البنيويّة

البنيويّة

شهد منتصف الستينات من القرن العشرين بداية انتشار الأعمال الأولى للبنيويّة Structuralism وتعتبر أعمال “كلود ليفي ستروس claud Levi –Strauss 1908” التي قدّمها في كتابه: “الإناسة البنيانيّة 1957″، وكتابه الآخر “الفكر البري 1963” في طليعة الأعمال التي تشكّل مؤشرًا بنيويًّا واضحًا، وذلك من خلال ما أنجزه من دراسات معمّقة في البنى العقليّة لأنظمة القاربة وغيرها من أنظمة اجتماعيّة أشدّ تعقيدًا، وشكّلت هذه الأعمال فاتحة عهد داعمة لتكريس النزوع البنيوي باتجاه كافة المجالات الأخرى التي يمكن أن تحظى باهتمام البنيويّ وغيره من أدب وفلسفة ورياضيات وعلم النفس… إلخ.

وقد اعتبرت هذه الجهود الحثيثة بديلًا فكريًّا لفلسفات كان لها حضورها وتأثيرها الفاعل في الساحة الفرنسية، وشكّلت محاولة جديدة لفهم التاريخ والمجتمع والثقافة على ضوء العلوم الإنسانيّة، واحتلت بذلك موقعًا بارزًا في تاريخ الفكر الفرنسي المعاصر، وقد تميزت البنيوية بطروحاتها الثورية بما أنجزته من منظورات جديدة لمختلف القضايا الفلسفيّة السائدة آنذاك، ومارست قطيعة مع ماضي المعارف كلّها، بحيث تسلّلت في تحليلها وتفكيكها ونصّها إلى مقولات كانت تعتبر في أساس فلسفات مثل الظواهريّة، والتأويليّة والماركسيّة، والوجوديّة، والإبستمولوجيّة المتعلّقة باتباع فلسفة العلوم، بل إن طابع القطيعة الثوري الذي ميّزها أدّى إلى أن تعيد البنيويّة إنتاح نفسها بنفسها (وذلك بعد أحداث مايو 1968).

ومع منتصف السبعينات من القرن العشرين، ظهرت نماذج ألسنيّة جديدة كاللسانيات التوليديّة والتحويليّة والسيميولوجيّة التي أسّست لاحقًا لما يسمّى بما بعد البنيويّة وفلسفات ما بعد الحداثة أو الأركيولوجيا، والجينيالوجيا، والغراماتولوجيا… ونظرًا لحضورها القوي الذي حظيت به، كان من الطبيعي أن تواجه البنيويّة تحدّيًا صارخًا من قبل تلك التيارت الفكريّة التي كانت سائدة آنذاك (التيار الماركسي والتيار الوجوديّ)، كما أنها لاقت سندًا داعمًا من قبل تيارات أخرى (التيار الإبستمولوجي الباشلاري، وتيار مدرسة الحوليات التاريخية)، ويبدو أنه من غير المستحسن أن نستطرد في الحديث عن المنشأ والمسار التاريخيّ كمدخل إلى البنيويّة، ذلك أنه، وعلى الرغم من أهمية الظرف التاريخي والدور الذي لعبته البنيوية في تلك الحقبة من تاريخ الفكر الفرنسي، إلّا أن البنيوية نفسها ومن خلال أهم بنودها ـ تأبى أن تخضع نفسها لمثل هذه المقولات والتي ينظر إليها على أنها خارجية ومتناقصة مع توجّهات الفكر البنيوي نفسه.

ما هي البنيويّة؟

ثمة عقبات عديدة تواجه الباحث في البنيوية تظهر إلى العلن منذ الإطلالة الأولى التي يحاول فيها الباحث تقصّي البنيويّة في مدلولاتها أو مباشرتها فيما يمكن أن تختزنه من تحديد، فالبنيويّة تأبى عن التأطير وتشرع في ممارسة عصيانها وممانعتها حتى على مستوى الأسئلة الأساسيّة من قبيل، ما هي البنيويّة؟ هل البنيويّة شكل أم محتوى؟ منهج أم نظرية؟ ما هي خطوات المنهج البنيوي؟ وهي أسئلة ضروريّة كونها تشكّل مدخلًا لفهم موضوع الدراسة، وربما بسبب من التشعّب الشديد في شجرة العائلة البنيويّة كان من الصعب تحديد مفهومها، إذ تمتدّ البنيويّة بجذورها إلى عصر النهضة، وينتابها هاجس المسعى الحثيث لنيل تقدير “العلميّة” فهي تسعى لأن تكون علمًا، فتدّعي لنفسها الانتساب إلى عائلة العلوم الطبيعيّة (بيولوجيا فيزيولوجيا) والعلوم النظريّة (رياضيات منطق) معًا، ولا تخفي تأثّرها الواضح بعلم الاجتماع الماركسي، وعلم النفس الفرويدي ونظم اللغة السوسورية، ويسطع في فضائها أسماء من قبيل كانط ونيتشه وهوسرل وهايدغر وجاكوبسون وباشلار ودي سوسير… يضاف إلى هذا التشعّب أن البنيويّة ليست منهجًا مطبّقًا بطريقة واحدة عند الجميع، ويظهر هذا التباين في الأسلوب المتّبع في أعمال البنيويين الكبار أنفسهم، وهكذا يجد المرء لدى ليفي ستروس، ما لا يجده لدى كلّ من بارت والتوسير، وفوكو، ولاكان، وعلى الرغم من وجود الاختلاف في منطلقات بحوثهم وغاياتها، إلّا أنه يمكن تحديد بعض المعالم الرئيسة كعلامات فارقة، وذلك من قبيل أولويّة البنيويّ على التاريخيّ، وأسبقية اللغة على الواقع وأهمّية تأثير المنهج في النظريّة والشكل في المحتوى، وما قد يكشف عن هوية البنيويّ هو استخدامه لبعض المصطلحات ذات الجذر اللسانيّ، واهتمامه بالرمزي، وبحقول معيّنة داخل العلوم الإنسانيّة، وبالموقف المنهجي القائم على تفسير الظواهر والحوادث على أساس تزامني، وكلّ هذا قد يسمح لنا بمقارنته البنيوية ولو على نحو مبدئي.

بناء على ما سبق، يمكن تعريف البنيويّة من عدة جهات: فانطلاقًا من المجال الذي تفضّله هي نفسها ـ أعني مجال اللسانيات ـ تغدو البنيويّة طريقة جديدة في طرح وتفسير المشاكل في العلوم التي تناقش العلامة ـ الرمز ـ الدلالة بالشكل المعهود في لسانيات دي سوسير، فالبنيويّة تشتمل على علوم العلامة، وسستام العلامة، وتحديدًا على العلامة التي تقيمها بين الدال والمدلول، ومرجع ذلك إلى الإيمان بأن الطرق الناجعة في الكشف عن القوانين العامة للغة وما يستتبع ذلك من كشف عن القوانين التي تربطها بمختلف مجالات النشاط الإنساني، تتكوّن أنساقه من بنى عقليّة مفترضة وانطلاقًا من آلية المنهج الذي تمارس نشاطها على أساسه، وتغدو البنيويّة طريقة من الطرائق الفكريّة والمنهجيّة متشعبة، ومتنوعة في اتجاهاتها، تقوم على تفاعل مجموعة من العناصر والعلائق في صيغتها الرياضيّة والفيزيائيّة، تشكّل نسقًا، أو بنية متكاملة، مغلقة، تدّعي استيعاب كلّ المسائل والمشاكل المطروحة التاريخيّة، والنفسيّة والاجتماعيّة في منظور واحد، وتقوم على الفرز بين فعاليتين: الوعي واللاوعي، وفعالية اللاوعي هي الأكثر شأنًا في الداخل، وكذلك بين حدّين داخلين في تركيب هذا المفهوم “البنيويّة”؛ أي التزامن والتزمّن: الأوّل سكونيّ، ويوصف بالحركة أحيانًا والآخر تطوريّ، والبعد الباطنيّ للنص هو ما يعبّر عن حقيقة هذه الطريقة، التي تنظر إلى كلّ مشكلة أو مسألة تستقبلها من منظور واحد، وقد يفضّل البعض إجمالها ـ بسبيل التقريب ـ بالقول إنها منهج أو نسق، أو أنها هي ليفي ستروس نفسه.

هل البنيوية منهج أم نظرية؟

يرى ليفي ستروس أن طموح البنيويّة هي في أن تصبح منهجًا علميًّا دقيقًا، يماثل المناهج المتبعة في العلوم الدقيقة، يدرس العلاقات القائمة بين عناصر أجزاء كلّ بنية، وذلك بتحليل هذه الأخيرة أسمى من بنياتها الأولى، بحيث تتيح لنا تبيّن بنيتها الخفيّة، ولأجل ذلك كان اعتماد البنيويّة على المناهج الطبيعية، وذلك على أساس نظريّة المجموعات التي تسمح بدراسة العلاقات بين أجزاء وعناصر المجموعة، وتحليلها ثم إعادة تركيبها، من أجل الكشف عن البنية الخفية للموضوع، وكذلك باللسانيات، باعتبار أن علم اللغة هو النموذج المباشر الذي يختص عن غيره من العلوم الإنسانيّة بإمكانيّة وضعه على قدم المساواة مع العلوم الطبيعيّة والدقيقة، فعلم اللغة يشتمل على العموميّة والتشابه والتوافق المبدئي، وهي خصائص تتيح للنموذج الألسني الذي يتماثل والعلوم الطبيعية أو الدقيقة، أن يشكّل وسيطًا ناجعًا إلى العلوم الإنسانيّة، ويستفيد المنهج البنيوي أيضًا من ميادين ثلاثة أخرى هي الماركسيّة، والتحليل النفسي، والإثنولوجيا، بوصفها ميادين تتفق والبنيويّة في ارتكازها إلى المبدإ الأساسي القائل إن البنية متخفّية، لا شعورية، لذا وجب التحليل والبحث عن الباطن، دون التوقّف عند ظاهر الظواهر، فالبنية هنا متخفّية، لا شعورية، وهي ذات طبيعة عقلية بحيث لا تستند بمفهومها إلى الواقع التجريبي المباشر، بل إلى النماذج الموضوعة بمقتضى هذا الواقع، فنحن نتعرّف على البنية الاجتماعيّة من خلال العلاقات الاجتماعيّة، وللكشف عن البنية كان لا بدّ من تدخّل العالم، وتركيب نماذج تفصح عن بينة الموضوع وتبرزه، والبنية للأسباب المتقدّمة تنفع كوسيلة منهجيّة قابلة للتطبيق في مجالات مختلفة، ولا تكاد تختلف كلمة “البنية” عن مثيلات لها من مفردات لغويّة كلفظة الشكل، ولكن مع وجود فارق منهجي بين البنية والشكل، ذلك أن الشكل يقع في مقابل المحتوى ويتحدّد به، في حين أن البنية لا تتحدّد بالمحتوى لأنها هي المحتوى ذاته عندما ندركه داخل تنظيم منطقي من حيث هو خاصيّة من خصائص الواقع، فالبنية ـ على خلاف الصورة أو الشكل ـ ذات طبيعة موضوعيّة تقبع خارج الذهن وتكون ملزمة له، وعلى سبيل المثال، نحن مضطرون إلى تصوّر البنى الاجتماعيّة كموضوعات مستقلّة عن الوعي، ويبقى أن هذا الفهم للبنية يوقعنا في مفارقات لا يمكن حلّها، وتكمن هذه المعضلة في أن البنية ذات طبيعة عقليّة رياضيّة، ميزاتها الأساسيّة هي الشكلية، ومن ناحية ثانية البنية ليست شكلًا ولا محتوى، بل هي المحتوى ذاته! وهذا يعني أن البنية حقيقة دون أن تكون واقعيّة، مثاليّة دون أن تكون مجرّدة.

 

النموذج الألسني

في سبيل العمل على إظهار المبادىء المنهجيّة والنظرية التي تؤول إليها كلّ بنيوية، تمّ استعادة النموذج الألسني كما ورد في منظومة دي سوسير الألسنية، تفهم اللغة هنا على أنها نظام من الرموز Sogn، فكل كلمة في اللغة تشكّل رمزًا، والرمز مصطلح أساسي من مصطلحات “قاموس الدلالة” الذي خلّفه عالم اللغويات السويسري فردنان دي سوسير (1857 – 1913)، وقوام الرمز عنده بأمرين: الصوت (الدال) والفكرة (المدلول)، فالمدلول يشير إلى فكرة عن شيء، والدال هو الجانب المادّي من اللغة، والدال والمدلول لا ينفصلان، فكما لا يمكن الحصول على دال دون مدلول، كذلك لا يمكن الحصول على مدلول دون دال.

إن أي شيء يمكن أن يتحوّل إلى رمز بشرط أن يندرج في قاموس الدلالة، أي أن يدل، ولا تحصل الدلالة إلّا في نطاق ثقافي خاص، فحين توجد الزهور ضمن ثقافة من الثقافات فإنها تتحوّل إلى رموز، والإكليل الذي يرسل إلى جنازة يصبح دالًا، قد نعبّر عن مدلوله بلغة التعزية، فالزهور ليس لها معنى طبيعي، بل لها معنى تحدّده الثقافة أو التقاليد، وثمة تمييزين مهمّين افتعلهما سوسير لهما أهمّية خاصّة على مستوى نمط التفكير المتبع هنا، فقد ميّز سوسير بين اللغة Langue والكلام Parol فاللغة هي مجموعة القواعد التي ينبغي على المتكلّمين الالتزام بها للاتصال فيما بينهم، أما الكلام فهو الاستخدام اليومي لتلك القواعد من قبل المتكلّمين الأفراد. ومهمة عالم اللغة من وجهة نظر سوسير، هي أن يدرس اللغة لا الكلام لأن دراسته للغة هي التي تمكنه من فهم المبادىء التي تقوم عليها وظائف اللغة عند التطبيق، ويظهر هذا التمييز في أعمال البنيويين على شكل تمييز بين البنية والحدث، أي بين نظم مجرّدة من القواعد وأحداث مجسّدة مفردة تظهر ضمن ذلك النظام، أما التمييز الثاني، فهو التمييز بين محوري البحث المتزامن Synchronic والمتتابع ـ المتعاقب المتزمن Diachronic، فمن الممكن أن ندرس اللغة باعتبارها نظامًا يؤدّي وظيفته في لحظة من اللحظات أو باعتبارها مؤسّسة تطورت عبر الزمن، وكان سوسير نفسه يحبّذ دراسة اللغة بوصفها ظاهرة متزامنة في مقابل الدراسات التي كان يقوم بها سابقوه من لغويي القرن التاسع عشر، وهي الدراسات التي تتناول اللغة باعتبارها ظاهرة متتابعة، فقد كان هؤلاء اللغويون مهتمين بتاريخ كل لغة على حدة، بأصول مفرداتها وبما طرأ على أصواتها من تغير وما شابه، ولم يتوقفوا ليكتشفوا البنية الكلّية لأي لغة من اللغات وذلك عن طريق إيقافها عند لحظة من اللحظات للنظر في المبادىء التي تعمل بموجبها من أجل فهمها بشكل أسهل.

والرمز عند سوسير شيء “اعتباطي” فالدال شيء اعتباطي إذ تربطه بالشيء الطبيعي الذي يدل عليه علاقة يقبلها الناس بحكم التقليد أو العرف، والمدلول اعتباطي أيضًا شهادة اختلاف اللغات، وهذه الاعتباطية المزدوجة تكشف عن أن اللغة ليست نظامًا من الأمور الجوهرية الثابتة، بل من الأشكال غير المستقرة، إنها نظام من العلاقات بين الوحدات التي تتشكّل على أساس اختلافها عن بعضها البعض، فهذه الوحدات لا تتحدّد من خلال وجودها ذاتها، بل من خلال ما يقابلها من وحدات، والمحل الذي تحتله وحدة ما، سواء أكانت صوتية أو معنوية، في النظام اللغوي هو الذي يحدّد قيمتها، وهذه القيم تتغير بتغير العلاقات، وهكذا يمكن أن نلمس بوضوح مدى تأثير النموذج الألسني السوسيري على البنيوية، فالبنيوية برمّتها ذات نظرة متزامنة بالضرورة، وهي تُعنى بدراسة النظم أو البنى التي أنتجتها على أمل تفسير عملها الراهن، وتعتبر مقولة سوسير من أن اللغة شكلًا وليست جوهرًا، وليس هناك معنى بدون اختلاف، الجذر الأساسي الذي تحدرت منه الأعمال التي نشرها ليفي ستروس وبارت وغيرهما، فالبنيوية تتمسّك بهذه الفرضية الجوهرية، وهي أنها تدرس العلاقات القائمة بين عناصر في نظام يشترط كلّ منها وجود الآخر وليس بين جواهر كلّ منها مستقل بذاته، وقد درس ليفي ستروس الظواهر الأنثروبولوجية كما لو أنها لغات، وذلك يعني أنه درس تلك الظواهر بوصفها نظمًا: نظام القرابة، نظام الطوطميّة، ونظام الأساطير، وركّز همّه على العلاقات القائمة بين الوحدات المختلفة لكلّ نظام وكيف أن وظيفة ما قد يبدو أنه للوهلة الأولى هو الوحدة ذاتها تتباين مع تباين العلاقات التي تدخل بها مع سواها من الوحدات، ويبدو هذا التباين على أشده عندما نأتي إلى تفسير العناصر الرمزية في أسطورة من الأساطير لأن الكثيرين منها يميلون إلى الاعتقاد بأن الرموز كمّيات ثابتة تخضع حيثما وردت إلى تفسير واحد، أما ليفي ستروس فيثبت العكس: إن المعنى في كلّ حالة يتحدّد بالمكان الذي تحتله هذه الرموز ضمن شبكة العلاقات التي تتضمنها تلك الأسطورة بالذات، ومعنى ذلك أن نفسّر الأسطورة من داخلها، أن نسمح للنظام ذاته أن يملي معناه علينا، ومن هنا يتضح كيف يمكن للبنيوية أن تمتد لتدرس الأدب أو سواه من أنواع الكتابة وتلعب اللغة دورًا مركزيًّا في فكر بارت وفوكو ودريدا ولاكان، دورًا لا يقلّ في أهمّيته عن الدور الذي تلعبه في أنثروبولوجيا ليفي ستروس، حتى ليمكن القول: إنهم جميعًا مهووسون بالطبيعة المؤسّسية للغة وبقدرتها اللامتناهية على الخلق، واللغة ليست شيئًا نجلبه معنا عند الولادة بل هي مؤسّسة ندخل في عالمها بشكل تدريجي في فترة الطفولة باعتبارها أهمّ عنصر في تنشئتنا الاجتماعية على الإطلاق. وهكذا، يمكن وصف اللغة بأنها لا شخصية وتتجاوزنا بوصفنا أفرادًا وأي استخدامٍ للغة الاتصال بالآخرين يتطلّب منا التنازل عن جزء على الأقلّ من تفرّدنا، إن شئنا استخدام المصطلحات التي يفضّلها لاكان قلنا إن جانبًا من الليبيدو فينا يجب أن يقدّم للنظام يجب أن ننتقل مما يدعوه لاكان بالمستوى الخيالي، وهو مستوى يتصل بحياتنا الخاصّة ويتصف بالإيهام إلى المستوى الرمزيّ الذي يتصل بحياتنا الاجتماعية، لكن مقدار التقلّص في الفرديّة يزداد عندما يكون المستوى الرمزيّ الذي نستسلم له ليس هو المستوى الأولي، مستوى اللغة كلغة، بل هو المستوى الثانوي المتمثّل في الأدب، أو في خطاب discourse بشكل عام، حيث توضع علينا قيود أخرى كثيرًا ما تكون شديدة على هيئة تقاليد وأعراف لتمنعنا من استخدام اللغة بالحريّة التي قد نريد، على أن هذا المستوى هو الذي تهتم به البنيويّة، لأن ذلك المستوى هو النظام الذي لا يمكن لنا أن نكون فيه أكثر من “أحداث”، ولذلك أخذت البنيويّة تمثّل طريقة في التفكير تتعارض مع الفردية، بل حتى مع الإنسانيّة، لأنها تعطي للفعل الإنسانيّ الإداريّ دورًا أقلّ في تفسيراتها للثقافة. لقد كتب الكثير عن “اختفاء الذات subject” في ظل البنيويّة بمعنى أن البنيويّة تطرّفت في تحيّزها ضد الجوهريّة essentialism إلى حدّ إنكارها ـ بشكل من الأشكال ـ لوجود الكائنات البشريّة إنكارًا تامًّا إلى حدّ رؤية الفرد باعتباره ليس أكثر من شكل غير مستقر، قابل للاستبدال ضمن نظام لا روح فيه، فما فعله مفكّرو البنيويّة بشكل بعيد الأثر هو تدعيم أهمّية الدال على حساب أهمّية المدلول، فالدال هو ما نستطيع الثقة به لأنه مادّي، أما المدلول فيبقى مسألة فيها نظر، والدالّ واحد لا بدّ أن ينتج مدلولات مختلفة لشخصين مختلفين، مدلولات تحمل مكانًا دلاليًّا مختلف الحدود بسبب اختلاف التجارب الفرديّة، كذلك سينتج الدال الواحد مدلولات مختلفة للشخص الواحد في أوقات مختلفة؛ لأن تركيب العلاقات القائمة في المكان الدلاليّ غير ثابت، والبنيويّة تدعونا للاستمتاع بتعدّدية المعاني التي ينتجها لنا ذلك ولرفض التفسير الأحاديّ أو التعسّفي للرموز.

أساسيات المنهج البنيوي

يقوم المنهج البنيويّ كغيره من المناهج العلميّة على جملة من الخطوات والقواعد التي يعتمد عليها في تحليل الموضوعات، ومن هذه الخطوات على المستوى الأنثروبولوجيّ – القيام بالملاحظة والتجريب ثم التجريب على النماذج المستقاة من الملاحظات، وذلك بغية الوصول إلى البنية والكشف عنها، ولدراسة بنية الموضوع يجب تطبيق جملة من المبادىء منها:

1 . أسبقية الكلّ على الجزء: وهو يفترض النظرة الكلّية إلى الموضوع والكلّية ما هي إلّا نسق من الوحدات لذلك فإنها تتساوى والنسق.

2 . أسبقيّة العلاقة على الأجزاء: ما يهم المنهج البنيويّ ليس الأحداث ولا الكلمات بمفردها، ولكن العلاقة التي تقوم بين تلك الأحداث أو الكلمات، والبنيويّة كمنهج هي قبل كلّ شيء التحليل الواقعيّ للظواهر بغية اكتشاف العلاقات بين العناصر المكوّنة لهذه الظواهر.

3 . مبدأ المحايثة: إن اللغة عند دي سوسير نسق مغلق، نسق لا يعرف إلّا قانونه الخاص، ومبدأ المحايثة في اللسانيات يقتضي دراسة النسق اللغويّ في ذاته من دون العودة إلى تاريخه، ولا إلى علاقته بمحيطه، ومهمّة الطريقة البنيويّة أن تعطي الدراسة الذاتية نوعًا من معقولية الفهم، الذي يقوم مقام معقوليّة الشرح، الذي يبحث عن الأسباب، لذا تتنافى المنهجيّة البنيوية مع كلّ منهجيّة تاريخيّة ليتفق المنهج البنيويّ مع المنهج الوضعيّ.

4 . مبدأ المعقوليّة: إن المبادىء سالفة الذكر تؤدّي إلى هدف أساسي هو اكتشاف البنية؛ ذلك أن طبيعة البنية لا شعورية، أي ذات طبيعة عقليّة ولا توجد على السطح أو على ظاهرة الأشياء. ويرى ليفي ستروس أن الخطوة الحاسمة في المنهج البنيوي هو أنه من أجل تعيين الواقع يجب حذف ما يدرك مباشرة على المستوى الظواهري، أما ما يجب الاحتفاظ به فهو الواقع؛ لأن في الواقع تكمن البنية، لذا يجب اعتماد مبدأ المعقوليّة من أجل الكشف عن هذه البنية.

5 . مبدأ التزامن والتعاقب (التزامن): التعاقبي والتزامني يتعارضان؛ وذلك لأن الأوّل يهتم بأصل الأنساق، في حين أن الثاني يهتم بالمنطق الداخلي للشيء، فالتعاقبي هو الدراسة التاريخيّة القائمة على البحث في أصل الأشياء ومكنوناتها، في حين أن التزامني هو البحث في بنية الشيء؛ أي الطبيعة المنطقية للشيء، وليفي ستروس يعي مشكلة التعارض على المستوى المعرفي والمنهجي، وهو يقترح إقامة تاريخ بنيوي تزول فيه أسباب التعارض بين التزامن والتعاقب، وقد لاقى هذا المبدأ انتقادات كثيرة لجهة أن كلّ نظام تزامني يتضمّن ماضيه ومستقبله اللذين هما عنصراه البنيويان الملازمان، فالظاهرة لا تخرج عن تاريخها وعن ظروفها وتكونها، بل إن الظاهرة هي جزء من تلك التاريخية.

إلى هنا نكون قد سلّطنا الضوء ـ وبشيء من الإجهاض القيصري ـ على جانب من معالم المدرسة البنيوية، وهي مدرسة تحظى باهتمام وتقدير كبيرين في الغرب، وإن بأشكال متفاوتة من التقديرات، وتشهد انتشارًا واسعًا في أوروبا وأمريكا والعالم، وذلك بما حققته من إنجازات في ميادين العلوم الإنسانيّة المختلفة، فضلًا عن تواجد المحلّلين البنيويين على رأس السياسات العالمية المعاصرة.

وبطبيعة الحال، يلتحق في زمرة المدعوين إلى الوليمة البنيوية جملة من مثقّفي العرب ومفكّريهم كـ”إدوار سعيد” في طروحاته النقدية المثيرة، و”محمد عابد الجابري” في مسجالاته النقدية بدوره وحفرياته التراثية، و”سالم يفوت”، و”عبد السلام بن عبد العالي” و”هاشم صالح”.. إلخ. كذلك و”محمّد أركون” في إسلامياته التطبيقيّة، و”حسن قبيسي” في مناخه النقدي الأثنولوجي، و”علي زيعور” في تحليلاته النفسية وطروحاته عن دور اللاوعي في الذات العربية، و”مهدي عامل” في الكثير من أحكامه النقدية.. إلخ. ولا بدّ من إطلالة لاحقة على بعض هذه الدراسات التي أنجزها الفكر العربي المعاصر بوحي من المنهج البنيوي.

 

المصادر المستخدمة في النص:

– الإناسة البنيانية، كلود ليفي ستروس، ترجمة حسن قبيسي، الطبعة1 (المركز الثقافي العربي 1995م).

– البنيوية منهج أم محتوى ـ مقال ـ الزواوي بغوره، عالم الفكر، العدد 4 المجلد 30 (أبريل يونيو،2002م).

– البنيوية وما بعدها من ليفي ستروس إلى دريدا، تحرير جون ستروك، ترجمة د. محمد عصفور(الكويت: سلسلة عالم المعرفة، شباط 1996) العدد 206.

– مغامرة المنطق البنيوي (الجزء الأول البنيوية كما هي)، إبراهيم محمود، الطبعة1 (مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، 1991م).

 


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
ما بعد الحداثةالبنيويّة

المقالات المرتبطة

البحث في تاريخ صدر الإسلام الجدوى والآليات

يذهب المؤرخون والباحثون المهتمون بدراسة التاريخ الإسلامي إلى اعتبار الأحداث التي شهدها صدر الإسلام، بدءًا ببعثة النبي (صلى الله عليه

لمعة في علم التفسير

يُعَدّ علم التفسير ميدانًا حديثًا نسبيًّا بين الميادين العلميّة الإنسانيّة، بعد أن وُضِعَت له قواعد، وجرت فيه أبحاث ومناظرات، وخاض

الإسلاميون ومسألة السلطة

لا شك بأن الجدل حول الإسلام والسلطة، جدلًا قديمًا نال حظًا وافرًا من البحث والنظريات

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<