مصادر المعرفة من دراسة التوثيق إلى توثيق الدراسات/ مقاربة أولية

مصادر المعرفة من دراسة التوثيق إلى توثيق الدراسات/ مقاربة أولية

أغلب المعارك الفكرية والمعرفية التي تدور رحاها حول الوجود تعود في جذورها إلى مصادر المعرفة البشرية، وما يترتب على هذه المصادر ويبتنى على أساسها كل مسارات البشر في هذه الحياة، ورسم معالم عيشهم من السياسة إلى الاجتماع إلى الاقتصاد، بل إلى كل شيء يخص مسار الإنسان في هذه الدنيا.

ولست هنا بصدد استقراء شامل لكل المدارس وتفرعاتها شدةً وضعفًا انطلاقًا من مصادر المعرفة وتصنيفات هذه المدارس ووفقها، لكنني سأسلط الضوء على المدرسة الإسلامية، التي تبنت مصادر معرفة تلفت في منطلقاتها عن باقي المصادر.

وكان محور الخلاف بين الجميع هو الله وصلاحياته ومداها، كون منطلقات تبني أي مصادر ستؤول في نهاية المطاف إما للاعتراف بوجود الله وامتداد صلاحياته للانهاية، أو نكران وجوده بالأصل، أو الاعتراف بوجوده وتضييق مساحات صلاحياته في التشريع والتوجيه.

لذلك اعتبرت نظرية المعرفة من حيث مصادرها وقيمتها من أهم مقدمات كل العلوم، بل هي قاعدة الانطلاق لكل العلوم الفوقية، وهنا تكمن خطورة الأمر وعظم مسؤولية المتصدين في مجالات المعرفة والعلم.

المدرسة الإسلامية ومصادر معرفتها

تبنّت المدرسة الإسلامية بكل تفرعاتها خمس مصادر للمعرفة، لكنها تباينت شدةً وضعفًا في مراتب تلك المصادر وأهميتها وقيمة كل مصدر، وتقدم أحدها على الآخر.

وما يهمنا هو فقط مصادر المعرفة التي اعتمدتها المدرسة الإسلامية.

اعتبرت هذه المدرسة أن مصادر المعرفة البشرية هي:

  • الحس.
  • التجربة.
  • العقل.
  • النقل (القرآن والسنة التي يمثلها الحديث).
  • الوجدان.

حجية الحديث: توثيق وتصنيف

وسأسلط الضوء على مصدر المعرفة المتمثل بالنقل، وبالذات الأحاديث الشريفة التي تنقل لنا سنة النبي (ص) من قول وفعل وتقرير. وحجية الحديث تعتمد على سنده ومتنه، بمعنى أن يجتمع فيه صحة السند والمتن.

وقد خاض علماء الإسلام لأجل موضوع السند معارك رجالية طويلة خاصة كلما ابتعدنا عن عصر التشريع، وظهرت وفقًا لذلك مدارس، ومناهج، وأدوات كثيرة، وثقّت رجالًا وضعّفت آخرين، ثم مع التقادم ظهرت وثائق تاريخية جديدة وثقّت بعض الضعفاء وضعّفت بعض الأقوياء، هذا فضلًا عن تطور العلوم وعلم الآثار ومناهج قراءة التاريخ، والتي كشفت للباحثين ثغرات كبيرة في طرق النقل ورجالها، وملابسات تلك العصور، وهو ما جعل هذا المصدر المعرفي طريقًا شائكًا طويلًا للحصول على يقين أو علم مفيد للاطمئنان.

وهذه التجربة النقلية وما رافقها من صعوبات عاشها الباحثون بأنفسهم، تكشف لنا عن أهمية ليس فقط دراسة التوثيق، بل أهمية توثيق كل هذه الدراسات توثيقًا محكمًا يمنع أي محاولات مصادرة وتحريف وسرقة أو حتى طمس، مع تعدد وسائل النقل والتوثيق والحفظ اليوم، خاصة أن دراسة هذه التوثيقات كشفت للباحثين الصعوبات التي تواجههم من حيث البحث والتحقق، أو حتى من حيث إحراز الاطمئنان بالصدور، أي في بعدها الخارجي التحقيقي أو في بعدها النفسي التوثيقي.

وهو ما يدفعنا لعدم تكرار هذه المعاناة مع الأجيال القادمة، ومحاولة تلافي كل الأخطاء المقصودة أو غير المقصودة التي وقع بها أسلافنا، وتلافي كل المخاطر التي كانت سببًا في اندثار وثائق أو محوها أو تحريفها.

ولدينا هنا مرحلتين في موازاة بعضهما البعض:

  1. المرحلة الأولى: وهي توثيق كل الدراسات التي تمت بخصوص علم الرجال (الأسانيد)، ومناهج البحث الجديدة، وكل ما طرح من إشكاليات واقعية على مناهج البحث القديمة وعلى الأسانيد، وكيفية معالجتها، والأدوات التي توصّل لها الباحثون للوصول إلى أقرب قيمة توثيقية.
  2. المرحلة الثانية: توثيق تاريخنا المعاصر وكل أحداثه العلمية، وكل تفاصيله السياسية والاجتماعية والاقتصادية، توثيقًا محكمًا، وحفظه في عدة طرق تضمن عدم تحريفه وانتقاله من جيل إلى جيل، وعمل تشفيرات توثق المصدر والصدور لتوفر جهدًا على الأجيال في البحث وتوثيق الصدور. وهو ما يتطلب تخصيص مركز بحثي لتوثيق الدراسات ودراسة التوثيقات، والقيام بأرشفتها وفق أحدث الطرق التي يمكنها الحفاظ على دقة الناقل وتوثيق المنقول، وهناك نظم جديدة اليوم كالتشفير الصوتي والصوري وحتى الرقمي، يمكنها تجاوز عقبات الماضي في التوثيق، والتأسيس لمنهج توثيق متطور يتلافى كل محاولات التزوير والتحريف والاختراق، خاصة للدراسات الموثقة، والتوثيقات التي تمت على كل الدراسات الحديثية السابقة.

واليوم، هناك وسائل مبتكرة يمكنها فعليًّا حفظ المعلومات والدراسات بطريقة مشفرة، ووضع شيفرة محددة لكل دراسة تؤكد صدورها وحفظها من التحريف، وهو ما يتطلب جهدًا تكنولوجيًّا وبحثيًّا وكتابيًّا باستخدام أحدث المناهج في القراءة التاريخية، لتوثيق راهننا وملابساته، وتوثيق دراستنا البحثية حول الحديث وطرق إثبات حجيته، وهو أيضًا ما سيوفر جهدًا كبيرًا على الأجيال اللاحقة، ويقلّل مساحات التشكيك في التراث التي أوقعنا في عصرنا اليوم رهينة المطالبات بها، وأدخلت كثير من جيل الشباب في تشكيكات كبيرة، نتيجة عدم منهجية التراث وإعادة بنائه وفق قواعد علمية رصينة تزيل عنه التشكيك، وتوثق صدوراته الصحيحة، وتغربل الغث من السمين، دون رمي الغث ولكن دون اعتماده كحجة مع عدم وجود قرائن تثبت حجيته حاليًّا.

بما يعني عمل تصنيف منهجي للتراث من حيث شدة التوثيق والوثوق، بحيث يحفظ كل ما وصل إلينا من تراث، لكنه أيضًا يميز بين ما هو موثوق الصدور، وما هو لا قرينة فيه ولا له، بالتالي مشكوك الصدور.

لذلك حتى لا يقع اللاحقين فيما وقعنا به بسبب السابقين، على المختصين الالتفات لهذا الموضوع، والمباشرة في عمليات توثيقية محكمة لكلا المرحلتين، والمراكمة عليها كلما تقدمت التكنولوجيا لتنقل من جيل إلى جيل بطريقة علمية مصنفة تصنيفًا منهجيًّا، شريطة العمل بروح إجمالية منفتحة على كل المصادر الحديثية، وما أعنيه بالروح الإجمالية، هو أن يقبل الشيعة بصحة مجمل ما جاء في مصادر السنة الحديثية، كما يقوم السنة بقبول صحة مجمل ما جاء في مصادر الشيعة الحديثية، والإجمال يحل معضلة مهمة في التوثيق والوثوق من حيث منهج الاستقراء المنطقي، وفي ذات الوقت يحافظ على كل التراث الإسلامي، ولكن وفق تصنيفات علمية تميّز بين ما هو حجة وما هو ليس كذلك، خاصة مع وجود مشتركات قاعدية مهمة في نظرية المعرفة، وهو اعتبار الحديث مصدرًا من مصادر المعرفة البشرية عند كل المسلمين، ولكن الاختلاف يكمن في تفاصيل كل مدرسة في مصنفاتها السندية، وفي منهج التوثيق، وهو ما يمكن معالجته من خلال هذا النوع من التوثيق، الذي تم اقتراحه في هذه الورقة الأولية. وقد يعالج هذا النوع من التوثيق إشكاليات كبيرة في مشروع الوحدة الإسلامية، ويقدم خطوة هامة للأمام في وحدة الصف وتقليل الفجوة بين الفرق الإسلامية معرفيًّا.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
مصادربشريةمدرسةدراساتتوثيقتصنيفإسلاميةمعرفة

المقالات المرتبطة

الأصول الدينيّة للفنَّين الإسلاميّ العربيّ والفارسيّ

لا شكّ أنّ احتواء جانب واحد من متحف يبرر استخدام تعبير “فنّ الشرق الأدنى”، غير أنّ المسيحيّين التزموا لفترة طويلة، استخدام تعبير “الفنّ المحمّديّ”

إدمُند هُسِرل: أصلُ الزمانِ وتكوُّنُه

يقتضي التأويلُ الفِنُمِنُلوجيّ للزمان جُهدًا خاصًّا إذ لم تُفرِد المنظومةُ الفِنُمِنُلوجيّة “فئةً” خاصّةً في موضوعه.

إيران الاقتدار… ونهج العرفان الصوفي

داخل مدينة نائية من مدن إيران، وفي مجالس علم وزهد وعرفان صوفي تقوائي، نما وترعرع شابٌ على مدارج التكامل العلمي في دراساته الدينية، والتي جمع فيها دراسة العلوم الشرعية كالفقه والقانون الإسلامي، والعلوم العقلية من علم كلام وفلسفة، والعلوم الروحية التي تتمثّل بالعرفان الصوفي. وهذا العلم الأخير يذهب بعيداً في دراسة الطرق التي يجاهد فيها المرء نفسه ليهذّبها، ويفتح منها سبل العلاقة المعنوية مع الله سبحانه وتعالى، وهي المسمّاة عند أهل هذا الفن بالسير والسلوك.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<