الوجود الإنسانيّ والوعيّ

الوجود الإنسانيّ والوعيّ
مدخل.
تقول أسطورة بوذية (1) قديمة جلس أرنب بري ذات يوم تحت أشجار المانجو فغلبه النعاس، وفجأة سَمِعَ صوتًا عاليًا، فَخُيِّلَ إليه أنَّ نهاية العالم قد اقتربت، وشرع يعدو. وحين رأته الأرانب الأخرى يجري سألته: لماذا تجري بهذه السرعة؟ فأجاب: لقد اقتربت نهاية العالم، فما أنْ سمعوا إجابته تلك حتى انضموا إليه، وحين شاهد الغزال الأرانب تجري سألها: لماذا تركضون بسرعة؟ أجابت الأرانب: إنَّنا نركض لأنَّ القيامة قد قامت. وهنا انضم إليها الغزال في الهرب وتبعه غيره من الحيوانات. وهكذا انضم نوع إثر نوع بالفرار حتى أخذت المملكة الحيوانية بالاضطراب، وعندما أبصر بوذا الحيوانات تتراكض- وكان يعيشُ عيشة رجل حكيم- سأل الجماعة الأخيرة التي انضمَّتْ إلى الهاربين، لماذا تجري على هذا النحو، أجابت: لأنَّ القيامة قد قامت، فقال بوذا: لا يمكن أن يكون هذا حقًّا. لم تقم القيامة، ولكن لِنَرَ لماذا يفكّرون على هذا النحو، ثم تحرَّى الحقيقة، فوصل إلى مصدر الشائعة، فالتفت إلى الأرنب، وسأله: أين كُنْتَ، وماذا صنعت حين عَلِمْتَ أن نهاية العالم قد حَلَّتْ؟ فأجابه الأرنب: كُنْتُ جالسًا تحت شجرة مانجو، فغلبني النعاس. فقال له بوذا: مِنَ المُحْتَمَلِ أنَّكَ سمعت ثمرة مانجو تسقط، فأيقظك صوتها، وانتابك الفزع، فاعتقدْتَ أنَّ القيامةَ قامت. فلنرجع إلى الشجرة التي جلست تحتها لنتبين الأمر. وذهبا معًا إلى الشجرة، فوجدا إحدى ثمار المانجو قد سَقَطَتْ حيث جَلَسَ الأرنب(2).
هذه القصة الخرافية الرمزية، تضعنا مباشرة أمام واقع، إذا افترضنا الجدول التالي:
 
العنصر
رمزه
الأرنب
الإنسان الفرد الذي يعيش في مجتمع محدّد.
الأرانب
المجتمع المتماثل الذي ينتمي له الفرد
الحيوانات
المجتمع الأوسع الذي تنتمي إليه المجموعات
القيامة                             
اللاوعي الجمعي
الحادث
هو الواقع الذي يلامس الوعي
الركض 
هو الوعي المستجيب للمحرك
بوذا
الوعي الحقيقي الكاشف
         
وإذا ذهبنا باتجاه الهيكل العام للقصة، سنجد الترسيمة التالية:
الشكل الأول: ترسيمة القصة
فهذه القصة ترمز إلى وجود لاوعي مشترك بين جميع هذه الحيوانات، جعلتها تتفهم هاجس القيامة، وتهرب منه، وهذا اللاوعي لم يأتِ من فراغ، إنَّما حضر لديها نتيجة إدراك معرفي ثبتته قيم عُليا تحدثت عنه، وما وقوع ثمرة المانجو واصطدامها بحقل الوعي بحتمية حصول القيامة وما تركته من انفعال لدى الحيوانات إلا المحفّز الذي جعل القصة تتطور بسرعة.
كما أنها تضع جملة من التساؤلات: من أين أتت الأفكار اللاواعية عند الفرد والجماعة؟ وكيف تكونت؟ ما هو الوعي؟ ما هي علاقة الوعي بالعالم الخارجي؟ وإذا تبدّلت تعريفاتها هل تبقى على ما هي عليه أم تتبدل؟ 
أسئلة كثيرة قد تثار، ولكنَّها جميعها تؤول إلى أصلٍ واحد، يتعلق في ماهية هذا المخلوق، الذي يمتاز ببعدين مادي ونفسي(1)، ومعرفته ليست مجرد طبع ذهني للمدركات، بل هي طبع يولّد انطباعًا وأثرًا، تفعل فيهما الذات فعلها الخاص؛ وهذه الذات ليست محضة، إنَّما هي نتاج جملة من الخبرات الدينية والثقافية والاجتماعية… المضافة إلى التجربة الذاتية للفرد، ولعلَّ هذا ما أوضحته القصة السابقة، فلو لم يكن هناك خبرات ثقافية ودينية قد انطبعت في الذاكرة الفردية والجماعية، لما كان هناك ردّة فعل إزاء واقع خارجي، وحتى لو فُهِمَ هذا الواقع الخارجي بشكل خاطىء.
 
(1)  البوذيّة هي الديانة الوحيدة التي لا يعلن مؤسّسها أنّه إله أو حتّى رسول الله أو نبيّه، بل يعلن أنّه البوذا (المتنور) الّذي يعلن طريقةً لخلاص البشر من دائرة الولادة المتكرّرة (سمسارا). لكنّ أتباعه حوّلوا تعاليمه إلى مبادئ دينيّة وألّهوه. ولد بوذا في حوالي السنة 558 ق.م. في إقليم ساكيا (جنوب النيبال) في عائلة هندوسية. توفيت أمّه مايا وهو في السابعة من عمره، فربّته عمّته. تزوّج في السادسة عشرة، وترك البيت الزوجي في التاسعة والعشرين بحثًا عن الحقيقة، فعاش اختباراتٍ روحيّة وصلت في نهايتها إلى إعلان عقيدة دينية جديدة تقوم على مبدأ الاتحاد باللامحدد، مات وهو في الثمانين من عمره. لكنّ كتّاب سيرة حياته أضافوا إليها بعض الأمور الملحميّة الأسطوريّة كي تكون حياته قدوة، ويمنحوا مؤسّس ديانتهم صفة قدسيّة إلهيّة. وتظهر هذه الملامح في الفنّ البوذيّ والعبادات والطقوس.
(2)  را: فروم، أريك: “الدين والتحليل النفسي”، ترجمة فؤاد كامل، (القاهرة: دار غريب، الطبعة1)، الصفحتان 39و40. 
(1)  مفهوم النفس الموجود هنا، قد يتعمق ليأخذ معنى الذاتية أو الأنا، بالإضافة إلى المعنى الأولي التي تذهب إليه دلالة المصطلح.

الدكتور أحمد ماجد

الدكتور أحمد ماجد

من مواليد خربة سلم، قضاء بنت جبيل. حاز الإجازة في الفلسفة من الجامعة اللبنانيّة 1991. كما حاز ديبلوم الدراسات العليا في الفلسفة عام 1997 عن أطروحة تحت عنوان "المصطلح الفلسفيّ عند صدر الدين الشيرازي"، تألّفت اللجنة المشاركة في النقاش من الدكتور رفيق العجم والدكتور علي زيعور والدكتور عادل فاخوري. حاز أيضًا الدكتوراه في الجامعة الإسلاميّة في لبنان عن رسالة تحت عنوان "مكانة الإنسان في النصّ والتراث الإسلاميّين في القرون الثلاث الأولى للهجرة"، تألّفت لجنة المناقشة من كلّ من الدكاترة: الدكتور علي الشامي، الدكتور هادي فضل الله، الدكتورة سعاد الحكيم، الدكتور ابراهيم بيضون، الدكتور وليد خوري. عمل في مجال التعليم في عدد من الثانويّات منذ 20 عامًا. عمل في الصحافة، وكتب في عدد من الوكالات والمجلّات اللبنانيّة والعربية الفلسفية المحكمة. باحث في قسم الدراسات في معهد المعارف الحكمية. أستاذ مادة منهجية البحث العلمي في معهد المعارف الحكمية. عمل مدير تحرير لعدد من المجلّات، منها مجلّة المحجّة. كتب في تاريخ الأديان من كتبه: المعجم المفهرس لألفاظ الصحيفة السجّاديّة بالاشتراك مع الشيخ سمير خير الدين. تحقيق الصحيفة السجّاديّة. الخطاب عند سماحة السيّد حسن نصر الله. تحقيق كتاب الأصول الثلاثة لصدر الدين الشيرازي. الحاكمية .. دراسة في المفهوم. العلوم العقلية في الإسلام. - بالإضافة إلى عدد كبير من الأبحاث والدراسات. العلمانية شارك في عدد من الكتب منها: الكتاب التكريمي بالدكتور حسن حنفي، نشر في القاهرة من قبل جامعة الزقازيق الكتاب التكريمي بالدكتور عبد الرحمن بدوي مؤتمر الديمقراطية دراسة علوم الإنسان في جبيل برعاية الأونسكو النتائج السياسية للحرب العالمية الأولى/ التشكلات اليسارية/ مجلة البيان المصرية شارك في العديد من المؤتمرات والندوات المحلية والدولية.



المقالات المرتبطة

نماذج من الدور القيادي للإمام الخامنئي في إدارة الأزمات

لا تخفى الصعوبات الجسيمة والمخاطر المـُحدِقة التي واجهت مخاض ولادة الثورة الإسلامية في إيران (1979م)، ولعلّ وصفها من قبل الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر بـ “حلم الأنبياء”

المراسم العاشورائيّة.. التوازن بين الشكلانيّ والمضمونيّ

في مثل هذه الأيام من كل سنة تكثر الكتابات عن عاشوراء لا سيما حملات النقد الواسعة التي تطال ما يسمى “المراسم العاشورائية”، وبعض ما يعتريها من مشهدية إحيائية تتعلق بالتطبير وضرب السلاسل وغيرها.

التصوّف والفنّ من منظور فلسفة الدين

“التصوف” و”الفن” كلاهما من مفردات عالم الوجدان بشكل أساسي، والبحث في العلاقة بينهما من المباحث التي تخوم العلم، ولما كان

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*