الفلسفة السياسية لولاية الفقيه 5 –

الفلسفة السياسية لولاية الفقيه  5 –

الفصل الخامس

المعارضات الدستورية لولاية الفقيه

حفلت الآراء الدستورية ذات الصلة بولاية الفقيه بدراسات وتعليقات كثيرة، أبرزها:

التعليقات الدستورية عند الشيخ محمد جواد مغنية[1].

تصريحه بأنّنا لا نعرف طريقًا للحكم سوى الرجوع إلى آراء الناس عامّة، ولذلك ليس هناك غير الانتخابات من سبيل.

إنّ الفقهاء لا يتميزون عن الناس في خضوعهم لسياسات الحكومة المنتخبة وينحصر دورهم في استنباط الأحكام، وفي القضاء الصلحي بين الناس، والدعوة إلى الخير.

يميز الشيخ مغنية بين الثوابت والمتغيرات؛ فيرى العقائد والعبادات والإرث والزواج والطلاق ثوابت، أما المعاملات فهي متغيرات.

ويرد عليها

ثبت بالتجربة العملية وبالتحليل النظري أن الاعتماد على آراء عامة الناس لا يحقّق التكامل المنشود للبشرية، فمن ناحية يسهل خداع العقل الجمعي، ومن ناحية عدم عدالة المساواة في الآراء بين أهل الخبرة والانضباط الأخلاقي وعوام الناس.

إذا سلمنا أن المنظومة الدينية تحتوي على أحكام اجتماعية، وأن المجتمعات المسلمة متوجه إليها تكليفات لا يمكن أداءها إلا بشكل جماعي منظم، (مثل: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ومثل: قاتلوا المشركين كافة ..)، وإذا سلمنا بضرورة رجوع الجاهل إلى العالم، فلا يمكن أن ينهض بمهمة قيادة المجتمع لأداء هذه التكليفات إلا الأشخاص الأكثر خبرة بها، وهم العلماء.

إن الثوابت والمتغيرات في الإسلام مثل المحكمات والمتشابهات في القرآن لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم، فالفقيه بالدرجة الأولى هو من يحدد ما صدر من النبي والمعصومين على نحو الحكم الولائي أو الحكم الأولي[2]، وإذا كنا متفقين على ثبات الحكم الأولي وصلاحيته لكل عصر ومصر، فلا يعلم مناط الحكم الولائي ولا سياق صدوره ولا مراد الشارع منه -ولو على نحو الظن- شخص أفضل من الفقيه، فلا معنى لمساواة الفقهاء ببقية الناس من حيث المعرفة الدينية اللازمة لإقامة حكم “إسلامي”.

المداخلات الدستورية للشيخ محمد مهدي شمس الدين

يقول الشيخ شمس الدين: إن الأحكام التي تنظم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلاقات الدولية أحكام متغيرة ومرتبطة بالزمان وتتغير بتغيير المصالح؛ لذلك فهي ناشئة من إرادة المجتمع، وعلى الفقهاء إعطاء رأي منها وبيان الأحكام، وليس للفقهاء غير دور استنباط الأحكام الشرعية، وليس الفقيه نائبًا للإمام المعصوم، ولا ولاية له على الأمة؛ من هنا يرى العلامة شمس الدين أنّ الأمة بالانتخابات تحدّد شكل نظامها على أساس الشورى، ولا يعد الفقه شرطًا لرئيس الدولة المنتخب[3]. ومن البيّن أن حكومةً لا تنسجم مع طبيعة المجتمع ولا تمتزج في أعماق الأمة لا يكتب لها النجاح.

ويرد عليها

أن منح السلطة السياسية ومن ثم الاقتصادية والعسكرية لأشخاص خاضعون للتوافقات الدولية، ولسطوة أصحاب المؤسسات الإعلامية والمصالح الاقتصادية التي لا يهمها إلا الربح وأفرزتهم أهواء عوام الناس التي تتغذى على الخوف أو طلب المصلحة الآنية يتعارض مع مقاصد الشريعة الكبرى في وجوب بسط العدل والقيم والأخلاق بين الناس، وإحقاق الحق وحرمة أن ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾[4]، ولو بقاعدة نفس السبيل.

وإطلاق الحرية لعوام الناس في اختيار من يتحكم بمصيرهم يتركهم أمام مخاطر تأثير البروباغندا والمال السياسي والتأثيرات الخارجية؛ فذاكرة العوام ثلاثة أيام كما يقول الجبرتي، والعقل الجمعي ينفعل كطفل مراهق كما أقر بذلك غير واحد من علماء الاجتماع. وفي هذه الحرية المطلقة تسليم للمبادئ الغربية القائلة إن مجرد عبور الشخص البالغ عتبة عمر 18 عامًا فإنه يصبح فجأة كامل الأهلية لا للتصرف في نفسه وماله فقط، بل والمشاركة في اتخاذ قرارات ربما لا يستطيع عقله استيعاب تأثيرها ودوافعها وحيثياتها.

المعارضات الدستورية (الحداثوية) لنظرية ولاية الفقيه

ويرى معارضو نظرية ولاية الفقيه السياسية أنّ النظرية تجعل الحكم السياسي من مقتضيات النصّ، وتحصر دلالته فيما تريد وتهمل دلالته الأخرى؛ وبذلك تجعل المعارضة الضرورية في أيّ أنموذج متحضر في مواجهة مع النص، كما أنها تمنح الفقهاء فقط السلطة السياسية وتمنع غيرهم؛ فتصبح نظرية إقصائية للتكنوقراط فضلًا عن ظهور احتمالات في أن تجعل من الفقهاء وحدهم الطبقة المستفيدة، وتقترب من أنموذج الحكم الثيوقراطي (الحكومة الإلهية)، الذي يحكم الفقيه فيه باسم الإله.

ويرد عليها

إن محاولات التلاعب اللفظي لإقحام مبادئ: (ما بعد الحداثة – سيولة المعنى – الهرمانوطيقا – موت المؤلف – .. وغيرها) جميعها مترادفات لا تهدف إلا لترسيخ مبدأ واحد وهي نسبية الأخلاق، وبالتالي منح السلطة البشرية (التعاقدية) صلاحية تحديد الحق والباطل، وترسيخ مبدأ تاريخانية النص (الديني أو الفلسفي والأخلاقي)، والحاجة للتمرد عليه باعتباره ابن عصره، ولكن الفقهاء بالمعني الحقيقي لا يعتمدون فقط على مجموعة من النصوص لإكراه الناس عليها، بل إن الوحي والنص الديني والسنة العملية وسائر مصادر التشريع ما هي إلا أدوات اتصال بيننا وبين المولى الحقيقي الخالق والحق الذي أحقّه والباطل الذي أبطله والأخلاق المطلقة المجردة.

ثم إن التكنوقراط الخالي من الأيديولوجيا هو خديعة يراد بها إعادة صياغة لغوية لمبدأ (فصل الدين عن السياسة)؛ إذ لا بدّ للحكومة من فكرة سياسية تخدمها وتتجه إليها (مثلًا في توزيع فائض الإنتاج: تعظم الأرباح للمالكين من خلال آليات السوق الحرة، أم تفرض الضرائب التصاعدية، أم تتملك الدولة وحدها آليات الإنتاج وفائض الإنتاج وتعطي لكل على قدر حاجته؟).

إنّ اعتماد نظرية ولاية الفقيه لا يحتاج إلى الشرعية المدنية، إنما تُطرح مكمّلًا للشرعية الدينية، ومن ثمّ فهي تتصادم مع الاختيار الديموقراطي المدني، ولا تطرح فاصلًا معرفيًّا بين الفكر الديني الثابت (النصوص والحقائق المجمع عليها)، وبين الفكر السياسي المتغير تبعًا لتعدّد دلالة النص، أو تبعًا للاجتهاد.

ومنهجيًّا، تؤدي نظرية ولاية الفقيه إلى الاعتماد على مستند مركّب: المستند العقائدي والمستند التاريخي على حساب مستند الاختيار المدني، وستتحوّل في ظلها ـ فقط ـ الأحزاب الدينية، بل يحتمل أن تتحول الأحزاب إلى فرق دينية، وتمنع الأحزاب غير الدينية والمنظمات المدنية من أن تأخذ دورها السياسي والرقابي للمساهمة في خلق وعي متجدّد.

إن الفقيه في النظرية فوق الدستور والقانون، فهو المشرف والموجّه وليس مقيدًا إلا بالنصوص القابلة للتأويل (الذي قد يتعدّد) والاجتهاد المفتوح، وعليه فلا يصح هذا قيدًا ضابطًا.

السيد محمد الشيرازي ونظرية شورى الفقهاء

يقول السيد محمد الشيرازي في كتابه “كيف نجمع شمل المسلمين؟”[5]: إن الحكومة الإسلامية قوامها “شورى المراجع” الذين هم مراجع تقليد الناس… لأنهم نواب الأئمة (ع) الذين نصبوهم حكّامًا وخلفاء. يقول (ص): “اللهم ارحم خلفائي”[6]، وقول الصادق (ع): “فإني قد جعلته عليكم حاكمًا”[7]، ولا وجه لأن يكون بعض المراجع في الحكم دون بعض، لأنه عزل لخليفة الرسول، والحاكم المنصوب من قبل الإمام، ولا حق أن يقول أحدهم إن المرجع الفلاني لا يفهم أو ما أشبه (من الاتهامات)؛ إذ ما دام قبلته جملة من الأمة بملء إرادتها، فاللازم أن يكون شريكًا في الحكم.

يؤكد كلامه نجله السيد مرتضى الشيرازي في حوار منشور يقول: “نظرية (شورى الفقهاء) ترى أن رأي أكثرية مراجع التقليد والفقهاء العظام في الشؤون العامة هو النافذ، وليس رأي الفقيه الواحد حتى وإن كان أعلم، كما ترى اشتراط رضى الناس أيضًا، أما نظرية ولاية الفقيه فيرى عمدة القائلين بها أن للفقيه الواحد الولاية على الناس وإن عارضته أكثرية الفقهاء، بل وحتى وإن عارضته أكثرية الناس. وتنطلق نظرية شورى الفقهاء من سلسلة من الأدلّة والبراهين والحجج العلمية التي ذكرها السيد الوالد في كتبه، وقد تمّ التطرق لها في كتاب “شورى الفقهاء دراسة فقهية أصولية””[8].

ويرد عليها

إن سراية توزيع الصلاحيات إلى أعلى البنية الهرمية قد يصيب بالشلل أو الضرر بعض القضايا أو الأمور التي قد لا تتفق عليها مراكز القوة -أي مراكز الثقل في الصلاحيات- على قرار واحد أو على أسلوب معين في إدارتها وتحديد أولوياتها وكيفية علاجها، وهو ما يعود بالضرر على مجمل أمور الدولة ومصالح المجتمع. وعدم منح مركز الثقل إلى شخص واحد يبطئ جدًّا إمكانية حسم الموقف واتخاذ القرار، والضياع والتشتت على مستوى الإدارة العملية، ما ينقض الغرض المتوخّى من وجود الدولة. لذلك فإن وظيفة مجلس الخبراء التي تنتخب وتراقب وتعزل الوليّ الفقيه حال المخالفة أو فقدان الأهلية هو الحل الأمثل لضمان عدم الاستبداد في الوقت الذي يعطي الصلاحيات الكافية للإدارة والقيادة بفاعلية[9].

كما أقام بعض الأصوليون أدلة تثبت تهافت فكرة تعدد الولي الفقيه مثل السيد هاشم نور الدين فيرجع إليها في مظانها[10].

السيد الشهيد محمد باقر الصدر ونظرية مجلس التنفيذ

الشهيد الصدر يرى[11] أن المرجع، الذي يتصدى وينجح في هذه المهمة يكون هو القائد الفعلي، ولكن على أن يقوم بتأليف مجلس يضم مائة من المثقفين الروحانيين، ويشتمل على عدد من أفاضل العلماء في الحوزة، وعدد من أفاضل العلماء الوكلاء، وعدد من أفاضل الخطباء والمؤلفين والمفكرين الإسلاميين على أن يضم المجلس ما لا يقل عن عشرة من المجتهدين، وتمارس المرجعية أعمالها من خلال هذا المجلس.

وأما في حالة أخرى، حيث لم تتوفر عملية التصدي، كأن تكون هناك ظروف ساقت إلى تكوين الحكومة الإسلامية (ثورة شعبية مباغتة، انقلاب عسكري، قرار تحكيم الإسلام…)، ففي مثل هذه الحالة سيأتي فقيه للحكم بترشيح من أكثرية أعضاء مجلس المرجعية، ويؤيد الترشيح من قبل عدد كبير من العاملين في الحقول الدينية -يحدد دستوريًّا- كعلماء وطلبة في الحوزة، وعلماء وكلاء وأئمة مساجد وخطباء ومؤلفين ومفكرين إسلاميين، على أن يحوز مسبقًا على صفات المرجع الديني من الاجتهاد المطلق والعدالة، وأن يكون ذا خط فكري إسلامي واضح من خلال كتبه ومؤلفاته، وأن يكون مرجعًا في الأمة، وقد حاز على هذا المنصب بالطرق الطبيعية المعروفة، وفي حالة تعدد المرجعيات المتكافئة من ناحية الشروط يعود إلى الأمة أمر التعيين من خلال استفتاء شعبي عام.

ويرد عليها

تقترب فكرة الشهيد الصدر عن الشورى ـ تاريخيًّا وسياسيًّا ومعرفيًّا ـ من الاتجاه الفقهي المنتمي ـ مدرسيًّا ـ إلى المذهب السنّي، حيث يتمّ الاعتماد على إلزامية رأي الأكثرية، في ترتيب شكل الحكم الإسلامي، كما نلاحظ في قانون جماعة الإخوان المسلمين ـ كنص تنظيمي ـ وآراء وفتاوي غير واحد من المنظّرين، كالشيخ محمود شلتوت والشيخ مصطفى السباعي، والشهيدين: سيد قطب وعبد القادر عودة[12]، وذلك في مقابل اتجاه آخر طرح ـ مع التزامه بفكرة الشورى ـ إشكاليةً في اتخاذ الأكثرية معيارًا لفرز الآراء وتعيين اللازم منها.

يعتقد أبو الأعلى المودودي في بعض كتبه أنّ الأمور وإن قضت إلزامية الرأي الأكثر في عامة الأحوال، إلا أن الإسلام لا يجعل العدد ميزانًا للحقّ والباطل: ﴿قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾[13]، فإنه من الممكن في نظر الإسلام أن يكون الفرد أصوب رأيًا من سائر أعضاء المجلس النيابي[14]، كما يصرّ العلامة الطباطبائي على أنّ النظرية الإسلامية تمتاز عن هذا النظام المعهود في الديمقراطيات الغربية؛ إذ ليس المقياس هو أكثرية الأصوات، وإنما اتّباع الحقّ[15]، وفي هذا السياق، نجد محاولات أكاديمية لطرح مضمون جديد لمفهوم الأغلبية والأكثرية؛ إذ تفسّرها بأنها “أغلبية حجّة وبرهان ومنطق وفكر لا أغلبية عددية”[16]. صرّح بنفس الرأي على نحو الفتوى عدة مجتهدين وأساتذة في الحوزة العلمية منهم: آية الله رضا أستاذي: “الولاية لا تستمد شرعيتها من الناس بأي حال من الأحوال، وليس لتأييد أو معارضة الناس أي أثر في أصل ولاية الفقيه”، ويقول آية الله محمد رضا مهدوي كني، وهو أحد أعضاء مجلس الشورى المركزية في جماعة علماء الدين المجاهدين: “ولاية الفقيه ليست مسألة انتخابية، بل هي مسألة تشخيصية، والذي يعمل في المجالات التنفيذية لا يحق له إبداء رأي في المسائل الفقهية والاجتهادية وفي الموضوعات العامة والحكومية”[17].

معارضات الإسلام الحداثوي ودعاة الدولة المدنية الحديثة

من المعاصرين من أمثال السيد هاني فحص، وعلي عبد الرازق، ورفاعة الطهطاوي، وخير الدين التونسي، ومحمد عبده … وغيرهم ممن رأى أن ولاية النبي كانت دينية فقط في الإسلام وأصول الحكم، في مقابل أطروحة الخلافة الإسلامية التي كانت من قبيل المتغير الخاضعة لظروف الزمان والمكان. أضاف إلى هذه الرؤية من قال: إن التعامل مع فكرة الدولة الحديثة كأمر واقع هو الخيار الممكن الوحيد، بالضبط مثل أحكام: (السيل الذي لا يمكن دفعه) ولا يمكن مواجهته إلا بقواعده.

ويرد عليه

هناك فرق شاسع بين الدولتين المدنية والإسلامية سواء في التعريف أو الدوافع أو الأهداف أو الهيكلية أو آلية العمل. ومحاولة الدمج والتوفيق بين التجربتين هو من قبيل العبث، فلا بدّ لمن يحاول عمل مزاوجة بين التجربتين أن يتعرف على معالم الحكومة الإسلامية أولًا، ثم يبني على ذلك اقتراحاته.

معارضات محسن كديوار

يقول في كتابه “نظريات الحكم في الفقه الشيعي”: “تتحدد الولاية القائمة على أساس الشرعية الإلهية المباشرة من الشارع المقدس، وليس من الناس (المولّى عليهم). وهنا يبرز سؤال في منتهى الأهمية: طالما أن الدستور يستمد شرعيته من إمضاء الولي الفقيه فكيف له أن يقيد ولاية الفقيه المطلقة؟ واقع الحال أن الولي الفقيه المطلق يستطيع أن يلغي القانون عندما يرى أن ذلك من مصلحة الإسلام والمسلمين، وذلك باعتبار أن القانون الواقعي هو قانون الإسلام، الذي ينقضه الفقيه الولي. وبناء عليه فأوامر الولي الفقيه تعتبر في حكم القانون، وهي مقدمة عليه في حالات التعارض معه”[18].

ويرد عليه

إن العلاقة بين الحاكم والمحكوم في نظرية الحكومة الإسلامية منظمة ودستورية ومشروطة على نحو التعاقد على أساس عقد شرّعه المولى سبحانه وتعالى، ولا يمكن للولي الفقيه أن يعتبر نفسه فوق أحكام القرآن، مثلًا بأن يحلّل حرامًا أو يحرّم حلالًا، وحتى في النصوص القابلة للتأويل والمتشابهات الموكل بها (الراسخون في العلم)، فإن مجلس خبراء القيادة المنتخب من الناس ممن هم على مستوى من الأهلية العلمية والفضالة الأخلاقية يستطيع دستوريًّا بقوة الأغلبية أن يعزل هذا الولي الفقيه إن انحرف أو عجز، وأن يبطل قراراته.

في قبال القوانين الوضعية التي هي محدودة بحدود الخيال البشري وتجربته المحدودة ومعرفته القاصرة (حتى بنفسه)، والذي ثبت أن إعمال سلطانه الخاضع لهوى فرد أو حتى جماعة تدفعهم مصالحهم، لن ينتج إلا الفساد في الأرض والبحر.

[1] محمد جواد مغنية، الخميني والدولة الإسلامية، بيروت: دار العلم للملايين، بلا تاريخ، الصفحة 79.

[2] الأحكام الأولية أحكامٌ للشارع المقدّس، يتمّ كشفها من قبل الفقيه مباشرةً، فيما الأحكام الولائية أحكامٌ يصدرها الحاكم الشرعي بمقتضى صلاحياته الشرعية، والأحكام الأولية أحكامٌ كلية غير مطبّقة على مصاديقها الخارجية، كقول الفقيه: الصلاة واجبة، والماء طهور؛ فيما تعبّر الأحكام الولائية عن تطبيق حكم كلّي على الموضوعات الخارجية. يراجع في ذلك: الشهيد الثاني: مسالك الأفهام، قم: مؤسسة المعارف الإسلامية، 1416 هـ، الجزء1، الصفحة 162.  محمد حسن الجواهري، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، بيروت: دار إحياء التراث العلمي، 1988 م، الجزء 21، الصفحة 43. مجموعة من الباحثين، مقرر “مؤتمر دراسة المباني الفكرية للإمام الخميني”، ملاكات الأحكام والأحكام الحكومية، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، 2007، الصفحة 251.

[3] فؤاد إبراهيم، الفقيه والدولة – الفكر السياسي الشيعي (في حوار له مع الشيخ محمد مهدي شمس الدين)، بيروت، دار الكنوز الأدبية، الطبعة 1، 1998م، الصفحة 427.

[4] سورة النساء، الآية 141.

[5] محمد حسيني الشيرازي، كيف نجمع شمل المسلمين؟ بيروت: مؤسسة المجتبى، 1424 هـ.

[6] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1984م، الجزء 4، باب النوادر، الحديث 5919، الصفحة 420. معاني الأخبار، الجزء 2، الباب 423 (باب معنى قول النبي: “اللهم ارحم خلفائي” – ثلاثًا)، الصفحة 374. الأمالي للصدوق، المجلس 34، الحديث 4، الصفحة 109.

[7] الكليني، الكافي في الأصول والفروع، قم: مطبعة الخيام، 1983م، الجزء 7، الصفحة 412.

[8] السيد مرتضى الشيرازي، مقال بعنوان: “شورى الفقهاء تجسد ضمانًا قويًّا ضد الانخراط في الاستبداد”، منشور بتاريخ 1 محرم،  1420هـ، جريدة الوطن الكويتية، بواسطة: موقع النبأ: تاريخ الدخول:22/11/2022، <https://annabaa.org/nba32-33/shora.htm>

[9] محمد شقير، فلسفة الدولة: في الفكر السياسي الشيعي – ولاية الفقيه نموذجًا، بيروت: دار الهادي، 2002 م، الصفحة 284.

[10] ينظر في ذلك: هشام نور الدين، بحث بعنوان: “نظرية ولاية الفقيه بين وحدة القيادة والتعدّد”، مجلة مطارحات في الفكر السياسي الإسلامي، 2015 م، الصفحات 171- 177.

[11] محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، نسخة إلكترونية (بدون دار نشر)، 1984، الصفحتان 13 و14.

[12] عدنان سعد الدين، “من أصول العمل السياسي للحركة الإسلامية المعاصرة”، الحركة الإسلامية.. أوراق في النقد الذاتي، المحرر عبد الله النفيسي، الكويت: مكتبة آفاق، 2012، الصفحة 276 و 416.

[13] سورة المائدة، الآية 100.                                                                                                                                                                                                                                                                                        [14] أبو الأعلى المودودي، نظرية الإسلام وهديه فى السياسة والقانون والدستور، القاهرة: مؤسسة الرسالة، 1969، الصفحة 59.

[15] محمد حسين الطباطبائي، نظرية السياسة والحكم في الإسلام، بيروت: الدار الإسلامية، 1982، الصفحة 49. حسين علي منتظري، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، طهران: دفتر تبليغات مكتب الإعلام الإسلامي، 1984، الجزء 1، الصفحة 567.

[16] هشام عوض جعفر، الأبعاد السياسية لمفهوم الحاكمية، فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1995، الصفحة 132.

[17] مرتجي حجت، “التيارات السياسية في إيران”، المجلس الأعلى للثقافة 2002، الصفحة 81.

[18] محسن كديور، نظريات الحكم في الفقه الشيعي، بيروت: دار الجديد، 2000م، الصفحة 13.



المقالات المرتبطة

الفكر العربي الحديث والمعاصر | نقد الخطاب الفلسفي الوضعي عند محمود (6)

لم يقدم زكي نجيب محمود مجرد فلسفة، إنّما رؤية متكاملة تقوم على أسس منهجية واضحة، جاءت تعبيرًا عن موقف من التراث العربي – الإسلاميّ،

الفلسفة السياسية لولاية الفقيه-4-

كان ولا زال أكبر إشكال نظري لدى فلاسفة الحكم هو معالجة معضلة التوفيق والموازنة بين فاعلية السلطة المطلقة وفسادها وكذلك المباشرة الشعبية…

جاك دريدا ومغامرة الاختلاف الكتابة كفضاء للاختلاف

إن إحدى السمات الأساسية لما يقدمه ديريدا، هي زعزعة صرح نزعة التمركز الأوروبي

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<