أقام معهد المعارف الحكمية وضمن برنامجه الدوري المنتدى الفلسفي، ندوة افتراضية (عبر منصة زووم) بعنوان: “ما الفلسفة؟”، شارك فيها الأستاذ الدكتور عفيف عثمان بمحاضرة تحت عنوان: أطروحة ميشيل فوكو: الفلسفة وتشخيص الحاضر وسلطة الخطاب. وذهب سماحة الشيخ أحمد جابر إلى الحديث عن “المنظور الإسلامي: العقل الفطري ومعايير إسلامية الفلسفة”، أما الدكتور أحمد ماجد فقد تناول العنوان التالي: “الفلسفة تشبه بخيرية الإله، قراءة في فلسفة أفلاطون”.
أدار الندوة سماحة الشيخ شفيق جرادي فاستهل كلامه بمقدمة طرح فيها إشكاليات تعريف الفلسفة؛ قال فيها: “يتناول بحثنا اليوم مسألةً بالغة الأهميّة بعنوان: “ما الفلسفة؟”، وهو سؤالٌ عريض اجتذب أنظار المفكّرين واستدعى إجاباتٍ شتّى حتى كادت تستعصي على الاستقصاء إحصاءً.
أضاف، والتساؤل المطروح: هل يصحّ التقرير بأنّ كلّ تصوّرٍ لحقيقة الفلسفة وماهيّتها يُعدّ مقاربةً فلسفيّةً سليمة؟ وهل يكمن جواب “ما الفلسفة؟” في الدهشة الفلسفيّة؛ وأيّة دهشةٍ يُراد بها تحديدًا؟ أم أنّه وليد التساؤل المستمرّ وتولّداته الذاتيّة التي لا تستقرّ عند جوابٍ ناجز، من منطلق أنّ كلّ إجابةٍ هي تقريرٌ يضجّ بممارسة السلطة المعرفيّة؟
ثم تابع سماحته متسائلًا، أفهل يسوغ القول: إنّ الفلسفة ليست إلّا ما قرّره الآباء المؤسّسون، كأفلاطون وأرسطو ومن كشف البحثُ النقاب عنهم، أم أنّها وليدة نزوع العقل وشبقه نحو إثارة المقولات والمفاهيم التأسيسيّة؟ وتأسيسًا على ذلك، هل يصحّ ذلك اليقين الذي طمح إليه الأوائل على نحوٍ من الفردوسيّة التي تشتهيها النفس؟ وكيف أعادت المقاربات السوسيولوجيّة المعاصرة موضعة الفلسفة في سياقها؟
ولفت سماحته إلى إنّ هذه الأسئلة لا نبتغي من طرحها تقييد الباحثين بما أعدّوه من مدارسات، بل المشاركة الفاعلة معهم ومع الحاضرين في حلقة حواريّة قوامها النظر في ماهيّة الفلسفة.
بعد هذه المقدمة أعطى سماحة الشيخ شفيق جرادي الكلام إلى الأستاذ الدكتور عفيف عثمان، حيث تطرق في ورقته والتي تحمل عنوان: أطروحة ميشيل فوكو: الفلسفة وتشخيص الحاضر وسلطة الخطاب؟ إلى الحديث عمّا افتُتح به البحث من القول بتعدّد الأجوبة عن مسألة حقيقة الفلسفة، ليغوص في المقاربة التي قدّمها الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، وهو نصٌّ متقدّمٌ تاريخيًّا على كتاب جيل دولوز المؤلَّف عام 1991م حول ماهيّة الفلسفة، والذي قلب فيه دولوز التصوّر السائد جاعلًا غاية الفلسفة متعيّنةً في إنتاج المفاهيم الجديدة وإبداعها. لافتًا إلى أن فوكو كتب نصه عام 1966م ولم يرَ النور بالنشر في فرنسا إلّا عام 2023م، ثمّ نُقل إلى العربيّة في ترجمةٍ صدرت عام 2025م أنجزها الصديق الزواوي بغورة، حيث يذهب فوكو إلى تعريف الفلسفة بأنّها جملةٌ من العبارات أو الملفوظات التي تندرج ضمن تشكيلةٍ خطابيّةٍ محدّدة.
واعتبر الدكتور عثمان أنَّ الخطاب ليس مجرّد تجميعٍ للألفاظ والكلمات، بل هو شبكةٌ معقّدةٌ من العلاقات التي تُنتج المعرفة، وتُحدّد ما يمكن قولُه أو التفكيرُ فيه ضمن سياقٍ تاريخيٍّ واجتماعيٍّ معيّن. فالخطاب لا يقف موقفًا محايدًا، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسلطة والمعرفة؛ إذ تُنتج الخطاباتُ السلطةَ وتُعيد إنتاجها عبر تعيين ما يُعدّ حقيقةً وما يُقصى أو يُهمّش.
وأشار إلى أنَّ مفهوم الخطاب عند فوكو يُبرز بجلاءٍ كيف أنّ اللغة والمعرفة ليستا وسيطين محايدين، بل هما أداتان تُوظّفان في ممارسة السلطة وتشكيل الواقع؛ ومن ثَمَّ يُتيح تحليلُ الخطابات – ومنها خطاب الفلاسفة – فهمَ الكيفيّة التي تتشكّل بها المفاهيم والمعايير الاجتماعيّة، ومدى إسهامها في ترسيخ أنظمة السلطة القائمة أو مقاومتها.
واعتبر أن فوكو يستكشف في كتابه معنى الخطاب الفلسفيّ في العصر الحديث ودورَه في مواجهة الأحداث الجارية، فيردّ ردًّا غير مباشرٍ على الانتقادات الموجّهة إليه بسؤال: “ما الفلسفة؟”، وهو سؤالٌ لا يُشير عنده إلى نهاية الفلسفة، بل يُشكّل شرطًا لإمكانيّة استئنافها.
وأوضح الدكتور عثمان أن فوكو، وفي سياق مسعاه لتعيين دور الفلسفة، ينتهي إلى تقرير مفاده: أنّ مسؤوليّة الخطاب الفلسفيّ تكمن في “تشخيص الحاضر”؛ رغبةً منه في دمج الفلسفة بالواقع المعيش…
ويرى الدكتور عثمان أنَّ الفلسفة تحتفظ بصلةٍ وثيقةٍ بـ”الآن”، أي بالحاضر الراهن؛ وخلافًا للمثال الأفلاطونيّ الذي يبتغي خطابًا ذا قيمةٍ حقيّةٍ مطلقة، يذهب فوكو إلى أنّ أيّ خطابٍ إنّما يرتهن دومًا لظروفٍ اجتماعيّةٍ وتاريخيّةٍ مخصوصة.
ويخلص الدكتور عثمان إلى نتيجة أنه ومهما بلغ الخطاب الفلسفيّ من التجريد والتنضيد التقنيّ، فإنّه كغيره من الخطابات يُشير بالضرورة إلى حدثٍ راهن، وإلى هذا “الآن” المتلوّن بصورٍ شتّى.
تابع، من هذا المنطلق، يغدو لزامًا على الفيلسوف أن يعي ويقبل ارتباطه بعصرٍ معيّنٍ في حاضرٍ فريد؛ وتتجلّى ممارسة التشخيص، بتعبيرٍ أوقع، في فنّ تحديد علامات ثقافة العصر وتفسيرها.
وأوضح، أنه بهذا التوصيف، يظهر الفيلسوف كأنّه يتقمّص دور الطبيب المعالج للأرواح؛ غير أنّه وإن أمكن عدُّه “طبيبًا للثقافة”، فإنَّ مهمّته لا تنحصر في العلاج بمفهوم تسكين الألم الاجتماعيّ والتوفيق بين التوتّرات، بل تتمحور وظيفته حول تبيان الكيفيّة التي يتمايز بها حاضرُنا تمايزًا تامًّا عمّا ليس إيّاه، أي عن ماضينا.
واعتبر أنَّ هذا العبء التشخيصيّ الملقى على كاهل الفيلسوف يُزعزع تمثيله التقليديّ؛ إذ يقتضي تجذّر الخطاب الفلسفيّ في “الآن” تخلّيه عن التسلّط على الواقع والتعالي عليه، وعن اللهث خلف حقيقةٍ مفارقةٍ وأسمى يُزعم لزومُ كشفها من وراء المظاهر، مع إمكان التخلّي عن مفهوم الأساس الكلاسيكيّ بعدما انحسر عن كونه الأساس النهائيّ للمعرفة – ونعني به المثال الأفلاطونيّ -؛ فقد فقدت الحقيقة بعدها التأسيسيّ الأصليّ، وبات لزامًا عليها أن تنبثق في صلب الخطاب نفسه.
وأكد على أن المهمّة النقديّة للفلسفة تفترض استكناه خطابٍ سفليّ يمثّل ما ليس خطابيًّا، مع الكشف عن السذاجة الصامتة الكامنة في الخطابات التي تبدو في ظاهرها الأكثر سيادةً وشمولًا.
وفي معرض حديثه عن النقد يقول الدكتور عثمان: ينبغي أن ينهض بوصفه خطابًا عامًّا للعالم بأسره، يمنح صوتًا لكلّ ما هو صامت، ويُشكّل استثمارًا عقلانيًّا لكلّ ما يبدو منفلتًا من أسر اللغة مع كونه صالحًا على الفور؛ وأمّا من جهةٍ أخرى، فإنّه يغدو خطابًا مهيمنًا على سائر الخطابات الأخرى، لكونه يروم فحصها ودراستها واستيعابها، فيتأتّى له أن يُفصح عمّا تعجز تلك الخطابات عن الإبانة عنه في شأن ذاتها، مبيّنًا الشروط الموضوعيّة التي تتيح لها الوجود وتمنحها الصلاحيّة والصدق، لتستحيل الفلسفة بموجب هذا المعنى الأشدّ صرامةً نقدًا جذريًّا لكلّ معرفة.
ولفت إلى أنّ التصدّي لسؤال: “ما هي الفلسفة؟” يقتضي تمييز الخطاب الفلسفيّ – على النحو الذي تمثّله العقل منذ العصر الكلاسيكيّ – عن حقيقته الراهنة، ومقايسته بما يصحّ قياسه عليه، والمتمثّل في الخطابين العلميّ والأدبيّ.
وأشار الدكتور عثمان إلى أنه تطبيقًا لهذه الرؤية المتعلّقة بـ”الآن”، و”الحاضر”، ومفهوم “الروحانيّة السياسيّة”، فإن فوكو رصد أحداث الثورة الإيرانيّة بوصفها حدثًا فكريًّا وروحانيًّا فريدًا، لا مجرّد حركة انقلابٍ سياسيّ بالمعنى التقليديّ؛ فحرّر في شأنها سلسلة تقارير ومقالات بين عامي 1978 و1979م في صحيفة “كوريري ديلا سيرا” الإيطاليّة، عقب زيارتين قام بهما لإيران استكشافًا لما دعاه بـ”الروح السياسيّة الجديدة”.
وأوضح أن وجه التحليل عند فوكو: أنّه لم يقارب الثورة الإيرانيّة من منظور الصراع الأيديولوجيّ المألوف بين اليمين واليسار، بل أبصر فيها تمرّدًا جذريًّا على منظومة الحداثة الغربيّة برمّتها؛ حيث رأى أنّ فارقها الجوهريّ تجسّد في انبعاث ما أسماه “الروحانيّة السياسيّة”؛ أي إبراز طاقة الدين بوصفه قوّةً دافعةً لحركة التاريخ لا مجرّد وسيلةٍ من وسائل الهيمنة والسلطة.
وأكد الدكتور عثمان على أن تلك الثورة، لم تكن بالنسبة لفوكو، مؤطّرةً بحزبٍ نخبويّ منظّم، وإنّما انطلقت تعبئةً جماهيريّةً واسعةً استندت إلى مرجعيّة دينيّة أصيلة، مقرّرًا أنّ حراك الجماهير الإيرانيّة لم يكن مقصورًا على مناهضة نظام الشاه، بل كان مجابهةً لمشروع التغريب القسريّ الذي فرضه نظام محمد رضا بهلوي.
وختم الدكتور عفيف عثمان محاضرته قائلًا: إن النتيجة وعلى خلاف الرؤية الاستشراقيّة والأوروبيّة السائدة التي تختزل الدين غالبًا في وظيفةٍ محافظِة ومكرِّسة للواقع، رأى فوكو أنّ التشيّع قدّم إطارًا رمزيًّا خلاّقًا لمفاهيم الفداء والتضحية والمقاومة، متجلّيًا هنا بالتحديد، مكمن الجرأة المعرفيّة في قراءته للمشهد الإيرانيّ.
بعد كلمة الأستاذ الدكتور عفيف عثمان، قدّم مدير الندوة المحاضر الثاني وهو سماحة الشيخ أحمد جابر، متناولًا الحديث عن: المنظور الإسلامي: العقل الفطري ومعايير إسلامية الفلسفة.
فاعتبر سماحته أنه إذا كان المبتغى في هذا المقام تناول مسألة الفلسفة من منظورٍ إسلاميّ، فإنّ وتيرة الطرح ومساره سينتظمان وفق هذا المنهج التأسيسيّ الخاصّ، انطلاقًا من قوله تعالى في محكم التنزيل: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة البقرة: 269].
وأوضح سماحته أن الله سبحانه وتعالى فطر الإنسان على طلب العلم والمعرفة؛ العلم والمعرفة بما يحيط به لاكتشاف حقائق الأشياء والوقوف على كنهها، ومعرفة الوجود عمومًا، سواء في ذلك وجود الإنسان في نفسه أم ما يحيط به من مظاهر الوجود، توصلًا إلى معرفة المبدأ والمآل.
وتابع، أن الإنسان مفطور بطبعه وتكوينه على ذلك، ولعل الأكثرية الساحقة قد خاضت في هذا الغمار، غير أن ثمة تفاوتًا بيّنًا بين من خاضوا بمقدار ما بذلوه من سعي حثيث للإجابة عن الأسئلة الملحّة التي استنطقت عقولهم لاكتشاف ما حولهم؛ وهكذا كان الإنسان وسيبقى كذلك ما دام إنسانًا.
وأضاف قائلًا: تأسيسًا على هذا اللحاظ: لا أجدني مجازفًا إن قررتُ أن أيَّ دينٍ يمنع الإنسان عن الخوض في التفكر فيما حوله، ويحجزه عن التدبر والنظر العقلي لبلوغ الحقيقة، فإنه يضع علامات استفهام كثيرة تحوم حول أحقيته وجدواه وكونه دينًا من الأساس؛ إذ لا يحتاج كل منصفٍ في بحثه في تاريخ الإسلام وحاضره، ولا أقول بالخصوص تاريخ المسلمين وحاضرهم فحسب، بل أعني بالدرجة الأساس ما يجده في صريح النص الديني الإسلامي في الكتاب والسنة، إلى كثير عناءٍ للقول: إن الإسلام قد حاز قصب السبق على صعيد الحث على التفكر العقلي.
والشاهد على ذلك، وفق ما يرى سماحته، هو ما يشهده الواقع المعرفي – مضافًا إلى صريح النصوص – من بروز علماء كثر من المسلمين، سواء أكانوا معنونين بعنوان فلاسفة، أم متكلمين، أم عرفاء، بل وحتى أهل حديث وفقهاء وتفكيكيين، وإن كان لكلٍّ منهم منهجه وأسلوبه على صعيد التفكر العقلي.
أما في ما يتعلق بكون الفلسفة في جوهرها وروحها هي التأمل والتفكر في أحوال الوجود، يرى سماحته أن من الطبيعي ألا يكون هناك تصادمٌ بين الدين، لا سيما الإسلام، وبين الحكمة والفلسفة، بل كان من المفترض أن نلحظ التخادم بينهما، لا على أساس كون أحدهما في عِرْض الآخر في المنزلة والقيمة؛ مؤكدًا أن الدين وحيٌ إلهي، والفلسفة نتاجٌ بشري، بل التخادم بينهما قائمٌ على أساس استفادة كل واحدٍ منهما من الآخر.
ثم تساءل سماحته: هل ثَمَّةَ فلسفة دينية؟ وهل يسوغ لنا بالتالي الحديث عن فلسفة إسلامية؟ بل هل يصحُّ توصيف الفلسفة بكونها إسلامية؟
واعتبر سماحته أن الجواب على هذه الأسئلة يبتني على اتجاهين:
الاتجاه الأول: يرى بعض الباحثين أنه ليس ثَمَّةَ فلسفة إسلامية بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإنَّما هو الفضاء الجغرافي والثقافي الذي تحركت فيه الفلسفة بعد انتقالها من بلاد اليونان، حيث كان فضاءً إسلاميًّا، وكان المشتغلون بالنظر الفلسفي في جلِّهم مسلمين؛ وأمَّا اصطلاح “الفلسفة الإسلامية” فلم يشع ويتداول إلا في القرنين الأخيرين، ولم يكن له سابق عهد في مصنَّفات العلماء المتقدِّمين، بل كان التعبير الدارج عنهم هو “الأولين”، أو “أهل النظر”.
أما الاتجاه الثاني: ذهب في مقابله جمع إلى القبول بتصنيف الفلسفة إلى دينية وغير دينية، بل وتوصيفها بالإسلامية وغيرها، وإن وقع بينهم الخلاف في تنقيح المعيار الضابط لذلك، وتفرع ذلك، وفق ما يرى سماحة الشيخ جابر، إلى مسلكين:
- المسلك الأول: يرى أن معيار دينية الفلسفة في قبال الفلسفات الإلحادية يقوم على ثبوت الأصول التي يُبنى عليها الدين، كالتوحيد والوحي والمعاد؛ فعلى هذا الأساس تكون الفلسفة دينية، بينما تنفي الفلسفة الإلحادية تلك الأصول. ومقتضى هذا النظر أن الفلسفة إن استقامت في نهجها فستثبت حتمًا هذه الأصول، وإذا انحرفت في نهجها فإنها ستنفيها.
- المسلك الثاني: ما ذهب إليه بعض المحققين، كالسيد يد الله يزدان بناه، من أن المعيار في إسلامية الفلسفة مرجعه إلى كون المشتغلين بها كانوا يعتنقون الإسلام ويرون أنه الحق، فيستلهمون منه إثارة المسائل، أو التوجيه، أو الإرشاد، أو تصحيح بعض الأخطاء، أو تقديم الأدلة؛ لا على نحو يخرج الفلسفة عن كونها فلسفة ذات مسلك برهاني، بل على وجه يجعلها تستفيد من الدين إن وافق أصولها ومنهجها.
ولفت سماحته إلى أن الرأي المختار: هو صحة هذا المعيار في إسلامية الفلسفة، ولعله المكنون والمرتكز في صدور الآخرين.
وفي معرض التنبيه، يقول سماحة الشيخ جابر: بقي التعريج على تلك الآثار السلبية التي ادعى بعضهم أنها نجمت عن احتكاك الفلسفة بالدين؛ إذ التحقيق يقضي بأن الآثار السلبية المدعاة إنما هي نتاج الخطأ في الفهم والانحراف في التطبيق، لا نتاج الاحتكاك بين خصوص الفلسفة والدين؛ ومثل هذا الأمر يعرض في كل تلاقٍ واحتكاك بين علم وآخر، بل قد يحصل في دائرة العلم الواحد نفسه.
ومن باب التأسيس على ما تقدَّم، يلفت سماحته إلى أنه يصحّ القول: إنَّ العلاقة بين الدّين والفلسفة، متى ما سلكت مسارها الموضوعيّ، ترتّب عليها أثرٌ إيجابيّ بالغٌ في كليهما؛ إذ إنَّ الدّين – ولا سيّما الإسلام – قد فتح للفلسفة آفاقًا رحبة عبر طرح جملةٍ وافرة من المسائل والقضايا الوجوديّة، ممّا أتاح للبحث العقليّ مجالاتٍ فسيحة للتوسّع والتحليل، وأورث التروّي والتدبّر والتأنّي في مسالك النظر.
مؤكدًا، أنه وفي المقابل، أثّرت الفلسفة تأثيرًا بيّنًا في المشتغلين بالفكر الدّينيّ من جهة تنمية مداركهم وتعميق فهمهم، الأمر الذي أثمر نصرة قضايا الدّين ورواجه، وإظهاره بالمظهر البرهانيّ المتين.
وختم سماحة الشيخ أحمد جابر محاضرته قائلًا: إنَّ هناك ثمّة أمرًا على جانبٍ عظيم من الأهمّيّة ينبغي الالتفات إليه، وهو: ضرورة تفعيل الفلسفة الإسلاميّة، في واقعنا المعاصر، واضطلاعها بوظيفة الإجابة عن الأسئلة الوجوديّة والمصيريّة التي تفرض نفسها اليوم بإلحاحٍ أشدّ من أيّ وقتٍ مضى، من قبيل: كيف يكون الإنسان خليفة الله في أرضه؟ وكيف يكون الإسلام مهيمنًا وحاكمًا برؤيته الكونيّة للحياة؟ وكيف يقدّم للبشريّة أنموذجًا حضاريًّا يملأ الآفاق في ميادين الفنّ، والاجتماع، والعلوم التجريبيّة، والصناعة، والتربية؟ وكيف يُوقَف أمام مسخ الإنسان وتجريده من قِوام إنسانيّته؟ وكيف يُتصدّى للإلحاد في جانبه العمليّ وسلوكه، لا في بعده النظريّ فحسب؟ وأخيرًا، كيف تُدرأ ثقافة التفاهة والتسطيح والتوحّش والإجرام؟
بعد انتهاء سماحة الشيخ أحمد جابر من كلمته، قام مدير الجلسة بدعوة الدكتور أحمد ماجد للبدء بمحاضرته والتي كانت تحت عنوان: “الفلسفة هي التشبّه بخيريّة الإله: قراءة في فلسفة أفلاطون”.
فتطرق الدكتور ماجد إلى الحديث عن إشكاليّةٍ بالغة الأهمّيّة أثارها شهاب الدّين السهرورديّ في كتابه “حكمة الإشراق”؛ إذ نظر إلى الفلسفة بوصفها الدّين المنزَّل من عند الله تعالى، مقرّرًا أنَّ العالم لم يخلُ قطّ من حكمةٍ أو قائمٍ بها يحمل الحجج والبيّنات، شارحًا أن هذا طرحٌ يضعنا أمام سؤالٍ محوريّ: هل ابتنت الفلسفة حقًّا على هذه الأرضيّة؟ وكيف نصبت هذا المقصد غايةً لها؟
وتابع، أن الجواب عن ذلك: يقتضي الرجوع إلى المتن التأسيسيّ عند أفلاطون؛ ولا يُعدّ هذا الرجوع حطًّا من شأن أستاذه سقراط، بل لكون أفلاطون هو من ترك لنا أوّل نصّ فلسفيّ مكتوبٍ ومتكامل تتأتّى معالجته وتشريحه تفصيليًّا.
أضاف، وحيث إنَّ فلسفة أفلاطون لم تنشأ في فراغ، بل جاءت ردّة فعلٍ قاطعة على مشروعين فكريّين سادا في عصره:
- المشروع الأوّل: السفسطة، التي نقلت الإنسان إلى عالمٍ أرضيّ نفعيّ بالكامل، واعتبرت الدّين مجرّد ظاهرةٍ أنثروبولوجيّة نفعيّة.
- المشروع الثاني: الدّين الشعبيّ اليونانيّ الأسطوريّ؛ وهو ما راج في أوساط اليونان على يد الشعراء، وفي طليعتهم هوميروس وهزيود؛ إذ صوّروا الإله مصدرًا للشرّ والرذيلة، الأمر الذي رفضه أفلاطون بحسم، مؤكّدًا أنَّ الشرّ لا يمكن أن يصدر عن الإله المنزَّه.
ولفت إلى أن أفلاطون خاض حربه ضدّ تبعيّة المعرفة للشعر التقليديّ عبر ثلاثة مستويات:
- المستوى المنهجيّ: حيث وضع هرمًا معرفيًّا يتربّع في قمّته “عالم المُثُل” الذي لا يُدرَك إلا بالعقل، بينما يقع الشعر والفنّ في الدرجة الثالثة بوصفه صورةً للصورة، وبالتالي فهو أبعد ما يكون عن الحقيقة.
- المستوى الأخلاقيّ: حيث رأى الفنّ مجرّد محاكاةٍ للأصوات والإيماءات، وأنَّ الشعراء يروون أكاذيب مهلكة تُصوّر الأشرار سعداء والأخيار أشقياء.
- والمستوى السلطويّ الطقسيّ: حيث انتقد استغلال الكهنة لهذا الدّين الشعبيّ لتحقيق مآرب نفعيّة، عبر إقناع العامّة بأنَّ الطقوس والقرابين تمحو الذنوب دونما حاجةٍ للتحلّي بالفضيلة.
وتأسيسًا على ذلك، اعتبر الدكتور ماجد، أن أفلاطون سعى إلى إيجاد بديلٍ عقلانيّ يشكّل اللاهوت الحقيقي، موجّهًا نقده إلى التيارات المادية الإلحادية، كتيار إمبيدوكليس وأناكساغوراس، التي انتهت إلى كون العالم وليد المصادفة المادية العمياء؛ إذ أثبت أن انتظام الطبيعة وإحكامها يقتضيان ضمنًا ثبوت الغائية ووجود ذكاءٍ أسمى يدبّرها.
وأوضح أنَّ ما شاده أفلاطون في تأسيس الفلسفة مبتنٍ على مبدأ تعالي النظام الإلهي؛ فالإله منزّهٌ عن الوقوع تحت الصيرورة أو طروّ التغيير، بل هو بسيطٌ ثابت، وجوهر الألوهية متقوّمٌ بمثال الخير الذي يفيض على الأشياء وجودها وماهياتها، ويعلو على الأكوان رفعةً واقتدارًا.
ثم ذكر الدكتور ماجد أنه وبغية ارتقاء الإنسان إلى هذا المقام الإلهي، قسّم أفلاطون النفس الإنسانية إلى ثلاث قوى:
- الجزء العاقل: وهو القبَس الإلهي الخالد، ومستقره الرأس، ووظيفته التدبير والحكم والتوجيه.
- الجزء الغضبي: وهو جانبٌ فانٍ، ومستقره الصدر، ومناط الانفعالات والشجاعة ودفع المضار.
- الجزء الشهوي: وهو جانبٌ فانٍ كذلك، وموضعه ما بين الحجاب الحاجز والسُّرّة، ومناط الغرائز وجلب المنافع.
وأكد الدكتور ماجد أنَّ أفلاطون في مسار بنائه للمنظومة الفلسفية انطلق نحو ترسيخ البُعد الروحي، فكان الدين هو الأصل المؤسِّس للفلسفة، وذلك من خلال إرساء نظامٍ نخبوي عقلاني تبتني فيه صحة الديانة على برهانية الفلسفة.
ولفت الدكتور ماجد إلى أن أفلاطون عكف على إثبات هذه الرؤية بأدلةٍ فلسفية قاطعة، منها:
- برهان العلة الفاعلة: وحاصله أنَّ كل نشأةٍ وحدوثٍ لا مناص له من علةٍ سابقة تتصف بفاعليةٍ إيجابية أكمل وأعلى، وذلك الموجود المبدع هو الإله.
- برهان العلة المحركة: ومؤدّاه انقسام الوجود إلى جسمٍ قابل للحركة ومتلقٍّ لها، ونفسٍ محركةٍ لذاتها ومفيضةٍ للحركة على غيرها.
والنتيجة حسب ما يرى الدكتور ماجد: أنَّ الفلسفة في المنظور الأفلاطوني هي الدين بعينه؛ ومصداق ذلك ما قرره بعض المحققين من أنَّ الدين الذي أصّله أفلاطون هو تتويج فلسفته وثمرتها النضرة؛ إذ لا تقف الفلسفة عنده عند حدود التنظير الذهني الصرف، بل تستحيل سلوكًا وأخلاقًا وتشبّهًا بخيرية الإله على قَدْر وسع الطاقة الإنسانية.
وختم الدكتور أحمد ماجد محاضرته قائلًا: إنَّ الفلسفة الأفلاطونية – التي تعدّ الركيزة الأم التي قامت عليها المباحث الفلسفية – تجعل من الفلسفة جوهر الدين، فكلما جدّ المرء في مدارج الاستقامة الأخلاقية واقتفاء الفضائل، دنا من حقيقة الفلسفة وغايتها.
بعد انتهاء الندوة، ذكّر سماحة الشيخ شفيق جرادي بمحتوى الأوراق، معرّجًا على أبرز النقاط التي وردت فيها، ثم فتح باب الأسئلة لمتابعي الندوة على منصة زووم، حيث دار نقاش علمي فلسفي جاد بين الحضور والمحاضرين.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
