النهج الفاطمي وخيارات المرأة المعاصرة

النهج الفاطمي وخيارات المرأة المعاصرة

مقدمة

تختصر حياة السيدة فاطمة الزهراء (ع) المباركة، بالرغم من قصر مدتها، نهج الإسلام المحمدي الأصيل، والوقوف عند النهج الفاطمي المحمدي هو عملية نقل نظرية الإسلام حول المرأة من الإطار النظري إلى الإطار العملي، مما يساهم في بلورة الوعي حول الزهراء (ع)، الأنموذج والقدوة للنساء والرجال على حد سواء، كما يحد من تسرب الفكر الغربي إلى أذهان النساء والرجال عبر الأطروحات النسوية الغربية والمتأسلمة، فالتاريخ الاجتماعي هو مدرسة تعرف الإنسان بالقدوات الحقيقية المطلقة في كل عصر.

بعد قرون غابرة من النظرة الدونية الاجتماعية للمرأة تحت غطاء ديني محَرِّف للديانات التوحيدية، حظيت المرأة في الإسلام بقيمة حررتها من أغلال الجهل والظلم والعبودية ومنحتها من الحقوق ما لم تمنحه لها أية شريعة أو قانون حتى يومنا هذا، والأهم بأنه أعلى من شأنها في دورها الرسالي في صناعة الإنسان، فكان النهج الفاطمي الذي خرّج القادة الإيمانيين إلى المجتمع، فأبناء السيدة الزهراء (ع) قادة العالم بمنهج التربية القرآنية والقدوة في المشروع الإلهي، الممهدون لدولة العدل الإلهية دولة قائم آل محمد (عج)، وهذا النهج ليس آنيًّا إنما ساريًا نحتاجه في كل زمانٍ ومكانٍ، وهو مصداق قوله تعالى: ﴿وهديناه النجدين﴾[1]، و﴿إنا هدينه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفوراً﴾[2]. فقد كان ولا يزال في متناول المجتمعات في العالم بشكل عام والمجتمعات الإسلامية بشكلٍ خاص، خيارين لا ثالث لهما، إما نهج الولاية والعدالة الذي يتصدى للدفاع عن المظلومين والمستضعفين في العالم، وإما نهج الطاغوت والأنظمة الظالمة التي لا تزال تسرق موارد شعوبها وشعوب المنطقة وتقتل وتدمر، خدمة لمشاريعها المهيمنة الأداتية النفعية.

ففي ضوء التحديات المعاصرة نطرح سؤالنا الرئيسي: ما هي أبرز ملامح النهج الفاطمي التي يمكن أن نستخلصه من الأدوار الرسالية التي عاشتها السيدة الزهراء(ع) في مراحل حياتها القصيرة؟

يفيض علينا الإمام الخميني(قده) من مدرسة العرفان الاجتماعي، لندرك ونحن البشر في عالم الملك بعض الإضاءات النورانية من شخصية مولاتنا الزهراء(ع)، ولا يسعنا في منهجنا العلمي الوصفي أكثر من أن نقارب ما أفاض علينا الإمام الخميني (قده) العارف، وما بقي حاضرًا عندنا من إرث الزهراء (ع) الفكري، خطبتها الفدكية، لنستدرك منهما أبرز ملامح النهج الفاطمي للأنموذج الكامل للإنسان فيما يُقدّرنا الله بمعارفنا السطحية أن نستدركه.

أولًا: تعريف المنهج 

المنهج هو الطريق الذي يخطو به الإمام المعصوم في سبيل تأدية تكليفه الإلهي في الدعوة الإلهية، وهو يرتبط بالظروف المرحلية التي يعيشها كل إمام لبقاء الدين واستمراره، ونحن نرى بأنه ليس لكل إمام منهج خاص به ينسجم فيه مع شخصيته، بل إن الظروف المرحلية هي التي تحكم كل إمام باستخدام المنهج المناسب لبقاء الرسالة المحمدية وحمايتها، فالمنهج المحمدي في الدعوة الإسلامية، والمنهج العلوي في حفظ الدين، والمنهج الفاطمي في تبيان الحقائق، ومنهج الصلح الذي اتخذه الإمام الحسن (ع)، والمنهج الثوري الذي انتهجه الإمام الحسين (ع)، كل هذه المناهج توازي تمامًا منهج التقية الذي اتخذه باقي أئمتنا (ع)، وهو ذات المنهج الأخلاقي في القيادة، وينعكس منهجًا اجتماعيًّا في المجتمعات.

هذا البعد الأخلاقي تفتقده القيادة العالمية المعاصرة بانتهاجهم منهج النفعية الأداتية في كل الميادين حتى الإنسانية منها، وتداعيات هذا المجتمع تطال كل مجتمعات العالم لتأثيرهم وسطوتهم على دول العالم والتحكم بمقدراتها من جهة، ولأن كل ما يظهر في القمة لا يبقى في مكانه، بل ينتشر ليملأ ما حوله من جهة ثانية، فإن فسد من يقع على رأس السلطة انتشر الفساد وشمل كل الأرض[3]. فعلى مستوى الأمة نجد مجتمعاتنا أمام أزمة أخلاقية حقيقية مع تفشي الفساد المجتمعي، ما يهدد مستقبل الإنسانية جمعاء، وهنا يبرز تكليفنا بالحد الأدنى لاستعادة القيادة الأخلاقية على المؤسسات المحلية كقيادة العائلة والمؤسسات العامة والخاصة التربوية والإعلامية وغيرها كأضعف الإيمان، وذلك بتفعيل آليات العقل والوعي الأخلاقي المكمل لدور العقل لاستعادة الثقة بقيمنا الأصيلة في محاكمة واقعنا لتقييم مجمل قضايا المرأة وأمور الفساد والغش والرشوة، وقضايا الحق والباطل، ومبدأ العدل والظلم الذي أصبح نمطًا عالميًّا مجتمعيًّا مقبول ومطلوب.

ثانيًا: السيدة الزهراء (ع) القدوة

القدوة هي ذلك الميزان الذي يقيس عليه الإنسان تصرّفاته، موضحًا له معالم الطريق الذي ينبغي عليه سلوكه، وما يتوجّب عليه فعله وتركه. والإنسان بطبيعته الفطرية الإنسانية يحتاج لمن يقتدي به، الذي يمثل الأنموذج الأصحّ والأسلم، وهذه الحاجة ترافقه في كل مراحل حياته، في الصغر، وعمر المراهقة، والصبا، والكهولة، وحتى الشيخوخة. والأهمّ في ذلك كلّه، أنّ وجود القدوة الحقّة في حياة الإنسان تسهل عليه تجاوز الكثير من العوائق التي من الممكن أن تعترض طريق تكامله الإنساني في حياته، ما يلزم أن يكون القدوة في مقام الإنسان الكامل المطلق.

يقول الإمام الخميني (قده) مخاطبًا زوجة ابنه السيد أحمد عندما طلبت منه أن يكتب شيئًا عن مقام مولاتنا السيدة فاطمة (ع): “ابنتي العزيزة فاطمة.. تريدين من عجوز بائس، خالي الوفاض من المعارف والمعالم الإلهيّة، ما لا يستطيع العرفاء الكبار والفلاسفة العظام الاقتراب منه. وماذا يستطيع المرء أن يقول أو يدرك حول شخصيّة تتمتّع بآلاف الأبعاد الإلهيّة، يعجز عن تبيان كلٍّ منها القلم واللّسان؟!

إنه ليس بوسع أحد أن يعرف شخصية الزهراء المرضية والصديقة الطاهرة، سوى الذين ارتقوا مدارج الأبعاد الإلهية حتى ذروتها، وهو ما لم يبلغه سوى أولي العزم من الأنبياء والخلص والأولياء كالمعصومين عليهم صلوات الله.

إنها ظاهرة من مرتبة الغيب الأحدية كحال الخلص الأولياء، ويخطئ من يدعي معرفة مقامها المقدس من العرفاء والفلاسفة أو العلماء. وكيف يمكن إناطة اللثام عن منزلتها الرفيعة وقد كان رسول الإسلام يتعامل معها في حال حياته معاملة الكامل المطلق!

إنك تطلبين مني أن أتحدث وأكتب عن هذه السيدة العظيمة فكيف لي ولقلمي ولغة البشر الحديث عن سيدة كانت تستنزل جبرائيل كمثل أبيها، بقدرة الملكوت إلى عالم الملك وتجعل ما في الغيب ظاهرًا في الشهادة!

فدعيني إذًا أجتاز هذا الوادي المريع وأقول بأن فاطمة (ع) والتي هي هكذا في المراحل الإلهية الغيبية قد ظهرت في عالم الشهادة وتجسدت كأبيها وبعلها في صورة بشر ظاهر لتؤدي دورها ورسالتها في شؤون عالم الملك كافة من تعليم ٍوتعلم ونشر للثقافة الإسلامية ومعارضة للطواغيت وجد من أجل قيام حكومة العدل وإحقاق حقوق البشرية ودحض وتفنيد الدعاوى الشيطانية”[4].

نستدل من كلام الإمام الخميني (قده) المستندة إلى المباني القرآنية فيما ورد من الآيات عن مقام الزهراء (ع) في مفاصل متعددة من آية التطهير وآية المباهلة، وآية النذر… إلى جانب روايات عن المعصومين (ع)، لا سيما ما ورد عن رسول الرحمة (ص) في مقامها وحقها، الذي لا ينطق عن الهوى إنما هو وحيٌ يوحى، من هذه الأحاديث الشريفة يقول (ص): “من أدرك فاطمة فقد أدرك ليلة القدر”، يستدل من هذا الحديث بأن عالم الملكوت من نور فاطمة (ع)، وأصل إيجاد التنزيل (عندما تتنزل الملائكة في ليلة القدر) هي فاطمة (ع). وقال (ص) فيها: “هي روحي التي بين جبني”[5]. تفسير هذه الأحاديث لا يمكن حصره في موقع الأبوة، بل في موقع الدلالة النبوية المباشرة على موقعيتها التكوينية والوجودية، فبحسب مدرسة الفكر العرفاني، للمعصومين (ع) أربع مقامات: المقام النوراني، والمقام الروحي، والمقام النفسي والمقام الجسمي، وأن جميع خصال النبيين والأولياء والصديقين (ع) ومقاماتهم التي بلغوها بما اشتملت عليه من مضامين مجتمعة في سيدة نساء العالمين (ع)[6]، وقد سأل أبي عبد الله (ع) عن فاطمة لما سميت الزهراء؟ فقال(ع) لأنها كانت إذا قامت في محرابها زهر نورها لأهل السماء كما تزهر نور الكواكب لأهل الأرض[7]. وهو من فيض المقام النوراني للزهراء (ع)، أما تخصيص الرسول (ص) لها بأنها روح الرسول (ص) التي بين جنبيه ففيه تخصيص بأنها المقام الروحي للرسول (ص).

وبفعل مقامها النوراني والروحي حفت السيدة الزهراء (ع) بأسرار خاصة من انعقاد النطفة المباركة من ثمار الجنة إلى طريقة حياتها (ع) لراحة قلب وروح النبي (ص)، وصولًا لوقعها في قلب أمير المؤمنين(ع)، الذي كان يرى فيها الوجه الروحي لله، ومظهر آية الله في عالم الدنيا بقداسة استثنائية لا مثيل لها في الخلق، “لو لم يخلق اللَّه عليّ بن أبي ‏طالب ما كان لفاطمة كفو”[8]. فهي البدن الجسماني للإنسان الكامل تمثلت بالشأن الروحاني للرسول (ص)، والشاهدة على النبوة المحمدية من بعده، وتكامل للولاية العلوية من موقعيتها زوجة الولي والمدافعة عنها (الولاية)، وأم الأئمة المعصومين(ع). فحين يكون منشأ البدن يختلف بأنه روحاني فإن التنزيل والموقعية تختلف، ومن المقام الروحاني النوراني للزهراء(ع) ومن تعامل الرسول(ص) معها تعامل الإنسان الكامل المطلق، نتبين من شخصيتها فضلًا عن الأنموذج والقدوة الإنسانية، الهوية التكوينية للمرأة والرجل عامةً، والهوية الرسالية للمرأة والرجل المسلميْن خاصةً.

ثالثًا: النهج الفاطمي

في خضم التحديات المجتمعية التي نعاصرها، بفعل ما يخطه النظام الاقتصادي العالمي والمعولم للمجتعمات الإنسانية، من مسار للتنمية البشرية بحسب مقصوده لهذه التنمية، يخط النهج الفاطمي مساره الإلهي في صناعة إنسان الحضارة الإسلامية الولائية، من سلوكيات السيدة الزهراء (ع) في مراحل حياتها العملية بين ميداني الأسرة والمجتمع نسأل المولى تعالى أن نوفق في تحديد أبرز ملامحه في الآتي:

في ميدان الأسرة

 تمثل الأسرة المنظومة الاجتماعية التي تعنى بصناعة الهوية الإنسانية الرسالية، وكل المنظومات المجتمعية تلزم أن تكون في خدمة هذه المنظومة ومهامها الإنسانية بحسب الرؤية القرآنية، التي تتمحور في مسؤوليات وتكاليف بين موقعياتها التكوينية الأبوة والأمومة والبنوة…

أ. الأصل في بناء الأسرة الولائية: شكّلت السيدة الزهراء(ع) الأصل في بناء الأسرة النموذجية لتستحق خلافة الله على الأرض، فهذا البيت الفاطمي قد تلقى الرعاية والتعاليم النبوية المباشرة من الرسول(ص)، وقيمومة وتوجيهات الولاية المباشرة من الأمير(ع)، فالنهج المحمدي الأصيل والنهج العلوي، انصب عند السيدة الزهراء(ع) وتبلور في صياغة وصناعة السيدة الزهراء(ع) للأسرة المسلمة الولائية بمنهج فاطمي تربوي، هذا النموذج من التربية اتجاه الآباء، في تأسيس علاقة ولائية بين الزهراء(ع) وأبنائها، بني على أساس تعميق قيمة رضا الله من رضا الوالدين، ورضا الجد الذي هو الرسول(ص).

إن زرع قيمة رضا الوالدين وتقدير خبرتهم ومرجعيتهم في التجربة الاجتماعية، يشكل الضمير الحي للأبناء ليتربوا كما يريده الله ورسوله (ص)، مقابل ما يطرح اليوم من نمط أسري ديموقراطي مبني على الاستقلالية الفردية الذي يخدم احتياجات النظام الرأسمالي الاستهلاكي الأداتي النفعي.

ب. عبادتها: كرّست السيدة الزهراء (ع) قيمة العبادة وأكّدتها وأجلّت أهمّيّتها باهتمامها المستمرّ بها، فهي المتعبّدة المتهجّدة في الليالي، فكانت أعبد الناس1، حتى سلّمت روحها لبارئها عزّ وجلّ وهي تتعبّد4، ونجد هذا القيمة حاضرة في أبنائها، فمشهدية السيدة زينب (ع) ليلة الحادي العاشر من المحرم مع كل ما نزل عليها من الرزايا التي تنهدّ منها الجبال، لم تترك صلاة الليل المستحبة.

كما انتهجت السيدة الزهراء(ع) من حسن تبعلها من الأمير الذي وجدت فيه “خير معين على طاعة الله”، مظهر تجلّي القرب المعنوي من الله داخل الأسرة، نستدلّه من التسبيح المعروف باسمها (ع)، وقصته المعروفة من أنه هبة إلهية للسيدة الزهراء (ع) على تعبها في خدمة بيتها وعيالها، وقد ورد أنه سئل الإمام الصادق (ع) عن قول الله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثير﴾ ما حدّ الذكر؟ فقال (ع): “من سبح في عقب كل فريضة تسبيح فاطمة (ع) فقد ذكر الله ذكرًا كثيرا”[9]. من المهم هنا أن نلتفت إلى أن السيدة الزهراء(ع) كانت حاضرة في كل الميادين الجهادية؛ في الأسرة والمجتمع، إلّا أنّ حضورها كان ممنهجًا بترتيب الأوليات التكليفية والمستحبة، والأهم في مورد العبادة، أنها كانت تستغل كل فرصة متاحة للعبادة، فكانت العبادة في رأس أولوياتها.

ج. ربة المنزل: إنّ سلوك السيدة فاطمة (ع) يعلّمنا كيف يمكن للمرأة وهي في أعلى درجات العفّة والمحافظة على نفسها أن تكون في قلب الحياة السياسيّة، وتغدو شخصًا مؤثّرًا بقراراته وعداواته ومصالحاته، كلّ ذلك وهي ربة منزلها، وإن ربة البيت لا ينحصر دورها بأعمال البيت، بل يتوسع للتصدي لمسؤولية التربية التي تتواءم والشخصية التكوينية للمرأة الظريفة الحريرية لشدة حساسيتها المرهفة بالعاطفة بحسب وصف السيد القائد[10]، وهي  بهذا الدور وهذه الموقعية داخل الأسرة تملأ الجزء الأهم من مهام القيمومة على الأسرة المحاطة من الرجل في موقعية الأبوة التي تتلاءم وتكوين شخصيته، في روح تكاملية وصفها الله في القرآن بالنفس الواحدة.

في هذا السياق يقول الإمام الخامنئي: “ما يحتاج له مجتمعنا اليوم هو أن يعرف ما معنى الأمومة؟ وما معنى ربّة البيت؟ وما معنى سيدة المنزل؟ فاطمة الزهراء (ع) بذلك الشأن وبتلك المرتبة وبذلك المقام والعظمة كانت ربّة بيت، وهذا ليس حطًّا من شأنها، إذ لا يمكن الحطّ من قدرها وهي بتلك العظمة، أو يمكن التقليل من شأن تلك العظمة؟ هذه العظمة محفوظة في محلّها، ولكن من شؤون ومن مشاغل هذه العظمة نفسها أنّها كانت زوجة وأمًّا وربّة منزل، لننظر لهذه المفاهيم من هذه الزاوية[11]، مقابل ما يُطرح اليوم من نظرة دونية لربة المنزل يُصور فيها استغلال طاقة المرأة وجهودها في أعمال لا تنال عليها أجرًا ماديًّا، يستوقفني هنا بأن الإسلام لم يلزم المرأة في أعمال المنزل، وحتى يمكن لها أن تطلب أجرة الرضاعة لطفلها، وهو من اللطف الإلهي بأنه جعل هذه الأعمال باختيار المرأة لتكون فرصة ميسرة لها في طريق تكاملها الروحي، تتلاءم وتكوينها الفطري من زاوية أخرى.

د. علائقية الرحمة والمودة الأسرية: قدّمت السيدة الزهراء(ع) أنموذجًا كاملًا متكاملًا لنهج علائقية المودة والرحمة التي سادت في الأسرة العلوية، وامتدت إلى أسر الأئمة المعصومين(ع) والموالين، هذه العلائقية انبثقت من الحركة الوجودية الإلهية الحُبية، وما ظاهرة المودة والرحمة والسكن الذي أراده الله في الأسرة المسلمة إلاّ تجلٍّ لواحدة من مظاهر الرحمة والمودة الإلهية في الأرض. حيث نلاحظ في فحوى الروايات، سيادة جوّ السرور في عائلة السيدة فاطمة (ع) فيما بين الأولاد وأمّهم (ع)، تلاعبهم وتناغيهم وتدلّلهم، وتناديهم بكلمات محبّبة وتتولّى بنفسها (ع) تغسيلهم وترتيبهم، فالأمومة أحد أهمّ محطّات حياة الأنثى، وهو موقعية تكوينية لا تستطيع القيام به إلّا بالحبّ والسرور، وهذه الموقعية  انتهجتها (ع) مبتهجةً بأولادها تظلّلهم بحبّها وحنانها على الدوام، من خلال زرع مخزون كبير من الثقة المنطلق من الثقة بالله القادر، والثقة بالنفس المرتكزة على معرفة كل فرد ربه، وهويته التكوينية والرسالية، ومعرفة الآخرين واحترامهم والإحاطة بهم، لأن كل ما يصنع ويتحضر له داخل منظومة الأسرة هو ما يفيض إلى المجتمع، وبقدر تعزيز القيم الإنسانية داخل المنظومة الأسرية تتعزز الإرادة والثبات والاستقرار المجتمعي الذي ينتج نهضة حضارية إنسانية اجتماعية.

في ميدان المجتمع

يعتبر ميدان المجتمع ساحة تزاحم اجتماعية للطاقة الإنسانية وفرصة للتكامل الإنساني بين المرأة والرجل في علاقة استخدامية، تبادلية، اختيارية، تكاملية، تراعي المساواة العادلة في الفرص، وليس النتائج التي تلحظ مراعاة مسؤولية النفقة التي تقع على عاتق الرجل لتحقيق العدالة الاجتماعية، وذلك بواسطة الوظائف والأدوار الاجتماعية المتنوعة الاقتصادية والثقافية والسياسية… مقابل العلاقة الأسرية التكاملية اللازمة بموقعياتها التكوينية.

أ. الجهاد السياسي: تكثر الجدليات في قضايا المرأة المعاصرة في عالمنا الإسلامي حول دور المرأة السياسي، ومدى ارتباطه وبعده عن دورها الرسالي الأسري والمجتمعي، ما يضعنا أمام تحدٍّ فعلي في تحديد بعض معالم هذا الدور، الذي يتجلّى في النموذج الكامل للإنسان كل الإنسان، نستلهمه من مولاتنا الزهراء (ع) المعصومة، من إرثها الفكري السياسي، وما وصل إلينا في خطبتين رئيسيتين: الخطبة الكبرى التي ألقتها (ع) في مسجد الرسول(ص)، والخطبة الصغرى التي ألقتها على مسامع جمع من نساء الأنصار لما دخلن عليها يعدنها في مرضها، و”مصحف فاطمة” المغيب، وهو تراث خاص للمعصومين يتوارثونه كميراث علمي لآل البيت (ع).

من أهم الوظائف التي يقوم بها الخطاب السياسي هو إيصال الخبر للجمهور بطريقة صحيحة ومقنعة، إلى جانب وظيفة المقاومة والمعارضة بحيث يعمل بشكل أساسي على تقديم المعارضات والاحتجاجات على سياسة متبعة في المجتمع الذي يعيش فيه، بالإضافة إلى مقاومة هذه السياسة والنظام المتبع من أجل تغييره والحصول على نظام آخر، فضلًا عن وظيفة منح الشرعية أو نزعها، حيث تقوم هذه الوظيفة على إعطاء السلطة لمجموعة معينة أو انتزاع السلطة من القائمين عليها، فالاعتقاد في المجال السياسي يكون جماعيًّا وليس فرديًّا، لأنه يتحول إلى سلوك جماعي منظم[12]. واحتجاج الزهراء(ع) ومطالبتها بفدك واستمرار ذلك من قبَل الأئمة المعصومين(ع)  كانت لتثبيت نهج سياسي عقائدي لمنع الاجتهاد أمام النص، ومنع العمل خلاف السنة النبوية في مستقبل المجتمع الإسلامي، وقد اعتمدت السيدة الزهراء(ع) خطبتها الفدكية لتبيان وثبيت هذا النهج المحمدي الأصيل، فضلًا عن مواجهة الهدف السياسي الاقتصادي المضمر من جراء مصادرة حق الزهراء(ع) بفدك. من هنا تكمن الأهمية السياسية للخطبة الفدكية التي تتصدر الخطاب السياسي بكل نواتجه الاجتماعية السياسية، حيث كان دورها وتكليفها بأن تكون من القيادات السياسية التي تتصدى للمواجهة، هذا الدور وهذه الوظيفة والتكليف أُنيط للسيدة الزهراء(ع) دون أمير المؤمنين (ع) في ظروف تلك المرحلة، ولو كان من تكليف الأمير المؤمنين (ع) بأن يقوم به لما استدعى ذلك خروجها (ع) ومخاطبتها الناس، فلكلٍ دوره ولكلٍ وظيفته ولكلٍ  تكليفه، ما يثبت نمط سياسي مجتمعي لازم لكل أمة يرتكز على الحرية والجرأة في المواجهة السياسية وإحقاق الحق لأهله من جهة، وتلازم الدور السياسي للمرأة والرجل في الإسلام بحسب ما يمليه التكليف والظروف والأولويات من جهة أخرى.

ب. منهج التبليغ والتعليم: انتهجت السيدة الزهراء(ع) منهج التبليغ والتعليم لمن يبتغي معرفة النبوة، وقد عرف “مصحف فاطمة” المغيب في هذا الخصوص، وتعميقًا لمعرفة الناس بما فرض الله عليهم من تكاليف، فقد خاطبت السيدة الزهراء (ع) الناس بحكمة التشريعات الإلهية: “أنتم عباد الله نصب أمره ونهيه… فجعل الله الإيمان تطهيرًا لكم من الشرك، والصلاة تنزيهًا لكم عن الكبر، والزكاة تزكية للنفس ونماءً في الرزق، والصيام تثبيتًا للإخلاص، والحج تشييدًا للدين، والعدل تنسيقًا للقلوب، وطاعتنا نظامًا للملة، وإمامتنا أمانًا من الفرقة، والجهاد عزًّا للإسلام”.[13] وحين يحدثنا الراوي بأنها (ع) خرجت تطأ ذيولها، بصورة تظهر جانبًا كبيرًا من المبالغة في الحجاب، العفة والستر، ما يؤكد حتمية تلازم العفة وموقع المرأة التبليغي والسياسي، والزهراء(ع) سجلت المرأة النموذج في هذا الطريق الجهادي السياسي التبليغي، ولقد أدّت (ع) دورًا لا يختلف عن دور الإمام المعصوم، وبهذا الدور وبعصمتها تتصدر سلّم أعلى وأعظم امرأة في التاريخ، وحركتها السياسية التي برزت بخطبتها (ع) تعبّر عما يتناسب مع هذه الشأنية، وموقعيتها الحجية بالنسبة إلى الأمة.

ج. راية المسلمين والقائدة الرسالية: يقول الرسول(ص): “فاطمة أم أبيها”[14]. الأم في نظر العرب لها الكثير من المعاني، أحد هذه المعاني: الأم هي الراية[15]؛ والراية أخطر مركز في القتال متى ما سقطت انهزم الجيش في المعركة. والسيدة الزهراء (ع) كانت الراية الشاهدة بعد وفاة الرسول(ص)، والراية في عصر الغيبة، في عصر سيطرة الضلال، والمستبدين، في عصر سيادة الشبهات، حيث كانت الشاهدة على نبوة النبي(ص) واستمرار النهج المحمدي الأصيل من خلال الدفاع عنه باستمرار النهج العلوي الولائي المجتمعي مقابل النهج القبلي السلطوي المجتمعي.

يشير الإمام الخامنئيّ إلى أن السيدة  فاطمة الزهراء (ع) قامت بدور القائد الحقيقيّ، لقد كان حسّ المسؤوليّة عند السيدة فاطمة (ع) عاليًا جدًّا، بحيث كانت تحمل مسؤولية الأمّة جمعاء وهمّها، وكما قال إمامنا الخمينيّ الجليل: لو كانت فاطمة الزهراء رجلًا لكانت رسولًا”[16]، فقد تجلّت مولاتنا الزهراء(ع) مثَلٌ هادٍ لعموم البشريّة، امرأة في أعلى مراتب المرأة المسلمة، أي إنّها في حدود قائد، لكنّها نفسها من حيث الفضائل والمناقب والحدود كان يمكنها أن تكون رسولًا، هذه المرأة نفسها كانت أمًّا وكانت زوجة وكانت ربّة بيت، ينبغي فهم هذه الأمور…[17]. وخير مصداق على أن المقصود من أم أبيها بأنها الراية ما نلمسه اليوم في زيارتنا لعوائل الشهداء، وحديث أمهات الشهداء كيف يشعرن بربط الزهراء(ع) على قلوبهن في لحظة تلقيهن خبر الاستشهاد[18]، في نفس اللحظة يشعر بها عوائل الشهداء بأنهم أصبحوا ينتمون إلى بيت العترة النبوية الفاطمية، فهي رايتنا اليوم بكل ما للكلمة من معنى.

خلاصة

إن المقاربة الاجتماعية لشخصية في عظمة ورفعة المقام النوراني والروحي لمولاتنا السيدة الزهراء (ع) تتعثر لباحث يطوي أوراقه البحثية لينتهل من بصيص نور سلوكيّاتها الاجتماعية مكوّنًا لمعارفه، كما لا يدّعي بأنه سبر أغوار عالمها الأرضي الاجتماعي فكيف بالملكوتي، وهي تجلٍّ حسيّ لمظاهر الرحمة واللطف الإلهي، فما وسعنا في هذه الأوراق  البحثية هو أن نقدم بعض ملامح من النهج الفاطمي، مظهرين القضايا التي تحاك حولها الشبهات، لنستعين بهذه الملامح في مواجهة التحديات المعاصرة لقضايا المرأة الاجتماعية، الأسرية تحديدًا، التي تمثل محورية المجتمع وغايته في خلافة الله على الأرض، مقابل ما تطرحه السياسات الفكرية الاقتصادية المعاصرة من محورية الفرد الأداتية النفعية لخدمة احتياجاتهم الاقتصادية الاستكبارية.

وبوقوفنا عند أبرز ملامح هذا النهج الفاطمي التربوي نستطيع أن نتبيّن كيف ولماذا أنتجت التربية الفاطميّة عظماء كالإمام الحسن والحسين وزينب (ع)، فإنّ التربية على القيم الحقّة الصحيحة بحسب المعايير الإلهيّة من شأنه صقل شخصيّة الطفل بالمحتوى اللازم لنضجه ورشده وغدوّه عظيمًا، وخصوصيّة الأمّ تتمحور في تقديمها حول كلّ ما سبق في قالب الحبّ والحنان والعاطفة، فالسيدة الزهراء (ع) اعتمدت التربية على القيم بأسلوب الأنموذج الإلهي، وكانت سيدة القيم هي قيمة الحضور الإلهيّ والارتباط بالله، في صناعة إنسان ولائي وحضاري، وهو نهج ميسّر للجميع، مرتكز على توطين النفس على حضور الله في الحياة، وفهم هويته التكوينية التي هي من هوية الإنسان المطلق، وقد هداه الله إليها بالنص الديني القرآني وتجسد بنهجٍ عملي سلوكي في أنموذج النهج الفاطمي للاقتداء به، مقابل ما يُطرح اليوم من هوية إنسانية متقلبة الأدوار والوظائف تحت وطأة نمط المزاج المجتمعي المعاصر.

 

المصادر والمراجع

  القرآن الكريم:

  • سورة البلد، الآية 10.
  • سورة الإنسان، الآية 3.
  • سورة المنافقين، الآية 7.

    الكتب:

  • الإمام الخمينيّ، صحيفة الإمام تراث الإمام الخميني، (طهران، مؤسّسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخمينيّ، الطبعة1، 1430ه – 2009م)، الجزء7.
  • الإمام الخامنئي- إنسان بعمر 250 عامًا، (بيروت، مركز نون للتأليف والترجمة، 2015).
  • المرأة والأسرة في فكر الإمام الخامنئي (دام ظله)، (بيروت، دار المعارف الإسلامية الثقافية، 2018).
  • الإصفهاني، مقاتل الطالبيين، (بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1307 ه).
  • ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، الجزء 16،
  • بحار الأنوار، العلامة المجلسي، (بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة 3، 1403 هـ – 1983)، الجزء 43.
  • السيدة فاطمة الزهراء قدوة وأسوة، (بيروت، دار المعارف الإسلامية الثقافية، 2018).
  • الشيخ الصدوق، علل الشرائع، مصادر الحديث الشيعية ـ قسم الفقه، الجزء 1، 1385 – 1966 م.
  • علي أصغر مرواريد، الينابيع الفقهية، (بيروت، مؤسسة فقه الشيعة، الطبعة 1، 1413 ه‍)، الجزء 3.
  • محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، (بيروت، لبنان، مركز دراسات الوحدة العربية، 2011).
  • الدين والدولة وتطبيق الشريعة، (بيروت، لبنان، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة1، 1996).

المواقع الإلكترونية:

  • https://www.almaaref.org
  • https://arabic.khamenei.ir
  • https://www.almaaref.org
  • https://maarefhekmiya.org
  • https://www.aqaed.com
  • https://maarefhekmiya.org

[1]  سورة البلد، الآية 10.

[2] سورة الإنسان، الآية 3.

 [3]  الإمام الخامنئي، إنسان بعمر 250 عامًا، (بيروت، مركز نون للتأليف والترجمة، 2016)، الصفحة 168.

[4]  من معين الزهراء (ع) 03-03-2017 https://www.almaaref.org

[5]  بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، (بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة 3،  1403 هـ – 1983)، الجزء 43، الصفحة 54.

[6]  الإمام الخميني، من معين الزهراء (ع)، مصدر سابق.

[7]  الشيخ الصدوق، علل الشرائع، مصادر الحديث الشيعية ـ قسم الفقه،  الجزء 1، 1385 1966، الصفحة 181.

[8]  بحار الأنوار، الجزء 43، الصفحة 107.

[9] علي أصغر مرواريد، الينابيع الفقهية، (بيروت، مؤسسة فقه الشيعة، الطبعة 1، 1413 ه‍ – 1993 م)، الجزء 3، الصفحة 121.

[10]  الإمام الخامنئي، المرأة والأسرة في فكر الإمام الخامنئي (دام ظله)، (بيروت، دار المعارف الإسلامية الثقافية، 2018)، الصفحة 96.

[11]  كلمة الإمام الخامنئي في لقائه مداحي أهل البيت (ع) بمناسبة ذكرى ولادة السيدة فاطمة الزهراء (ع)، 2017/03/19 https://arabic.khamenei.ir

 

[12]  محمد عابد الجابري، الدين والدولة وتطبيق الشريعة، (بيروت، لبنان، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة1، 1996)، الصفحة 14.

[13]  خطابُها (ع) إلى الحاضرين في المَسْجِد، https://www.aqaed.com

[14]  الإصفهاني، مقاتل الطالبيين، (بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1307 ه)، الصفحة 29.

[15]  من محاضرة للشيخ كاظم ياسين، 18/ 12/2021

[16]  الإمام الخمينيّ، صحيفة الإمام، تراث الإمام الخميني، (طهران، مؤسّسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخمينيّ، الطبعة1، 1430ه – 2009م)، الجزء7، الصفحة 250.

[17]  السيدة فاطمة الزهراء قدوة وأسوة، (بيروت، دار المعارف الإسلامية الثقافية، 2018)، الصفحة 146.

[18]  الزهراء سيّدة أهل المحشر، لسماحة الشيخ شفيق جرادي https://maarefhekmiya.org


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
النهج الفاطميالمرأة المعاصرة

المقالات المرتبطة

التأويل السياسي للتنزيل الديني، قراءة في أنماط وثقافة الحركات التكفيرية المعاصرة

البحث يدور حول أنماط فكر وثقافة جماعات الإسلام السياسي، وكيف استخدموا التنزيل الديني لخدمة الغرض السياسي، وكيف تلقفت الدوائر المخابراتية العالمية تلك الجماعات لتفكيك البلاد، خاصة بعد الحراك الشعبي في الدول العربية،

الفكر العربي الحديث والمعاصر | نقد الخطاب الفلسفي الوضعي عند محمود (6)

لم يقدم زكي نجيب محمود مجرد فلسفة، إنّما رؤية متكاملة تقوم على أسس منهجية واضحة، جاءت تعبيرًا عن موقف من التراث العربي – الإسلاميّ،

الهويّة الإنسانيّة للمرأة في رؤى الإمام الخامنئي

ولادة الزهراء هو يوم عيد، وليس أيّ عيد، إنّه العيد الأغرّ، العيد الكبير، أبرز الأعياد الإسلاميّة. وبهذا، يصبح العشرون من جُمادى الثاني مناسبةً لاستحضار صور كمالها، وتجديد العهود، ودفع النساء والرجال في درب العيش معها.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*