(تأصيل أدب الإقبال على الله وأدب العودة إليه)
تُعدّ العلاقة بين العبد وخالقه جوهر الوجود الإنساني، وهي مسيرة روحية عميقة تُختزل في مفهوم “الرحلة إلى الله”. يذهب الشيخ محمد مهدي الآصفي (رحمه الله) في كتابه الموسوم بـ “مع العبد الصالح” إلى تأصيل هذه العلاقة ضمن إطار منهجي يقوم على ثنائية أساسية: رحلة الإقبال ورحلة العودة.
يؤكد الآصفي أن نجاح العبد في بلوغ غايته في كلتا المرحلتين يتوقف على التزامه بـ “الأدب والأصول الخاصة بكل رحلة”.
إن هذا التصنيف ليس مجرد تقسيم نظري، بل هو فقه عملي لأحوال القلوب ومقامات السالكين، يستند إلى نصوص الشريعة وذخائر الأدعية المأثورة. تسعى هذه الدراسة إلى تقديم تأصيل علمي لهذا المنهج، مستنيرة بطرح الشيخ الآصفي، ومحلّلة لمفاهيم الأدب في سياق السير والسلوك إلى الله.
أولًا: أدب الإقبال على الله، مقام الطلب والرجاء.
تُمثل رحلة الإقبال على الله المرحلة الأولى من السير، وهي حالة المبادرة من العبد نحو ساحة القدس الإلهي، متخذًا فيها مقام الراغب الطالب والمخبت الوافد. إنها رحلة تتسم بالصفاء والتوجه الكلي، وهي تحتاج إلى أدب خاص يتناسب مع عظمة المُتَوَجَّه إليه وجلال حضرته. كما أشار الشيخ الآصفي، فإن الأدب هنا هو منهج وأصول، وهو القناة التي يمر عبرها صدق التوجه ليبلغ الإجابة.
عناصر أدب الإقبال على الله من النصوص المأثورة.
يتجلى هذا الأدب في أرقى صوره في النصوص الشريفة، كفقرات من زيارة أمين الله، والمناجاة الخامسة (مناجاة الراغبين). يمكن استخلاص العناصر الأساسية لأدب الإقبال في الآتي:
– اليقظة القلبية والوله الروحي: يُشير النص إلى أن “قلوب المخبتين إليك والهة”، فالإقبال ليس مجرد عمل حركي أو لفظي، بل هو حالة قلبية من الوله (الحب الشديد الذي يبلغ الذهول)، والإخبات (الخشوع والطمأنينة). هذا الوله هو الوقود الداخلي للسير.
– الرغبة الصادقة ووضوح القصد: “وسبل الراغبين إليك شارعة، وأعلام القاصدين إليك واضحة”. هذا العنصر يؤكد أن الطريق إلى الله مفتوحة لمن صدق في رغبته وقصده، والإقبال يعني أن يحدّد السالك وجهته بوضوح نحو مرضاة الله وجنابه.
– الاستسقاء والاعتراف بالفضل الإلهي: يظهر هذا بوضوح في المناجاة، “مستسقيًا وابِلَ طُولِكَ، مُستَمطِرًا غمائم فضلِكَ”. هذا الأدب هو الإقرار بأن الإقبال نفسه هو توفيق من الله ومنحة، وأن العبد لا يملك لنفسه إلا الطلب، وأن المنبع الأصيل لكل خير هو “طول الله” أي فضله وإحسانه. هو أدب الافتقار الإيجابي الذي لا يمنع من الطمع في الكرم الإلهي.
– الوفود إلى الحضرة الإلهية: “وافدًا إلى حضرة جمالك، مريدًا وجهك، طارقًا بابك”. يوحي هذا التعبير برمزية الضيف الوافد على مضيف كريم، وهو أدب الاستئذان في الدخول على الله تعالى، مع التعبير عن أسمى الغايات وهي رؤية وجه الله والتمتع بـحضرة جماله.
إن أدب الإقبال هو فن الطلب الجميل، حيث يجمع العبد بين الطمع في الإحسان والرغبة في الامتنان، مقدّمًا نفسه كـمخبت يرى في سعة رحمة الله ما يشرع له سبل الوصول.
ثانيًا: أدب العودة إلى الله، مقام الانكسار والاستغفار.
تختلف رحلة العودة إلى الله عن رحلة الإقبال في طبيعة الحال النفسية للسالك، فالعودة تأتي بعد التقصير والإسراف على النفس، أي بعد وقوع الذنب والابتعاد. هذه الرحلة تُجسد مفهوم التوبة، وهي رحلة نفسية عميقة تتطلب أدبًا خاصًّا يعكس حقيقة حال العبد المذنب أمام مولاه. يُشبّه الشيخ الآصفي (رحمه الله) حال العائد بحال العبد الآبق الذي يرجع إلى مولاه، وهذا التشبيه يضع الإطار النفسي والشرعي لأدب العودة.
عناصر أدب العودة إلى الله من النصوص المأثورة.
تستمد عناصر هذا الأدب من الأدعية المأثورة الجامعة لحالات التوبة والانكسار، وأبرزها فقرات من دعاء كميل ودعاء الأسحار في شهر رمضان:
– الاعتراف الشامل بالذنب والانكسار: يستهل العبد عودته بـ”معتذرًا، نادمًا، منكسرًا، مستقيلًا، مستغفرًا، منيبًا، مقرًّا، مذعنًا، معترفًا”. هذا السيل من الصفات المتتالية يجسّد حالة التوبة النصوح، حيث لا يكتفي العبد بمجرد القول، بل يستحضر:
– الاعتذار والندم: وهو الشعور الداخلي بالأسف.
– الانكسار والمسكنة: وهو المظهر الخارجي للتذلل.
– الاستقالة والاستغفار والإنابة: وهي الفعل الإرادي لطلب العفو والعودة.
– الإقرار والإذعان والاعتراف: وهو الإقرار التام بالمسؤولية عن التقصير.
– الإحساس بفقدان الملجأ غير الله: “لا أجد مفرًّا مما كان مِنّي، ولا مفزعًا أتوجه إليه في أمري غير قبولك عذري، وإدخالك إياي في سعة من رحمتك”. هذا الإدراك هو جوهر التوحيد في التوبة، حيث يتيقن العبد أنه لا مأوى له من الله إلا إليه، فيكون الفرار إلى الله وليس الفرار منه.
– التضرع والتلوذ والاستجارة: تتجلى هذه الحالة في دعاء الأسحار، “يا رب ارحم دعائي، وتضرعي، وخوفي، وذلّي، ومسكنتي، وتعويذي، وتلويذي”. هذه مفردات تدل على أقصى درجات الاستكانة والاحتماء بالربوبية، فـ”العائذ” و”المستجير” و”المستغيث” هو من يرى نفسه محفوفًا بالخطر (النار)، ولا يجد إلا حماية المولى وسعة رحمته.
إن أدب العودة هو أدب الانكسار والتذلّل، وهو بمثابة جسر العبور الذي يُرمّم به العبد علاقته مع ربه بعد الانقطاع، مُقدمًا توبته مصحوبة بـالخجل والحياء والذل اللازمين لحال العبد الآبق العائد.
ثالثًا: تأصيل العلاقة بين الرحلتين، أدب العبودية الكامنة.
يؤكّد منهج الشيخ الآصفي على أن كلتا الرحلتين، الإقبال والعودة، هما في حقيقتهما مظاهر لأدب العبودية الشامل. فـالرحلة إلى الله هي مسيرة تكامل الإنسان التي تبدأ بتعلم أدب العبودية، وتنتهي بـالتفويض الذي هو قمة التوحيد وغياب “الأنا” في إرادة الله.
الإقبال: هو أدب العبودية في حال الطاعة، حيث يتوجب على العبد أن يأتي بحالة من الإخبات والرغبة والاستحقاق المتواضع الذي يرى فضل الله في كل خطوة يخطوها.
العودة: هي أدب العبودية في حال التقصير، حيث يتحتم على العبد أن يأتي بـالندم والانكسار والذل، ليعترف بذنبه ويعود إلى أصل العبودية التي تقوم على الخضوع المطلق.
إن الأدب في كلتا الحالتين هو الذي يمنع العبد من الوقوع في آفتين مهلكتين، آفة العُجب والغرور في حال الإقبال والطاعة، وآفة اليأس والقنوط في حال العودة والتوبة. ففي الإقبال يمنعه الأدب من رؤية عمله، وفي العودة يمنعه من رؤية ذنبه دون رؤية رحمة الله.
رابعًا: المنهج الدعائي في تأصيل الأدب السلوكي.
إن الاعتماد على النصوص الدعائية المأثورة (كزيارة أمين الله، ودعاء كميل) في استنباط أصول الأدب الروحي يُعدُّ منهجًا علميًّا رصينًا في الفكر الشيعي، حيث تُعتبر هذه الأدعية مدرسة لـتعليم المقامات والأحوال والسلوك الإنساني في علاقته بالله. إن هذه النصوص ليست مجرد عبارات للتضرع، بل هي بيانات فقهية لـكيفية مخاطبة الحضرة الإلهية، وهي تُقدم مفردات الأدب (الوله، الاستسقاء، الانكسار، الإقرار) كـشروط قبول للتوجه الإنساني، سواء كان توجهًا للطلب أو توجهًا للتوبة.
خلاصة القول: إن الفقه الروحي الذي قدّمه الشيخ محمد مهدي الآصفي، بتأكيده على ثنائية الإقبال والعودة، يُرسّخ حقيقة أن الأدب مع الله هو شرط السير وغاية القرب. فكما أن الأدب يُشرّع سبل الوافدين المخلصين، فإنه يُعيد الأمل للعائدين المنكسرين. إن هذه الرحلة لا تُقاس بطول الطريق، بل بـصدق الأدب الذي يحمله القلب في كل خطوة نحو الله.
المرجع الأساسي لهذا الطرح: الأفكار والمحاور المستخلصة من كتاب “مع العبد الصالح” للشيخ محمد مهدي الآصفي (رحمه الله).
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
