الصيام في الأديان السماوية

الصيام في الأديان السماوية

امتثالًا للغاية العليا المتجسّدة في قوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[1] والمتحقّقة في جملة من العبادات التي تسمو بالإنسان، وتبرز مفهوم إنسانيّته وخلقته كما أراد خالقه عزّ وجل، كان الصيام مصداقًا بارزًا لتحقّق العبادة الخالصة لله عزّ وجل مع تنوّع أشكال أدائه في الرسائل السماويّة المتلاحقة.

قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[2].

فما الفرق بين كُتب عليكم وفرض عليكم؟

قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾، ولم يقل فرض، وهذا الاختيار واقع لحكمة القائل، لأنّ الكتابة أوثق وأشدّ وجوبًا من الفرض. والكتابة في اللُّغة بمعنى الجمْع والتثبيت والاتيان بها بصيغة الماضوية فيه معنى الفرض وزيادة، والزيادة هي عدم إمكان التخلّف عن هذا الفرض أو النقاش في إمكانيّة عدم فرضه، لأنّ حتميّة “كُتِبَ” واضحة، ومنها قوله تعالى ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾[3] .

ولأنّ الصيام فيه من المشقّة ما تضيق به الأجساد من امتناع عن أمور تشكّل حاجة يوميّة لها كالطعام والشراب كان قوله تعالى ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ لطمأنة القلوب بأنّ هناك أقوامًا ممّن آمنوا بالله قد فُرِض عليهم الصوم، وأنّهم بهذا التكليف يتبعون خطى المؤمنين ممّن سبقهم ليصلوا إلى برّ التُقى بعد أن ذيّل ذلك بقوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

 أمّا استخدام الصيام لا الصوم فهذا من خصائص التعبير القرآني، إذ لم يستعمل الصوم في العبادة، وإنّما استعملها في الصمت فقط ﴿إني نذرت للرحمن صومًا﴾[4]. الصوم هو الإمساك والفعل صام يصوم صومًا وصيامًا كلاهما مصدر، وربّنا استعمل الصوم للصمت وهما متقاربان في اللفظ والوزن (الصوم والصمت)، واستعمل الصيام للعبادة لأنّ المدة أطول (صيام)، والمتعلّقات أكثر من طعام وشراب ومفطرات فهي أطول فقال صيام.

الصوم في الديانات السماويّة

  1. اليهود

كان الصوم ولبس المسوح والتذلّل بالإضافة إلى كونها طقوسًا دينيّة خاصّة بالعبادة للوصول إلى رضى الرب، وتعبيرًا عن الحزن والحداد عند موت الأقارب أو عند وقوع الحوادث الطبيعيّة وأوقات الخطر أو عند استدرار المطر وطلب عطف الربّ كما يشير العهد القديم أنّ الصوم لم يقتصر على البشر فقط بل تعدّاهم إلى الحيوانات أيضًا وذلك وفقًا لما جاء في سفر يونا[5].

لم تكن هناك قواعد تحكم الصيام الفردي كما في الصيام الجماعي حيث حدّدت نظم ومواعيد وقواعد معيّنة له، وكان ذلك مرتبطًا بتجمّعات قبليّة، للتعجيل بالتوبة؛ فكان يعدّ يوم الغفران هو يوم الصيام المفروض على بني إسرائيل وفقًا لما جاء في التوراة، فهو مناسبة خاصّة ويسمّى يوم جهاد النفس والغرض منه يكون التكفير عن الذنوب الشخصيّة، والصيام فيه يجسّد الخضوع والتوبة وطلب الصفح وغفران الذنوب. ويعتبر هذا اليوم بنصّ التوراة على لسان موسى هو يوم الفرض الوحيد وباقي الأيّام اختياريّة[6].

يبدأ الصوم عند غروب الشمس في اليوم السابق ليوم الصوم، ويستمرّ حتّى بعد غروب شمس يوم الصوم بحوالي نصف ساعة ويحدّد بداية الخروج من وقت الصوم وظهور أوّل نجم في السماء وبذلك يؤذن بالإفطار .

ونرى أنّ الصوم جاء في مواقع عديدة من العهد القديم حيث أشار إلى أنّ اليهود يلجأون إلى الصوم عادة تقرّبًا إلى الله ولقضاء أمور معيّنة، ولذلك يمتنعون عن الطعام والشراب وملذّات الحياة.

  1. الصوم عند المسيحيين

اهتمّ شرّاح الكتاب المقدّس بالصيام رغم اعترافهم بعدم وجوب فرضه فيه تحديدًا آنيًّا أو كيفيًّا، ويعتبرونه إلى جانب الصلاة والصدقة أحد الأركان الأساسيّة لدينهم.

ليس في العهد الجديد وصيّة تطلب الصوم، إنّما يفهم أمره أنّه أمر اختياري يلجأ إليه المسيحي عند الحاجة ويقترن بالصلاة والتذلّل، وليس في الكتاب المقدّس ما يحظر التنادي إلى يوم صوم وصلاة في كنيسة من الكنائس ولأجل حاجة ما.

والصوم لم يفرض في الأناجيل كفرض واجب، بل كلّ ما فيها هو مدح للصيام، مع النهي عن الرياء وإظهار الكآبة فيه، فقد قال الإنجيل :”ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين، فإنّهم يغيّرون وجوههم لكي يظهروا للناس صائمين”[7].

ويرى بعض المسيحيين أنّ لم يفرض عليهم صيامًا إلّا الصوم الكبير (صوم يوم الكفارة) السابق لعيد الفصح، وهو اقتداء بصوم اليهود المعروف بصوم (كيبور(.

ومدة الصوم الكبير خمس وخمسون يومًا، ودعي بالكبير لأنّه يحتوي على ثلاثة أصوام هي :

۱ – أسبوع الاستعداد أو بدل السبوت.

۲ – صوم الأربعين يومًا المقدّسة التي صامها المسيح صومًا انقطاعيًا.

۳ – صوم أسبوع الآلام.

وفي هذا الصوم، لا يؤكل السمك الذي يؤكل في الصوم الصغير (صوم الميلاد)، وذلك زيادة في التقشّف والتذلّل أمام الله.

ويختلف موعد هذا الصوم، في الكنيسة الأرثوذكسية، من عام إلى آخر بحسب تاريخ يوم عيد القيامة الذي يحدّد في أي سنة من السنين بحسب قاعدة حسابيّة مضبوطة بحيث لا يأتي قبل يوم ذبح خروف الفصح أو معه وإنّما في يوم الأحد التالي له، حسب تعاليم الكنيسة.

ولا بدّ في الصوم من الانقطاع عن الطعام لفترة من الوقت، وفترة الانقطاع هذه تختلف من شخص إلى آخر بحسب درجته الروحيّة واختلاف الصائمين في سنّهم واختلافهم أيضًا في نوعيّة عملهم ولمن لا يستطيع الانقطاع حتى الساعة الثالثة من النهار فإنّ فترة الانقطاع تكون بحسب إرشاد الكاهن.

  1. الصوم عند الصابئة المندائيين

يؤكد ابن النديم فرض الصيام على الصابئة فيقول: “والمفترض عليهم الصيام ثلاثون يومًا، أولها لثمانٍ مضين من اجتماع آذار، وتسعة أخر، أولها لتسع بقين من اجتماع كانون الأوّل، وسبعة أيّام أخر، أوّلهما لثمانٍ مضين من شباط[8].

كان الصوم عند الصابئة على نوعين:

الصوم الكبير: وهو رمزي (صوماربا) وهو الامتناع عن الفواحش والرذائل والمحرمات وكل ما يسيء إلى الإنسان وعلاقته بربّه. ويدوم طيلة حياة المندائي على الأرض فهو صوم العقل والقلب والضمير.

والصوم الصغير: هو الامتناع عن تناول اللحوم وذبح الحيوانات لمدة 32 يومًا مقسمة على أيام السنة المندائية 360 يومًا.

أمّا (صابئة اليوم) فيحرِّمون الصوم؛ لأنّه من باب تحريم ما أحلَّ الله على حد زعمهم[9] .

  1. الصوم في الإسلام

صيام شهر رمضان فرض بإجماع المسلمين وفضائله متعدّدة وفيه ليلة القدر، وهو عند المسلمين موعد للفرحة، والبر والصلة، وعوائد الخير. وهو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس وهو فرض على كلّ مسلم مكلّف مطيق للصوم غير مترخّص بسبب المرض أو السفر، ولا يصحّ الصوم إلا من مسلم عاقل مع خلوّ المرأة من الحيض والنفاس. وللصوم أحكام مفصّلة في علم فروع الفقه، ومنها وجوب الصوم، وأركانه، وشروطه، ومبطلاته، ومستحبّاته، ومكروهاته، وأحكام الفطر، والأعذار الشرعيّة المبيحة للفطر، ومواقيت الصوم، لدخول الشهر وخروجه، ووقت الإمساك، والتسّحر، والإفطار، والقضاء والأداء وغير ذلك.

شرّع صيام شهر رمضان على مرحلتين:

المرحلة الأولى: مرحلة التخيير: في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[10].

والمرحلة الثانية: مرحلة الإلزام والتحتيم: وهي أيضًا في مرحلتين:

من بعد وقت العشاء حتى الغروب من اليوم التالي: وهو قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.[11]  وفي هذا الوقت، كان البعض يشعر بالمشقّة عليه جرّاء فصله عن مقاربة أهله.

بعد أن شقّ على المسلمين ذلك، وشكوا للنبي أنزل الله تعالى بيان الأمر النهائي، والذي استقرّ عليه أمر الصيام، وهو قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾[12].

 نسأل الله سبحانه تقبّل الأعمال والطاعات، وأن يمنّ علينا بقبول صيامنا وقيامنا وأن يهبنا ما وهب عباده الصالحين بالتقوى ونشر الفضيلة وإحياء ما خلقنا لأجله (إلا ليعبدون)، والحمد لله ربّ العالمين .

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. العهد القديم.
  3. إنجيل متى.
  4. د. محمد الهواري، الصوم في اليهودية دراسة مقارنة (الطبعة 1، 1988).
  5. د.سامي محمود الإمام، الفكر العقيدي اليهود موسوعة تختصر محتوى أجاء المشنا الستة (جامعة الأزهر كليّة اللغات والترجمة).
  6. د.ألفت محمد إمام، العقيدة الدينية والنظم التشريعية عند اليهود كما يصورها العهد القديم (مكتبة سعيد رأفت) .
  7. الحاخام عادين شتيزلتس، معجم المصطلحات التلمودية، ترجمة د. مصطفى عبد المعبود سيد (جامعة القاهرة: مركز الدراسات الشرقية).

[1] سورة الذاريات، الآية 56.

[2] سورة البقرة، الآية 183.

[3] سورة الأنعام، الآية 12.

[4] سورة مريم، الآية 26.

[5]  سفر يونا، الفصل 7، الصفحات 3 -8.

[6] سفر اللاويين، الفصل 27، الصفحات 23 – 32.

[7] إنجيل متى، الفصل 16، الصفحة 6.

[8] الحسني، الصابئون في حاضرهم وماضيهم، الصفحة 109.

[9] للمزيد، انظر، حمادة، تاريخ الصابئة المندائيين الليدى داراور، الصابئون المندائيون، ترجمة نعيم بدوى وغضبان رومي.

[10] سورة البقرة، الآيتان 183و184.

[11] سورة البقرة، الآية 185.

[12] سورة البقرة، الآية 187.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
شهر المغفرةأيام اللهالصومشهر رمضانالمسيحاليهود

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*