الماء والحيوية الفلسفية في فكر طاليس الملطي

الماء والحيوية الفلسفية في فكر طاليس الملطي

مقدمة

إن الفكر الإنساني بصفة عامة ينشد البحث عن الحق والحقيقة، وتبادر الفلسفة عبر التاريخ لإعلاء شأن العقل البشري، وكان الأنبياء جميعًا مرسلين من الله تعالى لنشر التوحيد والعدل، وهما الميراث السماوي لأهل الأرض.

ولكن في الزمن السحيق شهد الأرض ميلاد حضارات خاصة في بلاد الأنهر مثل العراق ومصر والشام، وكل هذا جيد، وفي المقابل ظهرت الفلسفة اليونانية بكل ميزاتها وعيوبها، وبحث في الكون والسبب الأول في نشأة الكون والخلائق أجمعين، وانتقلت الفلسفة اليونانية من الإغريق إلى روما ومنها إلى باقي أوروبا، ولا نستنكف أن نقول: إن الفلاسفة المسلمين مثل الفارابي، وابن سينا، وابن رشد وغيرهم تأثروا بالفلسفة اليونانية عندما أنشأوا علم الكلام، وقام أبو الوليد بن رشد بشرح كتب أرسطو، وظلت أوروبا تعتمد على شروح ابن رشد ثلاثة قرون، وكان سببًا لنهضتها.

التعريف بطاليس الملطي

ويوجد عالم يوناني غير مشهور مثل شهرة أرسطو وأفلاطون، ولكنه أثّر كثيرًا في الفكر اليوناني والإنساني بصفة عامة، هو عالم رياضي وفيزيائي، وعالم فلك وفيلسوف يوناني من المدرسة الأيونية، وهو أحد العلماء السبعة عند اليونانيين، وهم: سولون الأثيني – خيلون الإسبرطي – طاليس – بياس من برييني – كليوبولوس من لندوس – بيتاكوس من ميثيليني – بيرياندر من كورث[1].

أُختلف في تاريخ ميلاده ووفاته، أشهرها في الفترة (624 – نحو 546 ق.م)، وُلد في مملكة مليطة اليونانية، وهو من ذرية قورموس بن أجنور من أهالي مدينة صور من أعمال الشام.

وكان سبب انتقال أهله لمليطة هو ظلم ملوك بلادهم حتى على صلحاء الناس، وحتى على أهل ذلك الفيلسوف، فلمّا أهانوهم خرجوا من بلادهم الشاميّة، وأقاموا بممكلة مليطة اليونانية[2].

وهو ما يؤكده ديوجانس اللايرتي في كتابه “حياة الفلاسفة“، نقلًا عن هيرودتس أنَّه ينتمي إلى عائلة نبيلة من أصول فينيقيَّة (أي شاميّة) استقرَّت أولًا في مدينة طيبة[3].

علومه

كان طاليس الملطي مشهورًا في القديم بتعاليمه الرياضية والفلكية وحصافته العلمية.

ويرد اسمه في كل إحصاء للحكماء السبعة، وهذا يدل على مدى التقدير، الذي كان القدماء يكنونه له، وقد حدث كسوف للشمس عام 585 ق. م، ويُقال إن طاليس تنبّأ به، وكان هذا عملًا فذًّا بالنسبة لفلك تلك الأيام، ولا بدَّ أنه كان مهندسًا عظيمًا، لأنه قام بتحويل مجرى نهر هالي[4]، وقد رفض طاليس الأخذ بالخرافات والأساطير، وقيل إنه تنبّأ بكسوف الشمس الكامل الذي ذكرناه.

زار مصر في إحدى فترات حياته، وتعلَّم هناك الهندسة الرياضية، ومساهمات طاليس في الهندسة الرياضيَّة موثَّقة جيدًا، وهو ما يجعله أوَّل رياضيّ إغريقي معروف، وقد اكتشف عددًا من النظريات الهندسية.[5]

العالم الفيلسوف

طاليس أول عالم وفيلسوف يوناني، لأنه حاول أن ينقّي منهجه من الشوائب والعوالق التي ما كانت أن تتفق مع نظرته العلمية والفلسفية، فكان المفكّرون والعلماء قبل طاليس كثيرًا ما يزاوجون بين دربين مختلفين، فكانوا يمزجون بين الأساطير والخرافات والممارسات السحرية والطقوس والمعتقدات الدينية من جهة، وبين العلوم والفلسفة من جهة أخرى.

الماء في فكر طاليس

علاوة على ذلك، فإن طاليس قد انطلق يفسر العالم والوجود من خلال مبدأ مادي بحت وهو “الماء”، الذي اعتبره المادة الأولى التي انبثق منها الوجود بجميع مظاهره المختلفة، فالماء هو المادة الوحيدة التي يعرفها الإنسان بغير صعوبة في الأحوال الثلاث: الصلبة، والسائلة، والغازية[6].

ولذلك، نجد أن طاليس قد وضع، ولأول مرة المسألة الطبيعية وضعًا نظريًّا بعد محاولات الشعراء واللاهوتيين، فشق للفلسفة طريقها، ووصل إلى هذه الفرضية أن الماء هو المادة الأولى، والجوهر الأوحد الذي تتكون منه الأشياء[7].

ووضع أول لبنة في تشييد وبناء الصرح العلمي العظيم، الذي يقوم أساسًا على التجربة والمشاهدة الحسية، يقول برتراند رسل: “وقول طاليس أن كل شيء مصنوع من الماء، يمكن اعتباره فرضًا علميًّا، وليس هو بالقول الهراء… والمدرسة الملطية على الأقل كانت تأخذ باختبار تلك الفروض اختبارًا قائمًا على التجربة الحسية”[8].

ويرى أرسطو أن طاليس هو المؤسس الأول للفلسفة الطبيعية، حيث يقول: “إن طاليس هو مؤسس هذا النوع من الفلسفة، الذي يقول بأن المبدأ هو الماء، وذلك هو السبب في إعلانه أن الأرض تطفو فوق الماء”[9].

رأي أرسطو في علوم طاليس

حاول أرسطو أن يتحسس الأسباب والدوافع التي أوحت لطاليس هذه الفكرة بقوله: “ربما جاء بهذا الرأي بعد أن شاهد أن غذاء كل شيء رطب، وأن بذور كل شيء ذات طبيعة رطبة، وأن ما يتولد منه كل شيء هو دائمًا مبدؤها الأساسي”[10].

والإجابة الأكثر وضوحًا في قول طاليس نفسه: “إن النبات والحيوان يتغذيان بالرطوبة، ومبدأ الرطوبة الماء، فما منه يتغذى الشيء فهو منه بالضرورة، ثم إن النبات والحيوان يولدان من الرطوبة، فإن الجراثيم الحية رطبة، وما منه يولد الشيء فهو مكون منه، بل إن التراب مكون من الماء ويطغى عليه شيئًا فشيئًا، كما يشاهد في الدلتا المصرية وفي أنهار أيونية، حيث يتراكم الطمي عامًا بعد عام، وما يشاهد في هذه الأحوال الجزئية ينطبق على هذه الأرض بالإجمال، فإنها خرجت من الماء وصارت قرصًا طافيًا على وجهه كجزيرة كبرى في بحر عظيم وهي تستمد من هذا المحيط اللامتناهي العناصر الغازية التي تفتقر إليها، فالماء أصل الأشياء”.

وكان طاليس يعتقد أن: كل جزء في العالم حي، وأن المادة والحياة وحدة لا ينفصل أحد أجزائها عن الآخر، وأن في النبات والمعادن “نفسًا” خالدة كما في الحيوان والإنسان، وأن القوة الحيوية تتغير صورتها ولكنها لا تموت أبدًا، وأن المغناطيس حي لأن فيه قوة تحريك الحديد.

تعدد الإلوهية عند طاليس

أما بالنسبة للإلوهية، فتنسب لطاليس مقولة “الكون مليء بالآلهة”، وهو ما شرحه الدكتور مصطفى النشار، يقول: “وثمة قول آخر ينسبه أرسطو إليه وهو يقول: إن العالم مليء بالآلهة”.

وقد فسره أرسطو في كتابه “النفس” بأن طاليس ربما عنى بذلك أن للعالم نفسًا، ويمكن القول بأن هذه العبارة التي وردت على لسان طاليس، تعبّر عن الاتجاه السائد بين الفلاسفة الطبيعيين آنئذٍ، وهو الذي كان يرى في المادة قوة حيوية دافعة[11].

وتتفق أميرة حلمي مطر في تفسير تلك المقولة التي نسبت لطاليس، تقول: إن قول طاليس بأن الكون مليء بالآلهة يجب ألا يفيد أي نزعة دينية ثيولوجية عنده، لأن المادة كانت تتسم عند القدماء بالحياة، ولهذا وصف مذهبه بالنزعة الحيوية، وهي نزعة سادت معظم مذاهب القدماء في المادة”[12].

حكمة طاليس

اشتهر طاليس في عصره بالحكمة وسمّي بالحكيم، ومن بعض حكمه، أنه سُئل عن أصعب الأشياء، أجاب “أن تعرف نفسك”، وسُئل عن أسهل الأشياء قال: “أن تسدي النصح”.

وعندما سُئل عن الله قال: “هو ما ليس له بداية ولا نهاية”، وسُئل كيف يستطيع الناس أن يعيشوا عيشة الفضيلة والعدالة فأجاب: “ألا نفعل نحن ما نلوم غيرنا على فعله”[13].

ومات طاليس وهو يشاهد مباراة في الألعاب الرياضية.

إن الفيلسوف اليوناني طاليس الملطي له إسهامات علمية رائدة في كثير من المجالات، وشخصية فلسفية فريدة تستحق البحث والدراسة.

تعريف بالكاتب

دكتور محمد حسيني الحلفاوي.

طبيب وباحث تاريخي.

نشر أهم مقالاته في مجلة روزا اليوسف المصرية.

له عدة مؤلفات منها:

  • فتاوى داعش وبوكو حرام.
  • عقل الإخوان.
  • ألغام في طريق المواطنة.

[1] طاليس الملطي، تاريخ الفلاسفة، ترجمه عن الفرنسية: السيد عبد الله حسين، القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2007، الصفحة 5.

[2] المصدر نفسه، الصفحة5.

[3] Lawson Russell M-Science in the Ancient World: An Encyclopedia– Santa Barbara – California, Denver Colorado, and Oxford, England – 2004 -ABC CLIO p.234 – 235.

[4] ولتر ستيس، تاريخ الفلسفة اليونانية، ترجمه عن الإنجليزية: مجاهد عبد المنعم مجاهد، القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1984، الصفحة 29… وقد ظهرت الطبعة الأولى للكتاب 1920 ولكن المترجم اعتمد عن نسخة عام 1953 الصادرة عن دار ماكميلان بلندن.

[5] منير بعلبكي،  معجم أعلام المورد، بيروت: دار العلم للملايين، الطبعة 1، 1992، الصفحة 274.

[6] حسام المنفي، طاليس الملطي أول الفلاسفة الإغريق موقع الحوار المتمدن، http://www.ahewar.org/debat، 21 إبريل 2015.

[7] د. مصطفى النشار، فكرة الإلوهية عند أفلاطون وأثرها في الفلسفة الإسلامية والغربية، القاهرة: مكتبة الأنجلو مصرية، 1997، الصفحة 39.

[8] برتراند رسل، تاريخ الفلسفة الغربية، ترجمه عن الإنجليزية: زكي نجيب محمود، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، المجلد الأول، الصفحة 63.

[9] د. مصطفى النشار، تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي، القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر، 2000، الجزء الأول، الصفحة104.

[10]ويل ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة: محمد بدران، القاهرة: مكتبة الأسرة، 2001، المجلد السادس، الصفحة 252.

[11] د. مصطفى النشار، فكرة الإلوهية عند أفلاطون، مصدر سابق، الصفحة 41 .

[12] د. أميرة حلمي مطر، الفلسفة عند اليونان، القاهرة: دار النهضة العربية، 2007، الصفحة 76.

[13] د. أميرة حلمي مطر، الفلسفة عند اليونان، مصدر سابق، الصفحة 46.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
طاليسالفلسفةالماءابن رشدأرسطو

المقالات المرتبطة

مفهوم الوجود المتعالي تأسيس عريق لرؤية مبتكرة

تمثّل فلسفة الوجود، كما أصّل لها ملا صدرا، انقلابًا، من حيث إنّها أطاحت بمكانة أصالة الماهية التي قال بها كل

مفهوم اليسار الإسلامي في فكر الدكتور حسن حنفي

بدأ مشروع المفكّر حسن حنفي – على ما نعلم – من الوجهة الأُعلومية (الإبستمولوجية) مع ترجمته لكتاب سبينوزا “رسالة في

المهدي (عج)، الانتظار، والتمهيد

لا ريب أن الاعتقاد في المهدي/المخلص لا يختص بالإسلام أو بالمذهب الشيعي الاثني عشري، وإنما يمثل مشتركًا عقائديًّا يؤمن به العديد من أبناء الديانات سواء الإبراهيمية أو غيرها،

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<