قراءة في كتاب البصيرة والاستقامة

قراءة في كتاب البصيرة والاستقامة
أوّلًا- الكتاب في سطور
اسم الكتاب: البصيرة والاستقامة
الكاتب: الإمام الخامنئي (حفظه الله)
ترجمة: علي ضاهر
الطبعة الأولى
دار النشر: دار المعارف الحكميّة
سنة النشر: 2016
عدد الصفحات: 161 صفحة
 
ثانيًا- قراءة في الكتاب
يقول الإمام علي (عليه السلام): “إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تُتبع، وأحكام تُبتدع. يُخالَف فيها كتاب الله، ويتولّى عليها رجال رجالًا على غير دين الله. فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحقّ لم يخف على المرتادين. ولو أنّ الحقّ خلص من لبس الباطل لانقطعت عنه ألسن المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى”[1].
حين تشتدّ رمال المصائب والبلايا ذَرًّا في العيون تبرز أهميّة البصيرة في تمييز الحقّ من الباطل، وما أشدّ ما نحن فيه اليوم من هذا المزج الذي يستفيد منه أعوان الشيطان؛ ليحيدوا الناس عن جادّة الصواب. من هنا، جاءت أهميّة هذا الكتاب الذي يشير فيه الإمام الخامنئي (حفظه الله) إلى محورين أساسيّن في معادلة نجاة الفرد والمجتمع.
بصيرة يعرّفها القائد بالدراية والرشد والتفطّن السياسي والاقتصادي والعقائدي[2]. بصيرة تعطي أهميّة للتفكّر في الأمور على أساس القاعدة التوحيديّة الإلهيّة التي تشكّل البوصلة في زمن ضياع الاتجاهات. فالمشكلة في الذين زلّت أقدامهم ليست مشكلة إيمان بقدر ما هي ضبابيّة في تحديد الهدف والتكليف، ويشخّصها (حفظه الله) في أمرين: انعدام البصيرة، أو انعدام الصبر. فإمّا أنّهم يغفلون ويعجزون عن تشخيص الحقائق وفهمها، أو أنّهم، مع فهمهم لها، يعجزون عن الصمود في وجهها[3].
وتكمن أهميّة البصيرة حين تتداخل الصفوف، وتتمازج بين الكفر والإيمان، فلا يفرّق المرء بينهما، بل ويتشابهان إلى حدّ يكون الفارق بينهما غير واضح، وهو ما يعمل عليه العدوّ بسلالة وبالخفاء، فيدبّ في جسم المجتمع دبيب النمل، وقد أسمى الإمام (حفظه الله) ذلك بالحرب الناعمة؛ فيدعو إلى رصّ الصفوف بالتيقّظ والوعي حتّى يتّضح الطريق السليم الموصل إلى الهدف الذي من أجله بعث الله الأنبياء[4].
وإلى جانب البصيرة، تبرز أهميّة الاستقامة في العمل، والتي تعني المسير والثبات في الاتجاه الصحيح المستقيم، إذ إنّ المحافظة على النعمة أصعب من اكتسابها[5] سواء في النوايا أو في الصمود في وجه الرياح التي تعصف في طريق الحقّ، وقد عرض الخامنئي (حفظه الله) لمصداق نموذج البصيرة والاستقامة في الثورة الحسينيّة وثورة الإمام الخميني (قده)، وضرورة الحفاظ عليهما في يومنا هذا وعدم التزلزل في وجه ما يحيط بنا من مصاعب.
يقع الكتاب في مقدمّة وفصلين. يحمل الفصل الأوّل عنوان “البصيرة” التي يعرّفها الإمام الخامنئي (حفظه الله) بأنّها الوعي والتنبّه والتيقّظ ورسم الاتجاه الصحيح. فحين يمتزج الحقّ بالباطل يتطلّب الميدان اقتدارًا معنويًّا فيتبصّر القلب من أجل أن يعيد الارتباط الحقيقيّ بالباري فلا تزلّ الأقدام وتدرك القلوب حقائق الإيمان.
وفي هذا العرض، قدم الإمام الخامنئي (حفظه الله) المائز بين عهد حكومة الإمام علي (ع) وأيّام رسول الله (ص)، ففي الثاني، كانت الخنادق متمايزة عن بعضها ومفصولة تمامًا؛ خندق الإيمان وخندق الكفر. أمّا في عهد أمير المؤمنين (ع) فالمشكلة كانت في تداخل الصفوف والخنادق، ومن يصمد ويحارب مع علي (ع) كان عليه أن يكون على قدر من البصيرة “فلا يحمل هذا العلم إلّا أهل البصر والصبر”[6].
ثم ينتقل حفظه الله إلى عهد الإمام الحسن (ع) حين اشتدّت الظروف والمرارة كان بقاؤه حيًّا عين البصيرة والاستقامة لإماطة اللثام عن وجه معاوية الطاغية، وتكليفه كان إعداد الأرضيّة لمواجهة طويلة الأمد مع الطواغيت وهو ما حصل مع الإمام الحسين (ع).
وتطرّق أيضًا في الفصل نفسه للثورة الإسلاميّة الإيرانيّة وإيمان الشعب الإيرانيّ ومقاومته وبصيرته التي أوصلته إلى النصر. فالبصيرة مهمّة وضروريّة من أجل تبيان الحقائق من دون تعصّب ومن دون أن تسيطر الانتماءات الفئويّة على القلب لتحديد التكليف.
كما يحمل الفصل الثاني عنوان “الاستقامة”، فهي من النقاط المهمّة التي ذكرها القرآن الكريم فيما يتعلّق ببناء المجتمع الإسلاميّ وتحقيق القيم الإلهيّة فهي تعني الثبات على الصراط المستقيم. فحين يتحقّق الاتصال الحقيقيّ بالملكوت الأعلى لا يمكن أن يتسلّل الخوف إلى النفوس في المضيّ والمحافظة على المجتمع الإلهيّ التوحيديّ الذي أراده الله.
فليست الاستقامة بمعنى تحمّل المشاكل في أيّ موضع كان لأنّ تحمّل المصاعب بالنسبة إلى الإنسان العظيم أيسر من تحمّل المسائل التي تبدو في المقاييس الشرعيّة والعرفيّة العقليّة خلافًا للمصلحة. فالاستقامة الحسينيّة مثلًا ليس المقصود منها تلقّي السيوف والجراح فحسب، فإنّ كلّ جنديّ باستطاعته ذلك، إنّما في تحديد الهدف وتشخيصه وقيمة الصمود من أجله في سبيل الله.
وأضيف إلى الكتاب ملحق بعنوان: “الفتنة” الذي يعتبرها الإمام الخامنئي (حفظه الله) الغبار الذي يتحرّك الناس في فضائه بعيون مغلّفة فتفرض مجتمعًا أناسه لا يتعرّفون إلى وجوه بعض فيرفع الأصدقاء والإخوة سيوفهم. فالفتنة تحضر عندما يفقد الإنسان البصيرة ليحدث الانحراف والضياع عندما تطاع الأهواء النفسانيّة.
 
[1]  خطب الإمام علي (ع)، نهج البلاغة، شرح محمّد عبده (قم: دار الذخائر، الطبعة 1، 1412هـ/ 1370ه.ش)، الجزء 1، الصفحتان 99 و100.
[2]  البصيرة والاستقامة، الصفحة 18.
[3]  المصدر نفسه، الصفحة 23.
[4]  المصدر نفسه، الصفحة 69.
[5]  المصدر نفسه، الصفحة 72.
[6] خطب الإمام علي (ع)، نهج البلاغة، شرح الشيخ محمّد عبده (قم: دار الذخائر، الطبعة1، 1412ه/ 1370ه.ش)، الجزء 2، الصفحة 87.



المقالات المرتبطة

“مدى الإسهام الشيعي اللبناني في التقريب بين المسلمين”

لقد بَدَوْا مُتأنِّقِين ومُتألِّقِين في فهمِ الخلافِ بينَ المذاهبِ الإسلاميةِ، ولم يكنْ طرحُ هذه المسألةِ بمنأىً عن المعاييرِ العلميةِ التي أنتجَها الفكرُ الحديثُ والمعاصرُ.

قراءة في كتاب أصلح الناس وأفسدهم في نهج البلاغة

معيار المحبوبيّة عند الله هو الإيمان الثابت الذي لا يزول بعد مدّة حين تتغيّر الأحوال والظروف. وكلّما زادت مراتب إيمان الإنسان كان محبوبًا أكثر عند الله.

قراءة في كتاب مفاتيح الرحمة

سورة الحمد مدرسةٌ في العقيدة ومنهاجٌ في الحياة، تربط الحاضر بالمستقبل، وتصل المخلوق بالخالق، وتضع ميزانًا في الفكر والمشاعر والسّلوك.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*