الإنسان والأخلاق

الإنسان والأخلاق

عندما نتحدث عن الأخلاق فنحن نتحدث عن الإنسان. وعلينا تحديد ما هي هذه الطبيعة البشرية والإنسانية بشكل عام. الإنسان هو عبارة عن قابلية وطاقة موجّهة منذ البداية، وإن كان على نحو القابلية. الفاعلية الإنسانية التي ننطلق منها تعني أنّ لديه القدرة على العلم ويتلقى المعلومات والمعارف، ويمكن أن يصدّق بفائدتها ويتحوّل إلى شوق وإرادة. وبعد ذلك يصل إلى مرحلة العمل. علم وإرادة وعمل. والملفت هنا ما أضافه العلّامة الطباطبائي، وهو العنصر الرابع، الحكم الإنشائي أنّ لدى الإنسان القدرة على التصديق بفائدة ما علمه، فيريده، فينشئ الوجوب على أساسه. وهي موجودة عند الجميع ضمنًا ولكن العلّامة ركّز عليها لأنّه أسس للاعتباريات فيما بعد.

ما يميز الإنسان؟ نحن نتحدث عن الحالات الثلاثة كأننا لا نتكلم عن الإنسان، بل عن هيكل يحتاج للكثير كي يصبح إنسانًا، يحتاج للحم ودم وشحم وقلب وعقل، ونحتاج إلى مليارات السنين الضوئية ليصبح إنسانًا إن صح التعبير، ولكن هذا تشريح أولي. ولكن يجب أيضًا أن نلتفت إلى التعقيدات التي تأتي فيما بعد التي تشكّل طبيعة الإنسان. فالإنسان لا يفكر فقط كلما أراد أن يتصرف فتصبح لديه الإرادة عندها ينطلق إلى العمل. هذه العملية لا تستمر بهذه الطريقة، لأنّ المعلومات يتطبّع عليها الإنسان فهو ليس بحاجة لاستحضارها دائمًا. حتى لو أضاف معلومات جديدة فتكون لديه خميرة سابقة تستوعب هذه المعلومات وتكون لديه إضاءة مسبقة على هذه المعلومات الجديدة، فبالتالي عملية العلم ليست مستجدة.

الإنسان لديه مخزون ورصيد من العلم يشكّل له الإرادة الضمنية. ولديه مخزون من الإرادة أيضًا، فعندما أعتاد على بعض الأمور تتكوّن لديّ إرادة جاهزة إجمالية بصرف النظر عن الإرادة الفعلية التي تحصل الآن ولكنها مرتكزة إلى مخزون من الإرادة الإجمالية. وعلى مستوى الفعل يحتاج بداية الأمر إلى بعض التكلّف ولكنه يختلف فيما بعد فيتحوّل صدور الفعل منه إلى سلاسة.

هذا المخزون على مستوى العلم والإرادة والعمل هو الذي يرتكز عليه الإنسان، وكلما زادت خبرته تشتغل فعالياته باتجاهه. هذه هي الأرضية الأساسية التي من خلالها سندخل إلى الفعل الأخلاقي وما يميزه عن غيره بشكل عام.

اليوم يطرح سؤال عن معيارية الفعل الأخلاقي، وهل الأخلاق هي عمل وسلوك؟ إنّ مجرد العمل وتفسيره بصرف النظر عن البعد النفسي لا يكفي كي تتمكن من تحديد المعيارية للعمل الأخلاقي. فالعمل لا بد أن يتعنون بعنوان حتى يتسم بالأخلاقية، وينطبق عليه الصدق. موضوع علم الأخلاق هو هذا العمل المتعنون بهذا العنوان باعتبار أنّه من مصاديق عنوان الصدق مثلًا.

هل يكفي مجرد أن تعنون هذا العمل بعنوان الصدق حتى تتحقق المعيارية الأخلاقية؟ وماذا لو أنّ الخبر الصادق صدر عن الحجر، هل يقال إنّ هذا العمل أخلاقي؟

إنّ طبيعة العمل بحد ذاته ولو بعنوان الصدق الممدوح بشكل عام، نفس العمل حتى لو تعنون بعنوان الصدق لا يكفي لكي نحقق المعيارية الأخلاقية. لذلك نلاحظ أنّنا تارة نتحدث عن الفعل، وتارة أخرى نتحدث عن الفاعل. ونأخذ بعين الاعتبار في هذا الفعل الفاعل أيضًا في إطار عملية المعيارية الأخلاقية. فالتشريع، ومصلحة التشريع والاجتماع، تتطلب الفعل. أي أن يمارس الإنسان الصدق الفعلي لا الفاعلي، وإلا فلا يمكن أن يستقيم المجتمع إذا قام على الكذب والغش والخداع. ومن هنا يمكن أن نشرّع لهذا الصدق فنعاقب من يكذب قانونيًّا. لكن الصدق الذي يُمدح عليه الإنسان من العقلاء والناس هو الصدق الفاعلي لا الفعلي. هذا المقدار يكفي كي يمدح حتى لو تبيّن فيما بعد بأنّ الخبر كاذب بحسب الواقع، فالعبرة هنا كأنّها بالفاعل وليس بالفعل.

إنّ معيارية الفعل الأخلاقي بلحاظ الفاعل وليس فقط بلحاظ الفعل. وإلا قد لا يتحقق لحاظ الفعل. إنّ خبره غير مطابق للواقع ولكن باعتبار أنّ بينه وبين نفسه كان صادقًا يعتبر أنّه صادق أو أتى بالفعل. هل معيارية الصدق الأخلاقي ترجع إلى الفاعل أم إلى الفعل؟

هنا يأتي دور الإرادة والاختيار عند الإنسان. وعندما يتكلمون عن الإرادة يتكلمون عن المسؤولية الأخلاقية. والفعل الصادق هو الذي يصدق عن إرادة الإنسان فهو فعل مراد بخلاف فعل الحجر مثلًا. وهذا يعني أنّ الصدق له امتداد نفسي. علينا أن نبحث عن الأخلاق في النفس الإنسانية وفي إرادة الإنسان وفي الفاعل. لكن هل يكفي في أخلاقية الفعل مجرد أن يصدر عن الإرادة حتى لو صدر عنها بصعوبة، أم أنّ الأمر يتطلب أكثر من ذلك، كأن يكون هناك ملكة يصدر عنها الفعل. كنّا نتكلم عن علم ثم إرادة ثم عمل، ولكن هنا في عالم الإرادة أو ما يسبق عالم الإرادة، وأنا أتكلم هنا تحديدًا عن المخزون الذي يمتلكه الإنسان في العلم وفي الإرادة. قد يصل الإنسان إلى مرحلة رسوخ بعض الصفات الملكة؛ أي أنّ النفس تتصف بصفة. في هذا الاعتبار هل يشترط في معيارية الفعل الأخلاقي أن يصدر عن هذه الصفة الموجودة في النفس التي تطبّعت بها النفس أو التي ترسّخت في النفس، أم يكفي مجرد الإرادة بحدّها الأدنى، بحيث يصدر عنه الفعل بصعوبة مثلًا ولكن هذا المقدار يكفي؟

علماء الأخلاق عند المسلمين اشترطوا الملَكة. ورد للشيخ المظفر تفصيلًا في كلامه عن المشهورات، يقول: إنّ الملكة لا تحصل إلا عند القلة من الناس، ولكن المشهورات لا بد أنّها مشهورة عند جميع الناس، فكيف يمكن أن تكون الأخلاق مشهورة والحال إنّها ملكة لا تحصل إلا عند النادر من الناس؟ ويجيب عن هذه المسألة أنّ المقصود من الأخلاق هو الضمير والقلب السليم، وهو هذا الحس الفطري الذي زرعه الله في نفس الإنسان. هذا الحس موجود عند كل البشر حتى عند الناس الذين لا يمارسون الأخلاق وليس لديهم ملكة ولكن يمكنهم أن يمارسوا ضميريًّا ويعرفون أنفسهم بأنّهم على خطأ في نفس الوقت الذي يرتكبون فيه فعل الخطأ. وهي مشهورة من المشهورات حتى لو لم تكن الملكة حاصلة.

نتحدث هنا عن الملَكَة تحديدًا بما يعني أنّنا نستطيع أن نتحدث عن ثلاث أنواع من الحسن الأخلاقي أو القبح الأخلاقي على طريقة علماء الأصول:

النوع الأول: هو حسن الصدق الفعلي مثلًا، أو غير الصدق ولكن كفعل. هذا الفعل نستطيع أن نقنّنه، ونضبط أفعال الناس من خلال التشريعات التي تلاحظ المصلحة، ولكنها لا تشكّل أبدًا معيارًا أخلاقيًّا. لأنّ الأخلاقي وقضية الإلزام الأخلاقي، هو إلزام ينبع من الداخل وليس من الخارج فلا يمكنك وضع قانون للأخلاق وإلا تصبح تشريعات. ولا يمكن لك أن تلحظها على نحو العقوبة. فإذا كنت تريد أن تقول إنّ معيار الفعل الأخلاقي هو نفس الفعل يتعَنون بعنوان ويصبح أخلاقيًّا لا يمكن أن تقنّن له قانونًا وإلا تحوّل إلى تشريع وليس إلى أخلاق. لذا، أولًا نتحدث عن حسن الفعل الأخلاقي كفعل.

النوع الثاني: نتحدث عن حسن الفعل الأخلاقي، أي الصدق مثلًا، فهو حسن فاعلي وليس فعلي. عندما يصلون في علم الأصول إلى نقطة الاعتقاد أو الفاعل يقولون إنّه لا يوجد عقاب وثواب تشريعيّ وإنّما يوجد لوم أو مدح، ولكن لا يصل إلى مرحلة العقوبة والثواب. وهنا نتحدث عن المشهور.

النوع الثالث: وهو حسن الفعل الأخلاقي الصفتي أو الملكة. لا الفعل ولا الفاعل الاعتقادي وإنّما ملكة راسخة في النفس. أي أنّ النفس صارت متّحدة مع هذه الصفة مثلًا. وهنا نتحدث عن الواقع الأخلاقي، لا الواقع التشريعي ولا العقلائي، وإنّما عن الواقع الذاتي الأخلاقي. هنا تصل النفس إلى مرحلة لا تعود ترى فرقًا بينها وبين ما تطبّعت عليه. وهي ترى أنّ هذه الأخلاق واقعية بواقعيّتها إن صحّ التعبير. فإذا صدر عنها الفعل يكون الفعل أخلاقيًّا بلحاظ الصفة التي تلوّنت بها النفس.

لماذا نقدّس بعض القيم؟

أريد أن أقرأ هنا رواية، لأنّنا إذا ابتعدنا عن الروايات ودخلنا في التحليل قد نحرف الحوار بشكل عام.

في المروي عن الرسول (ص) أنّه قال: “يا علي ثلاث من مكارم الأخلاق، تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمّن ظلمك”.

وعن الإمام السجاد (ع): “وحلّني بحلية الصالحين وألبسني زينة المتّقين في بسط العدل وكظم الغيط وإطفاء النائرة وضمّ أهل الفرقة وإصلاح ذات البين وإفشاء العارفة وستر العائبة ولين العريكة وخفض الجناح”.

ولو أردنا قراءة الروايات قد نلحظ ثلاثة مراحل على قاعدة الحسن الفعلي، والحسن الفاعلي، والحسن الصفتي. لأنّه هناك مرحلة لا بدّ منها وهي تهيئة الأرضية للعمل الأخلاقي لينطبق معيار الأخلاق. على الأقل أن يُدفع السالب بالموجب. لأنّه لا مجال لدفع السالب بالسالب. والأمر الآخر هو التفاعل الحالي، بالنهاية صحيح هو قاطعني أو أساء لي فعفوت عنه. من جهتي تفاعلت معه، وهو تفاعل معي بمعنى عملية جذب للآخر بتأثير من الداخل. الصدق الداخلي والصدق الفاعلي لا يمكن لأي إنسان القيام بهذه العملية لأنّها تحتاج إلى نقاء داخلي ليتمكن من التأثير بالآخرين.

والنقطة الثالثة هي بناء الذات، بنفس هذه الروايات هي عبارة عن السمو الروحي والرقي الأخلاقي من ضبط النفس ومن خلال تجاوز الذات. فإذا أساء أضبط نفسي وأتجاوز حالة الانفعال. وهذه العملية لا يمكن أن يقوم بها الإنسان في لحظة الانفعال الطائش، بل هي تحتاج إلى الملكة وإلى تربية النفس.

في هذه اللحظة الأخلاقية العليا التي تجعله يضبط النفس، نكون أمام ثلاث مراحل يمكن أن تتشكّل على ضوئها معيارية للعمل الأخلاقي، وهي مرحلة الفعل التي يحكمها القانون.

نحتاج في عالم الفعل إلى القانون، وفي عالم التربية نحتاج إلى الفاعل لا الفعل، ولكن في عالم الأخلاق نحتاج إلى الملكة. وأنا أستحضر هنا أحد المطالب للدكتور زكريا إبراهيم يقول فيه: لدينا علوم نظرية وعلوم عملية، ومن جملة العلوم العملية علم الطب وعلم التربية وعلم الأخلاق. فلا يطلب الطب لأجل المعرفة فقط، بل لكي يمارس المهنة. وعلم التربية أيضًا. أما علم الأخلاق هو علم عملي فما الذي يميز علم الأخلاق عن هذه العلوم العملية؟ ويصل إلى العبارة أنّ ما يميز الأخلاق عن غيرها أنّ علم التربية يبحث عن الوسائل العملية، وعلم الطب أيضًا، وكل العلوم العملية تبحث عن الوسائل ما عدا علم الأخلاق يبحث عن الغايات.

عند مراجعة النصوص التي قدمها علماء المسلمين بشأن الأخلاق نلحظ أنّ الغاية هي كمال البشر وهي أرقى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان. بصرف النظر عن المعايير المختلفة، معيارنا هو الكمال والكمال هو السعادة والفضيلة. وهذا الكمال عندما تتكلم عنه مباشرة تتحدث عن الأخلاق. وهذا المعيار يضيء كثيرًا على ميزة أخلاقية يمكن أن تفصل فعلًا بينهم. وتصبح هذه العملية عندما تتكلم عن الأخلاق كملكة راسخة في النفس، فإنّ كمال الإنسان هو هذا المخزون الذي يمكن أن يستوعبه ويصل إلى حد الملكة. وكمال الإنسان أن يعيش هذه الملكة. فعندما نتحدث عن القيم التي هي عبارة عن أشياء يحتاج الإنسان أن يتطبّع بها لكي يتكامل أو يصل إلى الكمال فإننا نتحدث عن المعيارية الأخلاقية.

طبيعة العلم هو الذي ينطوي على قواعد عامة ثابتة، وهذا يستلزم الواقعية. وعندما يسأل هل الأخلاق قيم واقعية أو قيم اعتبارية؟ هو في عمقه هل الأخلاق علم أو ليس بعلم؟ وهذا يرجع إلى واقعية القيم الأخلاقية وعدم واقعيتها.

 


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
مكارم الاخلاقالأخلاق

المقالات المرتبطة

السيادة الشعبيّة الدينيّة

يذهب الإمام الخامنئي في خطابه الأخير، الذي ألقاه باللغة العربية أثناء خطبة الجمعة بطهران في 3/2/2012، إلى اعتبار شعوب العالم الإسلامي الذين يتعايشون مع الصحوة الإسلاميّة،

في الشعر والتصوف شذرات للنقاش

التقسيم التقليدي للعلوم يعين الشعر من الفنون الأدبية، والتصوف من المدارس الفلسفية لكن التجربتين الشعرية والصوفية تنهلان من مصادر مشتركة

أطروحات في الديمقراطية الدينية

كان طرحُ مفهوم “الديمقراطية الدينية” والجمعُ بين مفهوم الجمهورية الإسلامية، دعوة جديدة كسرت الحدودَ التي كانت مرسومةً من قبل في عالم الفلسفة السياسية.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<