الفكر العربي الحديث والمعاصر | علي زيعور والمدرسة النفسية

الفكر العربي الحديث والمعاصر | علي زيعور والمدرسة النفسية

وُلِد علي زيعور في بلدة عربصاليم في إقليم التفاح جنوب لبنان عام 1937، وهو على الرغم من اهتمامه بالسير الذاتية ودعوته إلى ضرورة تشييد هذا العلم لأهميته: “فهو علم، وبإمكانه خدمة علوم إنسانية متعددة”[1]، إلا أنّه يغفل العمل به، ويكتفي بمرحلة تتعلق بالمرحلة الدراسية ومن ثم التدريسية أو الشخصيات التي كان على تماس معه، وهو في هذا الموضع وكأنه كان يقوم من خلال هذه السيرة الذاتية بمحاكمة مجتمع علميّ عاش فيه ومعه، على الأقل هذا ما يشعر به عديد من الشخصيات التي عايشته، ووجدت نفسها على أريكته، وهو قد أدرك هذا الأمر، وعبّر عن ذلك في قوله: “أنا درست شخصيات من خلال كتب “السيرة الذاتية”؛ ومن يُعلن للناس سيرته الذاتية وجب عليه أن لا يَشتم المحلّل المتعقّب. وكشاهد، ليس على مُحبي خليل حاوي، وأنا أحدهم، أن يستنكروا تشخيصاتي للقسريّ القهريّ عنده، وتفسيري لعصابه النفسي السلوكيّ، وتوقّعي لنهايته”[2]. وبالرغم من تأكيده، أنّه يقوم بهذا الأمر: “انطلاقًا من المهنة أو الاختصاص الأول شخصت مرضًا عصبيًا، وذهانًا أو اضطرابًا عقليًا، عند نفر من الشخصيات العبقرية التي كان عليّ – من خلال السير الذاتية – واجب تحليلها و”الكشف” على صحتها النفسية والتواصلية. لست استفزازيًا، ولا أنا هاو لتلطيخ بعض الكبار. القضية قضية ميدان معرفي ومهني؛ فقد كان موضوع دراستي للدبلوم (كان عملًا خفيفًا، تلميذانيًا؛ لكن كان جريئًا) يتعلق بمشاعر النقص والاختلال السلوكيّ عند الفلاسفة”[3]. فالدكتور زيعور من خلال ما خطّ من سيرة ذاتية تناسى الهدف من السير الذاتية، وأراد لها أن تكون رسالة للآخرين ينتفعون منها في صحتهم النفسية. وهي تحدد أزمات المثقف العربي – المسلم وما يعاني منه، كما تعالج أزمة الجامعة والتعليم الجامعيّ، ولكنّها لا تؤرخ لحياته الخاصة، فكأنّه أرادها وسادة – وهو – تعبير يحب استخدامه لكي يرتاح إليها المثقف والأكاديميّ.

الكلام الذي أوردناه، كان مهمًّا وعلاجيًّا، ولكنّه يصعب مهمة التأريخ لهذه الشخصيات العلمية، وهذا ما يقتضي مجهودًا كبيرًا للوصول إلى تأرخة لحياته الخاصة، بالتالي وصول إلى تصور حول المكونات التي طبعت هذه الشخصية، فكل ما نحن أمامه عبارة عن شذرات متفرقة في كتب متعددة وتأتي في معظم الأحيان مبتورة، لا تقدم الكثير، ولكن ما يمكن ملاحظته في تلك المذكرات بعض المعلومات التي تشكل مداخل لفهم هذه الشخصية وبعض مواقفها دون الحسم فيها، فهو يؤشر ويتحدث برمزية.

على أيّ حال، يقول الدكتور زيعور إنّ والده: ” كان[…] برتبة “صف ضابط” تلك رتبته في الجيش العثماني”[4]، وكان يحدثه بشكل دائم عن المرحلة التي أمضاها في الجيش، وإيمانه بعودتها إلى قوتها، وفي هذا المجال يُسجل لوالده: “في سُلّم الكراهية للماكر، للإنكليزي، جاهد في الحرب العالمية ضد هذا المنافق، بل وذي الصفات المرذولة أي غير المهتمة أبدًا بأن تكون أخلاقية… عند الإنكليزي، في سياسته وحربه وتعامليته. لا قيمة إلا لما ينفعه ويعزز مكاسبه ومركزه، أمواله وسيطرته…وتلك التوصيفات لأبي وزملائه في الحرب”[5]، ويعتبر أنّ هذا الأمر كان: “من أكبر العوامل التي هيأتني لأن أتقبّل سريعًا في المدرسة الثانوية، المقاصد الخيرية الإسلامية، توجهات سياسية معادية للإنكليزي وكلّ المستعمرين والمتواطئ الداخلي مع القاهر الغربي”[6]. وبالمقابل النظرة الإيجابية للسلطنة، جعلته يتقبل: “توجهات ترى في العثمانيين غير ما كان البرنامج الدراسي اللبناني الرسميّ يقرره في المدارس والأيديولوجيات اللبنانية”[7]… بعد هذا الكلام يُعقب فيقول: “لقد تغيّر، اليوم، ذلك الخطاب “القاسي” المحاكم للمستعمر، للكولونيالي، للمستغل بفجاجة[8]، وهذا الكلام الذي أورده، يُظهر بشكل واضح بعد الأصول الينبوعية التي حكمت نظرة زيعور، حيث سينعكس هذا على رؤيته لكثير من القضايا التي تعامل معها ومنها تشكيكه بالفكر الغربي، حيث يقول: “الهرب إلى الغرب ليس حلًّا، ولا ينمّ عن سداد ورشاد في صياغة استراتيجيا ومستقبلانية”[9]، وإن لم يقطع معه بشكل جذري، كما أنّ رؤيته المتعلقة بالمذهبيات الإسلامية ولا سيما التشيع تنبع من هذه النقطة بالذات. ويتابع بالحديث عن مرحلة الطفولة، ووصفه لوالده: “كان أبي عنده منبّه على التوقيت الزوالي، وأدوات نجارة وتلحيم تنك. فهو صنائعي؛ عصا للرفش أو للمنكوش، تنجيرات مختلفة، مهارة لصنع النّير، مسامير مختلفة الطول والشكل ومسمّرات متنوعة مجانية.. وكان عنده قصعات زنبق، وقرنفل، وقزماية تفاح”[10]، يبدو كلام زيعور في هذا الموضع شديد العاطفية، ولكنّه غرز في نفسه حبّ الأمور الصناعية والتراثية، لذلك كثيرٌ أثناء الحديث معه يلاحظ استرجاعه الدائم للقرية وما يدور فيها من قصص عن ألسنة الناس، وهو وإن استخدمها للتحليل إلا أنّها تركت في نفسه أثرًا كبيرًا.

مال الدكتور زيعور نحو العلم ومظاهره في وقت مبكر، فبدأ يلتفت نحو تأسيس مكتبة خاصة به انطلاقًا من كتب أخوته، وعمل على الحفاظ عليها على الرغم من الرأي السائد في المنزل، والذي يسعى إلى بيعها وإحراقها، يقول زيعور: “من المرحلة التكميلية (المتوسطة)، اكتشف أبي أنّ في البيت كتبًا قال إنهّا كثيرة، ومربكة. وأضافت أميّ مرة تلو المرة أنّ الكتّب تباع، أو تعطى للأقارب، فالكتاب الذي انتهينا منه في المدرسة كتاب يملأ البيت غبرة، ولا يُباع بقردٍ ولا بسعدان…وأكّدتْ مراراً أنّ في “بيت الشيخ” كتبًا كثيرة في صندوق الحاجة منيرة يحرقونها لإشعال النار “حين” الخبز على الصّاج. لقد تجمّعتْ في “الخِرِسْتانة”  كتبٌ لأخي، وأخرى لأختي “أم ساطع، ثم للأصغر( أم نزيه، فيما بعد). وبدا لي أنّي مسرور، متميّز عن الرفاق، في ذلك الشأن. ورفضتُ مرارًا، ومقاومًا، فكرة إحراقه، أو إهدائها[…] وفي آخر الدراسة الثانوية، قبل دخول الجامعة بشهر أو “بثلاثين يومًا ونيّف”، تفاجأتُ أمام كومة الكتب التي غدت تحت إمرتي، بين يديّ، ورهن أمري… والكومة كبرت حتى صار ممكنًا وصفها بأنّها رُجْمة، وبأنّها عَرَمة. كانت رؤية الكومة، وتسمياتها الأخرى، تثير البهجة؛ وتولّد اعتزازًا يشبه الافتخار، ويوحي بالانتصار”[11].

وهذا الانفتاح على العلم والثقافة، جعل من الدكتور علي متعدد المواهب: “مهتم بالفنون الجميلة والموسيقى بالإضافة إلى الأدب، فعمل على الرسم بالريشة والألوان لوحاتٍ انطباعية تصورّ مناظر الطبيعة الريفية كالجبل، والتلال، وضفاف النهر، والأشجار، وصخور النهر وغدران، والجلالي والوعر والقاطع. ومن الاهتمامات الفنية المبكّرة كان اهتمامه بالتلحين السماعي لمقطوعات شعبية كان يكتبها بنفسه. ثم كانت الجامعة الأجنبية عاملًا وفّر شروطًا للانفتاح على الفن في العالم. وكتب علي زيعور قبيل دخول الجامعة، وأثناء الدراسة في الجامعة، بضعة قصصٍ قصيرة تروي الحبّ”[12]، وكانت لزيعور تجربة شعرية، زمن الشباب خصوصًا، لم يخرج بها في دواوين إلى العلن. قد يكون الكامن وراء هذا الانكفاء الشعري ما ساد في العالم العربي من وضع الشعر على الهامش لصالح العلم والصناعة والفلسفة والمنطق الرياضي وغيرها من أنواع العلوم الوضعية: “والمرض أو التخلخل الذي أحدثه الرئيس العصابيّ والسلطة الفصاميّة كما القهرية والبارانويائية. غيّبنا، أخفينا تقديرنا العالي للشعر، فترات متفاوتة وفي لحظات ذبولية حضارية، وحين تقهقر المعنويات والنرجسية، لأنّ الذات العربية فقدت الشعور بتقبل الذات، وبصورة إيجابية بناءة عن الوجود والعقل والحاضر. لقد كنا خسرنا، فعلًا وقولًا وأملًا، بالاطمئنان والانتماء، وبالقدرة على انتزاع حقنا بالاختلاف، وباعتراف الآخر بنا”[13]، ولا ينسى زيعور من انتقاد النظام التربوي اللبناني، يقول: “في لبنان، المدرسة الخاصة (المجانية وغير المجانية) تقدم معرفة غير حُرّة، وتبدو موظّفة من أجل تفريخ مواطنين يأتون بحسب الطلب. ليست بريئة أو منفتحة، ولا هي مؤسسة محايدة؛ بل ولا تدعي أنّها محايدة. فهي شديدة الالتزام بأيديولوجية تبدو لي غير متوافقة مع التوجه لتشييد دولة أو سياسية حرة عادلة حانية[…] وظيفة تدجن التلميذ وتروضه طبقًا لسياسات مسبقة”[14].

بعد انتهاء المرحلة الثانوية، انتقل علي زيعور إلى دار المعلمين، ودرس فيه من العام 1954 حتى 1957، وكانت مرحلة غنية بالنسبة إليه، يتكلم عنها بحنين، وتحضر في مرات متعددة في حياته، فعلى صعيد المعرفة، بقي زيعور حاملًا همًّا ثقافيًّا معترضًا على أساتذته: “اختلف مع واصف بارودي – حول فلسفة التربية في قاعة الصف- (السنة الأولى، دار المعلمين)… واستنكر بارودي دفاع الطالب زيعور عن التربية الفنية وتعليم العربية بحسب ساطع الحصري، وأنكر الطالب دعوة بارودي إلى فتح أوسع الأبواب لإدخال كلمات فرنسيةٍ فنيّة إلى اللغة العربية”[15]. وهذا الهم امتزج بأمور أخرى تنتمي إلى العاطفة، حاول أن يسترجعها بعد 40 عامًا، حيث اكتشف: “الذكريات إن بقيت على عفويتها تستمر جميلة دافئة، إيقاظها عندي بدافع المعرفة الاستكشافية لذاكرتي العاطفية،…قالت لي، بعد مرور أربعين عامًا…أشياء كانت فيّ أو ميّزت شخصيتي قبل العشرين: حزّ في نفسي أنّني لم أستطع أن أحقق إشباعًا كافيًا لبعض ميولي القديمة إلى كتابة القصة؛ وإلى الاهتمام بالآثار، والمخطوطات، والموسيقى”[16]. ولكن دائمًا على عادته يتوقف الدكتور عن السرد، ليستشهد بموضوع آخر، وكأنّه ينطوي على سرّ، وهو في هذا الأمر يُطبق مقولاته: “نحتاج للآخر كي يتذكر معنا؛ ثم كيما نتذكر عند رؤيته ومحادثته، ونختار ما نشاء من تلك الذكريات التي قليلها فقط يصلح لأن يعلن، أو يهتك ويُفضح”[17].

يبدو التاريخ هلاميًّا مع الدكتور زيعور، هو عبارة عن مواقف أو إرادة للمحاكمة، يتحدث عن سنوات تدريسه في مدرسة جرجوع، ولكن عند الدخول في التفصيل، يقول: “لم أنجح في الحصول على جواب واضح ذات أهمية عن سنتيّ التدريس في الرّيف (قرية جرجوع)، حيث كانت ثلاث شخصيات ذات أهمية عاطفية آنذاك في مستقبلي وعمري وتواصليتي. انتظرت اليوم 16 أيار 1994 مكالمة هاتفية لتوضيح زاوية من ذكريات جامعية لم تجر المكالمة”[18]. المؤكد الآن أنّ زيعور لم يستطع التكيّف مع التدريس، وأراد دائمًا أن يحقق مراداته الإبداعية، لذلك قرر متابعة حلمه: “في الستينات اعتبرتني وزارة التربية والفنون مستقيلًا بسبب التغيّب المستمر والانقطاع عن العمل. كان ذلك تحقيق أمنية لي، فقد نسوا مطالبتي باسترجاع ما دفعوه لي من رواتب؛ وكانوا يجهلون أنّي كنت قدمت طلبًا للاستقالة مرت عليه أكثر من سنة قبل أن يعتنوا بي”[19]، فاستكمل تعليمه وحصل على الليسانس.

هذه الشخصية كانت تريد أن تكون منفلتة من كلّ قيد، يحدّ من طموحاتها أو يقيدها في إطار مدرسيّ محدد، لذلك نراه في المرحلة الممتدة من نهاية الخمسينات حتى الستينات منشغلًا في الكتابة في المجلات الثقافية، يقول علي زيعور: إنّه فقد كلّ معلومةٍ أو خبرٍ عن مقالات له كان قد نشرها في بيروت، فيما قبل 1960[20]، كما أشار مرارًا إلى أنّه فقد ما كتب في جريدة السياسية (لصاحبها عبد الله اليافي)، ولربما في بيروت – المساء (عبد الله المشنوق) مقالاتٍ في برغسون، الفكر الهندي، كما أنّه كتب عدة قصصٍ قصيرة؛ وذلك كلّه قبل إنهائه الإجازة الجامعية الأولى. وفي بداية الستينات بدأ بنشر مجموعة من المقالات النفسانية، والتحليلية النفسية بوجهٍ خاص، يبرز عنوان مقالة كتبها علي زيعور في السنة 1961؛ وكان طالبًا جامعيًّا على أبواب إنهاء أكثر من ليسانس واحدة؛ ودبلوم دراسات عليا.  نُشِرت تلك المقالة وعنوانها سيكولوجية آدلير وعلم نفس التعويض والشعور بالدونية، في مجلة “رسالة التربية” (شباط، 1961). ثم نشَرت له المجلة عينها “سيكولوجية كانْط” (أيار، 1961)؛ ثم “مشكلات الحب عند التلاميذ والمراهقين…”(تموز وآب)؛ ثم “مشكلات المدرِّس النفسية” (ك.الأوّل 1961). وفي ذلك العام نفسه نُشِرتْ له مقالة بعنوان: “سيكولوجية النقد والناقد”، وعن هذه المقالة يتحدث علي زيعور عن الروح الاستعلائية العاطفة، التي تعامل بها الدكتور سهيل إدريس معه (الآداب، كانون الثاني، 1961)؛ ثم “تاريخ فلسفة التاريخ” (الآداب، كانون الأول، 1961)[21]

في سنة 1962، يُلاحظ مع مرور الزمان الدراسي الجامعي بروزُ اهتمامات أوسع؛ هنا صدرت: الفلسفة في القصة والشعر(المعارف، تشرين الثاني – كانون الأول)؛ برتْرانْد رسِّل (المعارف، شباط)؛ سيكولوجية المعجزة [= الخرافة] اليونانية (العلوم، نيسان)، مذهب ابن سينا التربوي (العلوم، تشرين الأول)؛ الأثر الشرقي في الفلسفة اليونانية – مترجم عن ش. فرنر (المعارف، تموز – آب). بعد ذلك، في سنة 1963، تُبرز الموضوعات المنشورةُ اهتمامًا بالسياسة الثقافية والاجتماعية، بالتخلف والتربويات والتنمويات؛ وهنا كان: كتاب الشهر – الإنسان والحضارة، المعارف، تموز 1963، صص85 -88؛ كتاب المجاعة الأسود، المعارف، ك.2، 1963، صص 70-72، أصول الفكر السياسي، المعارف، ت.2، وك.1963؛ جين إير ومترجمات أدبية عالمية، الآداب، صدرت الكتب النفسانية الأولى. هنا أيلول 1963.

وفي هذه الفترة أقام علاقات ثقافية مع الوجوه والمؤسسات الثقافية في لبنان، وتعرف على كمال جنبلاط وميخائيل نعيمة، كتب مع الأول كتابًا عن البوذية في الإسلام، يقول: “من اختلافي عن كمال جنبلاط عدم موافقته، بل سكوته وعدم تفاعله حيال تفسيراتي التاريخية السياسية للمذهب الدرزي، لنشوء واستمرار أهل التوحيد، طائفة الموحدّين… وأنا أسسّتُ تفسيراتي وطريقتي في التثمير على الانتهاض من اعتبار ”أهل التوحيد” فرقة صوفية إسلامية، مشيخة أو طريقة صوفية وهي إسماعيلية، قرمطية، شيعية مغالية؛ أي غير متمسكة حرفيًا بالكتاب والسنة، شيعية بعيدة عن المذهب الجعفري الصادقي الذي هو سنّي صراطي لكن مع انفتاح على العرفاني والتصوف المطمور…”[22]. أما الثاني فقد جمعته معه نقاشات ثقافية، استشفّ من خلالها نفور نعيمة من شخصية جبران خليل جبران، كما أنّ ميخائيل نعيمة هو الذي أطلق عليه اللقب الأثير على نفسه، وهو المعلم علي، الذي يصرّ على استخدامه، يقول: “قرأت اليوم المسودة التي سجلت عليها، قديمًا، أفكاري أو ذكرياتي مع ميخائيل نعيمة. التقينا مرات؛ أشهرها أي أهمّها جرى في بسكنتا، وتحدثنا عن كمال جنبلاط، وعن المحبة، وعن الفلسفة الهندية. ألمحت إلى جبران؛ هنا أسرع نعيمة بالتخلص من الموضوع مظهرًا نفوره من ذلك الرّجل. يومها بارك نعيمة “المعلّم علي”، التسمية التي أخبرته عنها”[23].

بعد ذلك، سافر إلى فرنسا، حيث تابع تخصصه، وتحضر في ذكرياته عن هذه المرحلة مواقف حول شخصيات عايشها، ففي أثناء إقامته هناك، تعرف على عدد من شخصيات منها حسن حنفي، الذي عرفه عليه عوني بسيسو، الذي قدمه له: “حسن حنفي أسكت المستشرقين….؛ تفوق عليهم وهو ليس عميلًا للمخابرات”[24]، وعند اللقاء به بعد ثلاثين عامًا، اكتشف: “حسن حنفي نمط استنباطي… لقد كانت المعلومات التي عندي، في ملف الذاكرة وأغصانها، أنّه على العكس، رأيت حسن حنفي يهتم بالإعلامي، وحياة الفكر المنفتحة المتمدّدة، وإلقاء الذات في أحضان المؤتمرات”[25]، ولكن زيعور لا يبقي هذا الموقف دون محاكمة وإن كانت غير مباشرة عبر قوله: إن كان حنفي، بحسب ما قال لاووست، منشيء فرقة إسلامية هي الرابعة والسبعون، فإنّني مؤيّد له، ومن أتباعه. لقد قدم حنفي، بحسب ما أعرف بإعجاب وتقدير له، نظرًا عقلانيًا أو فكرًا شمولانيًا استطاع أن يستوعب ويتجاوز. لكأنّه التقط من أعلى”[26]، ويتكلم عن لقائه بفهمي جدعان من الأردن ومحمد أركون الذي يحتفظ بذكريات عنه فيها الكثير من  علامات الاستفهام. ولا ينسى بطبيعة الحال من تلقى التعليم على يديهم في فرنسا لا سيما مدام غواشون.

عاد الدكتور زيعور إلى لبنان، وبدأ العمل بالتدريس في الجامعة اللبنانية تاريخ الاختصاصات النفسيّة بعد الـ 1970 -1971 أي العام الأول من العمل في الجامعة اللبنانية. وقد نشَر في السنوات الثلاث الأولى: كتاب “مذاهب ُعلم النفس والفلسفاتُ النفسانية”، وترجم “تاريخ علم النفس”، وظهرَ له “التحليل النفسي للذات العربية…”، وهي كلّها كتبٌ كانت الأولى بالعربية في لبنان. وهنا يضاف أنّ علي زيعور  واحِد ٌ مِمَّن نقل تدريس علم النفس بالفرنسية إلى تدريسه بالعربية بدعمٍ بطولي من كمال الحاج، وفريد جبر، ونزار الزين. وقد أيّده هؤلاء المقاومون الأوَائل؛ وتخلوا فيما بعد عن مدام عون (مديرة ثانوية رسمية آنذاك) المدرّسة للرصيد بالفرنسية[27]. نشر في، 1973 كعيّنةٍ أو شاهد، ما يلي من بحوث “مجلاتية” و”جرائدية” نجحت في إرساء علم النفس في مدرسته العربية:  مجلة إذاعة لبنان، سيكولوجية اللاوعي، شهر كانون الثاني. مجلة العرفان، خصائص علم النفس الحديث، شهر كانون الثاني. جريدة النهار (الملحق)، النفاق وأسبابه اللغوية في الفكر العربي، 14 ك2.  مجلة طبيبك، الأمراض النفسية، الوسواس، شهر شباط. مجلة إذاعة لبنان، سيكولوجية التقليد، شباط. مجلة العرفان، محلِّل نفساني- زوندي، شباط. إذاعة لبنان، سيكولوجية الكذب، آذار، 1973.  جريدة المحرر، العقل العربي من خلال الشِّعر، 5 نيسان، باسم سليمان زيعور. مجلة طبيبك، أحلام اليقظة، شهر نيسان. مجلة العرفان، تفسير آيات وتأويلُها عند جعفر والسُّلمي الشافعي، قسم2، شهر نيسان. مجلة الفكر الإسلامي، سوفسطيقا (تحقيق مخطوط لابن سينا)، نيسان. جريدة الحياة، في علم نفس الحيوان – كتاب للقباني، 9 نيسان. جريدة النهار، التلفزيون، دراسة نفسية (قسم1) 1أيار. جريدة النهار، التلفزيون، دراسة نفسية (قسم2) 3 أيار. مجلة الإذاعة، سيكولوحية الغيرة، شهر أيار.  مجلة طبيبك، أحلام اليقظة عُقدة أو مرض، شهر أيار. مجلة الإذاعة، سيكولوجية اللعِب ولعبة الطفل، شهر حزيران. جريدة النهار، الفلسفة العربية، ظواهر حول اسمها، 28 حزيران، باسم سليمان زيعور. جريدة النهار، تقييم أطروحة شمعون في علم النفس والإناسة النفسية، 4 تموز. مجلة طبيبك، الغيرة عقدة ومرض، شهر تموز. جريدة النهار، تقييم أطروحة مصطفى حجازي، 23 تموز. مجلة الإذاعة، مقدمات عامة عن نشأة علم النفس، شهر تموز.

ولكن علي زيعور لم يرضه التعليم، وكان دائم الميل لملاحقة حلمه بإعادة تأسيس منهج ورؤية جديدة في الفكر العربي – الإسلاميّ، لذلك لم يستطع أن يستسيغ العمل الجامعيّ، وكان يعمل دائمًا للتخلص منه: “شكوت مرارًا، واستمعت مرارًا للشكوى، من مرارة الدخول إلى قاعدة التدريس الجامعيّ التلقينيّ، التكراريّ، الإلقائيّ. فالأستاذ الجامعي، بعد عدة سنوات من “تدريس” علم الذاكرة، أو علم نفس المعرفة، لا ينتفع كثيرًا من ذلك النشاط. لذلك كنت كثير التنقل؛ وأرفض للإنسان أن يبقى سنوات كثيرة يتحرك ضمن دائرة واحدة ووحيدة، مكرّرة ورتيبة…لم أستطع أن أنتقل إلى مركز بحوث، أو أن أجد مركز دراسات. فالتغيير، إن لم يتحقق في المهنة، قابل لأن يتحقق بتغيير المواضيع”[28]، لذلك انتقل بالتعليم بين أرصدة متعددة من الهنديات إلى الفلسفة الوسيطة والقديس أوغسطين، بالإضافة إلى الجماليات دون أن ننسى الحكمة العملية ومدارسها المتعددة. وكان لزيعور شرف تعريف الجامعة على القطاعات المنسية في الفلسفة الإسلامية المتمثلة بالقطاع الفارسيّ، حيث أدخل صدر الدين الشيرازي والدواني وغيرهم والقطاع العثماني والقطاع الهندي.

كانت هذه الشخصية نشيطة في الجامعة على الرغم من رغبته في الخروج منها، وحاول طوال سنوات أن يوجد بديل، فساهم في بناء مؤسسات فكرية، وعمل على تنشيطها وبثّ الروح فيها: “يشتمل [ذلك] على الاهتمام بالمواقع المادية المنتجة للفلسفة، أي بدور النشر، بالمجلات والندوات… هنا نذكر مجلة الباحث التي أسّسها، في باريس قاسم خزعل، وتعب في التنفيذ والتحرير مديرها ورئيس تحريرها -إبان الفترة الباريسية- الزميل  زيناتي. و”شلة الباحث” مجموعة من الزملاء غذوا الفكر الفلسفيّ العربيّ… ومن السويّ أن أتذكر أنّي، بالاشتراك مع المرحوم فروخ، توليت إعداد أعداد كثيرة منها؛ ثم تولينا سويًا رئاسة تحريرها، وكان يغتني بها محمد أيوب… كانت البؤرة الفلسفية الأخرى مجلة “الفكر العربي المعاصر”. فالمؤسس والمحرّك، مطاع صفدي، يمركز نفسه حول الفلسفة… أسهمت في الإشراف على أعداد عدة من مجلة الفكر العربي المعاصر؛ كما كان عليّ واجب أن أختار، لمجلة العربي والفكر العالمي، البحوث الجديدة؛ بل وترجمة بحوث عديدة في مجال القيميات، وما هو تحليل للحداثة ولما بعد الحداثة، ونظرية المعرفة، وفلسفة العلوم والمناهج”[29]. ولكن دائمًا كان يبتعد عن هذا الاشتغال.

بقي على زيعور فاعلًا في الساحة الثقافية والفلسفية حارثًا فيها، ينتظر الخروج من سجن قيده، ولم يرغب فيه، حتى إذا ما أصيب بفاجعة مأساوية استيقظت في نفسه الهموم، وقرر الابتعاد، يقول: “بعد فاجعة مأساوية جعلتني أعيش الألم النفسيّ والحزن الحداديّ في أقسى حدّة لكلّ منهما.صدّ ميولي وكفها العامل الاقتصادي، أي انعدام مركز للبحوث يكون مجزيًا وحماية مادية، ثم انعدام مشاعر نشر الكتب اللبناني بالندم، وحتى باحترام الذات وليس فقط حقوق الكاتب. انسحبت من الجامعة قبل خمس سنوات من الموعد المقرر للتقاعد (بلوغ الـ64)، لقد أمضّني أنّي لم أجد الجامعة التي توفّر للراغب من الأساتذة المجال كي يحقق ذاته، ويعبر عن نفسه خارج المقام الرسميّ والنصوص التنظيمية”[30]. وعلى الرغم من الصدامات المتكررة لم ييأس، وعمل على إنشاء تيار فكري، يدعو إلى مدرسة عربية في الإنسانيات. نختم هذه الجولة، بكلام تعريفي للدكتور زيعور، حيث يصف المشروع: “مدرسةٍ عربية في التحليل النفسي، والتحليلِ النفسي الإناسي الألسني كما السيميائي؛ وفي علم النفس؛ والصحةِ النفسية الروحية كما الأخلاقية؛ وفي الصحة الثقافية – الحضارية للمنجرح في وطنه، أو المهاجِر إلى تابعيةٍ مستجِدّة وانتماءاتٍ أجنبية بوعيٍ وإرادةٍ حرة…هنا شخّص وطرح “خطة” علاج تهمّ الأقلّاوي والمنغلِب إنْ في بلده الأصلي الأرومي، وإنْ في المهَاجِر والمنافي أو “الغربة”، وإنْ في الدار العالمية أو المجتمعِ الدولي العامّ الواحد. وتعمل هذه المدرسة على القول غير المسبوق بمدرسةٍ عربيةٍ راهنةٍ في علم الاجتماع والإناسة؛ كما في التنمويات والتربويات؛ وفي الأنا والأنتَ، والنَّحناويةِ مع الأنْتُمِيّة داخل المجال النفسي الاجتماعي التاريخي للشخصية الواقعية واللاوعي في الذات العربية”[31].

 

 

 

مصادر البحث:

[1] علي زيعور، قطاع الذاتية في نطاق أهل الفكر والفلسفة، ضمن كتاب أحمد عبد الحليم عطية، نقد المجتمع الأبوي، اتحاد الجمعيات الفلسفية، القاهرة، 2003، الصفحة 218.

[2] المصدر نفسه، الصفحة 219.

[3] المصدر نفسه، الصفحة 220.

[4] علي زيعور، ألف قولة وقولة في الفلسفة والصحة العقلية كما الحضارية، (بيروت، دار النهضة العربية، 2012)، الصفحة 17.

[5] المصدر نفسه، المعطيات نفسها.

[6] المصدر نفسه، المعطيات نفسها.

[7] علي زيعور، ألف قولة وقولة في الفلسفة والصحة العقلية كما الحضارية، مصدر سابق، الصفحة 17.

[8] المصدر نفسه، المعطيات نفسها.

[9] علي زيعور، ذكريات الفكر الجامعي العربي، (بيروت، المكتب العالمي، 2001)، الصفحة 24.

[10] علي زيعور، ألف قولة وقولة في الفلسفة والصحة العقلية كما الحضارية، مصدر سابق، الصفحة 19.

[11] https://zayour.co/about/

[12] https://zayour.co/about/

[13] علي زيعور، حقول التحليل النفسي والصحة العقلية كما الروحية والحضارية، (بيروت، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2016)، الصفحة 219.

[14] علي زيعور، ذكريات الفكر الجامعي العربي، مصدر سابق،  الصفحة 32.

[15] https://zayour.co/about /

[16] علي زيعور، ذكريات الفكر الجامعي العربي، مصدر سابق،  الصفحة 34.

[17] المصدر نفسه، الصفحة 35.

[18] علي زيعور، ذكريات الفكر الجامعي العربي، مصدر سابق، الصفحة 38.

[19] المصدر نفسه، الصفحة 77.

[20]حديث خاص مع علي زيعور يعود إلى العام 2017.

[21] حديث خاص مع علي زيعور يعود إلى العام 2017.

[22] https://zayour.co/about /

[23] علي زيعور، ذكريات الفكر الجامعي العربي، مصدر سابق، الصفحة 37.

[24] المصدر نفسه، الصفحة 276.

[25] المصدر نفسه، الصفحة 278.

[26]  علي زيعور، ذكريات الفكر الجامعي العربي، مصدر سابق، الصفحة 278.

[27] حديث خاص مع علي زيعور يعود إلى العام 2017.

[28] علي زيعور، ذكريات الفكر الجامعي العربي، مصدر سابق، الصفحة 47.

[29] علي زيعور، ذكريات الفكر الجامعي العربي، مصدر سابق، الصفحة 272.

[30] المصدر نفسه، الصفحة 41.

[31] حديث خاص مع علي زيعور يعود إلى العام 2017.

الدكتور أحمد ماجد

الدكتور أحمد ماجد

من مواليد خربة سلم، قضاء بنت جبيل. حاز الإجازة في الفلسفة من الجامعة اللبنانيّة 1991. كما حاز ديبلوم الدراسات العليا في الفلسفة عام 1997 عن أطروحة تحت عنوان "المصطلح الفلسفيّ عند صدر الدين الشيرازي"، تألّفت اللجنة المشاركة في النقاش من الدكتور رفيق العجم والدكتور علي زيعور والدكتور عادل فاخوري. حاز أيضًا الدكتوراه في الجامعة الإسلاميّة في لبنان عن رسالة تحت عنوان "مكانة الإنسان في النصّ والتراث الإسلاميّين في القرون الثلاث الأولى للهجرة"، تألّفت لجنة المناقشة من كلّ من الدكاترة: الدكتور علي الشامي، الدكتور هادي فضل الله، الدكتورة سعاد الحكيم، الدكتور ابراهيم بيضون، الدكتور وليد خوري. عمل في مجال التعليم في عدد من الثانويّات منذ 20 عامًا. عمل في الصحافة، وكتب في عدد من الوكالات والمجلّات اللبنانيّة والعربية الفلسفية المحكمة. باحث في قسم الدراسات في معهد المعارف الحكمية. أستاذ مادة منهجية البحث العلمي في معهد المعارف الحكمية. عمل مدير تحرير لعدد من المجلّات، منها مجلّة المحجّة. كتب في تاريخ الأديان من كتبه: المعجم المفهرس لألفاظ الصحيفة السجّاديّة بالاشتراك مع الشيخ سمير خير الدين. تحقيق الصحيفة السجّاديّة. الخطاب عند سماحة السيّد حسن نصر الله. تحقيق كتاب الأصول الثلاثة لصدر الدين الشيرازي. الحاكمية .. دراسة في المفهوم. العلوم العقلية في الإسلام. - بالإضافة إلى عدد كبير من الأبحاث والدراسات. العلمانية شارك في عدد من الكتب منها: الكتاب التكريمي بالدكتور حسن حنفي، نشر في القاهرة من قبل جامعة الزقازيق الكتاب التكريمي بالدكتور عبد الرحمن بدوي مؤتمر الديمقراطية دراسة علوم الإنسان في جبيل برعاية الأونسكو النتائج السياسية للحرب العالمية الأولى/ التشكلات اليسارية/ مجلة البيان المصرية شارك في العديد من المؤتمرات والندوات المحلية والدولية.



المقالات المرتبطة

الفكر العربي الحديث والمعاصر | محمد أركون والإسلاميات التطبيقية

أولًا: أركون السيرة والمؤثرات سيرة أركون وُلِد محمد أركون سنة 1927 ميلاديًّا في قرية تاوريت ميمون بأعالي جبال جرجرة بولاية

الفكر العربي الحديث والمعاصر | نقد الخطاب الفلسفي الوضعي عند محمود (6)

لم يقدم زكي نجيب محمود مجرد فلسفة، إنّما رؤية متكاملة تقوم على أسس منهجية واضحة، جاءت تعبيرًا عن موقف من التراث العربي – الإسلاميّ،

الفكر العربي الحديث والمعاصر | مناهج بحث نصر حامد أبو زيد

يرى أبو زيد أنّ التعامل مع النصوص أو تأويلها، يجب أن ينطلق من زاويتين لا تُغني إحداهما عن الأخرى خاصَّة

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*