رحلة عصام العماد من السلفية إلى التشيع في كتاب هزّ أسئلة التوحيد والسلطة والهوية الإسلامية
في تاريخ السجالات الفكرية والمذهبية المعاصرة، ظهرت عشرات الكتب التي ناقشت العلاقة بين السلفية والتشيع، غير أن القليل منها استطاع أن يثير ما أثاره كتاب (التشيع في القرن العشرين) للدكتور عصام العماد، فالكتاب لا يكتفي بعرض الأفكار أو المقارنة بين المذاهب، بل يقدم شهادة شخصية لتجربة فكرية عاشها مؤلفه بنفسه، وهو ما منحه حضورًا خاصًّا في النقاشات الإسلامية الحديثة.
العماد، يروي في كتابه رحلة طويلة من التساؤلات والمراجعات الفكرية انتهت بانتقاله إلى المدرسة الإمامية، ومن خلال هذه الرحلة يحاول أن يجيب عن سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه شديد العمق في نتائجه، كيف يفهم المسلم حقيقة التوحيد؟ وهل يمكن أن يؤدي اختلاف فهم التوحيد إلى اختلاف في الموقف من السياسة والسلطة والعدالة الاجتماعية؟
منذ الصفحات الأولى، يتضح أن المؤلف لا يريد الدخول في مقارنة فقهية أو جدل مذهبي تقليدي، بل يسعى إلى طرح قضية أوسع تتعلق بصورة الله في الوعي الإسلامي المعاصر. ولذلك اختار عنوانه الأصلي (التوحيد في القرن العشرين)، قبل أن يُعرف لاحقًا بعنوان (التشيع في القرن العشرين)، فالقضية الأساسية التي تشغله ليست مجرد الانتقال من مذهب إلى آخر، بل الانتقال من فهم معين للتوحيد إلى فهم مختلف له.
يرى العماد أن التوحيد في الفكر الإسلامي ليس مفهومًا نظريًّا مجردًا، ولا قضية لغوية أو كلامية تُبحث في الكتب فقط، بل هو الأساس الذي تتفرع منه رؤية الإنسان للحياة والمجتمع والسياسة والتاريخ، ومن هذا المنطلق يقارن بين ما يصفه بتوحيد الإمام الخميني، وتوحيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، معتبرًا أن كل واحد منهما يمثل مشروعًا فكريًّا متكاملًا له نتائجه العملية في الواقع.
ويذهب المؤلف إلى أن الإمام الخميني قدّم قراءة للتوحيد تجعل الإنسان في مواجهة دائمة مع الظلم والاستكبار والاستبداد، بينما يعتقد أن المدرسة الوهابية ركزت بصورة أكبر على قضايا الشرك والبدعة ومظاهر التدين الشعبي، ومن هنا يحاول تفسير الاختلاف الكبير بين الثورة الإسلامية في إيران بوصفها حركة سياسية واجتماعية كبرى، وبين التجربة السلفية التي يراها أكثر اهتمامًا بإصلاح العقيدة الفردية.
هذه الفكرة تشكل العمود الفقري للكتاب كله، فالمؤلف لا ينظر إلى الثورة الإسلامية الإيرانية بوصفها حدثًا سياسيًّا فحسب، بل يعتبرها نتيجة طبيعية لرؤية معينة للتوحيد، لذلك يربط باستمرار بين العقيدة والحركة الاجتماعية، وبين الإيمان بالله ومواجهة قوى الهيمنة العالمية، وبين العبادة والدفاع عن المستضعفين.
ومن أبرز الموضوعات التي يناقشها الكتاب قضية العرفان الإسلامي، فالعماد يعتقد أن فهم شخصية الإمام الخميني لا يمكن أن يكتمل دون فهم الخلفية العرفانية التي شكّلت جانبًا مهمًّا من تكوينه الفكري والروحي، ولهذا يخصص صفحات واسعة للحديث عن العرفان، محاولًا التمييز بين ما يسميه (العرفان القرآني)، وبين بعض أشكال التصوف التي يراها بعيدة عن روح الإسلام.
وبحسب رؤية المؤلف، فإن الإمام الخميني لم يكن عارفًا منعزلًا عن المجتمع، بل جمع بين التجربة الروحية والعمل السياسي، لذلك يرفض العماد الصورة النمطية التي تجعل العرفان مرادفًا للانعزال أو الابتعاد عن قضايا الناس، ويرى أن التجربة الخمينية قدمت نموذجًا مختلفًا يجمع بين السلوك الروحي والالتزام بقضايا الأمة.
وفي هذا السياق تظهر واحدة من أهم أطروحات الكتاب، وهي أن معرفة الله لا تنفصل عن الموقف من الإنسان، فكلما تعمّقت العلاقة بالله، ازداد الشعور بالمسؤولية تجاه المظلومين والمحرومين، ومن هنا يحاول المؤلف أن يربط بين مفهوم التوحيد، وبين مفاهيم العدالة الاجتماعية والتحرر ومقاومة الهيمنة.
كما يتوقف الكتاب عند عدد من القضايا الخلافية التي طالما أثارت الجدل بين السنة والشيعة، مثل الاتهامات المتعلقة بتحريف القرآن أو بعض المباحث الفلسفية والعرفانية، ويحاول العماد أن يقدم ردودًا على هذه الاتهامات من خلال قراءة مباشرة لنصوص علماء الإمامية، معتبرًا أن كثيرًا من الصور المتداولة عن التشيع تشكلت نتيجة سوء فهم أو نقل غير دقيق.
ومن الجوانب اللافتة في الكتاب أن المؤلف لا يكتفي بالنقد الفكري، بل يروي تفاصيل من تجربته الشخصية داخل البيئة السلفية، فهو يتحدث عن المناهج التي درسها، والأسئلة التي واجهته، والكتب التي أثرت في مسيرته، ثم ينتقل إلى وصف تجربته في الحوزة العلمية بمدينة قم وما رآه من اختلافات فكرية وثقافية هناك.
هذا الحضور القوي للسيرة الذاتية يجعل الكتاب أقرب إلى شهادة فكرية منه إلى دراسة أكاديمية تقليدية، فالقارئ لا يتابع فقط عرضًا للأفكار، بل يتابع أيضًا مسار إنسان يحاول إعادة بناء قناعاته وفهمه للدين والعالم، وربما كانت هذه السمة أحد أسباب انتشار الكتاب، إذ يجد فيه القارئ قصة فكرية حية أكثر مما يجد فيه بحثًا نظريًّا جافًا.
ومع ذلك، فإن الكتاب لا يخلو من الجدل، فالنقاد الذين يقفون بالضد من الثورة الإسلامية الخمينية يرون أن المؤلف ينطلق من موقف منحاز بصورة واضحة إلى الإمام الخميني والمدرسة الإمامية، وأن المقارنة التي يقدمها لا تمنح الطرف الآخر المساحة نفسها من العرض والتفسير، كما يعتبر بعض الباحثين أن الكتاب أقرب إلى المرافعة الفكرية منه إلى الدراسة المقارنة المتوازنة.
لكن حتى مع هذا الاعتراض، تبقى أهمية الكتاب قائمة، فهو يكشف عن طبيعة الأسئلة التي شغلت عددًا من الباحثين والمثقفين المسلمين خلال العقود الأخيرة، ويعكس حجم التأثير الذي أحدثته الثورة الإسلامية الإيرانية في العالم الإسلامي، كما أنه يقدم نموذجًا لفهم الكيفية التي يمكن أن تؤدي بها التحولات الفكرية إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية والسياسية للفرد.
ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة الكتاب باعتباره وثيقة فكرية عن مرحلة كاملة من تاريخ المنطقة، فالقرن العشرون لم يكن قرن الصراعات السياسية فقط، بل كان أيضًا قرن الصراعات حول معنى الإسلام ودوره في المجتمع والدولة، وقد جاءت تجربة الإمام الخميني والثورة الإسلامية لتطرح أسئلة جديدة حول العلاقة بين الدين والسياسة والسلطة، وهي الأسئلة التي يجدها القارئ حاضرة بقوة في صفحات الكتاب.
في المحصلة النهائية، لا تكمن أهمية (التشيع في القرن العشرين) في كونه يدافع عن التشيع أو ينتقد السلفية فحسب، بل في كونه يعكس رحلة بحث عن المعنى، إنها رحلة تبدأ بسؤال التوحيد، ثم تمتد إلى أسئلة السلطة والهوية والعدالة ودور الدين في الحياة العامة، ولذلك بقي الكتاب حاضرًا في النقاشات الفكرية بعد سنوات طويلة من صدوره، بوصفه شهادة على واحدة من أكثر التجارب الفكرية إثارة للجدل في العالم الإسلامي المعاصر، وتجسيدًا لمحاولة فهم الله من خلال مدرستين تركتا أثرًا عميقًا في تاريخ المسلمين الحديث.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
