشل الحوار وتمنعه من تحقيق نتائج طيبة إلا أن هذا المقال لم يجد متّسعًا كافيًا لاستيعاب هذا الموضوع أيضًا على أمل أن يقوم الباحثون في المستقبل القريب بإتمام هذه الدراسة، وذلك من خلال تناول الآفات التي يتعرض لها الحوار، وطبيعة الأشخاص الذين ينبغي أن يتصدوا للحوار، وكذلك الأصول المتبعة لمحاورة الخصم.

[1]  ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، قم المقدسة، مكتبة المعصومة، نسخة كمبيوتر عربي وفارسي، الجزء1، الصفحة 161.

[2]د. انسيه خزعلي، الحوار في كلام الإمام علي (ع) – https://arabic.balaghah.net/content

وأيضًا ابن منظور، جمال الدين أبو الفضل، لسان العرب، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1992م،الجزء 4، الصفحة 218.

[3] محمد حسين فضل الله، الحوار في القرآن، مكتبة الشهيد صدر، 1984، الصفحة 16.

[4] عالمة النفس الأمريكية إم لينهان، المهارات الاجتماعية، ترجمه عن الإنجليزية إلى الفارسية: فيروز بخت، منشورات رشد، الطبعة1، 1377 هـ، الصفحة 303 . نقلًا عن موقع  www.sid.ir

[5] د.انسيه خزعلي، الحوار في كلام الإمام علي (ع)، مصدر سابق.

[6]د.انسيه خزعلي، الحوار في كلام الإمام علي (ع)، مصدر سابق.

[7] نهج البلاغة، نسخة كمبيوتر، الحكمة 392.

[8] نهج البلاغة، الخطبة 104.

 [9]نهج البلاغة، الخطبة 205.

[10] د.انسيه خزعلي، الحوار في كلام الإمام علي (ع)، مصدر سابق.

 [11]الشيخ عبد الواحد الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، ترجمه إلى الفارسية: محمد علي الأنصاري، طبعة طهران، بدون اسم دار نشر، 2013، الصفحة 390. ونقلنا النص باللغة الفارسية وترجمناه إلى العربية.

[12] محمد علي الأنصاري، غرر الحكم، مصدر سابق، الجزء1، الصفحة 127.

[13] المهارات الاجتماعية، مصدر سابق، الصفحة 27.

[14]محمد علي الأنصاري، غرر الحكم، مصدر سابق، الجزء1، الصفحة 143.

[15] المصدر نفسه، الجزء1، الصفحة 60.

[16] المصدر نفسه، الجزء 2، الصفحة 70.

[17]محمد علي الأنصاري، غرر الحكم، مصدر سابق، الجزء2، الصفحة 538.

[18]المصدر نفسه، الجزء 2، الصفحة 671.

[19]المصدر نفسه، الجزء 2، الصفحة 841.

[20]المصدر نفسه، الجزء1، الصفحة 195.

[21]المصدر نفسه، الجزء1، الصفحة 54.

[22]المصدر نفسه، الجزء 2، الصفحة 777.

[23] د.انسيه خزعلي، الحوار في كلام الإمام علي (ع)، مصدر سابق.

[24] هارجي، مصدر سابق، الصفحة 36.

[25] محمد علي الأنصاري، غرر الحكم، مصدر سابق، الجزء 7، الصفحة 625

[26] المصدر نفسه، الجزء 6، الصفحة 296.

[27] د.انسيه خزعلي، الحوار في كلام الإمام علي (ع)، مصدر سابق.

[28] محمد علي الأنصاري، غرر الحكم، مصدر سابق، الجزء 2، الصفحة 337.

[29] المصدر نفسه، الجزء 2، الصفحة 245.

 [30]د.انسيه خزعلي، الحوار في كلام الإمام علي (ع)، مصدر سابق.

 [31]المصدر نفسه.

[32] المصدر نفسه.

[33] نهج البلاغة، الخطبة 176.

[34] محمد علي الأنصاري، غرر الحكم، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحة 382.

[35] المصدر نفسه، الجزء1، الصفحة 353.

[36] محمد علي الأنصاري، غرر الحكم، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحة 318.

[37] المصدر نفسه، الجزء 1، الصفحة 327.

[38] د.انسيه خزعلي، الحوار في كلام الإمام علي (ع)، مصدر سابق.

[39] محمد علي الأنصاري، غرر الحكم، مصدر سابق، الجزء 1،الصفحة 139.

[40] نهج البلاغة، الخطبة 206.

[41] محمد علي الأنصاري، غرر الحكم، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحة 451.

[42] جورج جرداق، روائع نهج البلاغة، نسخة كمبيوتر، 2002م، الصفحة 58.

[43] محمد علي الأنصاري، غرر الحكم، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحة 104.

[44] المصدر نفسه، الجز1، الصفحة 150.

[45] نهج البلاغة، الخطبة 53.

[46] محمد علي الأنصاري، غرر الحكم، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحة 70.

[47] سورة آل عمران، الآية 64.

[48] محمد علي الأنصاري، غرر الحكم، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحة 395.

[49] محمد باقر محمودي، نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، وزارت فرهنگ وإرشاد إسلامي، 1376ه، الصفحة 103.

[50]سورة النحل، الآية 125.

[51] محمد علي الأنصاري، غرر الحكم، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحة 122.

[52] نهج البلاغة، الخطبة 53.

[53] محمد علي الأنصاري، غرر الحكم، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحة 117.

حسن خاك رند

حسن خاك رند

سياسي وباحث ومؤرخ ومترجم إيراني،له عدة أبحاث وكتب خاصة كتاب مذكراته (كنت سفيرًا بمصر)، عندما عمل قائمًا بالأعمال في سفارة إيران بالقاهرة بعد نجاح الثورة الإسلامية، وعمل مستشارًا في وزارة الخارجية والثقافة ومجمع أهل البيت (ع)، ويعمل حاليًّا مستشارًا في مؤسسة عاشوراء الدولية....


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
لإمام عليخطبتواصلجدلحوارالحكمة

المقالات المرتبطة

في فلسفة الحكم عند الإمام عليّ (ع)

يستشهد عليّ (ع) بالقرآن فيقول: “هل أنزل الله سبحانه دينًا ناقصًا، أم أنزل سبحانه دينًا تامًّا فقصر الرسول عن تبليغه وأدائه، والله سبحانه يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ﴾ (الأنعام/38) . فهل الحكم لا شيء حتى يتجاهله الله تعالى؟

الركائز الإبستيمولوجية للعلمانية(1)

مدخل يمتاز عصر النهضة بثلاثة أحوال هي: تقديم “الأسباب” على “الأدلّة” في إعادة دراسة الرؤى والظواهر وعرضها. ظهور حالات انقطاع

سلمان درع أطروحة أكرمكم أتقاكم

تمهيد إنّ لرسول الله (ص) مدرسة انتمى من الناس إليها انتماءً حقيقيًّا خيرتهم فتفانوا من أجل الثبات على صراطها، فأصبح

تعليق واحد

أكتب تعليقًا
  1. علي السراي
    علي السراي 24 مايو, 2023, 16:13

    طيب الله انفاسكم استاذنا الكريم على هذا النشر الرائع وتسليط الضوء على هذا الجانب من شخصية سيد البلغاء أمير المؤمنين سلام الله تعالى عليه، فبحره عميق وزاخر بجواهر العلوم والمعرفة بكل ابوابها وتشعباتها، كيف لا وهو باب مدينة علم اخيه سيد الانام النبي الخاتم صل الله عليه واله، بوركتم وحزيتم خيرا

    الردّ على هذا التعليق

أكتب تعليقًا

<