صراع بين العقل والهوى: البصيرة في مدرسة عاشوراء

صراع بين العقل والهوى: البصيرة في مدرسة عاشوراء
عاشوراء مدرسة بلا حدود، دروسها لا تُحصى، وهي خالدة، تتصل بكل أبعاد الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية، وتعطي نموذجًا خالدًا للإيثار والتضحية والصبر والشجاعة والحب وبعد النظر، ومعرفة وفهم الظرف والزمان. هي دروس للعوام والخواص، لكل زمان ومكان، ولكل من يتمتّع بالعقل مهما كانت خلفيته، مما يدل على وحدانية النظرة إلى إنسانية ومظلومية الحسين (ع) وأصحابه. لم يكن الهدف فيها الشهادة ولا الانتصار فهما نتيجة وليسا هدفًا، ولم يكن تحقيقًا لذات أو غاية، بل كان الهدف أداء الوظيفة والتكليف وهنا يأتي درس البصيرة.
في معنى البصيرة، فهي عقيدة القلب، ويقال: بصُر بالشيء علم به، وبصر الأمر: عرفه، وبصرته بالشيء: أوضحته له[1]. وهي في المعجم الوسيط: قوة الإدراك والفطنة والعلم والخبرة[2]. والبصيرة ضروريّة لمعرفة ما هو صحيح من قول وفعل، فيمكن بذلك تحديد الهدف والمراد من التكليف الإلهيّ، فيسعى بعد ذلك لإقامته ويتحمّل لأجله الأعباء دون أن يتردّد فيه.[3] وللبصيرة ما يلازمها وهو الاستقامة؛ فكلمة الاستقامة تفيد، كما جاء في لسان العرب، معنى الاعتدال والاستواء، يقال: استقام له الأمر أي اعتدل[4].
الإسلام دين لا تنفصل فيه الديانة عن السياسة، وهذا ما صرّح به كلّ العلماء والمفكّرين والمصلحين وأهل البصيرة طوال التاريخ. كذلك الأمر في المسيحيّة واليهودية، فالديانة فيهما توأم للسياسة. وهذا ما قدّمه الإمام الحسين (ع) في مدرسة عاشوراء. من الصعب فهم الحوادث التاريخيّة بكل حيثياتها، فذلك يحتاج إلى وقت وإلى رؤية عميقة وبصيرة. كثيرًا ما يحكم الإنسان على حادثة معيّنة بنظرة سطحيّة، إلّا أنه بمرور الزمن واتضاح ملامح القضيّة تتبدّل الأحكام. عندما تكون الخنادق والصفوف متمايزة ومفصولة عن بعضها بعضًا يسهل التمييز بين الحق والباطل، إلّا أن المشكلة تكمن في تداخل هذه الصفوف فيختلط خندق الحق وخندق الباطل.
هكذا كان الحال في زمن الإمام الحسين (ع). یقول الإمام الخامنئي في أحد خطاباته في دروس الإمام الحسين (ع) التي لا تنحصر في كربلاء فقط، بل هي تكمن في إيضاحه للقضايا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منى وعرفات في حجه الأخير، وفي طريقه إلى كربلاء، وفي ساحة كربلاء نفسها، فكان دائمًا صاحب تبيين وتنوير، حتى أنه وفي ساحة الحرب كان ينتهز الفرص ليتحدث مع الطرف المقابل عسى أن يتمكّن من بث شعلة التنبّه فيهم. بعض النيام في كربلاء استيقظوا كالحر الرياحي، وهذا ما يحتاج إلى بصيرة وهو ليس بأمر شاق أو مستحيل، بل يحتاج إلى أن يتحرّر الإنسان من هوى النفس والأحكام المسبقة، وأن ينظر ويتدبر ليجد ويفهم الحقيقة[5].
ففي الحر نرى انقلاب نتيجة الصراع بين العقل والهوى، فكفّة الهوى والشهوة كانت هي الغالبة في البداية؛ لأن طرفي المعادلة كانا بين منصب الدنيا واعتراض طريق الإمام (ع)، وحينها كان وقع ملذّات الدنيا أقوى تأثيرًا في إرادة الحر، أمّا مع علمه بمؤامرة بني أميّة وانكشاف نواياهم تبدّلت المعادلة، وغدت بين قتل الحسين(ع) ومنصب الدنيا، فانقلبت الموازين والغلبة لصالح قوّة العقل والبصيرة. هي لحظة حرجة لا بدّ أن يحدّد فيها الإنسان موقفه بوضوح تام من دون لبس وبصورة فوريّة وسريعة؛ لأن التأخير فيها قد يؤدّي إلى الغفلة، وهي لحظة فصلٍ؛ لأن فيها يُفصل بين الصحيح والفاسد والحق والباطل.
البعض منا حاله كحال الحر الرياحي يعيش صراعات داخلية نتيجة التضليل الإعلامي، فيبقى بلا تكليف أو تصبح الصورة في عينيه رمادية لا يميز فيها بين الحق والباطل. إن فقدان البصيرة لا يستغرق إلا لحظات من الغفلة كمن يقود السيارة فيغفل لحظة بسبب نعاس أو تعب، فتعقبها خسارة لا تعوض وهو ما لا يجب أن يقبله الإنسان، بل يسعى أن يبقى متيقظًا فلا يقع في لحظة من السهو. وفقدان البصيرة كما يعبّر الإمام الخامنئي في أحد لقاءاته ليس ذنبًا أو انعدام محبة أو ود أو إيمان، بل هو عدم معرفة اللحظة والحاجة، فمعرفة الوقت وتشخيص اللحظة والقيام بالعمل في وقت الحاجة لهو أمر غاية في الأهمية[6].
إن أصحاب البصيرة يستطيعون رؤية الجمال في شهادة الإمام الحسين (ع) في سبيل الحق، وتحقيق السلام، وزرع الطمأنينة، وخدمة الناس، وحفظ الدين والعقل، والانتصار على الهوى، ويتعلمون محاربة الظلم والهيمنة والوقوف في وجه الظالمين كأمثال الشمر ويزيد وابن زياد في هذا العصر. هذا هو استمرار مدرسة الإمام الحسين وهذه خلاصة قول الإمام علي (ع): “ولا یحمل هذا العلم إلّا أهل البصر والصبر”[7]،  فمن فيه هاتان الخصلتان، “البصر والصبر”؛ أي البصيرة والاستقامة ينجو من الفتن، وما الإمام الحسين (ع) ومدرسة عاشوراء إلّا مظهر للبصيرة والاستقامة.
 
[1]   لسان العرب (4 / 65)، والمصباح المنير (1 / 50 و247)، والنهاية في غريب الحديث والأثر (1 / 132).
[2] المعجم الوسيط.
[3] الإمام علي الخامنئي، البصيرة والاستقامة، (بيروت: دار المعارف الحكمية، الطبعة 1، 2016)، الصفحة 10.
[4] ابن منظور، لسان العرب، مصدر سابق، الجزء ١٢، الصفحة ٤٩٨.
[5]  البصيرة والاستقامة، مصدر سابق، الصفحتان  62 و63.
[6] المصدر نفسه، الصفحة 65.
[7] نهج البلاغة، خطبة رقم 173.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
البصيرةعاشوراءالعقل

المقالات المرتبطة

الأسطورة واللغة الدينية

في البداية، سأميّز بين الأسطورة كتعبير عن الخبرة الدينية، وذهنية الأسطورة كموقف يتخذه الإنسان بمواجهة الحقيقة الدينية. سنعالج هنا الأسطورة في علاقتها مع اللغة الدينية.

الإنحصارية الدينية مقاربة برهانية في نقد التعددية

يواجه أي فرد يبحث عن أجوبة دينية لأسئلة إنسانية، اتجاهات مختلفة من النظريات، تجعل الاختيار عنده أمرًا محيّرًا.

الإمام المهدي حقيقة أم خيال

الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلامًا على النبيّ المصطفى، وآله الحنفاء، وخلفائه الاثني عشر الشرفاء، وجمعنا الله تعالى بخاتمهم الخلف الهادي المهدي، أبي القاسم محمّد بن الحسن العسكري، إمام الزمان والرشاد، وحجّة الله على العباد، وبعد.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*