عاشوراء… مواسم الثقافة

عاشوراء… مواسم الثقافة
روي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) أنه قال للفضيل بن يسار: “يا فضيل أتجلسون وتتحدثون؟” قال: نعم جعلت فداك. قال الإمام الصادق: “إن تلك المجالس أحبها. فأحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا”[1].
إن أبرز مشاكل العالم الإسلامي في التاريخ المعاصر، هي شغف المسلمين وانبهارهم بالثقافة الغربية، والمظهر الخارجي البرّاق للثقافة الأوروبية قد يشلّ تقدّمنا، فنعجز عن بلوغ كنهها، وحقيقتها. ويمثّل هذا الانصهار في ثقافة الآخر أكبر عائق يحول دون الانعتاق من التخلّف، ويعد السبيل للخلاص من هذا المنزلق هو الالتزام بالمنهج الإسلامي في تلقي الثقافة والمعرفة، الذي يهدف إلى إيجاد شخصية إسلامية قادرة على الإسهام في الحضارة الإنسانية، متوازنة فكرًا وعقيدة وسلوكًا. وفي عاشوراء يترسّم هذا تجلية الرؤية الإسلامية للتكامل المعرفي، لتكون خارطة طريق لإصلاح النفس البشرية، والذي بدوره سيمكّننا من استيعاب الفكر المعاصر، والانخراط في حداثة حقيقية غير مزيفة.
فأول ما يطرح في مجالس عاشوراء، التي هي عبارة عن كرنفال حقيقي لعرض الثقافة الإسلامية، هو بيان مصادر المعرفة في المنهج الإسلامي، حيث يتداول فيه طرح الآيات القرآنية التي هي منهج معرفي يوقد العقل، ويوقظ الفطرة، ويبيّن للإنسان مصادر المعرفة التي يجب عليه طرق أبوابها، ويؤكّد المنهج الإسلامي على إمكانية المعرفة، وأن حقائق الأشياء موجودة وجودًا يقينيًّا، وأن حقائق الأشياء ثابتة، والعلم بها متحقّق، خلافًا للمنهج العلماني الغربي، فإنه في كثير من مفرداته الثقافية يميل إلى إنكار البعد الروحي، ويثبت المعرفة الحسية فقط على باقي المناهج التي تتكامل فيما بينها ليبلغ الإنسان بها معرفة الحقيقة. أما النظرية الإسلامية، ومن خلال الآيات، تثبت أن الحس أحد الطرق الموصلة للتعقّل، وليس هو كل الحقيقة.
في الخارطة الإسلامية الشيعية، وتحديدًا في موسم الثقافة والمثاقفة، يبرز الخطباء بالإضافة إلى آيات القرآن وشرحها وبيانها كنهج للمتتلمذ في هذه المجالس التي تعتبر مدارس لقيم المعرفة، تطرح أيضًا مباني عقائدية فكرية روحية، بل يسلط الضوء على مصاديق لعناصر بشرية تجسدت فيهم كل هذه المعارف والقيم، مما يثبت أن النظرية الإسلامية قابلة للتطبيق في كل مفرداتها، فعند طرح الخطيب للآيات ثُمَّ تعريجه على شرحها من أقوال النبي وآل بيته عليهم السلام يبين عمق المنهج والأطروحة الإلهية في هذه المدرسة؛ لأنها بالإضافة إلى تقديم منهج معرفي متكامل في القرآن وقدّمت شارحين ومبينين له، ثُمَّ عندما يطرح الخطيب نماذج أبطال ملحمة الطف، فإنه يقدّم المصداق العملي لمطبّقي النظرية، وبالإضافة لهذا يطرح الخطيب دور الأئمة في رسم خارطة طريق لاستمرار الثقافة والمثاقفة حينما أكّدوا على مسألة إحياء أمر عاشوراء؛ لأنه موسم سُقيت عناصره المعرفية بدم الشهادة لتؤتي أكلها كل عام بإذن ربها من خلال تثقيف الأجيال جيلًا بعد جيل من الحاضرين في هذه المجالس. والأرقى من هذا، أن الدارس في هذه المجالس يتلقّى تدريبًا عمليًّا على التخلّق بتلك القيم والمعارف والأخلاق، حيث إنه يبادر هو مضحّيًا بماله مساهمًا لإقامة الشعائر، ثُمَّ نراه جالسًا مستمعًا متلقّيًا للمعرفة، ثُمَّ قائمًا للصلاة، ثُمَّ آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر حينما يحاول تهذيب الجالسين والمارّة، ثُمَّ نراه باذلًا للمعروف كلّه مادّيًّا ومعنويًّا لزوار وروّاد تلك المجالس.
 إذًا، هذه المنظومة المتكاملة في الإسلام تُطرح في موسم ربيع الثقافة وهو عاشوراء، والذي صار موسمًا سنويًّا لإنعاش الفكر الإسلامي، وإرجاع الأمة الإسلامية من الانبهار بقشور الثقافة الغربية إلى عمق الثقافة الإسلامية التي حريًّا بأي مسلم الاعتزاز بها وعرضها عالميًّا لتكون هي النموذج للسلوك الإنساني الراقي.
 
 
[1] بحار الأنوار، الحديث رقم 14، الجزء 44، الصفحة 282.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
الثقافة الغربيةثقافةعاشوراء

المقالات المرتبطة

الهجرة والجهاد

نبدأ في كلّ عام مع عاشوراء لنستعيد حياتنا ونبني نفوسنا ونأخذ الهمّة من سيّد الشهداء وأصحابه وأنصاره، من أجل أن

المروءة الحسينية

يا ابن رسول الله أحبك الناس حبًّا روحانيًّا خالصًا لأنك أردت أن تنصر الحق فنصرته وتخذل الباطل فخذلته، والناس – يا سيدي – في كل مكان يبحثون عن الحق وينصرونه

إصدارات حديثة أطروحة التفسير الموضوعي عند السيد محمد باقر الصدر: قراءة فاحصة

لا يخفى على الباحثين في شؤون الفكر والثقافة في العالم الإسلامي خطورة الدور الذي لعبه الإمام الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*