﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾

﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾

قال الله تعالى في كتابه الكريم في سورة البقرة: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (سورة البقرة، الآية 203).

لا شك أن “أيامٍ معدودات” التي ورد ذكرها في القرآن الكريم هي هذه الأيام المباركات من شهر ذي الحجة وفيها يستنفر الناس من كل بقاع الأرض لأداء فريضة الحج. وكما تشير الآية فقد أمر الله حجّاج بيته الحرام بالذكر في هذه الأيام المعدودات ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُـمْ آبَاءَكُـمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾، ولكن من البديهي أنّ هذا الذكر يجب أن لا يقتصر على هذه الأيام المعدودات، بل أراد الله للإنسان أن يتزوّد في هذه الأيام حتّى يكون في حالٍ دائمٍ من الذكر في جميع أوقاته وحالاته فقال تعالى: ﴿واذكروا الله ذكراً كثيرا﴾.

وهناك الكثير من الآيات التي يأمر الله فيها عباده بالذكر الدائم وهو القائل جلّ جلاله: ﴿أذكروني أذكركم﴾. ولهذا ينبغي على الإنسان أن يكون دائمًا في حال ذكرٍ لله فإن لم يفعل أصبح ممن وصفهم الله جلّ جلاله في كتابه الكريم ﴿نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ (سورة الحشر، الآية 19)، ولا يجب أن يغفل الإنسان ولو طرفة عين عن ذكر الله تعالى وهو حصنه الحصين وكهفه وجاره اللصيق وهو الخالق البارئ المدبِّر المصوّر العزيز الجبّار.

ومما يُستحب فيه الذكر في أيام الحج أن يكثر الحجّاج من قول: “الله أكبر  الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر أكبر ولله الحمد”، وكذلك من ترداد التلبية وهي “لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك”.

ولأن الإسلام خاتم الرسالات هو دين التوحيد الخالص وهو دين واضحٌ بيّن يحضّ على التوحيد العملي وليس فقط التوحيد اللفظي البياني، ولأنه لا كهنوت في الإسلام، بل إن أوامر الله تعالى تشترط اتباع السبيل الحق والعمل الصالح والابتعاد عن اتباع نهج الظالمين والمفسدين في الأرض كشرط وحيد لقبول الأعمال وخلاص الإنسان. وأمر الله واضح وصريح في هذا المجال حينما أمر نبيه محمد (ص) بحضّ المؤمنين على العمل الصالح والنهي عن الفساد واتباع سبيل المفسدين بقوله جلّ جلاله في كتابه الكريم في سورة التوبة ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.

وقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا﴾، وفي سورة يونس: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾.

فعندما يأتي الأمر بالذكر وبالتكبير في جموع غفيرة من حجّاج بيت الله الحرام فقد يكون ذلك لأثره الإيجابي المقوّي والمثبّت في قلوب هذه الجموع المسلمة التي أتت من كل حدبٍ وصوب لتؤدي شعيرة الحجّ الواجبة على كلّ مسلم. وقد أوجبها الله جلّ جلاله لحكمة، ففي الوقت الذي ترسل الدول موفديها من سفراء وبعثاتٍ دبلوماسية وتدفع الأموال الطائلة لكي ترسل رسالتها إلى تلك الدول وشعوب تلك الدول فإنّ الله جلّ جلاله جعل الحج للمسلمين فريضةً لهم لكي يجتمعوا عند بيته الحرام حيث أرادهم الله أن يأتوه بأنفسهم، فلا يصحّ حجّ أحدٍ عن آخر حي والهدف من ذلك أن يجتمعوا في تلك الأرض المباركة ليسمعوا الرسالة. أيّ رسالة؟!

قال الله تعالى في كتابه الكريم في سورة الحج: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾.

وأمر الله “أذّن في الناس”؛ أي: يا إبراهيم أعلِم ونادِ في الناس “بالحجِّ” لماذا يا ربّ؟! لكي ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾.

وإن سأل سائلٌ لماذا الحج؟ ولماذا يجب أن يأتي الناس من كل مكان بعيد لأداء فريضة الحج؟ يأتي الجواب على ذلك مباشرةً في الآية التالية من سورة الحج ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾؛ واللام هنا للتعليل أو الغاية والجار والمجرور متعلق بقوله: “يأتوك”؛ والمعنى هو أن على الناس أن يأتوك لشهادة منافع لهم أو يأتوك فيشهدوا منافع لهم، ومنافع هنا نكرة لأنها قد أُطلقت ولم تتقيد بالمنافع الدنيوية أو الأخروية ولعلّها لكليهما.

وهذا هو مضمون وغاية الرسالة الإبراهيمية التوحيدية وليست كما يصفها دعاة “الديانة الإبراهيمية” الممسوخة والتي انتشرت مؤخرًا وفيها حاول أعداء الدين تشويه “الرسالة” وأصل فكرة التوحيد ليأتي دفاع الله عن رسوله ونبيّه إبراهيم في آيات بيّنات من القرآن الكريم فهي لم تكن المرة الأولى التي يسعى فيها هؤلاء لتشويه رسالة نبي الله إبراهيم التوحيدية، بل لقد كان هذا ديدنهم منذ عهد رسول الإسلام بقوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة آل عمران، الآية 67). وكذلك في قوله جلّ جلاله: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة آل عمران، الآية 68).

ولهذا لا تختصّ هذه الآيات فقط بذلك الوقت أي وقت نزولها، بل إنّ القرآن كتاب الله وهو كلام الله ووحيه الحيّ فينا وآياته التي تُفسّر وتؤوّل في كل وقتٍ وزمان. ولعلّ في هذه الهجمة الشرسة ممن أطلق نظرية “الديانة الإبراهيمية” هذه هو توظيفها للتآمر على الدين الإسلامي وأتباعه لغايات السيطرة وبسط النفوذ الاحتلالي الإمبريالي على منطقتنا، وذلك عبر تطويع الشعوب المسلمة وحقنها وتسميم أفكارها ومبادئها بأفكار لا تخدم سوى الأعداء ومن أراد ويريد الأذى بشعوبنا وبأمتنا. فلا ترى من آثار وثمار هذه النظرية المسماة بالديانة الإبراهيمية إلا الكيد بالإسلام والكيل بمكيالين ومحاولات التطويع لأمتنا الإسلامية، وهو ما ظهر جليًّا بعدما تلا ذلك من تفاهمات تطبيع مع العدو الصهيوني المحتل للأراضي الإسلامية في فلسطين ولبنان وسورية ومن تزوير للتاريخ وسعي لتقوية واستدامة الاحتلال على حساب أهل الأرض من الفلسطينيين، بل وحضّ المسلمين في الدول الإسلامية على الرضوخ والاستسلام والتطبيع مع من سرق واحتل الأرض وما زال ماضيًا في غيّه يدعمه صمت الصامتين وتآمر المتآمرين ممن ضلّ سعيهم من طلائع وحكام هذه الأمة.

إنّ الإسلام هو دين التوحيد العملي وليس التوحيد اللفظي والقلبي فقط بدليل أمر الله تعالى بالعمل ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا …﴾ (سورة التوبة، الآية 105).

وكذلك في سورة العصر التي يقسم فيها الله بالعصر ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.

واللام في الآية إنما هي للتأكيد والجزم بأنّ الإنسان خاسرٌ خاسر ما لم يقم بما عليه من عملٍ صالح. وتكمل الآية الكريمة ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ لتؤدي الرسالة الربّانية الآمرة بالعمل مع الإيمان، وكذلك بأن العمل لا ينفصل عن التواصي بالحقّ والتواصي بالصبر، وهذا هو نفس وعين الدعوة السابقة التي أتت في آيات الحج المباركات، فالقرآن كتاب الله وكلامه الحي يفسّر بعضه بعضًا، فإن كانت الدعوة بالآذان للحجّ لكي يأتي الناس رجالًا وركبانًا من كلّ فجٍّ عميق؛ أي من كل أصقاع وبقاع الأرض، فإنّ ذلك لأهداف سامية منها أن يتواصوا بالحقِّ ويتواصوا بالصبر تطبيقًا لأمره تعالى ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. ولو أراد الناس اليوم أن يتواصوا بالحق وبالصبر فهل هناك أكثر من قضية المسلمين الأولى والاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين وأرض أولى القبلتين و﴿الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ لكي يتواصوا بها؟! وهل هناك عملٌ صالحٌ اليوم أكثر وأكبر من الوقوف مع الحقِّ ومع أطفال المسلمين الذين يُقتّلون ويُذبّحون وتُقطّع أشلاءهم في فلسطين بيد محتلٍّ غاشم في مجازر يومية يندى لها الجبين؟!!

وهل هناك رسالة إبراهيمية توحيدية عندما يعلو صوت الحجاج بنداء “لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك “؟

أكثر هدفًا وأصوب معنىً من أنّ البيت الذي أمر الله الناس بالحجّ إليه رجالًا وركبانًا؛ أي مشيًا وركوبًا في وسائل النقل هو لله وحده، وأنّ الأمر والنهي له وحده جلّ جلاله وليس للفراعنة القتلة المجرمين ولكل داعمٍ وساكتٍ وتابعٍ لهم من هذه الأمة حكّامًا ومحكومين؟! وعندما يصدح صوت الحجّاج بالتكبير وبالتهليل فهذا بالتأكيد ليس شعائر ذكرٍ ظاهرية عمياء، وليست مراسيم كهنوتية والإسلام أول من حارب الكهنوت والشعائر الظاهرية بأن أوجب النية للعمل، بل وأوجب الإخلاص في النية للعمل كما أوجب القصد والاختيار في الفعل والقول قبل كل فعلٍ وقول، فعندما يأمر الله الناس بقوله: ﴿واذكروا الله﴾ بالتكبير والتهليل فذلك لكي تصل تلك الرسالة التوحيدية الإبراهيمية الحقيقية الخالصة من نبي الله إبراهيم “الأوّاب” كما وصفه الله جلّ جلاله، وأن الله أكبر فعلًا لا قولًا من كلّ أصنامهم وآلهتهم التي اخترعوها فكسرها نبي الله إبراهيم على نبيّنا وعليه السلام. وعندما يصدح صوت الحجّاج بالتكبير وبالتهليل ينبغي إدراك هذه الرسالة الحقّة بكلّ معانيها الواضحة وضوح الشمس، وبأنّ الله حقًّا وصدقًا أكبر من كلّ فراعنة العصر الذين يقتلون ويضطهدون المستضعفين في فلسطين ولبنان والعراق واليمن وفي كل مكان وأنّ الحكم الحقيقي لله وحده شاء من شاء ذلك وأبى من أبى. وعندما تتعالى هتافات التكبير والتهليل في الحج يجب أن يكون ذلك مترادفًا بالشعور الواقعي الداخلي الحقيقي المتمثّل بأنّ الله وحده هو من يدافع عن المؤمنين حقًّا ولو بعد حين، وأن الله حقًّا ينصر من نصره ويخذل من خذله وذلك تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (سورة محمد، الآية 7). وعندما يقوم الحجّاج برمي الجمرات على نصب الشيطان هناك يجب أن يتمثّل في أذهانهم شياطين الإنس من حكّام وفراعنة على اختلاف صورهم وأشكالهم وألوانهم ومذاهبهم، وهم الذين يريدون أن يحرّفوا أتباعهم معهم عن طريق الحق. وكذلك يجب أن لا ينسى هؤلاء الحجّاج كما جميع الناس من المسلمين الموحّدين أن عمق وحقيقة الرسالة الإبراهيمية المحمّدية التوحيدية الأهم اليوم هي قضية المسلمين الأولى، وهي ما يتعرض له المسلمون في فلسطين من قتل وتنكيل وتشريد ومجازر يومية على أيدي أعداء الإسلام الصهاينة المحتلين وكل من يعينهم ويؤيدهم من الدول الرأسمالية المتغطرسة، وكذلك من حكام هذه الأمة الذين ضلّوا السبيل وجعلوا من هذه القضية قضية جانبية هامشية فتبعتهم شعوبهم للأسف خلافًا لما يريده الله، وخلافًا لمبدأ التوحيد الإبراهيمي المحمّدي في القول والفعل .

وعندما يقوم الحجّاج في الحج بتقديم الأضاحي يجب أن لا ينسوا أطفال فلسطين الذين يعانون بشكلٍ يومي ويموتون من المجاعة نتيجة الحصار المفروض عليهم من الدولة الصهيونية المارقة والمتحدّية لكل القوانين والشرائع الدولية، كما يجب على هؤلاء أن يندّدوا ويدينوا من يتآمر ويعين الاحتلال على غيّه من حكّام العرب الذين يمدّون الاحتلال بشرايين الحياة فيما هم يقطعون ويمنعون ذلك عن أهل وأطفال فلسطين.

في الحديث المروي عن ابن عباس أنّه “بعد أن أتى الأمر بالآذان بالحج، أجابه كل من كان يحج من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات: لبيك اللهم لبيك. فأول من أجابه أهل اليمن فهم أكثر الناس حجًّا”.

* كاتبة لبنانية.



المقالات المرتبطة

المرأة والتربية العاشورائيّة في لبنان

عاشوراء في العالم كانت ولا تزال مناسبة للمسلمين الشيعة لإحياء التاريخ بدلالاته الحسينية المستمرة عبر الأجيال من خلال استحضار الشهادة وانتصار الدم على السيف

إبستمولوجيا الوحي عند العلامة الطباطبائي

لمّا كان للخلقة غاية، وهي العبادة، فإنّ الهداية، ولا بد، ملازمة للخلقة.

حتمية الوعد الإلهي بالموعود

الأديان والمذاهب اتفقت على أن المخلّص يكون في آخر الزمان يبسط العدل والرخاء، ويمنع الظلم بين البشر وينشر الأمان الاجتماعي والاقتصادي والأمني، وينشر العلم بكافة جوانبه،

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<