فلول الوهابية/السلفية وجماعات الإسلام السياسي في مصر

فلول الوهابية/السلفية وجماعات الإسلام السياسي في مصر

كتبنا من قبل في هذا المكان الثقافي الرائع “موقع معهد المعارف الحكمية” عن “مراحل التواجد السلفي/ الوهابي في مصر من النشأة إلى السقوط”، وكيف بدأت الوهابية في غزو الدول الإسلامية بما فيها مصر بأموال طائلة، ورأينا كيف بدأت السلفية الوهابية في مصر ضعيفة ثم قوية ودخلت المعترك السياسي بعد ثورة/انتفاضة 2011، ثم سقطت شعبيًّا قبل كل شيء.

واليوم نتأمل ونتساءل، هل انتهت وتلاشت الوهابية/ السلفية تمامًا من الأرض المصرية؟ أم أنها توارت عن الأنظار إلى أن تحين لها فرصة العودة من جديد؟

هو أمر مطروح، لأن الفكرة مثل الثمرة لا تموت، عندما تجد من يرويها ويشرف عليها حتى لو في الخفاء، ولقد قامت الدولة المصرية بعدة إجراءات بعد ثورة/انتفاضة 30 يونيو/حزيران 2013، التي أنهت الوجود الإخواني في السلطة، ومعهم التيارات الوهابية والسلفية من كافة الأنواع السلفية.

بقايا الوهابيين في مصر أو الفلول

في المقابل يوجد فلول سلفية/ وهابية، ومصطلح الفلول مصطلح عربي يعني بقايا أي شيء، مثل فلول اللاجئين، ومثل “فلول الجيش”، المهزوم طبعًا، وهو مصطلح شائع عند المصريين ثقافيًّا وشعبيًّا، فيقولون: “فلول حسني مبارك”، أو فلول “الحزب الوطني الديمقراطي” المنحل.

واليوم نكتب عن “فلول الوهابية/السلفية، وفلول باقي جماعات التأسلم السياسي، وكلهم يأخذون جميعًا من فتاوى ابن عبد الوهاب وابن تيمية وتلاميذهما إلى اليوم دليلًا لهم، ومن خلالهم يأتي الفكر التكفيري، وقد انتشر بالفعل في كل المنطقة وفي العالم بأسره، ومن هنا لا بدّ أن نتعرف على “فلول الوهابية” في مصر، وإمكانية عودتهم، ليس للحكم ولكن للانتشار الجديد في الأوساط الشعبية.

ومن المؤكد القول: إن من أسباب الخروج الشعبي على التيارات الجماعاتية ما حدث يوم 15 يونيو/حزيران 2013، أي قبل الخروج الشعبي ضد جماعات الإسلام السياسي، بخمسة عشر يومًا لا غير، ففي ذاك اليوم تم عقد مؤتمر سُمّي بمؤتمر “نصرة سوريا”.

حيث قام شيوخ الوهابية في مؤتمر يحضره الرئيس نفسه، قام الشيوخ مثل محمد حسّان بالدعاء على الرافضة الشيعة في سوريا وغير سوريا، أما الشيخ السلفي محمد عبد المقصود فقام بالدعاء على من انتوى من المصريين بالخروج، وكان الحاضرون يؤمنون على الأدعية، ويتردد صدى كلمة “آمين” في جوانب مقر الاجتماع، والذي تم فيه قطع العلاقات مع سوريا، وهو قطع بمفهوم ديني وليس بأمر سياسي، وهو أمر أزعج المصريين كثيرًا، حيث يعتبرون سوريا هي عمق مصر الشمالي، بمفهوم دولة الوحدة.

القرار الرسمي/ الشعبي لأفول الوهابية

قامت الدولة المصرية بدعم شعبي واضح بوضع عدة إجراءات لمنع فوضى الفتاوى، وفوضى الخطب المنبرية، منها:

  • ضم كل مساجد السلفيين مثل أنصار السنة المحمدية الجمعية الشرعية، وتعيين خطباء من الأزهر بتصاريح لمن يلقي خطبة الجمعة، ومتابعة هؤلاء الخطباء.
  • منع كبار رجال الوهابية وكافة الفرق وجماعات الإسلام السياسي من خطب المنبر، أو إلقاء دروس في أي مسجد إلا بتصريح مكتوب من وزارة الأوقاف.
  • توحيد الخطب يوم الجمعة على كافة المساجد، حيث تصدر وزارة الأوقاف كل جمعة عنوان الخطبة الموحدة والتي يتم إرسال نصّها بالإنترنت إلى كافة خطباء المنابر، ومحاسبة من يخرج عن الخطبة الموحدة، بحسب عنوان الخطبة التي ألقاها من تلقاء نفسه.
  • تم غلق كافة الفضائيات المحسوبة على تيارات كل جماعات السلفيين والإخوان وباقي التيارات الدينية غير الأزهرية، ومن ثم ابتعد الشيوخ محمد حسّان ومحمد حسين يعقوب وأبو إسحق الحويني وياسر برهامي ومصطفى العدوي… إلخ من المشهد تمامًا، واختفت ما كان يشغل الأوساط الشعبية بالفتاوى المتناقضة، التي أثارت البلبلة، خاصة أن الجماعات نالت أكثر مما تستحق في عصر الرئيس السابق “حسني مبارك”، حيث ترك لها حرية العمل وانتشار الدعوة في كل مكان، في الفضائيات والمساجد ووسائل المواصلات ونشر الكتب الوهابية وغيرها من الوسائل، طالما أنها رضيت به وليًّا للأمر لا يجوز الخروج عليه، وصدور فتوى تجيز توريث الحكم لابنه “جمال مبارك”، وهذا أدّى بطبيعة الحال إلى أن المسلمين وجدوا فيهم من يصارع على الحكم ويناقض أيديولوجيته إلى الضد، عندما طالبوا بالديمقراطية وتداول السلطة.
  • قامت دار الإفتاء المصرية بتأسيس “مرصد الفتاوى الشاذة”، والذي يعمل على مدار الساعة من خلال محاور ثلاثة، الأول وهو عملية رصدية لما يصدر من آراء وفتاوى تكفيرية وآراء متشددة، والثاني هو تحليل هذا المرصود من خلال وحدة التحليل الموجودة في دار الإفتاء المصرية، والأمر الثالث وهو إصدار تقرير عن عملية الرصد، والرد السريع على أي فتوى تكفيرية أو وهابية، ومنها ما أصدره المرصد عام 2017، وهو عن الفكر الذي يقود للتكفير ثم للقتل، ومن ضمنها عقيدة ما يُسمى بـ”الولاء والبراء”، في نشرة “إرهابيون”، والتي شن فيها حملة على فكر وفتاوى الإرهابيين، تلك الفتاوى التي حولتهم من “التطرف الفكري إلى التطرف الدموي التخريبي، وأكّد البيان أن القاعدة الأولى هي الولاء والبراء، وهى قاعدة مهمة جدًّا في المنهجية التكفيرية… وأحد القواعد التي تتحكم في نفسية الإرهابيين ودفعتهم لتفجير الكنائس…”، وهو رد شاف ونموذج من نماذج رد المرصد على الفتاوى الشاذة الدموية.
  • قامت دولة المنشأ الوهابي/السعودي بالقضاء الصادم على الوهابيين والسلوك الوهابي، حيث قام ولي العهد السعودي بإطلاق قمقم العلمانية، ليحول الدولة التي بها الحجاز المقدس إلى ملاهي وأغاني، وأشياء أخرى، ونعرض عن الوضع السياسي الإجرامي الذي يقوم به ولي العهد في اليمن وغير اليمن، لأنه ليس مجال هذا المقال.

في كل الأحوال، وقف التمويل الوهابي السعودي لوكلائهم في مصر وغيرها، مما أبعد كثيرًا دخول أنصار جدد في الدعوة الوهابية، وهو ما أبطأ انتشار الفكر/ كما كان من قبل.

  • عرف المصريون أن الفكر الوهابي انتشر بعدة طرق: من خلال مواطني الدول الذين يذهبون للعمل في السعودية وهم بالملايين، والضخ المباشر للمال في بناء معاهد دينية تنشر الفكر الوهابي في كافة الدول الإسلامية خصوصًا الفقيرة منها، والمواطن البسيط الذي يحج إلى بيت الله وينبهر بعظمة الكعبة وجلالها، يعود وفي ذهنه أن الإسلام الصحيح موجود في السعودية فقط، وعليه، راجت الفتاوى الشاذة لابن باز وابن عثيمين ووصلت القرى النجوع.

وتقليدًا للوهابية، نشأت حركات محلية مثل حركة التكفير والهجرة في مصر أوائل السبعينيات، والقاعدة في أفغانستان، وبوكوحرام في نيجيريا، وشباب المجاهدين في الصومال، وداعش في العراق والشام، جميعها تلقت دعمًا ماليًّا سخيًّا من أموال النفط بشكل علني أو سري، مكافأة لتمسكها بنهج الوهابية التكفيري وفتاوى القتل لابن تيمية.

  • كما وجدت الوهابية حاضنة لها في الحركات الإسلامية المحلية كالإخوان المسلمين والسلفيين إذ رحبوا بها “تكتيكيًّا”، عسى أن تساعدهم يومًا في الوصول إلى السلطة.
  • في نفس الوقت نشطت حملة موازية لإحياء الخلافة الإسلامية والتحسر على سقوط الخلافة العثمانية، وانطلت هذه الكذبة على البعض دون أن يعلموا أنها كانت احتلالًا، وليست خلافة، في وقت كانت أوروبا تنطلق بثورتها الصناعية، كان الخليفة العثماني يجمع الخراج (الضرائب) ولا يقدم أي خدمات في المقابل، لا صناعة ولا تعليم إلا في الكتاتيب والأزهر.
  • ربما النقطة الوحيدة من مجمل الفكر الوهابي التي رفضها المصريون ولم يعيروها انتباهًا هي هدم أضرحة أهل البيت (ع)، ومنع زيارتها أو الصلاة في المساجد التي تحتويها، فحافظوا على تلك الأضرحة واستمروا في زيارتها والتبرك بها، ثم علم المصريون أن الوهابيين خرّبوا الآثار المقدسة في الحجاز، ومنها قبور آل البيت.

فلول الوهابية

المشكلة الكبرى حاليًّا، أن الوهابية لفظت أنفاسها في بلد المنشأ وهي السعودية، بينما آثارها السلبية باقية ولن تمحى بسهولة من كل دول العالم التي وصلت إليها، ومنها مصر.

وتوجد دلائل قوية على الوجود الوهابي، أو “فلول الوهابية”، يعتمدون على بعض الوسائل، منها:

  • رغم أن الدولة منعت صلاة الجمعة إلا في المساجد التي لا تقل مساحتها عن 80 متر مربع، مع توحيد الخطبة، إلا أنه توجد زوايا أو مساجد صغيرة، خاصة المبنية في الدور الأول من العمارات الكبيرة والصغيرة، ويتناوب على الخطبة بعض شباب الوهابيين/السلفيين، بدون رقابة، إلا إذا أبلغ أحد وزارة الأوقاف، وعندها يختفون، وإذا قلت القبضة يعودون، وهو أمر شاهدناه بأنفسنا كثيرًا، صحيح لا توجد كتب أمام المساجد كما كان من قبل.
  • الوسيلة الأكثر اتباعًا هي وسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال الرصد يتضح أن منصات التواصل الاجتماعي، تعد الأداة الأهم والأكثر فاعلية لدى تنظيمات الإسلام السياسي كافة، ومنهم بطبيعة الحال الفكر الوهابي/السلفي، وعناصره في الداخل والخارج؛ لكون هذه المنصات تمثل قناة اتصال وتواصل مع فئات واسعة من الشعب المصري وخاصة فئة الشباب الأكثر تأثّرًا بما يتم ترويجه من قبل هذه العناصر واللجان الإلكترونية، كما أنها الأكثر قابلية للاستثارة لإحداث ما يصبو إليه السلفيون وجماعات التأسلم، من تغيير سياسي واجتماعي.
  • الهوى السلفي عند الشعب ما زال باقيًا، فلا يمكن تناسي أن انتشار فكر ديني جاء من أرض الحرمين الشريفين، لا يمكن القضاء عليه سريعًا.

وفي كل الأحوال فإن العمق الحضاري المصري المتنوع، بإرثه الثقافي والديني والحضاري عمومًا، يمنع أي فكر منحرف، ربما تمرض مصر، ولكنها تقف على قدميها من جديد، واستقبلت الفكر الوهابي، ثم لفظته بعد جيل واحد.

إن مدرسة التلاوة القرآنية المصرية لا تخضع للتطرف، تثري الفكر بقدر ما تورث الأمل والنهضة…

 


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
الوهابيةالإسلام السياسيّالسلفيّة

المقالات المرتبطة

التبصّر الخُلقيّ كعامل مؤسِّس لاستراتيجيّة الانتصار

لو كان لنا من توصيف إجماليّ لمعنى المواجهة بين العدوّ الإسرائيليّ والمقاومة، لجاز القول أنّها حرب من أجل استعادة الأسس الأخلاقيّة لمفهوم الحرب. انطلاقًا من ذلك،

الوجود الإنسانيّ والوعيّ

تقول أسطورة بوذية (1) قديمة جلس أرنب بري ذات يوم تحت أشجار المانجو فغلبه النعاس، وفجأة سَمِعَ صوتًا عاليًا

عاشوراء بين قدسيّة الموت وثقافة الحياة

لا نريد لهذا الموضوع أن يتناول الموت والحياة في ماهيّتهما وحقيقة جوهرهما إلّا بمقدار ما لهذا البحث من دخالة في تشكيل الرؤية العمليّة والموقف الذي ننتهجه منهما.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*