مناهج البحث الاجتماعي الديني

افتتح منتدى الدراسات العليا في معهد المعارف الحكمية مشروعه التعليمي حول “البحث الديني في العلوم الاجتماعية”، فاستضاف في جلسته الأولى – والتي هي ضمن حلقات ثلاث – الأب البروفيسور روبير بينيدكتي.

وبعد تلاوة آيات بينات من القرآن الكريم، وافتتح الحلقة مدير المعهد فضيلة الشيخ شفيق جرادي متحدثًا عن منطلقات الحلقة، وأشار إلى أنّ “الدين يقوم في أصله على الوحي بغض النظر بطبيعة تعرفنا على الوحي، وهل تتم من خلال النص، وأي نص هو هذا الذي يعرفنا إلى الوحي؟ هل هو النص المعصوم بالمعنى التنزهي الذي عبّر عنه القرآن الكريم؟ أم بمعناه الإلهامي الذي يعبر عنه الكتاب المقدس؟”

واعتبر الشيخ جرادي “أنّ التطورات التي شهدها البحث الديني، أدخلت الدراسات الدينية المعاصرة مرحلةً من الإشكالية المركزة على ضوابط ونطاقات خاصة بعد أن كانت مفتوحة على الوعظ والإرشاد والردود على الإشكالات المطروحة وخاصة منها تلك المرتبطة بالمذاهب أو الايديولوجيات. وهنا وجدنا الانفجار المقولي التي شهدته الساحة الثقافية في كتابات سنية وشيعية جدلية، كما شهدنا انفجارا مقوليًا حول منافحات ثقافية في مواجهة الماركسية والاتجاهات الإلحادية أو بعض الحركات الضالة، وفي كل الـأحوال كانت المساحة الثقافية التي يشتغل عليها هذا المقول الديني هي في ساحة ما لا تعتبره دينيًا أو أصيلًا أمّا بعد نشوء هذا التيار –تيار العلوم الدينية المعاصرة- فلقد وجدنا اهتمامًا بالأمور التالية:

  • استعادة قراءة التراث والحداثة
  • محاولة تبيان وتوصيف الذات وتقديمها بلغة تسعى لتجاوز النمط التبشيري.
  • المساهمة في ايجاد لغة عالمية للبحث الديني.”

أمّا الأب البروفيسور روبير بينيديكتي، فقدّم مطالعةً بعنوان “أنتروبولوجيا الدين – دراسة ميدانية”، حيث اعتبر أنّ استطلاع أي تجربة ثقافية إنما يقوم من خلال فهم ومعرفة مبانيها الثقافية، كما اعتبر أنّ مثل هذه الأبحاث تحمل محاور ثلاث:

  1. الخبرة المعرفية الروحية.
  2. حياة الجماعة الروحية.
  3. المجتمع المحلي الذي نعاينه.

وأضاف أنّ تشابك  هذه الأمور هي التي تتحكم في تشكّل العلاقات المجتمعية المحلية لمجتمع صغير في كل بنيانه ومحيطه الثقافي.

كما اعتبر أنّ “الفاعل” هو صاحب الدور الأسياسي في هذه المعرفة، وذلك عبر إقامته للعلاقة مع المجتمع المحلّي من خلال الخبرة المعرفيّة الروحية، وإذا استند الفاعل في موقعه التفاعلي على المنظور الفكري الاعتقادي، فأنّه يضفي على موقعه معنًى ذاتيًا. لذا فإنّ مثل هذه العلاقة هي تأويلية بامتياز مع المحيط – أضاف – وهنا تبرز مدرسة ماكس فيبر الذي صاغ براديغما خاصة لدراسة المجتمع انطلاقًا من الفاعل الفردي في فهمه وما يصدر عنه من (التفسير الفاهم).

ورأى أنّ المقصد يكون من مثل هذه الدراسة “استطلاع الواقع الذهني” الذي يعيشه المجتمع في “تجربته الروحية” ارتكازًا على الكلام والمقول في ظل الانفعال مع الأحداث المحيطة.

هذا وتبنى البروفيسور بينيدكتي في مثل هذه الدراسات الأنتروبولوجية الميدانية “المنهج النوعيّ للاستقصاء الميداني”، لما يتميّز من طابع غير مقنن، مما يساعد الباحث على بلورة بحثه بكل تفاصيله أثناء دراسة المبدأ الاجتماعي المدروس، بما لا يسمح لإدخال ما ليس من عالم الحالة التي يدرسها، عبر فرض أو توجيه أسئلة تحفّز على إجابات وانفعالات خاصة. في حين أنّ المنهج النوعي يعتمد على رصد، وتدوين الأمور، والأقوال، والانفعالات، والانعكاسات، بشكل عفويّ، وكما تصدر عن أصحابها.

واعتبر الأب بينيدكتي أنّه لحفظ قيمة الموضوعية انبنى المنهج على مراعاة أمور:

  • إنشاء شبكات ومتحولات الرصد، وهي جداول من الأغراض والمواقف والأشخاص… ممّا يمثّل معلومات ملائمة للبحث.
  • إنشاء شبكات موضوعاتية من المفردات الدالّة، أو العبارات ذات المعنى الملائم للبحث، حيث إنّ هكذا متتاليات تساعد على فهم البنى الملائمة وتمييزها.
  • جدولة الوقائع في الحيز المرصود، وهي ترشد لرصد مجال معين وحقائقه الموجودة فيه من مثل: العائلات، المصانع، الاحتفالات ومراكز العبادة… من مختلف الممارسات الاجتماعية الثقافية.

ونبّه بينيدكتي إلى أهمية رصد خطاب الفاعلين لما يوفره من معلومات حول مضمون الأفعال وما يضيفع الفاعلون؛ إذ الخطاب يساعد الباحث على معرفة الخبرة المعرفية والمعاشة في مواقف التفاعل…

واختتم الأب بينيديكتي محاضرته بالقول: إنّ المدونة تساعد الباحث علىى فهم التجربة الاجتماعية والروحية من منظورات ثلاث:

أولًا: استطلاع البنى الدالة المتوارية خلف الأفعال ذات المعنى.

ثانيًا: كشف السمات النهائية بالأفعال ذات المعنى، وخبرة الفاعلين المعاشة، مما يسمح بالتوغّل في خبرتهم المعرفية والوجدانيّة.

ثالثًا: شمولها لمعلومات وصفيّة ترتبط بالحياة المجتمعية الخاصة.

IMG_1692 IMG_1694-2 IMG_1695 IMG_1698-1 IMG_1698-2 IMG_1700



لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*