ساحة الرحمة لها باب اسمه التوبة

ساحة الرحمة لها باب اسمه التوبة

“أَنْتَ الَّذِي فَتَحْتَ لِعِبادِكَ بابًا إِلَى عَفْوِكَ، وسَمَّيْتَهُ التَّوْبَةَ، وجَعَلْتَ عَلى‏ ذلِكَ الْبابِ دَلِيلًا مِنْ وَحْيِكَ لِئَلّا يَضِلُّوا عَنْهُ، فَقُلْتَ تَبَارَكَ اسْمُكَ: ﴿تُوبُوا إِلَى‏ اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى‏ رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ويُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فَما عُذْرُ مَنْ أَغْفَلَ دُخُولَ ذلِكَ المنزلِ بَعْدَ فَتْحِ الْبَابِ وَإِقَامَةِ الدَّلِيلِ‏”.

  1. باب التوبة.

يقول الإمام زين العابدين (عليه السلام) في هذه الفقرة من دعاء الوداع مناجيًا ربّه: “أنت الإله الذي فتح لعباده بابًا إلى عفوه”، وكأنّه (عليه السلام) يشبّه محلّ العفو بساحة عظيمة جعل الله تعالى لها بابًا مفتوحًا في وجه الناس اسمه التوبة، لكن أين يقع هذا المحلّ؟ يعتبر الإمام السجّاد (عليه السلام) الوحي دليلَ هذه الساحة، والذي يُقاد العبادُ بواسطته نحو باب التوبة، حتّى لا يقعوا في الضلال؛ فعنوان محلّ العفو هو هذه الآية الشريفة التي يقول فيها الله عزّ وجلّ: ﴿تُوبُوا إِلَى‏ اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى‏ رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ويُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾، في ذلك اليوم الذي لا يُخزي فيه الله تعالى الرسول وأتباعه، بل يُعزّهم؛ وهو اليوم الذي يسير فيه أولياء الله تعالى نحو الجنّة الموعودة، في حين أنّ نورهم يشعّ أمامهم وعن أيمانهم؛ ومع أنّهم يتوفّرون على هذا النور، إلّا أنّهم يطلبون من الله تعالى أن يُتمّ نورهم ويغمرهم بغفرانه.

وفي نهاية هذه الفقرة، يقول الإمام زين العابدين (عليه السلام): “حينما فتح الله تعالى مثل هذا الباب، ودلّ على عنوانه، لم يبق لأيّ أحد العذر لعدم دخول ذلك الباب”. وبحقّ، كيف يتسنّى لنا بيان عظمة ذلك اليوم وذلك الباب وآثاره وبركاته بالقلم والكلام؟ لقد مهّد لنا مالكنا الرؤوف هذه الطريق، ودعا عباده الفقراء إلى هذه الوجهة بندائه العذب؛ وفي هذه الحالة، إذا کان المستجدي كسولًا، وذا همّة ضعيفة، ولم يمدّ يده لهذه المائدة الكريمة، وبقي محرومًا وجائعًا، وسلك سبيل الانحراف، فمن الذي يستحقّ اللوم؟ أهو الكريم لكرمه، أم اللئيم للؤمه؟ “فَما عُذْرُ مَنْ أَغْفَلَ دُخُولَ ذلِكَ المنزلِ”.

وبكلّ تأكيد، إنّ هذه الفقرات الواردة في ذكر الصفات الإلهيّة تُعِدّ العبد لنيل الرحمة الإلهيّة، وتُهيّئه للتوبة وطلب المغفرة؛ فاختيار هذه الصفات يرجع إلى تناسبها مع نهاية شهر رمضان المبارك، لأجل أن يرجو العبد من ربّه الغفران إذا كانت لا تزال لديه بعض الزلّات، ويلج في منزل عفوه ورحمته، فهناك العديد من الآيات التي تتحدّث عن التوبة في القرآن الكريم، نظير: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ‏ جَميعًا﴾[1]، ﴿وَهُوَ الَّذي يَقْبَلُ‏ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾[2]، لكنّنا نرى أنّ هذه الفقرة قد اختارت من بين جميع الآيات التي تحدّث فيها الله تعالى عن التوبة آيةً جرى فيها استعراض مجموعة من الصفات الخاصّة.

  1. التوبة رحمة أعلى بكثير من العدل.

في هذا المقام، يُطرح علينا التساؤل الآتي: إذا قضى الإنسان مدّة من عمره في الأعمال الحسنة، ومدّة أخرى في الأعمال السيّئة، فإنّ من المؤكّد أنّ الله تعالى لن يعتبر كافّة أفعاله سيّئة، بل سيجعل له ثوابًا على أفعاله الحسنة. وحينئذ، يأتي السؤال: ما هو الدور الذي تضطلع به التوبة في تحديد مصير الإنسان؟

في الجواب، بوسعنا القول: إذا فرضنا عدم وجود التوبة، وكان من المقرّر أن يُثاب كلّ واحد على حسناته، ويُعاقب على سيّئاته، فإنّ الذي قضى نصف حياته في أعمال حسنة، ونصفها الآخر في أعمال سيّئة ينبغي أن تُقسّم حياته الأخرويّة إلى قسمَين أيضًا، فيعيش في الفترة الأولى من عمره مثلًا في جهنّم، والثانية في الجنّة؛ وهذا هو عين العدل. لكن، إذا تاب العبد العاصي، ولم يعد إلى ارتكاب الذنوب، فإنّ معاصيه السابقة سيُتجاوز عنها بسبب التوبة، وتُمحى عقوبتها، بحيث يصير كأنّه لم يرتكب معصية أبدًا. وهذه هي الخاصّية التي تمتاز بها التوبة، وهو تفضّل عظيم جدًّا. فلو أنّ الله تعالى عذّب المذنب على ذنوبه، وأثابه على حسناته، لكان ذلك عين العدل؛ لكنّ الإله الذي “سبقت رحمتُه غضبَه”[3] بنى أفعاله على التفضّل الذي يفوق العدل بكثير. فالتفضّل الإلهيّ الخاصّ الذي يتعلّق بالتوبة يكمن في أنّه تعالى يغفر للعبد – الذي يتوب توبة حقيقيّة ويُؤدّي ما يلزم التوبة النصوح – جميع ذنوبه السالفة؛ فرغم كونه قد لوّث وجوده برجس الذنوب لعشرات السنين، وقضى معظم حياته في المعاصي الكبيرة، إلّا أنّ التوبة تأتي كالماء الزلال، وتهطل على جسد هذا الإنسان، فيصبح كأنّه لم يعبر أبدًا من وادي النجاسات؛ فيا له من فضل وكرم عظيم!

فبأيّ مقياس يُمكننا أن نقيس سعة هذا البحر؟! إنّ هذا العفو الكبير لا يُمكننا مقارنته أبدًا بتلك الرحمة التي تحكي عن مضاعفة ثواب العبادة عشر مرّات. وهذا هو كلام الله تعالى الذي يقرؤه عبادُه: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ‏ سَيِّئاتِكُم‏﴾[4]، ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ‏﴾[5]، فبمقتضى هذه الآيات، فإنّ الله تعالى يعفو، ويتغاضى، ويغفر، ويُبدّل شجرة العصيان الخبيثة بشجرة الحسنات: ﴿يُبَدِّلُ‏ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ‏﴾[6].

  1. الندم والتعويض شرطان أساسيّان لقبول التوبة.

السؤال الآخر الذي يُطرح هنا هو: هل تعمّ التوبة جميع الذنوب أم لا؟ فظواهر الآيات القرآنيّة مختلفة بشأن هذه المسألة، بحيث قد يُتصوّر وجود تعارض بين هذه الآيات. ومن باب المثال، يقول الله تعالى في سورة الزمر النورانيّة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعًا﴾[7]، كما نقرأ في آية أخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾[8]؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنّ الظاهر من بعض الآيات أنّ لتأثير التوبة في غفران الذنوب شروطًا؛ فلا يكفي قول: “أتوب إلى الله”، أو “أستغفر الله” في العفو عن كافّة المعاصي السابقة التي ارتكبها التائب، حتى ولو كان صادقًا في توبته، بل إنّ قبول هذه التوبة متوقّف على مجموعة من الشروط؛ مثل قول البارئ عزّ وجلّ في سورة الفرقان: ﴿وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتابًا﴾[9]، حيث اشتُرط على بعض العصاة القيام بعمل صالح خاصّ؛ وهؤلاء هم الذين يكتمون الحقائق الدينيّة، ولا يُبلّغون الناس بما هو لازم وضروريّ، لا سيّما علماء أهل الكتاب الذين أخفوا الحقائق المتعلّقة بالإسلام ورسول آخر الزمان مع أنّهم كانوا ملزمين ببيانها للناس، حيث لن يُغفر لهم، إلّا أن يتوبوا، ويُظهروا للناس ما كانوا أخفوه من قبل. ويقول الله تعالى عن هؤلاء: ﴿إِنَّ الَّذينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ والْهُدى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ‏ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون‏ * إِلَّا الَّذينَ تابُوا وأَصْلَحُوا وبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ‏ عَلَيْهِمْ وأَنَا التَّوَّابُ الرَّحيم‏﴾[10]؛ فهذه في الحقيقة هي لوازم التوبة الخالصة والنصوح.

ففي معظم الحالات، إذا ندم المذنب على ذنبه حقيقة، واعتقد أنّه قد أقدم بفعله هذا على تدمير سعادته، وبيع النعم الإلهيّة بنار جهنّم، فإنّ الدموع ستنهمل من عينيه، وسيلقي اللوم على نفسه، ويسعى لتدارك ما فاته؛ ومن باب المثال، إذا ترك أداء صلاة الصبح، ثمّ ندم على ذلك، فإنّه سيعمد إلى قضائها؛ وإذا ضيّع حقوق الآخرين، فإنّه سيسعى لتعويضهم. فلو أنّ العاصي ندم حقيقةً على فعله، فإنّ ندمه سيستتبع تلك اللوازم. ولهذا، حينما قال شخص في محضر أمير المؤمنين: “أستغفر الله”، وشعر الإمام (عليه السلام) أنّ هذا الذكر مجرّد لقلقة لسان، فإنّه عاتبه، وقال له: “ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَ تَدْرِي مَا الِاسْتِغْفَارُ؟”، ثمّ قال: “الِاسْتِغْفَارُ […] اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ أَوَّلُهَا النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى، والثَّانِي الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَدًا، والثَّالِثُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ […] والرَّابِعُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا، والْخَامِسُ [وهو الأعجب من البقيّة] أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اللَّحْمِ‏ الَّذِي نَبَتَ عَلَى السُّحْتِ فَتُذِيبَهُ بِالْأَحْزَانِ [وبعبارة أخرى، إذا ندم الإنسان حقيقةً على ذنبه، عليه أن يُطهّر ساحة وجوده من كلّ ما نما منها من المال الحرام؛ وكما أجاز لنفسه نموّ هذا اللحم على بدنه من السحت، عليه أن يسعى للتخلّص منه؛ لأنّ هذه النجاسات لن تسمح له بدخول الجنّة]، والسَّادِسُ أَنْ تُذِيقَ الْجِسْمَ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلَاوَةَ الْمَعْصِيَةِ”[11].

فمن خلال هذا العزم الراسخ، يُمكن الكلام، وقول: “أستغفر الله ربّي وأتوب إليه”؛ وفي هذه الحالة فقط، يُمكنه أن يسمع كلام الله تعالى الذي يقول فيه: ﴿وَهُوَ الَّذي يَقْبَلُ‏ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِه‏﴾[12]، و﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعًا﴾[13].

لكن، حذار أن نظنّ أنّ طريق التوبة مغلق أمامنا إذا لم نملك الهمّة للقيام بكلّ هذه الأعمال؛ إذ قيل لنا من أجل تشجيعنا: “كلّما تقدّمتم في هذا الطريق خطوة، وفي كلّ لحظة تذكرون الله تعالى وتندمون على أفعالكم السيّئة، ينقص عقابكم”. ولكن إذا أردنا أن تتمّ توبتنا، ونكون من التوّابين الذين اعتبرهم القرآن الكريم من محبوبي البارئ عزّ وجلّ، الذين قال عنهم الحقّ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابينَ‏﴾[14]، علينا أن نلتزم بتلك اللوازم. إذ للتوبة مراتب أوّلها أن يندم العاصي حقيقةً، وقد جاء في الرواية: “كَفَى بِالنَّدَمِ تَوْبَةً”[15]، فلو أنّ المذنب ندم حقيقةً، فإنّ ندمه هذا توبةٌ؛ وعلامة الندم الحقيقيّ أن يمتنع النادم عن ارتكاب المعصية إذا تهيّأت الأسباب في اللحظة التالية لتكرارها. لكن، إذا كان ندمه سطحيًّا، فإنّه سيرتكب الذنب مرّةً أخرى، ويختفي أثر توبته، شأنه في ذلك شأن الأمواج العاتية التي تثور عند هبوب الرياح، ثمّ تهدأ بعد مدّة قصيرة، وتسكن فورتها مثل السابق؛ فهل من الممكن القبول بهكذا توبة؟

ولا يخفى أنّ القرآن الكريم صرّح بعدم الرضى عن توبة بعض الأفراد مطلقًا، نظير ما جاء في الآية الشريفة: ﴿إِنَّ الَّذينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ولا لِيَهْدِيَهُمْ‏ سَبيلًا﴾[16]، حيث عمل هؤلاء في الحقيقة على سدّ باب التوبة أمام أنفسهم. ويقول الله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَريبٍ […] ولَيْسَتِ‏ التَّوْبَةُ لِلَّذينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾[17]، والمصداق التامّ لهذه الآية فرعون الذي لم يُؤمن حتّى حان وقت غرقه، فكان يعد موسى على الدوام قائلًا: “إذا قمت بالمعجزة الكذائيّة، فإنّني سأؤمن بك”، غير أنّ قلبه كان مكبّلًا بأمر آخر، ولم يكن مصمّمًا على الاعتراف بالحقّ، إلى أن حلّ يوم الانتقام؛ وفي النهاية، وحينما أصبح على مشارف الغرق، قال: ﴿آمَنْتُ‏ أَنَّهُ‏ لا إِلهَ إِلَّا الَّذي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيل‏﴾[18]، لكنّ جبرائيل (عليه السلام) وضع في فمه حفنةً من الطين وقال: “لم يعُد هناك مجال لهذا الكلام، فبماذا سينفعك قول “آمَنتُ” في هذا الوقت الذي ترى فيه أنّك ستموت ذليلًا؟”. ففي هذه الآية، يقول البارئ عزّ وجلّ إنّ هذه التوبة غير مقبولة، وهي توبة – بأحد المعاني – زائفة، بل إنّها مجرّد حيلة. فلو فرضنا أنّ هذا الإنسان ندم وسعى للتراجع في اللحظات الأخيرة قبل موته، فإنّه لن يكون قصد التوبة حقيقةً؛ ولو أنّه لم يكن قد واجه الموت، لما كان أقدم على التوبة أبدًا؛ فهكذا إنسان مستثنى من القاعدة، ولن تُقبل توبته بتاتًا، بل إنّ توبته لم تكن حقيقيّة من الأساس، وفي الحقيقة، فإنّ توبته نوع من أنواع الاحتيال.

  1. الجهل النظريّ والجهل العمليّ.

توجد في الآية التي أشرنا إليها سابقًا مسألة مبهمة تجب إماطة اللثام عنها، تتمثّل بقيد “بِجَهالَةٍ”، حيث ذكر البعض أنّ مراد هذه الآية أنّه إذا كان أحد جاهلًا بقبح الفعل، وارتكبه، ثمّ علم بعد ذلك بأنّه قام بفعل قبيح، وتاب، فإنّ توبته ستكون مقبولةً؛ وأمّا إذا كان يعلم منذ البداية بقبح ذلك الفعل، ومع ذلك قام به، فإنّ الله تعالى لم يجعل له الحقّ في قبول توبته. أجل، إذا رضي البارئ عزّ وجلّ بتوبة هذا العبد بتفضّله، فإنّه سيكون قد رفق به كثيرًا؛ وإلّا، فلا مجال هنا للعبد لكي يعترض ويُطالب بشيء، كما أنّه لا يملك أيّ حقّ على الله تعالى. هذا، وقد بيّنا آنفًا أنّ المراد من الحقّ الذي نمتلكه على الله تعالى هو ذلك الحقّ الذي جعله الله تعالى على نفسه لعباده. ومن هنا، فإنّ مقصود هؤلاء العظماء أنّ الله تعالى لم يجعل حقّ التوبة للذين يرتكبون المعصية مع علمهم بقبحها وسوئها. لكن، هناك طائفة أخرى من العظماء تعتقد أنّ المراد من الجهالة هنا ليس هو الجهل وعدم الاطّلاع على الحكم، بل المراد منها السفاهة[19].

وعمومًا، فإنّ للجهل والجهالة نوعَين من الاستعمال في اللغة العربيّة: فتارةً يُستخدم الجهل في مقابل العلم (العلم النظريّ الذي يعني التعرّف على واقعيّة ما)، وتارةً يُستخدم في معنى العمل غير العقلانيّ، فيقع حينئذ في مقابل العقل. وقد جُعل الجهل في موسوعاتنا الروائيّة – نظير كتاب الكافي الشريف الذي يُعدّ من أقدمها وأكثرها اعتبارًا – في مقابل العقل، حيث إنّ أوّل باب منه هو باب “العقل والجهل”، ثمّ يأتي بعده باب “العلم”. واستُعمل “الجهل” في القرآن الكريم في موارد يوجد فيها علم ظاهريّ، من دون أن يكون الإنسان فيها جاهلًا مطلقًا.

وإن للجهل الواقع في مقابل العلم ثلاث حالات: الأولى، أن لا يكون الإنسان ملفتًا إلى المسألة أبدًا، فلا يُطرح عليه كلّ من الموضوع والمحمول (سلب العلم)؛ نظير حال العديد من الأفراد العاديّين تجاه العلوم الدقيقة، لا سيّما الرياضيّات العالية التي لا تُطرح علينا بتاتًا بعض اصطلاحاتها ومسائلها، ولا نملك عنها أيّ سؤال، وذلك لخلوّ أذهاننا عن أيّ تصوّر عنها. والحالة الثانية، أن يُواجه الإنسان سؤالًا، لكنّه يكون جاهلًا بجوابه، وهذا هو الجهل البسيط (عدم العلم عمّا من شأنه أن يُعلم). والثالثة، أن يظنّ الإنسان أنّه عالم بجواب السؤال، لكنّ جوابه يكون خاطئًا (الجهل المركّب). إنّ هذه الحالات بأجمعها تتعلّق بقضايا خبريّة تحكي عن أنّ الفعل الكذائيّ هكذا، أو ليس كذلك؛ فإمّا أكون عالمًا بأنّه بهذا النحو، أو أنّه ليس كذلك.

وأمّا الاستعمال الآخر للجهل، فيتعلّق بالفعل السفيه وغير العقلانيّ، حيث جرى في العديد من مواضع القرآن الكريم استخدام هذه الكلمة في هذا المعنى؛ مثلما قال نبيّ الله لوط مخاطبًا قومه: ﴿أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾[20]، حيث تعني عبارة ﴿قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ في هذه الآية: “أنّكم أناس يقومون بأفعال جاهلة”، ففعل “تجهلون” لا يعني “أنّكم لا تعلمون بقيامكم بفعل قبيح”، إذ ليس الجهل عيبًا كبيرًا، وكلّ شخص يجهل بمسائل كثيرة، لكن “أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ” عبارة عن أسوأ إهانة يُمكن توجيهها لهؤلاء الأفراد، ومعناها: “ما أسفه العمل الذي تقومون به!”.

وقد وردت في سورة البقرة قصّة عن بني إسرائيل استُعملت فيها عبارة من هذا القبيل، جاء فيها أنّ طائفتين من بني إسرائيل اختلفتا فيما بينهما، وحدثت في هذه الأثناء جناية، واتُّهم القوم الذين عُثر على جثّة المقتول في منطقتهم بالقتل، ممّا أفضى إلى وقوع خلاف شديد بين تلكما الطائفتَين؛ فذهبوا في الأخير عند نبيّ الله موسى للحكم بينهم. ولإنهاء المشكلة، أمر البارئ عزّ وجلّ بذبح بقرة، وضرب المقتول بذيلها، ليحيا الميّت بإذنه تعالى ويُخبرهم عن قاتله. ولهذا السبب، سُمّيت هذه السورة الكريمة بسورة البقرة. وقد قام نبيّ الله موسى (عليه السلام) بإطلاع الناس على الأمر الإلهيّ، لكنّهم بعد سماع كلامه قالوا متعجّبين: ﴿أَ تَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾[21]، فقال لهم موسى (عليه السلام): ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلينَ﴾[22]، حيث كان يريد القول: إذا سخرت من الناس، فإنّني سأكون قد قمت بفعل جاهل.

ولا يخفى أنّ تعبير القرآن الكريم عن هذه المسألة في قصّة نبيّ الله يوسف (عليه السلام) أصرح؛ ففي ذلك الموضع، يُخاطب النبيّ الكريم (عليه السلام) إخوته قائلًا: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ‏ وَأَخيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُون‏﴾[23]؛ ففي هذه الآية النورانيّة، ليس المراد من “الجاهلون” أنّ أولاد يعقوب لم يكونوا على علم بأنّ يوسف أخوهم، وبأنّ إلقاء الأخ في البئر أو قتله عمل قبيح، بل المراد من هذه الكلمة أنّهم ارتكبوا في حقّ يوسف عملًا غير عقلائيّ.

ومن الجدير بالذكر أنّه في اللغة الفارسيّة أيضًا تُستعمل مفردة “نادان” للدلالة على المعنيين معًا (الذي لا يعلم بإحدى الحقائق، والذي يقوم بعمل أخرق)؛ بينما تُستخدم كلمة “نابخرد” في حقّ الذي لا يُحسن الاستفادة من عقله، ويرتكب أفعالًا طائشة.

  1. التوبة من العمل الجاهل.

في هذه الآية الكريمة، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾[24]، ويُراد فيها من الجهالة العمل غير العقلائيّ والأخرق، ولا تعني هنا عدم العلم، بل المراد منها تلك الطائفة من الناس التي تمتلك العقل، إلّا أنّها عطّلته، ولم تستعمله؛ فعقلها إمّا منطفئ وخامد، وإمّا خاضع للشهوة والغضب.

ففي هذه الآية النورانيّة، يُراد من الذين يرتكبون المعصية بجهالة أولئك الذي يقومون بفعل سيّئ نتيجةً لحماقتهم وطيشهم، ثمّ يندمون مباشرةً، ويسعون لتدارك الأمر، حيث يُعدّ أمرًا طبيعيًّا بالنسبة للمؤمن أن يرتكب المعصية، ثمّ يتوب في الحين؛ والله تعالى يُشجّع هكذا إنسان، لكنّه في المقابل يقول: ﴿ولَيْسَتِ‏ التَّوْبَةُ لِلَّذينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾[25]؛ إذ لن تُقبل هذه التوبة، لأنّها في الحقيقة ليست توبة.

فالمراد من عبارة “من قريب” في هذه الآية: قبل حلول الموت؛ أي إنّ الله تعالى يقبل توبة أولئك الذين يرتكبون المعصية عن جهالة، ويتوبون قبل رؤية آثار الموت، مع أنّهم قد يكونوا مطّلعين على قبح عملهم. وفي الحقيقة، فإنّ الموت قريب جدًّا، ولو طالت مدّة حلوله لسنوات مديدة، كما نقرأ في الكتاب المجيد: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾[26]‏.

فالإنسان العاقل متى ما التفت إلى الضرر الذي يترتّب على فعل ما، فإنّه لا يُقدم عليه؛ اللهمّ إلّا أن تقف في تلك اللحظة بعض الموانع أمام عقله. وعليه، فإنّ الله تعالى لا يُريد أن يقول في هذه الآية إنّ التوبة مختصّة بالذين لم يكن لهم علم بقُبح الفعل، وإنه لا يخفى أنّ عدم اطّلاع هؤلاء على هذا التكليف ناجم عن تقصيرهم في تعلّم التكاليف الإلهيّة، ولهذا، فقد ارتكبوا في الحقيقة معصية، وتنبغي مؤاخذتهم على ذلك، لأنّ تحصيل العلم واجب. لكن، إذا كان الجاهل غير مقصّر في جهله، فإنّه لن يكون قد وقع في المعصية حقيقة، حتّى تلزمه التوبة.

فيبدو أنّ تفسير الجهل في هذه الآية بالحمق والطيش أقوى من التفسير الأوّل. وخلاصة القول، إذا قام الإنسان بعمل سيّئ، ثمّ ندم، وعزم على قضاء بقيّة عمره من دون معصية، في حين أنّه كان لا يزال يحتمل الحياة، ويمتلك القدرة على تكرار الذنب مرّة أخرى، فإنّه سيكون في الحقيقة قد وُفّق للتوبة النصوح، سواء بقي من عمره – فعليًّا – ساعة واحدة، أو مئة سنة. ومن هنا، يُستفاد من الروايات المتظافرة أنّ المراد من التوبة النصوح توبة الذي يستوي ظاهره وباطنه، وحينما يقول: “لقد ندمت”، فإنّه يكون نادمًا على ما ارتكبه من أعماق قلبه، وعازمًا على ترك المعصية للأبد.

وعليه، فإنّ الذي يتحصّل من هذا الفقرة من دعاء الوداع الشريف أنّ الإمام السجّاد (عليه السلام) يُناجي ربّه قائلًا: “إلهي، علاوةً على أنّك لا تستعجل في معاقبة العصاة، فإنّك فتحت لهم بابًا للعفو، ودعوت عبادك لولوج هذا الباب”، حيث تتمثّل الخاصّية العجيبة لهذه الساحة في غفران كافّة ذنوب العاصي عند دخولها؛ ولو كان قد لوّث روحه وجسده بالعصيان لمائة سنة؛ والأرقى من ذلك أنّ كلّ هذه المعاصي سوف تُستبدل بالحسنات، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿يُبَدِّلُ‏ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾[27].

 

[1] سورة الروم، الآية 53.

[2] سورة الشورى، الآية 25.

[3] محمد بن محمد بن النعمان العكبريّ البغداديّ (الشيخ المفيد)، كتاب المزار، مناسك المزار، الصفحة 161.

[4] سورة البقرة، الآية 271؛ سورة الأنفال، الآية 29.

[5] سورة البقرة، الآية 52.

[6] سورة الفرقان، الآية 70.

[7] سورة الزمر، الآية 53.

[8] سورة النساء، الآيتان 48 و116.

[9] سورة الفرقان، الآية 71.

[10] سورة البقرة، الآيتان 159 و160.

[11] نهج البلاغة، تحقيق صبحي صالح، الحكمة 417.

[12] سورة الشورى، الآية 25.

[13] سورة الزمر، الآية 53.

[14] سورة البقرة، الآية 222.

[15] محمد بن يعقوب الكلينيّ، الكافي، الجزء 2، الصفحة 426.

[16] سورة النساء، الآية 137.

[17] سورة النساء، الآيتان 17 و18.

[18] سورة يونس، الآية 90.

[19] راجع: محمد محسن الفيض الكاشاني، الأصفى في تفسير القرآن، الجزء 1، الصفحة 199.

[20] سورة النمل، الآية 55.

[21] سورة البقرة، الآية 67.

[22] سورة البقرة، الآية 67.

[23] سورة يوسف، الآية 89.

[24] سورة النساء، الآية 17.

[25] سورة النساء، الآية 18.

[26] سورة العنكبوت، الآية 5.

[27] سورة الفرقان، الآية 70.

 

**من كتاب وداع الربيع الصادر عن دار المعارف الحكمية



المقالات المرتبطة

آثار الخشوع القلبي في السلوك

مفهوم العظمة الإلهيّة ليس واضحًا عند كثيرٍ من الناس، وأذهانهم لا يمكنها أن تدركه وتفهمه. ومن هنا، يمكن الاستفادة من التأمّل في عظمة الخلق من أجل تهيئة الذهن لإدراك هذا المفهوم.

التوحيد والإلحاد في التوحيد

العمل الصالح لا يكون ذا قيمة ومؤثّرًا في إيصال الإنسان إلى السعادة إلّا إذا كان مستندًا إلى الإيمان؛ بل أكثر من ذلك، العمل الصالح أساسًا لا يجعل الإنسان سعيدًا إلا حينما يؤدّي إلى تقوية إيمان الإنسان ورفع درجاته: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.

اذكروني لكي أذكركم

بوسعنا القول إنّ حقيقة الذكر هي التوجّه القلبيّ، بحيث يكون الذكر له ارتباط بالقلب. ويُطلق الذكر أيضًا على استحضار شخص من خلال الإتيان باسمه، ويعود ذلك إلى وجود مناسبة بين هذه المسألة، وبين المعنى الحقيقيّ للذكر

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*