المناهج القرائية للنص: منهج التفكيك

المناهج القرائية للنص: منهج التفكيك

هل التفكيكية منهج؟ عندما نتصور “التفكيكية” من المهم أن نستحضر مقولة جاك دريدا، التي أكدت على الرفض التام لوجود مفهوم ما يسمى بـ “التفكيكية “، وأن أي محاولة للوصول إلى معنى محدد ودقيق لكلمة “التفكيكية “هي محاوله فاشلة وزائفة، وقوله: إنه من الأنسب وصف التفكيكية على أنها: الشك في ماهية الشيء. إضافة على تأكيده أن التفكيكية ليست أداة أو منهجًا للتحليل، وما قاله دريدا ينطبق وبشكل خاص على التفكيكية الأمريكية المعروفة بـ تفكيكية يال Yale Deconstruction(جيف كولينز ،بيل مايبلين، 2005)، أمثال بول دي مان Paul Demen ، هيليس ميلر، J.HILLIS MILLER جون كروز رانسوم، كلينث بروكس، وروبرت ين وارن؛ من المهم جدًّا تقديم مقاربة لمفهوم “التفكيكية” لأن دريدا كان متطرفًا جدًّا ومخادعًا في تحديد مفهوم التفكيكية. ولذلك نستحضر تعريف كريستوفر نوريس للمفهوم باعتباره: “تفتيش يقظ عن السقطات أو نقاط العمى أو لحظات التناقض الذاتي حيثما يفضح النص لاإراديًّا التوتر بين بلاغته ومنطقه، بين ما يقصد قوله ظاهريًّا وما كره أن يعنيه رغمًا عنه” (ميشيل، 2008).

والقراءة التفكيكية ليست مجموعة من الإجراءات أو المناهج الجاهزة والمفصلة التى يمكن تطبيقها على القراءة، إنما يمكن اعتبارها استراتيجية وممارسة تقوم على “إحياء النص”، ذلك أن النص في حد ذاته قد يكون مغلقًا غير قابل للقراءة وممتنعًا عن الفتح وغير منتج، ومن هنا تأتي الحاجة إلى “الآخر” ليمنح النص الصيرورة والحركة لفتح مغاليقه وإعادة إنتاجه من خلال استراتيجية تعمل على إمكانية “ابتكار النص” بمعنى ابتكار الابتكار ذاته، ابتكار التخيل نفسه، ابتكار الاكتشاف من جديد، لأن الابتكار يمكن اعتباره ظاهرة يتجلى عنها اكتشاف الشيء. من هنا يؤكد جاك دريدا أن كل حديث عن الابتكار، هو بمثابة الحديث عن إعادة ابتكار الابتكار ذاته (بودومة، 2010).

والقراءة التفكيكية – كما هي عند دريدا – ترى أن النص فضاء يشتمل على بنى واقعية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتاريخية، وبالتالي فإن صور هذه البنى متضمنة داخل النص، وهو ما يفسر تأكيد دريدا على عدم وجود شيئًا خارج النص، لأن كل إحالات النص الممكنة الخارجية محفورة ومسجلة داخله للدرجة التي يتطابق فيها مفهوم النص والسياق text and context، فالتطرق للسياق هو في الواقع توغل داخل “النص”، فكلاهما وجهان لعملة واحدة (دريدا، 2002). ومن هنا يكون هدف القراءة التفكيكية هي اكتشاف بنى النص المختلفة.

القراءة التفكيكية للنص تؤكد على غياب المؤلف، الذي صلته بالنص تكون قد انقطعت بعد إنجازه للنص، ولذلك فإن التحكم في معنى النص لا يكون من قبل المؤلف، وإنما من خلال القارئ. ومن هنا تؤكد التفكيكية على أن دراسة نوايا الكاتب وأفكاره وبيئته كمعيار للنقد ولقراءة النص الأدبي، لا يمكن من خلالها “تقديم قواعد ثابتة لفهم وتفسير الأعمال الأدبية”. (مايبلين، 2005)،كما أنها لا تهتم بالبحث عن ملاءمة النص لوحداته، بل المبدأ هو غياب الملاءمة الكلية. فالقراءة التفكيكية تزلزل النص، وتحرضه ضد نفسه تروم في ذلك الشك في المقابلات، وتسجيل التناقضات والمشوشات بين وحدات النص (هالين، 1998).

القراءة التفكيكية إذن تعتمد على كشف التخلخلات والمشوشات والتناقضات الداخلية للنص، وهو ما أسماه بول دي مان عدم قابلية القراءةunreadability ، أو بحسب ج.هيليس ميلر القارئ الجيد الذي يقدر على رصد هذه التناقضات والتشوشات في النص أو ما أسماه بـ القراءة المغلقة Close reading في كتابهVictorian subjects   وهي القراءة التي تعمل على إبراز البنية التي يفرضها النص على القارئ، وتهتم بسلطة كلمات النص على أفكار القارئ؛ فاحترام النص هو محور ارتكاز كل قراءة جيدة، وهو ما يشكل أساس التفكيكية كما يراها ميللر، ويصفها بأنها تتمثل في القراءة الجيدة التى تحصر المعنى وتهدف دائمًا إلى الكشف عن وجود تمفصل وشذرات مخفية في وحدات النص وموضوعة (زيما، 1992)، التي يمكن رصدها في النص من خلال حالات الشك في القيم أو الأيديولوجيا التي يطرحها النص، وفي تمرد الشخصيات ورفضهم لواقعهم المعاش وفي دعوتهم لواقع جديد، أو في المعنى الظاهري الذي يقوله النص، والمعنى الخفي الذي لا يبوح به النص، بين ما يقال في النص والمسكوت عنه.

وإذا كانت القراءة التفكيكية للنص تبحث عن الأضداد وعن التناقضات، والمآزق المنطقية في النص فهي إذن معنية بالكشف عن تعدد الدلالات، التي هي متعارضة تعارضًا جذريًّا مع بعضها البعض، ومن ثم فإن المعنى في النص ليس نهائيًّا، وهو ما أكدت علية التفكيكية الهندية سبيفاك في رؤيتها حول لا نهائية الدلالة أو المعنى في النص المقروء، لأن القارئ كما يؤكد جميع التفكيكين يحاول أن يعطى للنص معنًى نهائيًّا، ولكنه يفشل كل مرة، ولا يقدم غير “إساءة قراءة للنص“؛ لأن المعنى النهائي للنص يكون خاضعًا لعملية الإرجاء والتأجيل بصفة مستمرة، (حمودة، 2003).

هكذا نرى أن هذا المنهج القرائي لا يقف على معنى ثابت للنص، بل يتأرجح المعنى طبقًا لعملية الإرجاء والتأجيل، والناتجة أساسًا عن الشك في المعنى، وهنا مكمن الخطر، فعندما تصبح التفكيكية مرادفًا للشك المنهجي فإنها تقوم بتقويض أساس النص ومعناه كليًّا، وتهدم ثوابت النص، فهي ليست معنية باكتشاف معاني النص بقدر هدمه، ولا تقدم تأويلًا منضبطًا مع قصدية المؤلف، صحيح قد يكون التفكيك مهم في اكتشاف زيف ادعاءات النص أو قائل النص، لتكشف تناقضاته للقارئ وتعيد بناءه من جديد على أساس سياقي عقلاني، فمثل هذه القراءة مطلوبة، ولكن عندما يصبح الشك حالة يستوطنها الإنسان ولا يريد أن يفارقها فذلك يمثل خطرًا على الثوابت الإنسانية؛ ولكن أليس الشك مطلوبًا في حالة عدم وجود الدليل؟ نعم، ولكن إذا كان هناك دليل ينبغي ترك الشك الذي يتحول إلى حالة مرضية يصعب علاجها، وهذا ما لا تفعله التفكيكية لأنها تظل في حالة شك دائم في النص ومعناه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
المناهج القرائيةمنهج التفكيك

المقالات المرتبطة

الدعاء إقبال وتربية وعبادة

من أبرز وجوه معاني الدعاء التي وردت في القرآن الكريم أن الدعاء بمعنى العبادة والقول والإستعانة والاستغاثة والنداء

نحو رشدية عربية (1)

عنوان هذه السلسلة الجديدة من المقالات القادمة له قصة جديرة بأن تُروى؛ بدايتها عندما كنت طالبًا فى السنة الثانية بقسم الفلسفة بجامعة فؤاد الأول في عام 1944

هجرة حسينيّة من أجل تعاليم النبيّ (ص)

إن هجرة الإمام الحسين عليه السلام، إنما كانت بقصد حفظ دين الله سبحانه ورسالة رسوله نبي الرحمة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*