الأفكار الدينية والفلسفية للإسماعيلية الفاطمية (التنظيم والمذهب)
1 . أهمية الكتاب وصعوباته من خارج عالم المسلمين
يُعتبر هذا الكتاب الأساس النظري الذي بناه الحبيب الفقي بشكل متكامل. وذلك لأنه في هذا الكتاب صاغ أطروحة علمية للحصول على الدكتوراه بإشراف أستاذه روجيه أرنلداز. وقد عبّر الفقي في مدخل كتابه هذا عن أهم صعوبة اعترضت مهمته العلمية وهي ندرة المصادر المتعلقة ببحثه. وغياب المصادر يؤدي غالبًا إلى إعلان توقف البحث واستحالة إنجازه. فالكتب الحقيقية والأصلية للإسماعيلية، كما يقول الفقي، لا توجد إلا عند بعض الأفراد الإسماعيليين، وعليه فهي ليست في متناول الباحثين[1].
وفي هذا القول دلالات مهمة وإشارات تعكس حقيقة البحث في المسألة الإسماعيلية التي قد يعود بعضها إلى ظاهرة التقية المنتشرة في المذهب، وإلى اختفاء هذه الكتب وعدم إظهارها للابتعاد من أي شكل من أشكال التواصل معهم. فالمعلوم تاريخيًّا وواقعيًّا في العالم الإسلامي، وإلى اليوم أيضًا، انتشار المواقف المتعصبة والمنغلقة التي تحكمها عقائد وأيديولوجيات تحول دون دراسة الأفكار دراسة علمية موضوعية بعيدة عن مواقف الإقصاء والحكم بتكفير المخالفين. فالتفكير الفلسفي يتغذى دومًا من خلال علاقته بالواقع العلمي والديني والسياسي. وإن الادعاء بأن الفلسفة لا تقوم على أرضية دينية، أو تشترط الابتعاد عن الدين ادعاء لا علاقة له بواقع الفلسفة والفلاسفة في تاريخها القديم والحديث والمعاصر. وبما أن الإسماعيلية الفاطمية فكرة دينية إسلامية في أصولها، فإن الناظرين إليها لا يستطيعون الولوج في أعماقها إذا انطلقوا من مسلّماتهم العقدية. كما لا يستطيعون إدراك أعماقها الفلسفية في الوجود والإنسان إذا بقوا مشدودين إلى فكرة خاطئة عن الفلسفة والتفلسف.
وأمام شح المصادر، خصص الفقي فصلًا لدراسة طبيعة المصادر التي اعتمدها وكشف عن طبيعتها. والناظر في هذا الفصل، يلاحظ أن الفقي واجه فعلًا مشاكل عديدة جدًّا للحصول على مصادر موثوقة متصلة بالإسماعيلية حقيقة، أي صادرة عنهم وليست حكاية عنهم. فأكثر هذه المصادر الإسماعيلية لا تزال مخطوطة، ولم تعرف النور بعد، بسبب القوى المهيمنة والموجهة للفكر والثقافة، دينًا وفكرًا والتي تخضع لسلطة أهل السنة من جهة، وسلطة المذاهب الشيعية الأخرى من جهة أخرى. فالواقع الإسلامي يعيش هذا الصراع وهذا الإقصاء. وأمام هذا الواقع المغلق يقول الفقي: “إن وثائقنا التي سنستعملها غير منشورة غالبًا وغير معروفة إلا القليل منها”[2].
وهذا يدعو الباحث ضرورة إلى بذل جهد مخصوص في العودة إليها، لأن التعامل مع المخطوطات يختلف منهجيًّا مع التعامل مع المصادر المحقّقة والمطبوعة. وهو ما اجتهد الفقي بشكل فعّال في إنجازه. فقد ذكر لنا قائمة مهمة من المصادر الإسماعيلية التي اعتمدها. والناظر فيها يلاحظ أن المستشرقين هم الذين أخرجوها، وكتبوا فيها، أو حققوها ونشروها، أو حافظوا على أصولها الورقية الأولى، باعتبارها من المخطوطات النادرة والمهمة اهتمام المستشرقين. ونخص بالذكر منهم أعمال ماسينيون، وإيفانوف، وبول كراوس، وهنري كربان.
ويعين الفقي في هذا الفصل أيضًا عددًا مهمًّا من أعلام الإسماعيلية الذين كانوا موضع اهتمامه نذكر منهم بعض الأسماء مثل:
– أبو حاتم الرازي: صاحب مؤلفات عديدة من أشهرها كتاب الزينة وعالم النبوات. واتهمه مخالفوه بالإلحاد. ويذكر الفقي بأنه اعتمد على مخطوط له عنوانه كتاب الإصلاح، وهو الكتاب الذي سيكون محل قراءة نقدية من طرف الكرماني بعد ذلك في كتابه الرياض.
– أبو يعقوب السجستاني: صاحب كتاب الينابيع، وكتاب كشف المحجوب الذي كتبه بالفارسية، وكتاب إثبات النبوات (مخطوط)، وكتاب الافتخار.
– القاضي النعمان المغربي: وهو فقيه فاطمي، من إفريقية، صاحب كتاب دعائم الإسلام.
– جعفر ابن منصور اليمن: وهو من الدعاة الإسماعيليين في اليمن، وصاحب كتاب التواريخ والسير، وكتاب الكشف، وكتاب العالم والغلام….
– حميد الدين الكرماني: وهو من أشهر الإسماعيليين الذين خدموا فلسفتها، فطوّرها ودقّق مسائلها وعمّقها. ويمكن اعتباره أشهر منظري الفلسفة الإسماعيلية. ومن أشهر كتبه؛ كتاب راحة العقل، وكتابه الرياض، إلى جانب كتب عديدة أخرى لا تزال مخطوطة من أهمها: الرسائل ….
– المؤيد في الدين الشيرازي: ويعتبره أستاذنا الفقي الحجة وباب الإمام المستنصر بالله، الخليفة الفاطمي. ومن أهم مؤلفاته يذكر لنا كتابه الديوان، وكتابه السيرة، إلى جانب دروسه التي جمعت تحت عنوان المجالس.
– الخطاب ابن الحسن: وهو من دعاة اليمن، ومن أهم مؤلفاته: رسالة النفس، وكتابه غاية المواليد، وهو يتناول المرئي واللامرئي في الوجود.
– إبراهيم بن الحسن الحميدي: وهو الداعي المطلق الثاني في اليمن، ومن أهم مؤلفاته يذكر لنا: تحفة القلوب، وكتابه مفاتيح الكنوز، وتنبيه الغافلين وغيرها..
– رسائل إخوان الصفاء: وهي موسوعة ضخمة تضم رسائل فلسفية عالجت مسائل الفلسفة اليونانية، وعالجت المسائل الدينية المتصلة بالنبوة والإمامة والمجتمع المثالي. وحسب الفقي، هناك من اعتبرها من رسائل الإسماعيليين الفلسفية، إلا أنه يدحض هذا الاتجاه، ويعتبرها رسائل تعبّر عن الفكر الشيعي عمومًا، وليس الإسماعيلي بوجه خاص. هذا مع الإشارة إلى أن الإسماعيليين استعملوا هذه الرسائل في كتاباتهم، ووظفوها لدعم أفكارهم وتأويلاتهم.
من الواضح أن الحبيب الفقي قد حاول جمع ما توفر عنده من مصادر بعضها مطبوع، وأغلبها مخطوط للإحاطة بفلسفة الإسماعيليين وأفكارهم الدينية والسياسية، واستعملها فعلًا في أطروحته. وهو ما يجعل من هذا الكتاب استثناءً في عالم المعرفة، عمومًا، والفلسفية منها بوجه خاص. فمن المعروف المتداول أن أكثر مصادر الباحثين ومراجعهم تكون مطبوعة ومعروفة. إلا أن هذا البحث يستعمل عناوين أغلبها مخطوطات غير معلومة، أي إنها غير معروفة، وعليه مجهولة تمامًا في عالم البحث العلمي وقتها. ولكن الغريب في الأمر والمثير أن أغلب الكتب المطبوعة كتب محققة، أو منشورة من طرف المستشرقين، نذكر منهم على وجه خاص ما كتبه المستشرق فلاديمير إيفانوف (Wladimir Ivanov)، وخاصة مؤلفه موجز في تطور الإسماعيلية (A Brief Evolution of Ismailism)، ليدن 1952 (Leide1952)، وكتابه: الأدب الإسماعيلي: دراسة ببليوغرافية، الطبعة الثانية الموسعة من “دليل الأدب الإسماعيلي”. (Ismaili Literature, A Bibliographical survey. A second amplified edition of’ A guide to Ismaili Literature).
وغيرها من المؤلفات المختصة، وأكثرها في الفلسفة الإسماعيلية.
وجميع هذه الملاحظات المهمة التي أثارها الفقي تكشف لنا أن البحث العلمي الدقيق في فلسفة الإسلام والمسلمين محفوف بصعوبات كبيرة جدًّا، لأن عالم الاستشراق استحوذ على أهم المصادر، ويتحكمون بها تحقيقًا ونشرًا، ولا نعلم أي شيء عن مدى صحة ما حققوه ونشروه، فضلًا عن مدى صحة ما حللوه وكتبوه. ومع ذلك على الباحث الرصين، المؤمن بمهمته ونفسه، أن يقوم بالأمر كما يجب، وفق ما يراه كل منهج ملائم وتحرّ ضروري. وقد أدرك الفقي هذا الأمر وهذه الصعوبات، خاصة وأن موضوع البحث غير مرغوب فيه في عالم أهل السنة، لأن الطوائف والمذاهب جميعًا مغلقة، لا ترى إلا نفسها، ولا تقدر على تجاوز ذلك. وهذا عبر عنه الفقي حين تحدث عن أهل السنة، في سياق سرده لتاريخ الإسماعيلية، الصريح والخفي.
- أهمية الكتاب وصعوباته من داخل عالم الإسلام
في فصل خاص بتحليل مواقف المذاهب المعارضة للإسماعيلية، تناول الفقي عن موقف مذهب أهل السنة تحت عنوان: “السنيون”، وفيه لخص ما ذكره علي بن الوليد في كتابه المختصر؛ إذ ذكر مواقف أهل السنة كما هي في عيون الإسماعيليين. وخلاصة موقف السنيين أنهم أهل الظاهر، ولم يتجاوزوا شكله ورسمه. ويشبههم بالحشويين الذين بقوا مشدودين إلى حواسهم دون قدرة على تجاوزها، فأساؤوا إلى الشريعة وأساؤوا إلى الله. فهم يرفضون العيني كما يرفضون العقلي ولا يعنيهم إلا ظاهر اللفظ. وفيهم “جهل فظيع باللسان والواقع والعقل”. وفي هذا الموقف بيان لما يمثله أهل السنة من خطر في نظره على الإسلام ذاته، لرفضهم التأويل، مثل حديثهم المشين عن الله عندما يجسمونه من خلال وصفهم إياه بالغضب والفرح، وكل الوصف المادي الذي يطلقون على الآخرة واليوم الآخر، وكأنه يوم دنيوي آخر … وغيرها من المسائل والرؤى التي لا تتجاوز التصور المادي والحسي للذات الإلهية وأفعالها واليوم الآخر وصورتها، بل واللوح المحفوظ، وأعمال الملائكة وأفعالهم، وكأنهم كائنات مادية تعيش حياة البشر.
وفي هذا تأكيد بأن الإسماعيليين ينادون بنظرة عقلية للنص القرآني والحديث النبوي، من أجل الوصول إلى حسن فهم المعنى المراد للذات الإلهية وأفعالها. وهذا لا يعني أن العقل عندهم – قادر وحده على تجاوز صعوبات فهم المسائل الإلهية، وإنما نحن نحتاج إلى قوة أخرى ومنبع روحاني الذي يجب أن يبقى خفيًّا ومتسترًا على العامة. وهذه القوة هي قوة التأويل بما هي مصدر باطني للمعرفة. وهي القوة التي فصلت نوعيًّا بين أهل السنة والإسماعيلية. فالمعلوم أن أهل السنة لا يبعدون التأويل كليًّا، وإنما ينسبونه إلى الرسول فقط، بينما هم يمارسون التأويل بمعنى التفسير أو التعليق الخارجي. بينما التأويل الإسماعيلي وخلافًا للتفسير، هو تعليق باطني صادر عن الإمام. وهذا يقتضي اعترافًا بوظيفة الإمام الروحية شبيهًا بالنبي الذي يتلقى الوحي من العالم الأعلى. وهذا هو الفرق الثاني الفاصل بين أهل السنة والإسماعيلية.
وبهذا اتضح حسب الإسماعيليين أن أهل السنة ابتدعوا أمورًا ليست من الإسلام. فهم أضافوا إلى مَصْدَري الإسلام، أي القرآن والحديث، مصدرين آخرين هما: القياس والاجتهاد والاستحسان والإجماع. وواجهوا مسائل لم تكن معروفة في عهد النبوة، ورأوا أن البحث فيها لا يكون إلا باستعمال الرأي، رغم غياب الإجابة في القرآن والسنة. ولم يكن أهل السنة متفقين حتى في هذه الأسس التي ابتدعوها. فالشافعي مثلًا – يرفض الرأي والاستحسان، وأحمد بن حنبل يكتفى بالتقليد مبعدًا قدر الإمكان التفكير الفردي؛ بينما ستقوم مبادئ الإسماعيلية على مبدأ الإمامة، لأن الإمام عندهم الضامن الوحيد في التشريع. وبهذا يبعدون أي تدخل إنساني في وضع القوانين الإلهية. فكل شيء نظمه النبي قرآنًا وحديثًا. وأن أي شيء آخر يبقى بيد الوصي الذي بدوره يورثه إلى وريثه، فالأئمة هم أمناء الشريعة الإسلامية، وهم وحدهم الذين يتولون بيانها [3].
بالرجوع إلى أصول التفكير والتشريع عند أهل السنة، في ضوء عرض الشيعة الإسماعيلية لها نلاحظ أن علماء الإسماعيلية يوجهون نقدهم المباشر إلى تلك الأصول لبيان فسادها أولًا، ولتأكيد حجية ما ذهبوا إليه. ففي كتاب “الهادي والمستهدي”، قدّم الكرماني نقدًا مهمًّا لمنهج أهل السنة في التشريع، معتمدًا على آية قرآنية رآها بليغة واضحة ومباشرة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (سورة النساء، الآية 105). فالنبي لا يجتهد ولا يعطي رأيه وتفسيره وفكره في الآيات، وإنما يفهمها ويطبقها وفق وحي الله أيضًا. فلا رأي إذن، ولا قياس ولا اجتهاد، ولا إعمال فكر شخصي، في ذلك كما يقول أهل السنة. وبما أن الشريعة كاملة كما يؤكد الكرماني، معتمدًا الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (سورة المائدة، الآية 3)، فهذا يعني أن المعلم موجود دائمًا، كما أثبت القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (سورة النساء، الآية 59). وحسب الكرماني لا تكون الحكمة لغائب. وعليه، لا يمكن استعمال القياس والنظر والاستدلال والاستحسان والرأي. وعلى عكس هذا، يجب علينا أن نقبل الخضوع والسعي، أكثر من أي وقت مضى، لأن أسس الدين لا تزال في حوزتنا[4]. وبهذه الصورة يفند الكرماني أصول المذهب السني.
ولم يكن نقد الإسماعيليين لأهل السنة منفصلًا عن نقدهم للمعتزلة، ونقدهم للفلسفة والفلاسفة الذين اعتبروهم زنادقة وملحدين. ومع ذلك يعترف الإسماعيليون ببعض التيارات الفلسفية التي تقر بالوجود الإلهي رغم تعدد أقوالهم في علاقة الله بالعالم سواء قالوا بالخلق أو الفيض أو وحدة الوجود. بل إن الإسماعيليين يقولون ببعض هذه الأقوال أيضًا، ولا يرون فيها مخالفة للإسلام.
ولبيان الأمر على نحو دقيق ومناسب للمسائل الإسماعيلية ومواقفهم يحلّل الفقي نظريتهم في المعرفة ويوجزها في نقاط مهمة يمكن ضبطها على النحو التالي:
أن العلم ينقسم إلى نوعين هما: علم الظاهر، وعلم الباطن. أما علم الظاهر فينقسم بدوره على خمسة أجزاء وهي:
أولًا: علوم الفقه والأحكام: وهي العلوم التي توفر للإنسان حياته الدنيوية في انسجام تام مع الدين الحق.
ثانيًا: علم الحديث والتاريخ: أي الأخبار والروايات والنظر في أسانيدها، لأنها المحافظة على الشريعة، والمؤسَّسة للشريعة.
ثالثًا: علم القرآن والتفسير والنظر في المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والأمر والنهي.
رابعًا: علوم التذكير والقصص.
خامسًا: علم الجدل والكلام: فهو المجال الذي يسمح للمسلمين الدفاع على الدين ضد أقوال الزنادقة والملحدين والفلاسفة الذين يعتقدون في أبدية الزمن؛ وهم الدهرية.
- وأما علم الباطن، فهو علم متنوع جدًّا ويشمل:
أولًا: علم المحسوس: وهو يضم الحدود الدنيا للممارسات الدينية وللتأويل، ومعرفة جميع ما يتعلق بالعالم المحسوس.
ثانيًا: العلم الوهمي: وهو يتعلق بالفكر، ويتمثل في معرفة الحدود العليا، والأعداد، ومعرفة الرموز الموجودة في العلوم العينية، لأنها رموز غير مرئية، لا يمكن الإحساس بها، أو تصورها إلا بالخيال الحقيقي؛ أي الوهم والفكر.
ثالثًا: العلم المعقول: وهي علوم حقائق الأشياء وأسبابها وبداياتها ومصيرها. وهذه الدرجات الثلاث في المعرفة يناسبها ثلاث درجات تخص تطور المستجيب، وهي:
- الدرجة الأولى، وتتعلق بالمبشر. وتناسبه العلوم الحسية التي يجب تعليمها.
- والمنطوق. الدرجة الثانية، وتناسب التربية. وهي ضرورة للموهومين، أي العلوم الخيالية وعلوم البيان.
- الدرجة الثالثة، وتناسب اتحاد العقل مع المستجيب، حتى يحقق نضجه وبلوغه. ويشعر بمسؤوليته عن أفعاله. وهو ما يناسب البلوغ حقًّا حيث تكون المعرفة فيه مستقرة وبالفعل.
إلى جانب هذه الدرجات التي تؤكد ضرورة تحصيل المعارف الحسية والعقلية بجميع مكوناتها الرياضية والطبيعية وغيرهما، هناك من الإسماعيليين من يؤكد نوعين من المعارف: أحدهما العلوم المتصلة برحلة الحياة الدنيا؛ وعلوم ثانية أو نوع ثان من العلوم المتصلة بالرحلة في الحياة الآخرة؛ أي العلم الدنيوي والعلم الأخروي.
ورغم هذا الاتفاق العام الذي يجمع جميع الإسماعيليين، فإن هذا لا يعني أنهم يكونون فريقًا واحدًا وموحدًا؛ ذلك أن الإسماعيليين منقسمون فيما بينهم، وبينهم اختلافات جزئية جعلت المذهب الإسماعيلي يتطور تاريخيًّا حتى ظهور الفاطميين وبعدهم.
- القيمة العلمية لهذا الكتاب
لقد بذل أستاذنا جهدًا خاصًّا في تتبع المذهب الإسماعيلي بمختلف تنوعاته ومدارسه، ومن جميع جهاته المعرفية والسياسية، وخاصة الخصومات والصراعات التي واجه بها مخالفيه الذين واجهوه وحاربوه بدوافع مختلفة تحمل أسماء متعددة أهمها: الزندقة والإلحاد والضلال والانحراف وغيرها من الصفات التي وجهت إليه دون القدرة على المواجهة المعرفية العلمية. لأن الصراع بين الفرق عمومًا وإن كان قائمًا على أسباب معرفية فإنها ترمي في غاياتها إلى أسباب سياسية. وقد اتحد المعرفي والسياسي فعلًا عند الإسماعيليين وخاصة في عصر الفاطميين، سواء في شمال أفريقيا، أو في مصر. وإذا كان الطابع السياسي بارزًا لا ينكره أحد، فإن الجانب المعرفي لم يتوقف، وبقيت المدارس مجددة في أفكارها وأساليب مقاومتها لمخالفيها من جميع الفرق الأخرى.
إن عناية الحبيب الفقي بجميع مظاهر الوجود الإسماعيلي، تكشف عن حرص شديد لإظهار جميع توجهاتهم المعرفية والسياسية وجميع مظاهر الصراع، وكأنه أحد الإسماعيليين الذي انبروا يدافعون على مذهبهم. ولعل هذه القدرة على تحليل المذهب الإسماعيلي ومن خلال كتاباته التي حققها المستشرقون، أو المخطوطات التي تحصل عليها نادرة جدًّا، لأنها أخذت منحًى علميًّا دون السقوط في الصراع المذهبي والعقدي. فأكثر أسباب هذا الصراع قديمًا وحديثًا ناشئة عن جهل كبير بالمدونة الإسماعيلية من جهة، وعن تعصب عقدي يمنع رؤية المخالف ضمن دائرة الاختلاف في الاجتهاد. وكأن هذه الفرق جميعًا ترى أن واحدة منها فقط هي الحاملة لليقين. ودون شك فإن هذه الصفة ينسبها كل توجه مذهبي إلى نفسه وينفيها إلى غيره. فالاعتراف بالاختلاف لم يكن وعيًا قائمًا في ذلك الزمن، رغم صريح الآية القرآنية التي تقر بتعدد الوجهات الحاملة للخير ﴿لِكُلِّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (سورة البقرة، الآية 148). فالوجهات متعددة والخيرات متعددة في كل وجهة. ولا فائدة في حصر النظر وتوجيهه نحو زاوية واحدة ترى في نفسها حاملة لحق اليقين.
ولبيان ذلك، أثار الحبيب الفقي في كتابه هذا عددًا من المسائل المهمة والإشكالية. وأهمها المسائل المتصلة بالإلهيات مثل مسألة العلاقة بين الله والوسائط، والعالم والفلسفة الدينية التي تختفي وراءها وتحكمها. وهي مسائل لا يمكن الخوض فيها دون معالجة مسألة الذات الإلهية في الدين والعقل، وهو ما نجده فعلًا في كتابات الكرماني، وإخوان الصفاء. ويحاول الفقي في هذا السياق إظهار الفلسفة الدينية التي بناها الإسماعيليون لكونها فلسفة مختلفة عن الفلسفات التأملية الخالصة التي عرفها الفلاسفة اليونان القدامي وكونها فهمًا للدين مخالفًا للفهم السنّي. وهذا الاختلاف المبدئي في فلسفتهم الدينية يعود -حسب الفقي إلى أن الحكمة عند المسلمين هي الفلسفة ولا خلاف بينهما، لأنها حكمة تقوم على نص الوحي وتعترف بوجوده، وهو النص الغائب عند الفلاسفة اليونان.
ويسوق هنا الفقي تعريفًا للفلسفة يذكره النيسابوري[5]، ويرى أنه تعريف يستعمله إخوان الصفاء وهو قولهم: إن الفلسفة هي التشبه بالله على قدر الطاقة الإنسانية[6]. وفي هذا السياق يوضح الكرماني تعريفه للحكمة بما هي موازنة المخلوقات، وتكون بذلك مسائل هذه الحكمة موزعة على المسائل التالية: الله والعالم والإنسان. و “الروح” هي التي تحقق التوازن صعودًا ونزولًا، وتكون دائرة الوجود والحكمة.
وهذا ما يؤكد بأن الفكر الإسماعيلي ليس فكرًا تأمليًّا خالصًا، وإنما هو فكر يحاول أن يستوعب ويفهم مسائل الحكمة السابق ذكرها، لأنه فكر يعطي للوحي مكانة بارزة رغم غيابها عند الفلاسفة السابقين أي اليونانيين. وبهذا المنهج بنى الإسماعيليون رؤية للعالم عميقة، وفي الوقت نفسه جامعة، لأن فكرة التأويل عندهم تمكنهم من تجاوز كل وجوه التعارض بين العالم الطبيعي والعالم الإلهي، والعالم الظاهري والعالم الباطني.
وبما أن هذه الحكمة تستدعي ضرورة الوحي، فإن هذه الحكمة تستقر على أساس الوجود الله ضرورة لأن الله هو المتكلم دومًا الذي يوجه كلامه للإنسان الخليفة. وبهذا فإن الوجود الإلهي يحتل مكانة رفيعة في هذه الفلسفة. إنه الذات الإلهية التي يدور حولها كل تفكير، وكل تأويل، وكل فهم سواء كان لعالم الظاهر، أو لعالم الباطن، متجاوزين بذلك عمق الصراع القائم بين الفرق الإسلامية المتعلق بمسألة الذات والصفات، وخاصة الصراع بين المعتزلة وبقية الفرق الأخرى المخالفة لها، والتي يمكن نعتها بالمشبهة أو المجسمة[7]…
وهذا دون أن ننسى القيمة العلمية الكبرى التي منحها الإسماعيليون لفلسفة اللغة التي يقوم عليها كل فهم وكل تأويل، والذي نجد أثره خاصة في فهمهم لاسم الذات الإلهية، أي “الله”.
فالله اسم من أسماء البارئ عندهم، لأن لاسم الله أصول لسانية عادوا إليها وتفننوا في بحثها وتفسيرها. ويستدعي الفقي قولًا جاء في لسان العرب يقول: وجاء في اللسان، ج 1، ص 87 مادة أله: قال ابن الأثير هو مأخوذ من أله وتقديرها فعلانية بالضم، تقول إله بين الإلهية والآلهانية. وأصله من أله يأله إذا تحير، يريد إذا وقع العبد في عظمة الله جل جلاله، وغير ذلك من صفات الربوبية، وصرف وهمه إليها … قال الخليل: وليس هو من الأسماء التي يجوز منها اشتقاق فعل، كما يجوز في الرحمان الرحيم”[8].
عمّق الفقي تحليله لمعنى الذات الإلهية عند الإسماعيليين، وتوسع في ذلك كثيرًا، ليبين من خلال هذا الفعل، أن التوحيد هو أصل الوجود، وأن معرفة الله عندهم، تسكن مركز العلوم جميعًا: العلوم الدينية منها والعلوم الفلسفية. وفي هذا تأكيد لخصوصية الفلسفة وفلسفة الدين في المنظور الإسماعيلي. وبما أن الأمر بهذه الصورة، فإن مفهوم التوحيد مفهوم خاص جدًّا ومتميز عن غيره من المفاهيم. وقد انطلق الإسماعيليون من قول للإمام علي بن أبي طالب الذي يعتبر أصل المذهب والفكرة عندهم. “يقول الإمام علي بأن أساس الدين معرفة الله وإتقان معرفته هو الإقرار بوحدانيته، وطريقة توحيده تكون بنفي الصفات عنه. فتشهد عليه العقول الخالصة، مؤكدة أن كل صفة وكل شيء موصوف مخلوق. ويقتنع المخلوق بأن له خالقًا، وهذا الخالق ليس له صفة، وليس قابلًا لأي صفة” [9]… وهو ما يؤكده القاضي النعمان المغربي بعد ذلك في المذهب الإسماعيلي حين يرى أن الصفات ليست إلا حدود الله[10]. ولا يمكن استعمال على الله مثل استعمالنا للاسم على من سواه أي الأشياء التي يمكن تصورها[11]. ويبدو بهذا التوجه أن الإسماعيليين يذهبون في مسألة التوحيد أقصى ما يمكن أن يبلغه العقل البشري في تمييز الله عن كل مخلوقاته ليحصل التمييز الكلي بين علم الله، وعلم مخلوقاته، ومن ثم التمييز بين العلوم المتصلة بالله والعلوم المتصلة بمخلوقاته؛ أي كلية العالم. وهم في هذا أقرب إلى ما ذهبت إليه المعتزلة والفلاسفة الموحدون من بعدهم.
وبما أن مبدأ التوحيد لا يكون إلا على هذا النحو لأن الله ليس كمثله شيء، فلا بد من طريقة لتفسير العلاقة بين الله الذي ليس كمثله شيء، والعالم المخلوق الذي لا يشبه الله في شيء. وهذا التفسير سيكون حسب الإسماعيليين، من خلال منحهم لمفهوم “اللوغوس” المكانة الكبرى؛ فاللوغوس هو الكلمة. إنه مبدأ الوجود والإيجاد، وهو الدال على المبدع. وهو ما أكده السجستاني في حديثه عن الشيئية. فهذه الشيئية هي نتاج فعل الكلمة اللوغوس. والتفسير نفسه نجده عند الكرماني أيضًا[12]. فالكلمة كُن المعبّرة عن الكلمة الفاعلة المنشئة للشيئية تحتل بهذا التصور المكانة الأكبر لفهم العلاقة بين الألوهية بما هي توحيد متعال عن كل شيء. ولهذا اهتم الإسماعيليون بهذه الكلمة وربطوها بأسماء أخرى مثل الأمر والإرادة والمشيئة، واعتبروها دون الاسم الأول الدال على التوحيد . ووجهوا تأويلاتهم لفهم مسألة الخلق الذي يبدأ بخلق العقل الذي يمنح الوجود للعلم كله وجودًا بالقوة. ورغم أن الفكرة العامة المفسرة للخلق والإيجاد واحدة عند الإسماعيليين، فإنه ذلك يوجد اختلاف بين علمائهم، أي دعاتهم بعض الاختلافات الدقيقة خاصة عند دعاة ما بعد الفاطميين. وهذا الاختلاف يعبر عن استمرار العملية النقدية عندهم، وتطوير نظرتهم لفكرة التوحيد والخلق أيضًا. وقد نجد العملية النقدية تتجه في عديد المرات إلى الداعي نفسه؛ أي أن يتوجه العالم إلى نقد فكرته ومراجعتها. وهي من الخصال التي يندر وجودها في المذاهب المتصفة بالتعصب والإيمان بحصول اليقين.
ونجد هذا مثلًا عند الكرماني الذي يراجع أفكاره وينتقدها كل مرة مثل نقده لفكرة الفيض لتفسير فكرة الخلق. وهذا يعني أن الفكر الإسماعيلي سيعرف مع الكرماني مستوى جديدًا من الممارسة الفكرية سيمنحه شكلًا مغايرًا وأكثر عمقًا واتساعًا[13].
وسيزداد هذا الاتساع والعمق مع جماعة “إخوان الصفاء” الذين يذكرون عادة مع علماء ما بعد الفترة الفاطمية كما يصرح الدكتور الحبيب الفقي[14]. فتوجه إخوان الصفاء فلسفي عميق. والاسم “إخوان الصفاء” هو الاسم الفعلي الحقيقي الذي يقابله اسم الفيلسوف، أو الفلاسفة باللسان اليوناني القديم. فـ “الصوفيا” ليست في حقيقتها على كلمة غير يونانية، كما صرح أفلاطون على لسان سقراط في محاورة الكراتيل، وأرى أنها عربية قديمة ولا تزال مستعملة وتحمل المعنى نفسه. إنها صفاء النفس، أي الحكمة فـ “الصوفيا”، أو “الصوفون”، هو الحكمة والحكيم، و”الفيلو”، أو “الفيلاين” هم المحبون أي الخلان والإخوان. و”الفيلوصوف”؛ هم إذًا، “إخوان الصفاء”، وهم أيضًا لأجل ذلك “خلان الوفاء”.
فقولنا: “فيلوصوف” ليس إلا لهجة ونطقًا يونانية لكلمتين عربيتين قديمتين هما: “إخوان الصفاء”. وهذا يؤكد مرة أخرى أن الفلسفة وإن كانت مرتبطة بالعلوم والمعارف والممارسات، إلا أن كل هذا لا يمثل حقيقتها. إن حقيقتها تتمثل في طلب صفاء النفس؛ أي طلب الحكمة وطالبها هو الحكيم أي الفيلسوف أي “أخو الصفاء”.
وقد حاول إخوان الصفاء تطوير نظرية الخلق ومراجعتها، وبيان طبيعة العلاقة بين المبدع الموجد والوجود، ونفوا أن يكون الله قد خلق العالم وتركه لقوانينه التي تحكمه، وأكدوا على فكرة الرعاية الدائمة والصلة غير المنقطعة بين المبدع وخلقه؛ مع التمييز الضروري بين خلق العالم الروحي الذي كان في وقت واحد، وفعل واحد وخلق الموجودات المحسوسة الذي كان في ستة أيام أي على مراحل زمنية متلاحقة ومترابطة.
وقد أوجز الفقي فكرة العالم في عين إخوان الصفاء بأنه إنسان كبير. والروح أو العقل هو واجهته الموجهة طوعا بفضل نور الرعاية الإلهية. ومع وجود بعض التشابه وبعض الاختلاف بين إخوان الصفاء والإسماعيلية، فإن الفقي يرى أن إخوان الصفاء مدرسة فلسفية مستقلة عن الإسماعيلية، وأن نصوص إخوان الصفاء قد تكون مكتوبة من طرف شخص واحد وأسلوب واحد، فإن إرث الإسماعيلية إرث جماعي مكتوب بأقلام عديدة لعلماء متعددين. وهذا يجعل من الفكر الإسماعيلي فكرًا يجمع بين النظام الكوني واللاهوتي والسياسي، وهو نظام حركي متطور لقرون عديدة جدًّا. وهو ما يسمح لنا بالقول بأن للفكر الإسماعيلي مظاهر متعددة ومتنوعة، عكس ما نجده في رسائل إخوان الصفاء الموحدة والثابتة تاريخيًّا [15].
نستنتج من هذا أن الفقي في عرضه وتحليله للمدارس الإسماعيلية وأشهر رجالاتها وعلمائها وكتبها يركز على المفاهيم والمواقف التي تخالف غيرها من الفرق الإسلامية الأخرى، وخاصة الفرق السنية. وليس الغرض من هذا إظهار الخلاف ذاته، وإنما إظهار قدرة الإسماعيليين على بناء تأويلاتهم انطلاقًا من النص القرآني على نحو متماسك ومغاير. ويكشف هذا التماسك وهذه المغايرة مدى استعداد النص الأصلي للإسلام، أي الوحي القرآني، إلى قراءات متعددة ومختلفة لا سبيل لأي أحد أن يزعم بأنه أحاط بكل ما يحويه هذا الكتاب من علوم وأسرار.
ولدعم هذه الفكرة يمنح الفقي في كتابه هذا، مساحات كبيرة، ليس لتحليل أقوال علماء الإسماعيلية فحسب، وإنما للوقوف على أهم المفاهيم التي قد لا نجد لها نظيرًا أو شبيهًا في المذاهب الإسلامية الأخرى.
وهذه المفاهيم لا تتعلق بالمسألة الدينية فقط وإنما تحيط بمسألة الحكمة عمومًا. وهذه الحكمة هي “الحكمة الجامعة” لجميع العلوم الفقهية أو الدينية، إلى العلوم الكونية من طبيعيات وإنسانيات بما في ذلك العلوم السياسية. وفيها يُظهر لنا الفقي معاني الوجود ومراتبه ووجوهه ودرجاته من خلال إظهار عدد من الكلمات غير المعتادة في الثقافة الإسلامية، خاصة عند أهل السنة، رغم أن عبارة “أهل السنة” عبارة غير واضحة المعنى، لأنها اسم يطلقه جميع المسلمين على أنفسهم باعتبار أن الجميع يؤمنون بكتاب واحد وهو القرآن الكريم، ويؤمنون بنبي رسول أنزل عليه القرآن وآتاه الله الحكمة التي حاول المسلمون جمعها، واضعين شروطًا مختلفة قد تكون من أسباب تفرقهم. فهل الحديث يجب أن يُروى وفق شروط من سموا بأهل السنة، أو يجب أن يُجمع وفق شروط من سموا شيعة إمامية أو إسماعيلية أو زيدية أو أخرى. ويكمن الفرق هنا، في اعتبار صدق الرجال ومدى قدرتهم على حمل أمانة نقل الحكمة هذه هل يجب أن يكونوا من “أهل بيت الرسول وآله الذين اصطفاهم الله وطهرهم تطهيرًا؟ أم يمكن أن يكون لأي مسلم القيام بهذه المهمة دون اعتبار النسب والقرب من أهل البيت؟”.
وهذا يطرح أيضًا وفي السياق نفسه معنى “السلف الصالح”، وسلف الأمة التي يرى المسلمون ضرورة اتباعهم. فهل “السلف” ينطبق على كل مسلم عاش في العصور الأولى بدءًا بعصر الرسول نفسه وأيامه، أي الصحابة والتابعين، مثلًا دون تمييز، أم إن “السلف الصالح” هم سلف “أهل البيت”، وآل بيت الرسول؛ لأن الله شهد بطهارتهم، ومن ثم لا يجوز مقارنتهم ببقية المسلمين مهما كان قربهم من الرسول، أو مهما روت كتب السيرة والحديث عن أعمالهم لصالح الإسلام؟ زد على هذا ما يمكن قوله عن مدى صدق الروايات التي تروى، والمواقف التي سردها الرواة عن المسلمين الذين يحملون صفة “الصحابة”. فهل “الصحابي” هو كل من آمن بالرسول ورافقه في حياته ولو قليلًا، أم “الصحابة” لا تكون إلا لقسم مخصوص منهم، خاصة وأن اتخاذهم قدوة للمسلمين ينجم عنه خطر جسيم يتمثل في تشريع القتل والحرب الأهلية بين المسلمين، لأن السيوف رفعت بينهم من أجل الحكم والسلطة، أو الاختلاف فيها منذ وفاة الرسول؟ وهذا يعني أن مسألة اتباع “الصحابة” عمومًا أمر في غاية من الحرج تتخذه جماعات حجة للخروج عن المسلمين وقتالهم، لأنهم لا يعترفون بشرعية حكمه مثلًا. ولنا في حروب “الفتنة” أكبر شاهد تاريخي عندنا مهما اختلفت الروايات المؤرخة لها. بل هناك من يشرع للثورة والعصيان والخروج على الحكم معتمدًا على ما حدث بين الصحابة الأوائل وتابعيهم ومن أتى بعدهم، بل وفي جميع مراحل تاريخ المسلمين من أحداث سياسية أخذت شكلًا دمويًّا رهيبًا.
أمام هذه الأحداث التاريخية، واختلاف القراءات والمواقف منها، تعامل الإسماعيليون مع العلوم بمختلف وجوهها بمنهج مغاير مكّنهم من رسم تمثلهم للعالم بجميع وجوهه وأبعادهم. وربطوا ذلك بمواقفهم السياسية الخاصة التي تعود إلى أصل نشأتهم. أي انتمائهم لآل البيت، وخاصة الإمام علي والحسن والحسين، وصولًا إلى الإمام جعفر الصادق، حيث سينقسم شيعة آل البيت إلى إمامية وإسماعيلية. وبما أن إمامة الشيعة سياسيًّا تحولت إلى الإمامية؛ أي الاثنا عشرية، انحسر موقف الإسماعيليين وانغلق وانسحب من ظاهر العمل السياسي، رغم تمسكهم بالكتابة في شأنه داخل منظومتهم الفكرية. ومن الضروري التعرف على تلك المنظومة. وهو ما قام به الدكتور الحبيب الفقي في كتابه الأفكار الدينية والفلسفية عند الإسماعيلية الفاطمية.
- المفاهيم الأساسية للمذهب الإسماعيلي حسب الحبيب الفقي
خصص الحبيب الفقي الفصل الرابع والخامس والسادس والسابع من كتابه لتحليل أهم المصطلحات التي توضح خصوصية المذهب الإسماعيلي. وهي مصطلحات خاصة بهذا المذهب، وتعد المفاتيح السياسية لفهم هذه الفلسفة والتعرف على خصائصها الفكرية والعملية، خاصة وأن سوء الفهم عائق أمام التواصل. وأن فهم أي فكرة لا يكون إلا من خلال التناول المفهومي له. فالمصطلح قد يتحوّل إلى عائق أمام كل فهم، إذا لم يرق تحليلنا إلى مستوى التعامل مع طبيعتها التصورية، وما تحمله من خصوصيات مفهومية تميز بناء فكريًّا عن غيره. وهو ما يميز التفكير الفلسفي ومدارسه ومناهجه عن بقية التخصصات الفكرية الأخرى.
الناظر في الفصول الأربعة التي خصصها الكاتب للمفاهيم الإسماعيلية الأساسية يلاحظ وحدة مفهومية وترابطًا فكريًّا عجيبًّا. وسنكتفي بمفهومين اثنين منها وهما: مفهوم الدعوة الإسماعيلية، ومفهوم التأويل.
1-4. الدعوة الإسماعيلية
ابتدأ الأستاذ الحبيب الفقي بمفهوم “الدعوة” عند الإسماعيليين، ويسميه بـ “عالم الدين” وهو متعلق بخلق العالم. فالعالم عند الإسماعيليين يحيط بعوالم أربعة. هناك العالم العقلي أو الروحي الذي يحيط بجميع عقول العالم العلوي، وعالم الكواكب، وعالم الطبيعة، وأخيرًا عالم الدعوة أو عالم الدين. وحسب الكرماني هناك عالم الوحدة أي عالم الإبداع والعالم الجسمي، بكواكبه ونجومه، وعالم الدين الذي يسميه تارة بعالم الوضع، وتارة أخرى بعالم الصنعة النبوية. وحسب أبو حاتم الرازي، نجد العالم الكبير والعالم الصغير وعالم الدين. ويمكن إيجاز ذلك بالقول بالعوالم الثلاثة: العالم الفيزيائي، أو الطبيعي، والعالم الفلكي والعالم الروحي[16]. ونستنتج أن هذه الوسائط الأرضية أو الروحية التي تكون عالم الدين أو الدعوة الأبدية مترتبة حسب النظام نفسه الذي يحكم العالم العقلي أو الروحي. إن الدعوة هي المدينة التي بناها الوسطاء، أي إنها الجنة بالقوة التي تحمل سبعة أبواب، وكل باب يؤدي إلى قصر من النور والحدود جمع حد، ويفيد كل من يحتل موقعًا في تراتبية الدعوة، وينص الحبيب الفقي على أن الجنة القريبة تعني مجموع الحدود.
والسبعة أبواب تعني العتبات التي يحتلها النقباء أي الأئمة السبعة الذين ورثوا الإمامة ويسمى الوصي. وكل باب يؤدي إلى قصر من النور ويسمى الناطق. أما منابع المياه، فتسمى علوم التنزيل والتأويل.. وهذه الحدائق ترمز إلى العلم، وهو معنى الناطق والوصي، والغرف المنتظمة هناك ترمز إلى درجات الحدود، وهي المأذونون والمحشورون، وفوقهم يوجد المتكلم. ثم يظهر الدعاة المطلقون والقمر في عالم المحايثة الذي يضيء الغرف، وفي عالم الدين الناطق والوصي، وهم يمثلون الشمس في عالم الإبداع الذي يفيض علومه على الحدود.
ولمزيد بيان ذلك، يضع الحبيب الفقي جداول توضيحية تقابل بين مرحلة الناطق ومرحلة الإمام.
أما مرحلة الناطق فتضم الناطق والوصي والإمام المؤتمن والحجة والجناح. وأما مرحلة الإمام فتضم التحويل والإمام المؤتمن والحجة والباب والداعي.
ومن خلال هذا النموذج، نفهم كيف يقسم الإسماعيليون العالم بجميع وجوهه، وكيف يفاضلون بين الرتب فتنتظم العلاقات انتظامًا كاملًا يتجلى فيه وحدة العالم وعلاقته بالله المبدع للعالم.
وإذا حاولنا متابعة الأسماء التي ذكرها الفقي؛ أي الدعوة والإمامة والرسالة والوصاية والتأويل، ندرك طبيعة الفكر الإسماعيلي الذي يمكن أن ندخله تحت اسم التأويل والحقيقة. وهو العنوان الذي ختم به الفقي كتابه. وبهذا العنوان الأخير ندرك العمق الفكري الذي انتهى إليه الفقي في تحليله للفلسفة الإسماعيلية. إنه العمق التأويلي الذي يجعل الفلسفة الإسماعيلية فلسفة تأويلية بامتياز. وتجمع فلسفة التأويل هذه في كليتها تأويلًا للوجود في جميع مظاهره؛ الله والعالم والإنسان. وجميع مظاهر العالم؛ العالم الإلهي والعقلي والروحي والمادي والأرضي. وهو أوسع تأويل ممكن يُضاهي جميع أشكال التأويل التي نعرفها اليوم، تأويلًا للعالم، وتأويلًا للغة والنص.
2-4. التأويل
تنطلق مسألة التأويل عند الإسماعيليين، حسب الفقي، من رؤيتهم للقرآن الكريم من جهة صحة وحيه أو تحريفه. وقد بيّن الفقي أن موقفهم العام إقرارهم بأن القرآن الكريم لم يطله تحريف. وهذا يعني أن هناك مجموعة قليلة منهم يسمون بالمتطرفين المغالين من يقول بتحريفه في عهد الخليفة عثمان لأسباب سياسية تريد أن تخفي قيمة الإمام علي ومنزلته الربانية[17]. وفي العموم، يرى الفقي أن أهل السنة عند هؤلاء المغالين من الإسماعيليين قد حرّفوا القرآن، وبأشكال ثلاثة وهي أولًا، حذف كلمات بشكل كلّي من النص القرآني. وثانيًا، تغيير بعض الكلمات أو العبارات. ويذكرون أمثلة في ذلك مثل، الصورة الثالثة من الآية 110. وثالثًا تغييرهم لترتيب بعض الآيات مثل التغيير الذي وقع في الصورة الثانية الآية 59 التي كان المفروض أن تكون مرتبطة مباشرة بالآية 23 من السورة الخامسة، وغيرها من الأمثلة كثير[18]. ولكن مع ذلك يبقى الإسماعيليون محافظين على كلية القرآن والإيمان بصدقه كله، وعدم القول بتحريفه حفاظًا على وحدة الدين الإسلامي[19].
والمهم في الأمر، أن المسألة الكبرى في الفكر الإسماعيلي ليست في القول بتحريف بعض آياته، كما ذكرنا سابقًا عند بعض علمائهم، وإنما في القول بتحريف معانيه. وهذا القول يدخلنا مباشرة إلى إشكالية التأويل عندهم وما يميزهم عن أهل السنة مثلًا. وهذا الباب هو الذي ميّز الإسماعيليين كثيرًا لأنهم أظهروا اجتهادات عديدة جعلت تأويلهم للقرآن يمنح النص معاني جديدة لم تكن معروفة عند عموم المسلمين ومذاهبهم، إن لم نقل إنها معان غريبة جدًّا عند باقي المسلمين[20]. فما هو معنى التأويل عند الإسماعيليين إذن؟
“التأويل” كلمة عربية تحمل في معناها الأول الفهم والعودة إلى الأول أو النظر في المال. فالتأويل من علا الشيء يعلو إلى كذا، وهذا يعني العودة إلى شيء ما. والتأويل يعني أيضًا تحويل معنى خارج الكلمة وظاهرها إلى معنى آخر داخلي عميق شرط التزامه بالدليل ودون الخروج عن قواعد اللسان. وهذا يعني أن التفسير يمكن أن يكون وجهًا من وجوه التأويل؛ لأن الكلمة تحمل معاني متعدّدة، ووجب حسن اختيار المعنى الأنسب لبناء فكرة متناسقة متماسكة. وقد يرى البعض مثل ابن العربي أن التفسير والتأويل شيء واحد، وموقف القائلين بهذا يرون الترادف ولا يميزون بين الكلمات. وبما أن العلم الحقيقي بحقيقة المعاني حسب النص القرآني خاصية إلهية، فإن هذا يعني أيضًا أن التأويل يفتح أبواب التنوع والتعدد في الأفهام على نحو لا يمكن لأحد أن يدعي أن فهمه هو الحق اليقين.
وإذا خصصنا النظر عند الإسماعيليين، فإننا نلاحظ أن التأويل عندهم أكثر تعقيدًا. فالكرماني مثلًا يرى أن التأويل هو العبادة الباطنة والمعرفة التي تمكننا من الإحاطة بمعنى وحدانية الله، ومعرفة حدود دينه، وكل حد يجب أن يوضع في مكانه حسب قواعد الدعوة[21]. ويعتبر الفقي أن هذا المعنى التأويلي هو الذي أدخل التأويل الإسماعيلي في عالم الغرابة، أو جعل التأويل الإسماعيلي عالمًا غريبًا. ونجد الكرماني في سياقات أخرى يعطي للتأويل معنى آخر، فهو يرى أن التأويل يفيد الموازنة بين أشياء الدين وجميع الموجودات[22]. ويعتبر الحبيب الفقي أن هذا المعنى هو أساس نظرية الكرماني؛ لأنه حسب هذا المفكر نقول: إن العالم تكوّن على نموذج واحد، وما يوجد في موجود يوجد في الآخر. غير أن الموجود الأدنى يحاول الارتقاء، ولأجل هذا نرى أن كل موجود أدنى يحاكي العالم الأرقى الذي ينتمي إليه. وكل شيء يوجد في المنزلة الدنيا، والمرئية، يتذكر شيئًا آخر، وغير مرئي[23].
وإذا كان هذا تأويل الوجود، فإن الكرماني عند نظره في الدين يرى أن التأويل في مقابل التنزيل باعتبار أن التأويل هو المعنى الخفي للتنزيل. وهذه الثنائية التنزيل والتأويل يمكن التعبير عليها بصيغ مختلفة مثل الظاهر والباطن والشريعة والحقيقة والمثل والممثول وغيرها من التعابير المناسبة عندهم، والمستعملة في كتاباتهم مع استعمالهم لكلمة تفسير أيضًا وإن كان استعمالها قليلًا عندهم[24]. نجد عند الإسماعيليين كلمة تأويل بمعنى التفسير. والتفسير كما يرى الجرجاني، وحسب ما ذكره الجرجاني، يعني البيان بواسطة الكلام الذي يضيء المعنى ويفسر ما كان خفيًّا. ويعرّفه أيضًا بأنه الهروب من حدود الغموض[25].
وفي هذا السياق، بلغ بحث الإسماعيليين في مسألة التأويل حدود تأويل مفهوم الوحي نفسه. فالإسماعيليون يرون أن القرآن وحي من الله، وهو كلام الله. وهذا يعني أن الله أوحى إلى نبيه السر الإلهي. وهو تأويل مغاير عن التأويل الذي يقول به أكثر أهل السنة. والمعنى نفسه نجده عند الشيعة الاثني عشرية. فالقرآن حسب الإسماعيليين”مخلوق”، وهو موقف المعتزلة أيضًا. وقد استعان الإسماعيليون بآيات قرآنية عديدة لتأييد تأويلهم مثل الآية الخامسة من سورة الشعراء، والآية الثانية من سورة الأنبياء. فقد ذكر القرآن في هاتين الآيتين كلمة “محدث” عن التنزيل، وعليه فهو “مخلوق”[26].
نستنتج من هذا أن الإسماعيليين أولوا عناية فائقة بالنص القرآني ومنحوه عناية كبرى، وجهدًا مخصوصًا؛ وهو جهد تأويلي يضاهي جهدهم التأويلي الذي وجهوه لرؤية الوجود في كليته. وقد استفاد الإسماعيليون من حكمة الإمام جعفر الصادق الذي قسّم القرآن إلى أربعة أجزاء مختلفة: قسم خاص بالنبوة والأئمة، وقسم ثان خاص بأعدائهم، وقسم ثالث للسنن والأمثال، وقسم رابع خاص بالالتزامات والقوانين. دون تقسيمات أخرى للنص القرآني، ولكن من الواضح أن هذه التقسيمات وإن تعددت، فهي توجه العملية التأويلية للنص القرآني، بل وتحكم التوجه التأويلي نفسه، فمسائل النبوة والإمامة مغايرة لمسألة الالتزامات والقوانين مثلًا[27]. ويمكن قياس ذلك على التقسيمات الأخرى الموجودة في القرآن.
لقد حاول الإسماعيليون جمع الأدلة القرآنية التي تؤكد واقعية تأويلهم ونظرتهم التي يجب أن تتبع من طرف جميع المسلمين؛ لأن هذا التأويل واقع ولازم إلى يوم الدين. ووجوب هذا التأويل نابع من الآية نفسها التي تقرّ بأن حقيقة التأويل لا يعرفها إلا الله؛ رغم أن مخالفين يستعملونها لرفض التأويل وجعل معرفة حقيقته لله وحده. فالكرماني ناقش مخالفيه وأوّل الآية بطريقة بسيطة جدًّا. فقد تساءل: هل يعلم الرسول ما تشابه من القرآن؟ فإن كان الجواب لا، فهذا يمس من كمال رسالته ونبوته. وهذا لا يمكن قبوله، وإن قلنا: إنه يعلم حقيقة المتشابه، لا يوجد أي سبب أو علة لفهم كلمة “الراسخون” الواردة في الآية وكأنها آية أو جملة تستبعد الرسول؛ لأن الرسول من الراسخين ضرورة وعليه الراسخون جميعًا يعلمون التأويل ضرورة. وهم في هذا يتوافقون مع الموقف المعتزلي أيضًا. ولدعم منطق التأويل عند الإسماعيليين يستبعد الإسماعيليون مفهوم “المجاز”، ويستحضرون مفهوم “المثل”، خاصة أن هذه الكلمة قرآنية، أي موجودة في القرآن، بينما كلمة “المجاز” استعمال سائد عند أهل اللغة، وعليه ليس القول بالمجاز إلا صناعة لغوية، وليس آية قرآنية، ولا يمكن استبدال الآية بحكم لغوية.
إن التأويل إذن، يقوم في العديد من وجوهه على آية المثل الذي يستدعي ضرورة القول بالممثول.
وهذا يعني حسبهم أن القول بالتأويل من خلال مصطلح “المجاز”، أو “الاستعارة” محرف للقرآن، لأن الله أوضح صراحة عن أسلوب القرآن ومنهجه. إنه يقوم على “المثل” والممثول. وهو قول صريح في آيات قرآنية عديدة جدًّا. وعلى المؤول استعمال هذا القول القرآني لـ “حسن التأويل”. وهذا يؤكد أن القرآن يشمل على وجه ظاهري وعمق باطني، وآيات القرآن نفسه دالة على ذلك أيضًا. فالخلق حسب القرآن يقوم على مبدأ الثنائية دومًا مثل قوله تعالى: ﴿سُبحْنَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوْجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِن أَنفُسِهِم وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [28]. وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْتُكُم أَزْوَاجًا﴾ [29].
وحسب الفقي، يعتبر جعفر بن منصور أن هاتين الآيتين دليل على أن لكل شيء وجهين أو خاصيتين الظاهر والباطن. كل شيء له ذكر وأنثى، وحسب جعفر بن منصور هذا التركيب يعني المعنى العالي والمعنى السفلي[30]. أما المؤيد فلا يعتمد على تأويل جعفر بن منصور، ويرى أن حقيقة وجود الظاهر والباطن يعود إلى أمر آخر وهو علاقة كل شيء بأثره ونتيجته، مثل العلاقة بين العين والبصر، والأذن والسمع. فالعضو حساس يمثل الظاهر، والآخر روحي يمثل الباطن[31].
ويأخذ التأويل حسب الإسماعيليين معاني وأعماق مختلفة حسب عمق الباطن الذي يشيرون إليه، إلا أن أفضل التأويلات هي التي تكون أقرب إلى فهم التابعين، ويشترط هذا التأويل قيامه على العقل وعدم التعارض معه. ولا ننسى أن هذا التأويل هو سبيل بلوغ الحقيقة، فلكل ظاهر باطن وبطن بطن، وهو معنى التأويل في أبعد معانيه وأعمقها عند الإسماعيليين، ويرى الحبيب الفقي أن الإسماعيليين منحوا هذا المعنى حضورًا كبيرًا ومتميزًا، وقد اعتمد الفقي على ما ذهب إليه أبو فراس وهو أحد الإسماعيليين السوريين، في القرن الثامن والتاسع الذي اتسع معه معنى التأويل، وقدّم حججًا عديدة لتأييد هذه الوجهة. فالدين حسبه تحتوي دومًا على ثلاث درجات: الدرجة الأولى وهي للظاهر مثل غلاف البيضة الذي يمثل جسمها. والدرجة الثانية وهي ممتزج، وهو مثل بياض البيضة، ويشير إلى العقول والأنفس. والدرجة الثالثة وهي الحقيقة مثل صفار البيضة، ويقابله العالم المعقول. وهذه الدرجة للدين ثابتة ولا تعرف أي تغير. وهذه الدرجات هي التي تعني السمع والبصر والفؤاد؛ أي الظاهر السمع، وهو ظاهر الإسلام الإيمان والممزوج يمثل البصر، وتفيد اليقين في الإسلام الإيمان والحقيقة يمثلها الفؤاد وهو الإيمان الحقيقي. والقرآن يتحدث عن هذه القوى بوصفها ثلاث ملكات للمعرفة[32]. ورغم الصلات العميقة الموجودة بين الإسماعيليين والمدارس الفلسفية القديمة اليونانية والإسكندرانية، فإن صلتهم بالإسلام والانطلاق منه والتفكير فيه، هو الأساس الرئيس في المذهب الإسماعيلي. أي إن الإسماعيليين بقوا محافظين على خصوصية الإسلام وطبيعته وأبعاده وغاياته دون الغفلة من الاستفادة من الفكر الإنساني عمومًا.
خلاصة
1 . يعتبر عنوان الكتاب الأساس النظري الذي بناه الحبيب الفقي بشكل متكامل؛ وذلك لأنه في هذا الكتاب صاغ أطروحة علمية للحصول على الدكتوراه. وقد عبر الفقي في مدخل كتابه هذا عن أهم صعوبة اعترضت مهمته العلمية، وهي ندرة المصادر المتعلقة ببحثه، وغياب المصادر يؤدي غالبًا إلى إعلان توقف البحث واستحالة إنجازه. فالكتب الحقيقية والأصلية للإسماعيلية، كما يقول الفقي، لا توجد إلا عند بعض الأفراد الإسماعيليين، وعليه فهي ليست في متناول الباحثين.
- أكد الحبيب الفقي أن الشيعة الإسماعيليين كرسوا نظرة تعقلية للنص القرآني والحديث النبوي، من أجل الوصول إلى حسن فهم المعنى المراد للذات الإلهية وأفعالها. وهذا لا يعني أن العقل عندهم – قادر وحده على تجاوز صعوبات فهم المسائل الإلهية، وإنما نحن نحتاج إلى قوة أخرى ومنبع روحاني، يجب أن يبقى خفيًّا ومتسترًا على العامة. وهذه القوة هي قوة التأويل بما هي مصدر باطني للمعرفة.
- لقد بذل أستاذنا جهدًا خاصًّا في تتبع المذهب الإسماعيلي بمختلف تنوعاته ومدارسه، ومن جميع جهاته المعرفية والسياسية.
- إن التأويل عند الإسماعيليين شديد التعقيد. فالكرماني مثلًا يرى أن التأويل هو العبادة الباطنة والمعرفة التي تمكننا من الإحاطة بمعنى وحدانية الله، ومعرفة حدود دينه، وكل حد يجب أن يوضع في مكانه حسب قواعد الدعوة. ونجد الكرماني في سياقات أخرى يعطي للتأويل معنى آخر، فهو يرى أن التأويل يفيد الموازنة بين أشياء الدين وجميع الموجودات. ويعتبر الحبيب الفقي أن هذا المعنى هو أساس نظرية الكرماني، لأنه حسب هذا المفكر نقول: إن العالم تكوّن على نموذج واحد، وما يوجد في موجود يوجد في الآخر. غير أن الموجود الأدنى يحاول الارتقاء، ولأجل هذا نرى أن كل موجود أدنى يحاكي العالم الأرقى الذي ينتمي إليه. وكل شيء يوجد في المنزلة الدنيا، المرئية، يتذكر شيئًا آخر، غير مرئي.
* باحث في الفلسفة الإسلامية.
[1]– Habib Feki, Les idées religieuses et philosophiques de l’ismaélismefatimide (organisation et doctrine). Publications de l’Université de Tunis, 1978. P11.
[2] – Ibid, p p13.
[3] الفقي الحبيب، م. ن، الصفحتان 43-44.
[4] الكرماني، الهادي والمستهدي، الصفحة 120، م.ن، الفقي، الصفحة 45.
[5] أبو عبد الله مُحَمَّد بن عَبدِ الله الحاكم النيسابوري، من كبار المحدثين، اشتهر بكتابه المستدرك على الصحيحين الذي دون فيه ما أغفله البخاري ومسلم النيسابوري من أحاديث رغم أنها على شروطهما. ولد سنة 321هـ في نيسابور. رحل إلى العراق سنة 341 هـ وحج، وجال في بلاد خراسان وما وراء النهر، وفي سنة 359 هـ ولي قضاء نيسابور. وقد لقب بالحاكم لتوليه القضاء مرة بعد مرة، لكنه اعتزل ليتفرغ للعلم والتصنيف (منسق الفريق).
[6] Al-Imama, p.114. et Al-Jamia, tome2, p275. Cf. Biruni, Tahqiq ma lil-Hind min maqula. Ed, Edward Sachau, londres, 1887, p.14.
[7] Habib Feki, Les idées religieuses et philosophiques de l’ismaélismefatimide (organisation et doctrine). Publications de l’Université de Tunis, 1978. Pp. م. س، الصفحة- 5.
[8] م. س، الصفحة 79.
[9] م.س، الصفحة 88.
[10] م.س.
[11] م.س، الصفحة 92.
[12] م. س، الصفحة 99. انظر أيضًا، كتاب الكرماني، راحة العقل، الصفحة 51.
[13] م.س، الصفحة 114.
[14] م. س، الصفحة 138.
[15] م.س، الصفحة147.
[16] م. س، الصفحتان 152-153. ويمكن الرجوع إلى الكرماني في كتابه راحة العقل، الصفحة 64 والصفحة 127. وكتاب حاتم الرازي، تهافت القلوب، الصفحة 33.
[17] – م. س، الصفحة 269 مع مراجعة الهوامش والمصادر التي ذكرها الحبيب الفقي في هذا الصدد، وخاصة أبو الحسن الشريف وكتابه مرآة الأنوار، Garcin de Tassy, Chapitre inconnu du coran, J.A 1942. Mirza coran par Tassy الصفحة 49، وكتاب J.A. P 406.
[18] Feki(Habib), Les idées religieuses et philosophiques de l’ismaélismefatimide (organisation et doctrine). Publications de l’Université de Tunis, 1978. Pp 270 . يحسن العودة إلى الهامش المرافق عدد (6-5-4).
[19] … يعني ذلك أن بعض أهل السنة يرون تغير أشياء من المصحف، لكن جلهم يرون بقاءه دون تغيير مطلقًا، وبعض الشيعة يرون تغير أشياء من المصحف، لكن جلهم يرون بقاءه دون تغيير مطلقًا. فينبغي أن لا نعمم، وأن ندقق.
[20] يشير الحبيب الفقي هنا إلى كتاب المجالس للمؤيد، الجزء 1، الصفحات 82،133؛ وكتاب الديوان، الصفحات 192، 325 وإلى علي بن الوليد في كتابه مختصر الأصول، الصفحة 47، وكتاب جعفر بن منصور، أسرار، الصفحة 56.
[21] Feki(Habib), Opcit, P. 275.
[22] الكرماني، راحة العقل، الصفحة 207.
[23] Habib Feki, Opcit, P.276.
[24] م.س، الصفحة 277.
[25] م.س، الصفحة 277. انظر الحاشية نفس الصفحة، والتعريفات للجرجاني، الصفحة 40. وهو عين ما نجده عند الكرماني أيضًا في كتاب المصابيح، الصفحة 50.
[26] Habib Feki, Opcit, P.278
مثل الكرماني في كتابه الهادي، وابن بابويه في كتابه كتاب التوحيد مع الانتباه إلى الحاشية وما ذكر فيها من مصادر شيعيه، الصفحة 278.
[27] م.س، الصفحة 278.
[28] سورة يس، الآية 36.
[29] سورة النبأ، الآية 8.
[30] راجع ابن منصور (جعفر)، الشواهد، الصفحة 8. حسب ما أورده الحبيب الفقي، م. س الصفحة 287.
[31] راجع المؤيد في كتابه المجالس الجزء الخامس، الصفحة 144، حسب ما أورده الحبيب الفقي، م. س، الصفحة 287.
[32] Habib Feki, Les idées religieuses et philosophiques de l’ismaélismefatimide (organisation et doctrine). Publications de l’Université de Tunis, 1978 Pp 289-299.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
