البُعْد الضَائِع في “عَالَم صوفي”

البُعْد الضَائِع في “عَالَم صوفي”

 

تقديم
بقلم د. طارق إدريس

الحمد لله، والصلاة والسلام على أحكم الحكماء محمّد وآله.

وبعدُ، فهذه روايةٌ في الفلسفة. غرضُها أن تقدّم عرضًا للفلسفة الإسلاميّة لا إطناب فيه ولا عسر، لتسوغ في أذهان محبّي الحكمة أملًا في أن تستعيد مقعدها في حدائق الذهن، بعدما أضاعه الابتذال والسطحيّة والانشغال بحاجات العيش.

هي روايةٌ كما سُجّل في بطاقة هُويّتها، على غرار نسيبتها الأسنّ “عالم صوفي”، وإن غابت عنها قسمات لا يُعرف وجه الرواية إلّا بها. ويشفع لها غرضُها – وهو رفيعٌ وجيه – للإعراض صفحًا عن النقاش في صنفِها الأدبيّ.

والكاتب – كما لن يخفى عن القارئ – باحث عمانيّ ضربت جذور قلبه في تراب وطنه حبًّا وانتماءً، وتعلّقت أغصان ذهنه بسُحُب الفكر الطليقة، فنتج بين هذا وذاك كتاب فذّ، جاء بما استطاعت دفّتاه أن تجمع مِن مدامٍ حلالٍ، ليسقيَ عالمنا العربيّ الصادي إلى قيمة الإنسان، في زمن تصدّع فيه كلّ شيء حتّى المقدّس.

ولعلّ الفئة التي تيمّم هذه الصفحات شطرها هي الشباب، بل كلّ من يهوى المعرفة، ولا سيّما في حقول الفلسفة المستنيرة أبدًا بشمس الرغبة في الوصول.

ولئن كان العنوان يُلحق هذا الأثر بصنيع الكاتب النروجيّ “جوستاين غاردر” (Jostein Gaarder) المعروف بـ”عالم صوفي” (Sophie’s World)، والمنشور عام 1999م، إلّا أنّ هذا لا يعني وجوب قراءة صوفي وعالمها لفهم حوادث هذا الكتاب؛ إذ لا رابط بينهما يَحثّ أو يدعو.

يسجّل للكاتب غيرتُه على الفلسفة الإسلاميّة أعلامًا وتراثًا ونتاجًا. غيرةٌ شحذت فيه عزمًا صادقًا، وحملته على تكبّد ما لم يطقه غيره مِن أجل التعريف بمن تدين لهم حضارة اليوم بالكثير، وبما لم يسطع جوهر المعاني إلّا به مِن فكرٍ صاف زلال.

لماذا “إيمان” بعد “صوفي”؟ لن يخفى السبب على القارئ الفطن. فلئن عبّر اسم الغربيّة عن قطب النظر وإعمال العقل في ديارها، فاسم العربيّة يشير إلى المرفأ المطمئنّ الذي وصلت إليه فُلك العقل في ديارنا بعد أن مخرت بحارًا مزبدة الآراء، عاتية المواقف. “مَن عرفوا” أخبرونا أنّ الفُلك وصلت، ولعلّها تشحن جوفها سرًّا بزاد لرحلة أخرى، غير عابئة بزعق ريح الجهل والتعنّت والرجعيّة العمياء.

هل يتبنّى “دار المعارف الحكميّة” ما جاء في هذا الكتاب بحذافيره؟

ومتى كانت الفلسفة بستان نظر يطرد عن بابه أو مِن رحابه مَن عبرت أسراب عقله أوديةً عذراء، أو راق لها منطق طير مختلف؟! للمؤلّف الحقّ في أن يجتهد في فلسفة السابقين ليخلص مِنها بفهم ورأي يستقلّ به أو يشارك. وله بعدُ أن يميل إلى حيث يرى الصواب والحقيقة.

وما للدار إلّا أن ينشر له ويقول: هاؤم اقرؤوا كتابَه، واعمروا مجالسكم بالجدال الواعي به، وأعملوا أقلامكم فيه. أليس في هذا ما يبعث النشاط في الحركة الفلسفيّة الشابّة والمخضرمة؟

وما يدريك؟ لعلّ طبعات لاحقة لن يتعرّف كثير من صفحاتها طبعتنا هذه.


لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*