تمهيد.

نحاول في هذا المقال البحث حول الفروق بين (الكتاب – التوراة- الألواح- الصحف) في القرآن، وفي الكتاب المقدس؛ حيث يحاول كثير من المحدّثين أن يفرّقوا بين دلالة هذه الكلمات في القرآن، وأنها مختلفة ومتغايرة شكلًا ومضمونًا. وقد بنوا اجتهاداتهم على أدلة معينة منها قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾. (سورة آل عمران، الآية 48)، وقالوا إن عطف التوراة على الكتاب يقتضي أن تكون التوراة مغايرة للكتاب.

هذا رأي له وجاهته، لكنه يقودنا إلى نتائج قد تبدو غير منطقية، فبهذا المفهوم يكون الكتاب غير القرآن في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾. (سورة الحجر، الآية 1)، فهل عطف كلمة القرآن على الكتاب تعني أن القرآن غير الكتاب؟ وإن كان الأمر كما يدّعون، فما مضمون هذا الكتاب، وأين هو، وما مضمون التوراة، وأين هي، كي نستطيع التمييز بينهما؟

الكتاب كما جاء في القرآن.

يذهب بعض المحدّثين في مغالاة مفرطة ليقولوا: إن التوراة لم تنزل على موسى، وذلك لعدم وجود آية قرآنية تنص على ذلك صراحة، فالآيات التي ذكرت فيها كلمة التوراة، تذكر في سياق مثل: ومصدّقًا لما بين يدي من التوراة، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾. (سورة المائدة، الآية 44). وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. (سورة آل عمران، الآية 93).

ولكي نناقش هؤلاء، فلا بدّ أولًا من الاتفاق على بعض المصطلحات، ولا بدّ أن نتفق على أن الكتاب تعني الشيء المكتوب أو المجموع والمضموم.

الكتاب قد يكون سطرًا واحدًا مثل قوله تعالى على لسان سليمان: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. (سورة النمل، الآية 30).

وقد يكون الكتاب كبيرًا لدرجة لا يمكن تخيّلها مثل اللوح المحفوظ كما في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. (سورة الرعد، الآية 39). أو بدرجة أقل حجمًا، مثل قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾. (سورة الكهف، الآية 49).

وبهذا المعنى، فإنه يمكن تسمية اللوح كتابًا، وكذلك الصفحة الواحدة يمكن تسميتها كتابًا.

فاللوح المحفوظ كتاب.

وألواح موسى كتاب.

وصحف إبراهيم كتاب.

والتوراة كتاب.

والإنجيل كتاب.

والقرآن كتاب.

وزبور داوود كتاب.

كتاب موسى.

لكن ما المقصود بكتاب موسى في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾. (سورة الإسراء، الآية2)، وقوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً﴾. (سورة الأحقاف، الآية 12)، وما الفرق بينه وبين التوراة والألواح؟

التفريق بين هذه الكلمات يأتي تبعًا لاعتبارات عدة، منها المضمون أو المحتوى، ومنها الشكل الذي كتبت فيه.

فكتاب موسى يشمل التوراة والألواح والصحف، وهو يتضمن قصصًا وأحداثًا وتشريعات، فكلمة التوراة تتركز في دلالتها (غالبًا) على التشريع والتحريم والتحليل، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾. (سورة المائدة، الآية 44). وقوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾. (سورة آل عمران، الآية 93). وقوله: ﴿وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾. (سورة آل عمران، الآية 50).

ومع ذلك فالتوراة أيضًا تحوي أحداثًا ونبوءات مثل قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلاَ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. (سورة آل عمران، الآية 65). فإبراهيم إذن مذكور في التوراة بعيدًا عن التشريع.

وقوله تعالى: ﴿النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾. (سورة الأعراف، الآية 157)؛ فالتوراة أيضًا تحوي نبوءات مكتوبة عن نبي الإسلام، فهي كتاب مكتوب ﴿مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾، لكنها مخصوصة، وكلمة الكتاب أعم.

إن دلالة كلمة الكتاب في عهد موسى تختلف عنها في عهد المسيح (ع)، فهي تعني في سياق موسى التوراة المكتوبة، والألواح المكتوبة، والصحف المكتوبة.

أما في عهد المسيح، فدلالة كلمة الكتاب تتسع لتشمل الأسفار الأخرى، مثل: إشعيا ودانيال وزبور داوود وغير ذلك، فحين يقول الله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾. (سورة آل عمران، الآية 48)، يشمل الكتاب هنا كل أسفار موسى وما يليه من أسفار، وأما التوراة فهي تركّز على التشريع.

الألواح.

إذا تأمّلنا دلالة كلمة الألواح، فإنها تركز على المادة التي كتبت فيها أوامر الله وتشريعاته، وما قصّه على لسان موسى عن السابقين، فهي تشمل التوراة والأحداث المختلفة: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. (سورة الأعراف، الآية 145).

السياق إذن، هو الذي يفرّق بين دلالة الكلمة شكلًا ومضمونًا.

أما الدليل على أن التوراة خاصة بموسى، فبعيدًا عن إجماع أهل الكتاب والمسلمين، فالقرآن يقول كما في (الآية 44 من سورة المائدة): ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾.

والذين هادوا هم قوم موسى بدءًا من حادثة العجل.

فكتاب موسى معناه كل ما هو مكتوب في عصر موسى، وهو يشمل التوراة والألواح والصحف.

لكن دلالة كلمة الكتاب تتسع حتى عصر المسيح (ع) ليشمل الإنجيل كذلك، فقوله تعالى: يا أهل الكتاب تعني يا أهل المكتوب، ويشمل (التوراة- الألواح- الصحف- الزبور- الأسفار – الإنجيل).

التوراة في النص القرآني.

ذكر القرآن أن التوراة هي توراة موسى، لكن أين؟ وكيف؟

نشير إلى قول بعض الباحثين: إنه لا توجد إشارة  في القرآن إلى ارتباط التوراة بموسى، وهو قول مردود بإجماع أهل الكتاب والصحابة ومن بعدهم، بأن التوراة هي توراة موسى (ع)، لكن بعيدًا عن هذا الإجماع الذي من حق البعض أن يرفضه، لماذا لم يذكر القرآن ذلك صراحة.

وأين نجد في القرآن ما يشير إلى ذلك؟

كما ذكرنا يوجد فرق بين (الألواح- التوراة- الكتاب – الصحف).

إن الإشارة الأولى المباشرة  إلى أن التوراة هي توراة موسى، قوله تعالى في (سورة الأعراف، الآيات 155- 157): ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

فالتوراة هنا ذكرت في سياق مخاطبة الله تعالى نبيه موسى (ع)، وقد يعترض البعض بسبب الالتفات البلاغي، وذكر الإنجيل في هذا الموضع، فمع هذا، فإن ذكر التوراة في سياق ذكر موسى دليل كاف على أن التوراة هي توراة موسى (ع)، وأسباب طرح هذا السؤال هي:

  1. قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى الألْوَاحَ﴾. (سورة الأعراف، الآية 150)، فهل عندما ألقى موسى الألواح، تكسرت، كما جاء في سفر الخروج وفي بعض التفاسير، أم ظلّت كما هي؟
  2. قوله تعالى: ﴿أَخَذَ الألْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ …﴾. (سورة الأعراف، الآية 154)… ولم يقل وفيها، بل قال وفي نسختها، فهل كلمة نسخة تعني نسخة أخرى نسخها موسى من الألواح، خلافًا للمرة الأولى التي لم تذكر فيها كلمة نسختها؟ ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً …﴾. (سورة الأعراف، الآية 145).
  3. قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾. (سورة النحل، الآية 118). وقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾. (سورة النساء، الآية 160).

الذين هادوا.

نلاحظ عدم ذكر مصطلح (بني إسرائيل) في هذه المواضع، بل ذكر مصطلح (الذين هادوا)، فمتى وأين حدث هذا التحريم على الذين هادوا؟ هل قبل إلقاء الألواح أم بعدها؟

نسختان للتوراة

نرى، أن هناك نسختين من التوراة.

توراة ما قبل عبادة العجل، وكان فيها نوع من المرونة في التحليل والتحريم.

وتوراة ما بعد حادثة عبادة العجل والتي كانت بداية استعمال مصطلح الذين هادوا، أي الذين عبدوا العجل عندما قال موسى (ع) نيابة عن قومه: إنا هدنا إليك، فقوله: إنا هدنا إليك كانت المرحلة الانتقالية لاستعمال مصطلح الذين هادوا، فعاقب الله بني إسرائيل على عبادتهم العجل بتحريم أشياء كانت مباحة.

ولا يخفى أن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾. (سورة المائدة، الآية 44)… يعني موسى ويوشع بن نون ومن جاء بعدهما، للذين هادوا أي بعد حادثة العجل.

والله أعلى وأعلم وأعظم…


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.