قراءة في كتاب “منهجيّة القرآن المعرفيّة” لـ محمد أبو القاسم الحاج حمد مراجعة نقديّة لنظريّة أسلمة فلسفة العلوم

قراءة في كتاب “منهجيّة القرآن المعرفيّة” لـ محمد أبو القاسم الحاج حمد مراجعة نقديّة لنظريّة أسلمة فلسفة العلوم

يستهل الكتاب ما يبدو أنه مدخل غير تقليدي، إلى فهم النص الديني. لا تخلو المحاولة، رغم إحيائيتها الظاهرة، من ميل واضح إلى وصل من انقطع بين الفهم الموروث ومبانيه المستقرة على أدوات ومناهج بطيئة التحول، وبين التطلب المتنامي والمتقلب للعقل المعاصر. المحاولة تكتنفها الصعوبات الشائعة في فكر التكييف أو التجديد، ويضاف إليها هنا، صعوبات خاصة بالطريقة التي اختطّها الكاتب لكتابه. ولعلها في ذلك، تستمد من العقل المعاصر رشده ومفارقاته في آن. انضباطه وتحفظه المنهجي عند بناء أدوات المعرفة، واستعماله اللاحق لها استعمالًا متعسفًا ومغامرًا. نستحضر في السياق أن المنظومات الفكرية الحديثة، الواقعة في قلب تلك النزعة المنهجية، غالبًا ما انتهت إلى إخضاع الإنسان والمجتمع للمدى الضيق وغير الحيوي لمخرجات العلوم الطبيعية، وربط الفعل الإنساني بإحدى مجالات الإرغام، رغم أن ما لم تكف الحداثة عن الإشارة اليه، هو الصلة بين الحرية والعقلانية.

تندرج اطروحة الكتاب في خطاب اسلامية المعرفة، فتلتزم بالتالي طموح هذا الخطاب وقضاياه. و قضيته الأساس كما يتضح من الكتاب، السعي إلى إطلاق موجة فكرية، بين المتخصصين المسلمين على اختلافهم، تحدث تراكمات “منهجية وفكرية تعين على بناء المعرفة الإسلامية”. إن عدم استبعاد فلسفة العلوم الطبيعية والتطبيقية عن مضمار الأسلمة الشاملة هذا، يرمي إلى إعادة وصلها بالقيم التي فصلتها عنها “الاتجاهات الوضعية والفلسفات المادية”، وجعلها بالتالي جزءًا من سلم المعرفة المتدرج بين كتاب التكوين وكتاب الوحي الإلهي المطلق، بين القيم والتجربة. ولا تستوي الأسلمة إلا بالجمع بين القراءتين، قراءة القرآن المسطور قراءة “جمع وتلاحم”، وقراءة الكون المنثور من خلال العلوم التجريبية المنتمية إلى منهجية الوحي الكلية.

إن هذا التصنيف المبدئي والنهائي لأطروحة الكتاب، يضعها عند نوعين من التحديدات المقيدة لإمكاناتها النظرية:

الأول: إنها “دراسة منهجية في الصميم”، تعالج قضية المنهج القرآني بذاته ومن “حيث كونه منهجًا”، على حدً ما يعرف الكتاب مهمته، يعني ذلك أن إشكاليات المنهج ستتغلب على ما عداها، فيما تعالج المشكلات التي تطرحها العلوم الاجتماعية والإنسانية عرضًا، وفي سياق رسم الإطار العام للمنظومة المعرفية دون عناية كافية بالمضمون النظري. بيد أن هذا المضمون هو التحدي الرئيسي، المطروح أمام فكر المراجعات والتجديد الديني. إن درجة أكبر للتقارب بين البنائين المنهجي والنظري، تعني أن مواجهة هذا التحدي ستكون أدنى إلى التحقق.

الثاني: مشكلات منهج الأسلمة نفسه الذي تنتمي إلى مقاصده. ويجمع هذا المنهج بين اتجاهات مفارقة، لا سيما لجهة اشتماله على توقين متضاربين: من ناحية، الأسلمة الشاملة للحياة والثقافة والعلوم والمجتمع، دون تمييز بين حقول ذات هوية معرفية يمكن أسلمتها، وأخرى غير قابلة للأسلمة. ومن ناحية أخرى الرغبة بالتحرر من سلطات النص ناجز التأويل والتفسير، ونقل مهمة البحث عن الحقيقة الدينية من التاريخ إلى الحاضر فالمستقبل.

أسلمة المعرفة تعني ولو أنها لا تعلن، إقامة قطيعتين نسبيتين، قطيعة مع العقل التراثي الذي انتهى إلينا محمولًا على حاملة الدين التاريخي وممزوجًا به، وقطيعة مع العقل العلمي المعاصر، حين خلطت بين التجربة والفلسفة والأخلاق؛ بين العلم والأيديولوجيا، وافترضت وجود أدوات مشتركة لكل حقول المعرفة على نحو يقع تمامًا خارج سياق التطور الطبيعي للعلوم، في حين أن العقل كان مع كل خطوة يخطوها يتنكر للمرحلة السابقة (من النصّ/ الوحي إلى الميتافيزيقيا، إلى العقل، فالتجربة وما بعد التجربة).

ثم إن أسلمة المعرفة على نحو ما هو معلن، سيخصص ما هو عام، (العلوم الطبيعية، وإلى حد ما الإنسانية والاجتماعية)، ويعمم ما هو خاص (علوم الدين الداخلية)، وتقرب الدين وعلومه بالتالي، من دائرة الاستتباع المشار إليها أعلاه بين أنظمة القيم ومناهج العلوم الطبيعية….للمزيد



لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*