ومضات فكرية: التعددية الدينية أصالة أم اعتبار

ومضات فكرية: التعددية الدينية أصالة أم اعتبار

حوار مع الدكتور كمال لزيق أجرته معه الدكتورة بتول الخنسا

الدكتورة بتول الخنسا: ظهرت نظرية التعدّدية الدينية بداية على الساحة الفكرية اللاهوتية بعد أن أعيا الصراع الديني والطائفي المجتمع الأوروبي، حيث لازمت نظرية التعددية الدينية اللاهوت المسيحي كركيزة أساسية لعصر الإصلاح بعد صراع دموي طويل، فكانت محاولة لوضع أسس جديدة للتسامح والتجديد في المفاهيم الدينية للعقيدة المسيحية. إلا أننا وفي القرن الواحد والعشرين، وعلى ضوء نشوء الحركات الإقصائية والتكفيرية والأحدية، وسيطرتها على المشهد العربي والإسلامي بشكل خاص، عادت نظرية التعددية الدينية لتطفو على السطح من جديد، وظهر لها منظّرون ومفكّرون على الساحة الفكرية والثقافية، طارحين عناوين جديدة لها، وامتيازات تتمتع بها هذه النظرية أهمها القدرة على إلغاء حصرية الخلاص الكوني في فئة دينية معينة، ومنع فئة واحدة بعينها من احتكار الحقيقة مما يلغي أسباب التصادم الديني إلى الأبد. فهل أصبحت نظرية التعددية الدينية ضرورة في مجتمعاتنا اليوم أم لا زالت خيارًا؟ والسؤال الأهم كيف يمكن أن يلتقي الإسلام مع النظرية التعددية التي تعتمد في أهم مرتكزاتها على المذهب الإنساني؟ الإنسان هو صانع الحقيقة، بينما يعتبر الإسلام أن الأصالة لله، واالله هو محور الوجود.

التعددية الدينية أصالة أم اعتبار هو موضوع حوارنا مع أستاذ الفلسفة الدكتور كمال لزيق معاون عميد كلية الأديان والعلوم الإنسانية في جامعة المعارف.

س. ما رأيكم اليوم بما يقال بأنّ خيار التعددية الدينية أصبح إلزاميًّا لإظهار رونق الدين وجوهره؟

 

الدكتور كمال لزيق: شكرًا جزيلًا لكم على الاهتمام بهذا النوع من الموضوعات التي هي موضوعات الساحة الفكرية والثقافية في عالمنا العربي والإسلامي، وحتى في خارج عالمنا الشرقي إذا صح التعبير. فكرة التعددية الدينية لا يمكن فهمها إلا في إطار سياقها التاريخي، وهي ليست من المفاهيم أو الأفكار الجديدة. لها على مستوى التأسيس سياق تاريخي وهو الصراع الذي كان قائمًا في الغرب الأوروبي تحديدًا بين أتباع الكنيسة وجماعة الذين آمنوا بالعلم والتجربة والعلوم الطبيعية، خصوصًا بعد أن استطاع الإنسان أن يكتشف الكثير من المسائل في عالم الطبيعة في الفيزياء وغيرها من المسائل، فظنّ الإنسان أنّه قادر عليها حسب التعبير القرآني، ووصل إلى نتيجة أن لا حاجة إلى الدين بما هو نص مقدس يملي تعاليمه ويملي فهمه على الإنسان. ومن هنا بدأت فكرة محورية الإنسان مقابل محورية الله في هذا العالم.

س: خصوصًا أنّ أهل العلم وجدوا في النص الديني ما يخالف النتائج العلمية، وأقصد هنا اللاهوت المسيحي.

الدكتور كمال لزيق: هذه واحدة، ومسألة أخرى نتيجة هذا الصراع وبعد التطور في الفهم الديني،  وعندما تطورت العلوم الطبيعية شيئًا فشيئًا، فكان لهذه العلوم الطبيعية بما وصلت إليه من نتائج تخالف فيه الفهم الكنسي للكتابة المقدسة – وأنا أؤكد على موضوع الفهم الكنسي- وحتى الكتاب المقدس؛ لأنّ النظرة الغربية سواء منها العلمانية أو الدينية هي أنّ الكتاب المقدس هو تجربة بشريّة وليس وحيًا إلهيًّا كما يؤمن المسلمون. حتى أنّ الإيمان المسيحي يؤمن بأنّ الكتاب المقدس سواء العهد الجديد تحديدًا هو تجربة بشرية. إذًا، فإذا كان تجربة بشرية نستطيع أن ندخله في دائرة التأويل.

س. خصوصًا أنه كتب بعد النبي عيسى بعقود. هنا الوضع أصعب.

الدكتور كمال لزيق: والشك والنقض خصوصًا أن العلوم الطبيعية توصلنا إلى مكان آخر من الحقائق.

في هذا السياق وهذا الصراع، بدأت الكنيسة تشهد حالة من الإصلاح الديني. وإذا أخذنا بعين الاعتبار هذا التطور للفهم الديني والتطورات في العلوم الطبيعية، وبعد أن أخذت التعددية الدينية في سياقها التاريخي عدة مراحل إلى أن وصلت أوروبا أو وجدت نفسها تقف أمام تناقضين أساسيين، من جهة أنّه لا إمكانية للعقل البشري أو التجريبي أو الغربي أن يبرهن على الإيمان، خاصة في مجال العقائد الدينية، وأنّنا نتحدث عن أسرار التجسد وأسرار الثالوث، أنت تؤمن فقط لأنك مؤمن، هذا من جهة. ومن جهة أخرى أنّ للدين تأثيرًا حقيقيًّا في حياة الإنسان. هذه المفارقة أنّ الدين يترك بصماته الحقيقية على الإنسان مهما حاولنا محاربته.

وتطور هذا المفهوم للتعددية الدينية مع مرور الزمن في الغرب، خصوصًا الغرب الكنسي، وأصبحنا رغم إيمانهم بأنّ الحق واحد ولا تعدد فيه ولكن فُتح مجال الخلاص؛ بمعنى أنّ الآخرين غير المؤمنين بطريق الخلاص المسيحي، أو أنّ الناس الذين سبقوا المسيح أو أتوا بعده ينالهم فعل الخلاص وإن لم يكونوا مسيحيين بكل معنى الكلمة بناءً على حديث بعض اللاهوتيين المسيحيين بأنّ المسيح يسمّى فادي البشرية على الصليب، وهناك إمكانية للنجاة.

رغم الإيمان بعدم تعدد الحق، ولكن هناك سبيلًا للنجاة. لاحقًا وصلنا إلى القرن العشرين مع جون هيك عندما تحدث بالتعددية الدينية في مجال الحق.

س: نعم اختلف جوهر النظرية بعد التطور الكنسي، وفي القرن العشرين طرح جون هيك مفهوم التعددية الدينية.

الدكتور كمال لزيق: هو يعتبر موضوع التعدد في الحق ظاهرة صحية، وانطلاقًا من أنّ الإيمان بنسبية الحقيقة وبشرية التجربة الدينية، كل دين أو كتاب مقدس يعبر عن الحقيقة من جهته.

س: هذا ما يقصده بنسبية الحقيقة، وأن ّكل دين يرى الحقيقة من جهته.

الدكتور كمال لزيق: هو يعتبرها ظاهرة فكرية بشرية صحية، وأنّه اجتهاد في الفكر الإنساني، وهناك اختلاف شديد بين الكلام الإلهي بما هو كلام مسيحي وكتاب مقدس والعهد القديم والعهد الجديد، وبين الإيمان الإسلامي بالنظرة إلى الإيمان المقدس.

س:كيف يمكن أن يتوافق هذا الكلام مع الإسلام؟

الدكتور كمال لزيق: هذه هي النقطة الأخرى التي يمكن أن نتحدث عنها، هناك من حاول، والموضوع ليس متعلقًا فقط في فكرة التعددية الدينية، بل وغيرها من الأفكار التي أنتجها هذا الصراع الفكري بين العلمانيين والدينيين في الغرب. حتى على مستوى مصطلح العلمانية وكل ما يرتبط بها ومرتكزاتها الفكرية بموضوع التحررية الفكرية.

س: هل هنا النظرية الدينية تستبطن مفاهيم علمانية؟

الدكتور كمال لزيق: هنا الإشكال بالنظرة الإسلامية عندما يريد أن يأتي أحد بالتجربة الغربية حرفيًّا، ونضعها في مجتمعات مختلفة تمامًا عن نشأتها الأساسية، نقول إنّه لا يمكن في مجال هذا النوع من العلوم والأفكار أن تكون وصفات عالمية كونية؛ بمعنى أنّها لا تتغير بتغيّر فهم الأشياء.

س: ألا يتناقض هذا مع التعددية الدينية، ومع الإيمان بالاختلاف؟

الدكتور كمال لزيق: سوف أشير إلى هذه النقطة. عندما نتحدث عن الخلفية الإسلامية بالموضوع، البعض، سواء كان إسلاميًّا أم غير إسلامي، تخيل أن التجربة الغربية يمكن أن نسقطها على التجربة الشرقية أو الإسلامية، ولكن أول ما يصطدم به هذا الطرح هو التمييز الجوهري بين نظرة المسلمين أنفسهم إلى كتابهم المقدس، ونظرة المسيحيين إلى كتابهم المقدس. فإذا كانت نظرة الإنسان المسيحي إلى الكتاب المقدس أنّه تجربة بشرية وتحتمل التغيير بالمطلق، والإيمان الإسلامي بالقرآن هي ليست تجربة بشرية بهذا المعنى ولا بالمعنى الآخر؛ لأنّ الوحي الإلهي هو (إن هو إلا وحي يوحى) أنزل على النبي بمعنى أنه ينسجم مع تطورات البشر في مسألة التفكير والسلوك والتشريع. إذًا، هذا أول فارق جوهري بأنّ العلمانية أو التعددية الدينية إذا أتينا بها من المجتمع الغربي إلى المجتمع الإسلامي. من الخلفية الإسلامية يجب أن نميز في عدة أمور، تارة نتحدث عن التجربة الدينية بما هي واقع وخلفية اجتماعية ثقافية، في هذا الإطار، ونحن نتحدث عن التعددية السلوكية في هذا الاتجاه.

في داخل المجتمع الإسلامي لا إشكال ولا ريب في أنّه لا يرفض مسألة التعددية الدينية سلوكيات بمعنى أنّ هناك مسلمًا أو مسيحيًّا أو علمانيًّا أو غير ذلك، ولديه سلوك في المجتمع الإسلامي، هنا الإسلام بالنظرة الكلية لا ينكر على صاحب الفكر الآخر بأن يسلك سلوكه بالحياة بحسب إيمانه هو سواء كان إيمانه مسيحيًّا أو إيمانًا مسلمًا.

س. هذا شهده صدر الإسلام وكان بعصر الخلفاء الأربعة، هو تعددية عملية.

الدكتور كمال لزيق: نعم تعددية عملية لذلك يتعايش معها من باب حديث الإمام علي (ع): “الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق”، والتاريخ والحاضر الإسلاميَّان يشهدان بأنّ المجتمعات الإسلامية والمفكرين المسلمين لا ينكرون هذا النوع من التعدد الاجتماعي. إذا كنّا نفهم التعددية الدينية بهذا المعنى فلا إشكال.

س. تقصد المعنى العملي والاجتماعي والسياسي، وهو ما كان موجودًا ومحترمًا في صدر الإسلام.

الدكتور كمال لزيق: أكثر من ذلك هناك الآية القرآنية الأخرى التي تقول: ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾. إذًا، هذا الشيء بمعنى أن نفس القرآن يعطي الحق للآخر في هذا السلوك بأن يعبّر عن رأيه وقناعاته، وهذه الآية واضحة تمامًا، وكأنّها تعطي للآخر مساحة من الاختلاف الفكري والثقافي والتعايش الاجتماعي، وليس على أساس التعددية في الحق بمعنى النسبية.

س: كيف تطرح التعددية الدينية وبجانبها الفكري والنظري الآن؟ كيف تفهم هذه المسألة وما الدوافع لها اليوم؛ الدوافع المباشرة وغير المباشرة لباحثين ومروجين لها على الساحة الفكرية، خاصة أن منها دوافع منطقية؟

الدكتور كمال لزيق: قد تكون هناك أهداف غير فكرية، فإذا كان الفكر الحاكم في العالم على مستوى منظومة التفكير العالمي أنّها منظومة ليبرالية، وتعالوا نعترف لكل الآخرين أنّهم على حق هذا الكلام مجاملة وكلام اجتماعي، وحديثنا ليس هنا. أما إذا أخذنا الخلفية الإسلامية لا تقبل التعدد في الحق، وموضوع تعدد الحق أنك أنت تؤمنين بأنّ الحق واحد ومطلق، إيمانك بالله إيمانًا مطلقًا وثابتًا لا يتغير، وتفاصيل هذا الإيمان له رؤية عقائدية فلسفية كونية، المسلم يؤمن بإيمان محدد، وهو كمؤمن في هذا المعتقد لا يقبل التعدد؛ بمعنى أن هذا الحق يمكن أن يكون حقًّا ويمكن أن لا يكون. أو يمكن أن يأتي شخص آخر بمعنى أنه يمتلك عقائد أخرى على المستوى الديني أو غير الديني، وأنا أبرر له انطلاقًا من نسبية الحقيقة أنني على حق، وأنت على حق. بهذا المعنى الفكري الكوني العقائدي لا تعدد في الحق، أما إذا كان المقصود تعددًا في السلوك فلا إشكال في ذلك.

يمكن الحديث عن نقطة ثالثة بالإضافة إلى التعدد في السلوك، وعدم الإيمان بالتعدد في الحق فتح باب الخلاص، فصحيح أن الإيمان الإسلامي لا يؤمن بالتعددية الدينية بمعنى تعددية الحق، ولكن هذا الشيء لا يعني أن شفاعة الله ورحمة الله قد لا تنال الآخرين، سواء كانوا مسلمين غير ملتزمين بالإسلام أو غير مسلمين، هذا الموضوع بحسب التعبير القرآني ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾؛ مرجون بمعنى أن الله سبحانه وتعالى يتشخص وضعهم يوم القيامة بأنهّم في حالة قصور أو تقصير، هل هم في حالة عناد؟ يمكن أن يقضي الإنسان حياته في التفتيش عن الحقيقة ولا يصل إليها، وقد يكون معذورًا يوم القيامة. هناك فرق بين أن أتعامل مع هذا الآخر في موضوع الخلاص في نظرة شخصية ذاتية ضيقة، وتختلف عن النظرة القرآنية الكلية، بمعنى أنّ الله سبحانه وتعالى قال لنا في القرآن: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾. دعيني أسأل سؤالًا: لو فرضنا أنّ هناك إنسانًا لم تصله الحقيقة، ولم يبلغه هذا القرآن كيف نتعامل معه؟ إذًا، الموضوع الذي يتعلق في سبيل النجاة والخلاص هذا أمر متروك ومرجو لأمر الله، لكن هل ينجو رغم أنّ الحق بمعنى العقائدي والكوني والفكري والثقافي واحد، ولكن رحمة الله وسعت كل شيء.

س: قد تكون هذه فعلًا من أهم مرتكزات التعددية الدينية، وقد نشترك معهم في ذلك، لكن هناك مرتكزات أخرى تثير الريبة خاصة أنّها تنطلق من مذهب إنساني،humanism والمنطلق هو الإنسان وهو الذي يصنع الحقيقة، بينما في الإسلام محور الوجود هو الله سبحانه وتعالى، كيف يمكن الاتفاق معهم على هذه الإشكالية؟

الدكتور كمال لزيق: عندما ننطلق من محورية الله في الكون والحياة والوجود والسلوك والأخلاق، أو ننطلق من محورية الإنسان، إذًا، نحن نعتمد على مرتكزات مختلفة ومتباينة، وعندما أقول محورية الإنسان أقصد بها في الفهم الغربي، لأنّني يمكنني القول: إنّ الإيمان الإسلامي قائم على محورية الإنسان في هذا العالم، بمعنى أنه خليفة الله. لكن مرة تكون هذه المحورية بالاستقلال عن الله وإرادته سبحانه وتعالى، ومرة نقول نحن نعتمد على مرتكزات مختلفة ومتباينة، وقد تكون هذه المحورية بالاستقلال عن الله سبحانه وتعالى وإرادته فأقع في الخطأ.

س: هذه المسألة تهم شريحة كبيرة من المسلمين في الشرق الأوسط، وفي إيران والمغرب العربي هناك من طرح هذه المسألة من باب أنّ أهل العرفان والتصوف يؤمنون بهذا المرتكز، أن المحورية للإنسان على مبدأ أنّه خليفة الله، وأنّ الله يتجلى في مظاهر الكون؟

الدكتور كمال لزيق: ليس فقط أهل التصوف يؤمنون بذلك، بل كل المسلمين وعلى مختلف مشاربهم.

س: كان المرتكز الأساسي عند الدكتور سروش في إيران، وعند الدكتور محمد أركون في المغرب أن أبقوا على محورية الله، وأن الفهم هو إنساني.

الدكتور كمال لزيق: دخلنا نقطة أخرى يبدو أنّ فهم محورية الإنسان بالنسبة لهؤلاء المفكرين تقترب أكثر إلى الفهم الغربي منها إلى الفهم الإسلامي عند سروش أو عند أركون أو غيره، عندما نتحدث عن محورية الإنسان التي هي في طول إرادة الله، ومحورية الله في هذا العالم بمعنى أنّ هذا الإنسان هو إلهيّ، وهو بهذا المعنى كما يستند إلى العقل يستند إلى النص الديني في فهم الأشياء، وفي فهم التعددية الدينية أو غيرها من المفاهيم، ولكن محورية الإنسان بالفهم الغربي كما هو الشائع بالفهم الغربي والمفكرين الغربيين وحتى غير الغربيين، محورية الإنسان موضوعة في عرض محورية الله بمعنى أن لا دخل للنص المقدس، ولا دخل للسماء في شؤون الإنسان على وجه الأرض، وبالطبع هذا تناقض واضح. ولكن إذا نظر أتباع أو مفكرو محورية الإنسان بهذا المعنى شيء طبيعي أن يصلوا إلى التعدد في الحق، وإلى نسبية الحقيقة بمعنى ليس هناك شيء مطلق، وهذا الكلام هو مطلق وعلى إطلاقه ينال الله سبحانه وتعالى، وحتى الإيمان بالله هو موضوع نسبي. أما إذا أخذنا محورية الإنسان بالفهم الإلهي أن هذا الإنسان هو محور الوجود لا شك بحسب الإيمان الإسلامي، ولكنّه ليس موضوعًا في قبال إرادة الله سبحانه وتعالى، محورية هذا الإنسان بأنّه خليفة الله ويجب أن تتجلى به الأسماء الإلهية في هذا العالم، وبالتالي للنص المقدس مدخلية أساسية في فهم هذه الأرض ومن عليها لحكمها بالعدل ووفق الإرادة الإلهية، واستنادًا إلى العقل الذي قال فيه صدر الدين الشيرازي: “حاشى للشريعة الحقة أن تتناقض والعقل الصريح”، أو العقل القطعي إذا صح التعبير بهذا المعنى. وبالتالي نحن أمام مفترقين بمفهوم التعددية الدينية بناءً لهذا الفهم. إذا فهمنا الأصل في النظرة إلى الإنسان والوجود والكتاب المقدس نصل إلى افتراق بفهم معنى التعددية الدينية، لأنّ أصل فكرة التعددية الدينية المستندة إلى محورية الإنسان في الغرب قائمة على فكرة جدًّا مركزية وهو التناقض بين قدرة العقل على البرهنة على الإيمان من جهة، وبين أنّنا لا نستطيع التخلي عن الدين لأنّ الدين يدخل في مشاعر الإنسان وفي وجدانه، وهذا الشيء لم يستطع الغرب رغم محاربته للنص المقدس والنص الديني منذ حوالي 400 سنة لكي يصلوا إلى نوع من المصالحة الفكرية أو المصالحة التاريخية، هذه حركة تحصل في المجتمعات بطريقة انسيابية غير مقصودة، ولهذا السبب لا نستطيع أن نأخذ أي فكرة إلا في سياقها التاريخي والتطوري لهذا المجتمع.

س: سؤال أخير، هل ترى الآن دكتور بهذا الشرح أن نظرية التعددية الدينية وكما يتناولها منظّروها قد تشظت؟ هناك إيجابيات، ولكن بالمقابل هناك تناقضات على المستوى الجوهري؟

الدكتور كمال لزيق: نعم، هناك فرق جوهري أن نفهم التعددية الدينية بمعنى أنّ كل ما نؤمن به هو صح دينيًّا بهذا المعنى المطلق، وهذا ليس مذمة في الأديان وإن كانت الأديان فيها كثير من المشتركات على مستوى القيم وعلى المستوى الاجتماعي.

س: أكيد نحن لا نركّز على الأديان، بل على مرتكزات التعددية الدينية.

الدكتور كمال لزيق: نعم هناك كثير من المشتركات بيننا في الأديان، ولكن عندما تأتي النوبة إلى موضوع المرتكز الفكري، نصرّح ونقول إنّ الحقيقة لا يمكن لكل أحد ديني أن يقول هناك تعددًا في الحق الإلهي، لأنّ الحق الإلهي هو حق مطلق.

س: قد تذهب آنذاك كل المباني العقلية والدينية؟

الدكتور كمال لزيق: الفرق بين الديانات وخصوصًا التوحيدية في النظرة إلى موضوع الله سبحانه وتعالى، أو الإيمان في الموضوع العقائدي إجمالًا. نعم نحن ندعي التميز في هذا الموضوع أن الشخص أو الإنسان المسلم هو يتبع المقولة التالية: “أنا أعقل لكي أؤمن”، خلاف ما قاله أوغسطينوس: “أنا أؤمن لأعقل”، هذه المعادلة المختلفة رغم الإيمان المشترك في كثير من القيم بين الإسلامية والمسيحية لكن على مستوى أصل الإيمان أو المستند العقلي لموضوع الإيمان هناك اختلاف جوهريّ. الإيمان المسيحي تقبلين به على أساس الإيمان، لذلك في الحالة الإسلامية أنا أتعقل لكي أؤمن.

س: من هنا كيف نفهم الطرح الإيجابي لمفهوم التعددية الدينية، وأن اعتناقها يؤمن الصلح الديني العالمي؟

الدكتور كمال لزيق: ما تسألينه الآن لا دخل له مباشرة في الموضوع الفكري الثقافي العقائدي، وهذا الموضوع هو من الناحية الاجتماعية.

س: خاصة أنه في السنوات السابقة نشأت صراعات دينية ومذهبية عنوانها الظاهر كان هكذا، ولكن منطلقاتها مختلفة إلا أنّها جعلت نظرية التعددية الدينية تطرح على الساحة الفكرية بقوة؟

الدكتور كمال لزيق: للأسف هذا استثمار سياسي في هذه الحركات الإرهابية المتوحشة. وللإشارة فقط، العقل المتطرف عادة هو عقل مريض، وهنا لا سبيل لربط هذا العقل المريض بالإسلام أو غير الإسلام.

 

 


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
الدكتور كمال لزيقالأديانالتعدّديّة الدينيّة

المقالات المرتبطة

الشعوب العربية بين جرح الاستشراق وإعصار العولمة

لطالما سيطرت على مفاصل الدراسات الاستشراقية ثنائية غرب مسيحي متقدّم، وشرق إسلامي متأخر. ثم بعد عصر العولمة أصبحت المحاكاة الاستعلائية

العلوم الإنسانية مرتبطة بإرادة الإنسان، لا بالعلوم والأمور الإنتزاعية

حوار مع حجة الإسلام والمسلمين الدكتور حميد بارسانيا

حوار مع الدكتور ميثم مطيعي حول توجيهات الإمام الخامنئي (دام ظله) للأمة والشباب

أيها الأعزاء، إنّ إمامنا عقد أمله فينا، وعلينا أن نبذل قصارى جهدنا في هذا المجال، وأن لا نتعب.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*