اذكروني لكي أذكركم

اذكروني لكي أذكركم

وَأَنْتَ الَّذِي دَلَلْتَهُمْ بِقَوْلِكَ مِنْ غَيْبِكَ وتَرْغِيبِكَ الَّذِي فِيهِ حَظُّهُمْ عَلَى مَا لَوْ سَتَرْتَهُ عَنْهُمْ لَمْ تُدْرِكْهُ أَبْصَارُهُمْ، ولَمْ تَعِهِ أَسْمَاعُهُمْ، ولَمْ تَلْحَقْهُ أَوْهَامُهُمْ، فَقُلْتَ: ﴿فاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ واشْكُرُوا لِي ولَا تَكْفُرُونِ﴾، وقُلْتَ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾”.

  1. الدعوة إلى الذكر والشكر باعتبارهما مظهرَين آخرَين للرحمة.

في القسم الأوّل والفقرات السابقة من دعاء الوداع، استعرض الإمام السجّاد (عليه السلام) من خلال الآيات القرآنيّة مجموعةً من الأسماء الإلهيّة الحسنى ومظاهر رحمة الله ولطفه التي يقتضي كلّ واحد منها شكره تعالى مدى الحياة، حيث كان الهدف من ذكر هذه المظاهر الرحمانيّة إعداد القلوب لنيل رحمة أكثر.

أما هنا، فيُشير الإمام (عليه السلام) إلى مسألة أخرى، ويُغيّر كذلك أسلوب كلامه قائلًا: “إلهي، أنت الذي أرشدت عبادك إلى شيء لو أنّك أخفيته عنهم، لما رأته أيّ عين، ولا سمعته أيّ أذن، ولا بلغه أيّ وهم أبدًا؛ فأنت وحدك الذي أخبرت من غيبك الناس بهذه المسألة بواسطة رسولك، ودللتهم على وجود هذه الحقيقة التي هي على درجة من الأهمّية، بحيث يعجز كلّ كلام عن بيانها، ولا يُمكن لأيّ لفظ توضيحها بشكل صحيح؛ فهذه الحقيقة هي التي أخبرت عبادك عنها في الآيات الكريمة بقولك: ﴿فاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ واشْكُرُوا لِي ولَا تَكْفُرُونِ﴾،[1] وأيضًا: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾”[2].

وقد طُرحت العديد من الأبحاث بشأن الآيات السابقة، وبخصوص مسألة الذكر والشكر[3]، كما أنّنا تحدّثنا عن هذا الموضوع في العديد من المناسبات بمقدار ما وفّقنا الله تعالى لذلك، لكنّني لا أذكر أنّني استفدت في أي مورد من عبارة الإمام السجّاد (عليه السلام) التي يقول فيها: “لقد بيّن الله تعالى لعباده في هذه الآيات مسألةً لم يكونوا ليطّلعوا عليها لولا أنّه أطلعهم عليها”، فحينما قرأت هذه الدعاء، أثارت هذه الجملة انتباهي كثيرًا، فكأنّني أشاهد عبارة كهذه لأوّل مرّة.

فيما يلي، سنتحدّث بدايةً عن الآيتَين السابقتَين قليلًا، ثمّ نعمد – بقدر المستطاع – إلى بيان مسألة من شأنها تمييز هذا الإرشاد الإلهيّ عن بقيّة النعم الإلهيّة.

  1. تفسير ﴿فاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾[4].

في هذه الآية، يقول الله عزّ وجلّ: “اذكروني حتّى أذكرَكم”، وهذه العبارة من جملة الموارد التي بُيّنت في القرآن الكريم بنحو متناظر. إذ قد تكلم الحق تعالى، في بعض الموارد، عن علاقته بعباده بعبارات لا تصدق على علاقة عباده به، نظير الخلق والرزق والثواب، حيث لا يُمكننا القول مثلًا: “اخلقوا الله لكي يخلقكم هو أيضًا”، كما لا ينبغي القول كذلك: “ارزقوا الله حتّى يرزقكم”، لأنّه سبحانه غنيّ مطلق، ولا يحتاج إلى رزق، ولا يُمكن لأيّ أحد إعطاءه شيئًا. وكذلك، ليس بوسعنا القول: “إذا أثبتم الله، فإنّه سيُثيبكم بدوره”، لأنّ الثواب عطاء أحاديّ من جانب الله تعالى إلى خلقه. هذا، وتوجد عبارات لا تصدق إلّا على علاقة العباد بربّهم، نظير العبادة، حيث من المسلّم عدم جواز استعمال هذه العبارة بعينها لبيان علاقة الله تعالى بعباده؛ فليس بوسعنا، مثلًا، القول: “إذا عبدتم الله، فإنّه سيعبدكم أيضًا”، بل يجب أن نقول فقط: “يتوجّب على العباد أن يعبدوا ربّهم”. ومن هنا، نجد أنّ هناك عبارات تختصّ بالله تعالى ولا تصدق على عباده، وعبارات تختصّ بالعباد ولا تصدق في حقّ الباري عزّ وجلّ.

لكن، نشاهد في القرآن الكريم بعض العبارات التي وردت بنحو متناظر، بحيث إنّها قد استُعملت لبيان علاقة الله بعباده، ولبيان علاقتهم به تعالى في الوقت ذاته. فعلى سبيل المثال، يقول الله تعالى في كتابه المجيد: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُوني‏ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾[5]، وعليه، فإنّ المحبّة قد تكون من الله تعالى تجاه خلقه، وقد تكون من العبد تجاه ربّه. وفي موضع آخر، يُصرّح عزّ وجلّ: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ﴾[6]، ففي هذه الآية، يُخاطب الله تعالى المسلمين في صدر الإسلام بقوله: “إذا تخلّيتم عن الإسلام، وصرتم مرتدّين، فإنّ ذلك لن يكون مدعاة للقلق؛ لأنّ الله تعالى سيأتي بأفراد يُحبّهم ويُحبّونه”. هذا، ومن المسلّم أنّ الله خاطب المسلمين بدايةً بهذه العبارة لوجود مناسبة خاصّة؛ وإلّا، فإنّه تعالى لم يكن ليقول: “أيّها المؤمنون، إذا ارتددتم…” دفعةً واحدة ومن دون مناسبة، حيث ينبغي البحث في محلّه عن هذه المناسبة. وخلاصة القول إنّ المحبّة توجد من طرف الله تعالى تجاه عباده، ومن طرف العباد تجاه ربّهم. وإنّ كلمة “الرضى” هي أيضًا من الكلمات “ثنائيّة الجانب”، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ‏﴾[7].

ومن بين الألفاظ التي جاءت في القرآن بنحو متناظر، لفظ “الذكر”، كما قال البارئ تعالى في خطابه لعباده: ﴿فاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾[8]. ولا يخفى أنّ هذا المعنى يصدق أيضًا على “الشكر”، إذ بوسعنا القول إنّ الله تعالى يشكر الذي يشكره، وقد ورد في دعاء الوداع: “تشكُرُ مَن شَكَرَكَ”؛ ومن هنا، فمن الممكن أن يشكر العبد ربّه، ويشكر الربّ أيضًا عبده، كما جاء في الكتاب المجيد: ﴿إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾[9]، غير أنّ ذلك التعبير المتناظر الذي استُعمل في القرآن الكريم بحقّ الذكر لم يُستخدم في مورد الشكر. وعلى أيّ تقدير، فإنّ هناك أوصافًا يُمكن – بحسب العبارات الموجودة في الكتاب العزيز – استعمالها لبيان علاقة العباد بالله تعالى، واستخدامها في الوقت ذاته لبيان علاقة الله تعالى بالعباد. لكنّ السؤال المطروح هو: ما هي حقيقة معنى الذكر؟ وما هو المراد من ذكر الله تعالى؟

بنحو إجماليّ، بوسعنا القول إنّ حقيقة الذكر هي التوجّه القلبيّ، بحيث يكون الذكر له ارتباط بالقلب. ويُطلق الذكر أيضًا على استحضار شخص من خلال الإتيان باسمه، ويعود ذلك إلى وجود مناسبة بين هذه المسألة، وبين المعنى الحقيقيّ للذكر؛ لأنّها علامة على ذلك الذكر القلبيّ، ولهذا تُسمّى بالذكر اللفظيّ؛ ويُطلق على الأفعال التي تحكي عن الذكر القلبيّ اسم الذكر العمليّ.

يوجد تقسيم آخر يُمكننا اعتباره للذكر، ويُقسّم بحسبه الذكر إلى نوعَين: صريح وضمنيّ. ففي بعض الأحيان، يذكر الإنسان الله تعالى بنحو صريح من خلال التلفّظ ببعض الأذكار؛ نظير: “يا االله” و”يا أرحم الراحمين”. لكنّه في أحيان أخرى يقرأ القرآن، بحيث تكون قراءته هذه عبارة عن توجّهه لكلام البارئ عزّ وجلّ؛ ومن المؤكّد أنّه هنا يكون ذاكرًا لله تعالى، فيندرج هذه الذكر تحت عنوان الذكر الضمنيّ.

وفي هذا المقام، تُواجهنا التساؤلات التالية: ما هو المراد من الذكر المأمور به في آية: ﴿فاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾؟ هل المراد منه أنّه إذا قلنا “يا الله”، فإنّ الله تعالى يقول بدوره “لبّيك يا عبدي”؟ أم المراد منه معنى آخر؟ طُرحت في الكتب التفسيريّة تفسيرات مختلفة لهذا المعنى، استند العديد منها إلى الروايات؛ غير أنّ أحد التفسيرات المشهورة للآية الكريمة هو القول إنّ المراد من ﴿فاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾: “اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب”؛ بمعنى أنّ المقصود من ذكر الله تعالى طاعتُه، ومن ذكر الله تعالى لنا منحه إيّانا الثواب على الخير. ولهذا، فإنّ هذا البيان قد يكون نوعًا من الكناية، أي: ذكرُ الملزوم وإرادة اللازم، وإلّا فإنّ حقيقة الذكر ليست هي الطاعة. هذا، وبوسعنا القول إنّ الطاعة عبارة عن ذكر ضمنيّ، إذ حينما يُؤدّي الإنسان عملًا بعنوان طاعة الله تعالى، فمن غير الممكن تصوّرُ أن يكون ناسيًا لله تعالى وهو يُطيعه. وعليه، لعلّ أرجح تفسير هنا أن نقول إنّ أصل الذكر مرتبط بالقلب وتوجّهه؛ إلّا أنّ للذكر لوازم كالطاعة مثلًا تترتّب على هذا الملزوم. ولهذا، فإنّ التعريف بالملزوم ليس تعريفًا خاطئًا، وبوسعنا اعتبار “فاذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب” معنى صحيحًا للآية المذكورة؛ فتعريف الأشياء بلوازمها أمر رائج في العلوم المختلفة، وغالبًا ما نُصادفه في العلوم الطبيعيّة، بل قد يُستعمل هذا النحو من التعريف حتّى في الاصطلاحات الفقهيّة والأصوليّة، من دون أن يُعدّ ذلك عملًا خاطئًا.

لكن، يبقى السؤال: هل إنّ تفسير هذه الآية منحصر بهذا المعنى، أم أنّه مجرّد لازمٍ واحد من لوازم الذكر؟ والمسألة الأخرى هي أنّ عبارة “أطيعوا الله”[10] تكرّر ذكرها في القرآن الكريم؛ فما هو الداعي – والحال هذه – للتعبير عنها بعبارة: “فَاذكُرُونِي” إذا كان المراد منها الأمر بطاعة الله تعالى؟ بل وما هي الخاصّية التي تمتلكها هذه العبارة؟

  1. أعلى لذّة للعاشق.

إنّ حقيقةَ أنّ الإنسان إذا أطاع ربّه فإنّه يحصل على الثواب هي حقيقة يُمكن إدراكها عن طريق التفكّر، كما أنّه قد وردت تعبيرات من هذا القبيل في موارد أخرى متعدّدة، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَبَشِّرِ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ‏ جَنَّاتٍ‏ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾[11]؛ فهذه الحقيقة ليست من الأمور التي يستحيل على الإنسان إدراكها، ويعجز وهمه عن بلوغها ما لم يُلهمها الله تعالى لأوليائه عن طريق الغيب. لكن نجد الإمام السجّاد (عليه السلام) يقول: “لقد دللتهم على شيء لم تكن لتصل أوهامهم إليه ما لم تُخبرهم به”، فيتبيّن أنّ هذه الحقيقة ينبغي أن تكون حقيقةً أعلى تختلف عن الطاعات والمعاصي ونتائجها التي ذُكرت في مواضع أخرى. وبحقّ، ما هي الميزة التي يتوفّر عليها هذا الذكر، ولا توجد في أيّ موضع آخر؟ أنا على يقين من أن أحدنا لو لم يكن قد طالع الآيات والروايات الواردة في هذا المجال، فإنه ما كان سيخطر على باله أبدًا أنّه إذا ذكر الله فإنّه تعالى سيذكره أيضًا، بحيث يكون ذلك هو ثواب الإنسان من الذكر؛ فإن من العجيب أنّ يكون الله تعالى، ولأجل حثّ الناس على ذكره، قد قال لهم: “إذا ذكرتموني، فإنّني سأذكركم أيضًا”.

وقد ورد في إحدى الروايات: “قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ابْنَ آدَمَ اذْكُرْنِي فِي نَفْسِكَ أَذْكُرْكَ فِي نَفْسِي، ابْنَ آدَمَ اذْكُرْنِي فِي خَلَاءٍ أَذْكُرْكَ فِي خَلَاءٍ، ابْنَ آدَمَ اذْكُرْنِي فِي مَلَإٍ أَذْكُرْكَ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْ مَلَئِك‏”[12]. فالله سبحانه يُريد، بحسب هذه الرواية، من عبده أن يذكره في ثلاثة مواضع، حتّى يذكره هو أيضًا في ثلاثة مواضع: الأوّل في قلبه، والثاني عندما يكون لوحده، والثالث بين الناس؛ ويُمكننا تقريبًا أن نستوعب كون ذكر الله تعالى في خلوة أو وسط جماعة يُؤدّي إلى ذكر الله تعالى لعبده في خلوة أو وسط جماعة، بحيث إنّه متى ما نادى العبد في خلوته ربّه قائلًا “يا الله”، أو ذكره وسط جماعة، فإنّ البارئ عزّ وجلّ يلتفت إليه، ويردّ عليه بإجابة لائقة، أو أنّه تعالى يذكره بخير وسط ملائكته. لكن، ما معنى: “اذْكُرْنِي فِي نَفْسِكَ أَذْكُرْكَ فِي نَفْسِي”؟ وما هو الشيء الذي يُمكنه أن يجذبنا في مسألة ذكر الله لنا، لكي يجعله تعالى كثواب لعبده؟

فعادةً، يكون الدافع الذي يحضّ الإنسان على الخوض في أمور من قبيل الدين والعبادة هو الحصول على الثواب الإلهيّ أو التحرّز عن العقاب الربّاني، بحيث نجده يرغب من أعماق قلبه بنيل الألطاف الإلهيّة؛ ولو فرضنا أنّ البارئ عزّ وجلّ يقول: “لن أدخل أيّ أحد الجنّة، ولن أضع أيّ إنسان في النار، مهما كان العمل الذي قام به”، فكم إنسانًا عابدًا لله تعالى يُمكن لنا أن نجد رغم ذلك؟ إنّ سبب كون ذكر الله تعالى لنا في نفسه غير مُثير لاهتمامنا هو عدم معرفتنا بالله تعالى، وعدم بلوغنا تلك الكمالات التي تحصل في ظلّ هذه المعرفة؛ ولهذا، فإنّنا لا نُدرك أهمّية ما سيحصل إذا ذكرْنا الله، وذكرَنا هو أيضًا؛ أي إنّنا لا نستوعب قيمة ذكر الله تعالى لنا في نفسه إن لم تكن هناك جنّة أو جهنّم في البين. ولأجل الوصول إلى هذه السعادة، يلزم التوفّر على قليل من لطافة الروح، لكي يتمكّن الإنسان من استيعاب أنّ هذه الحقيقة من أعظم الحقائق. ولفهم هذا النوع من المسائل، نجد أنفسنا مضطرّين لإيراد بعض الأمثلة من حياتنا العادية، والاستعانة بعلاقاتنا ببقيّة الناس، مع كون هذه الأمثلة أدون كثيرًا من الممثَّل، لكنّها تُقرّب تلك الحقيقة إلى أذهاننا إلى حدّ ما.

فمن بين المسائل السائدة بين أفراد الإنسان كافّة، مسألة العلاقات العاطفيّة، سواءً كانت طبيعيّة كعلاقة الوالدَين بأبنائهما وبالعكس، أو كانت حاصلة عن طريق أنس الناس ببعضهم؛ ففي هكذا علاقات، يرغب الناس في الحصول على خدمة من بعضهم، أو أن يروا كمالات ظاهريّة أو باطنيّة في الطرف المقابل. إنّ معظم المحبّة التي نكنّها للآخرين ترجع في جذورها إلى ذلك الخير والنفع الذي يصلنا منهم. فمن باب المثال، حينما يرى الابن عطف أمّه وحنانها تجاهه، أو يرى ما هي الخدمات التي ستُقدّمها له في المستقبل، فإنّه يشعر بالمحبّة تجاهها. وعلى سبيل المثال، متى ما آمن الإنسان بالتأثير العظيم لدعاء الأمّ ونذرها والتماسها في فيضان بحار الرحمة الإلهيّة، وفي حلّ مشاكله، فإنّه سيُحبّها. وإنّ انعدام مثل هذه العواطف يُؤدّي إلى حصول اختلال في العلاقات الاجتماعيّة. ولذا لا نُشاهد مثل هذه العلاقات المبتنية على المحبّة في المجتمعات الغربيّة أو اللادينيّة التي لم تنمُ فيها تلك العواطف.

وعلى أيّ تقدير، فإنّ أطهر محبّة في مجال العلاقات العاطفيّة الإنسانيّة هي تلك القائمة بين الأمّ والابن؛ ومع ذلك، قلّما نعثر على أمّ لا تقول في نفسها: “سيكبر ابني، ويُحسن إليّ، ويخدمني عوضًا عمّا قدّمته إليه من خدمة وإحسان”؛ فصحيح أنّ الأمّ تلتذّ عند رؤية ابنها، وتستمتع بكافّة حركاته وسكناته، لكنّ هناك شعور أيضًا يختلج في صدرها بأنّ هذا الابن سيكبر، وحينما تُصبح مسنّة، وعاجزة عن العمل، فإنّه سيهتمّ بها، ويُحقّق لها رغباتها. وجدير بالذكر أنّ أصدقاء الإنسان تجدهم يحملون نفس هذا التوقّع في بالهم، ويسعون كحدّ أقلّ إلى الاستمتاع برؤية صديقهم، والأنس برفقته، والتخلّص من الوحدة.

أما في العلاقات العشقيّة، فإنّ المحبّة تكون بنحوٍ لو أنّ هذه الخيرات ولوازمها وآثارها لم تصل من المحبوب إلى المحبّ، لظلّ العاشق محبًّا لمعشوقه؛ ففي هكذا علاقات، تبقى المحبّة قائمة، ولو انتفت تلك اللوازم. وذلك نظير قصص العشق التي بوسعنا العثور على العديد منها في الثقافة الإيرانيّة والعالميّة، حيث ترى العاشق مفلسًا قد ضحّى بكلّ وجوده في سبيل معشوقه، لكنّه لا يتوقّع من أعماق قلبه إلّا أن يذكره معشوقه، فمع أنّ هذا التوقّع يكون لا شعوريًّا، غير أنّه مكنون في باطن قلب العاشق، الذي لا يبلغ غاية اللذّة إلّا حينما يُدرك أنّ معشوقه يذكره، بل الأكثر من ذلك أنّه يُحبّه أيضًا. فليس هناك لذّة أعلى بالنسبة إلى العاشق من أن يعلم أنّ محبوبه، فضلًا عن أنّه يذكره، قد احتفظ له بمكانة في قلبه أيضًا.

  1. البوح بالعشق الغيبيّ

إذا تمكّن الإنسان من تصوّر هذه الحقيقة بنحو واضح، وبأنّ أطهر العشّاق يتوقّعون في أعماق قلوبهم أن يذكرهم المحبوب، فإنّه سيُدرك أنّه وبغضّ النظر عن الذكر الذي تحدّثت عنه التفاسير التي اعتمدت على جملة: “اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب”، فإنّ هناك ذكرًا آخر جرى بيانُه في قالب عبارة: “اذْكُرْنِي فِي نَفْسِكَ أَذْكُرْكَ فِي نَفْسِي”. وقد استُعملت كلمة “نفس” في القرآن الكريم في حقّ الله تعالى مرّةً واحدةً فقط، وذلك حينما قال نبيّ الله عيسى (عليه السلام) مخاطبًا ربّه: ﴿تَعْلَمُ ما في‏ نَفْسي‏ وَلا أَعْلَمُ ما في‏ نَفْسِكَ‏ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾[13]؛ فمن المؤكّد أنّه لا يُمكن لأيّ مخلوق أن يُحصّل هذا العلم، ولا يستطيع أيّ واحد غير الله تعالى أن يطّلع على ما في نفسه – بأيّ معنى من المعاني الصحيحة للنفس التي تصدق على الله تعالى – حيث إنّ الحديث هناك عن مقام الذات الإلهيّة التي يمكن لأحد بلوغها سوى الذات. فلو أنّ الله تعالى لم يقل: “أَذْكُرْكَ فِي نَفْسِي”، فأيّ عقل كان سيُدرك هذه المسألة؟ وأيّ ملك كان سيقدر على الإخبار عن نفس الله تعالى؟ فكلّ من اطّلع على هذه الحقيقة، فإنّ الله تعالى هو الذي أطلعه عليها؛ وإلّا، فإنّ هذا العلم من العلوم الغيبيّة التي لا سبيل لأيّ أحد إليها، وهي من مصاديق الآية الكريمة: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ‏ إِلاَّ اللَّهُ‏﴾[14].

يقول الإمام السجّاد في دعاء الوداع الشريف: “وَأَنْتَ الَّذِي دَلَلْتَهُمْ بِقَوْلِكَ مِنْ غَيْبِكَ”، حيث استعمل (عليه السلام) هنا عبارة: “مِنْ غَيْبِكَ”؛ فقبل هذه الفقرة من الدعاء، كانت الأمور التي وُعد بها خارجةً عن ذات الحقّ؛ لكنّنا نجد الإمام (عليه السلام) في هذه الفقرة يُخاطب ربّه قائلًا: “لقد أخبرت عبادك من غيبك بأمر لم تكن أسماعهم ولا آذانهم ولا أوهامهم لتصل إليه، لولا إخبارك هذا”؛ ففي فقرة: “دَلَلْتَهُمْ بِقَوْلِكَ مِنْ غَيْبِكَ وتَرْغِيبِكَ الَّذِي فِيهِ حَظُّهُمْ…”، تكون الجملة من كلمة “بقولك” إلى “فيه حظّهم” كالجملة المعترضة. وقد استخدم (عليه السلام) كلمة “الوهم” بدلًا عن “العقل”، لأنّ الوهم يُمكنه تصوّر أشياء يعتبر العقل وجودها محالًا.

يقول زين العابدين (عليه السلام): “لقد ذكرت شيئًا لا يستطيع حتّى الوهم تصوّره؛ وتتمثّل هذه الحقيقة الغيبيّة في قولك: “اذكروني حتّى أذكركم في نفسي””، فأيّة عظمة أعلى بالنسبة للإنسان من أن يذكره الله تعالى في نفسه التي لا نهاية لعظمتها؟ هذا، مع أنّ الإنسان عبارة عن مخلوق يُعبّر عنه القرآن الكريم بأنّه ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾[15]، وحتّى إذا توفّر الإنسان على شيء يستحقّ الذكر، فإنّ الله هو الذي وهبه إيّاه، بحيث لو حجبه تعالى عنه، لصار أرذل من كلّ الحيوانات؛ لكن، مع ذلك، فإنّ البارئ عزّ وجلّ وعد عبده بأن يذكره في نفسه إذا ذكره؛ وبحقّ، كيف لنا أن نُدرك هذه الحقيقة؟! إنّ الإمام المعصوم (عليه السلام) هو الذي بيّنها؛ وهي في الواقع شرفٌ يتلاشى في مقابله كلّ شيء آخر.

  1. تجلّي رأفة الله تعالى في دعوته عباده للشكر

يقول الإمام زين العابدين (عليه السلام) في تتمّة مناجاته، وتكملةً لكلامه: “وقُلْتَ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾[16]، فالإنسان يعرف الله تعالى من خلال صفاته، ويذكره بالاستعانة بهذه الصفات، لا سيّما في ذلك الذكر الذي يكون مقترنًا بالوعي. ومن باب المثال، حينما يحتاج الإنسان إلى العفو، فإنّه يتذكّر رحمة الله تعالى، وعندما يذكر الله تعالى، فإنّه يستحضر النعم الإلهيّة بطريقة أو بأخرى؛ ولو أنّ الإنسان حين استحضاره لنعم الله تعالى يكون ذا فطرة ودوافع فطريّة يقظة، فإنّه سيندفع تلقائيًّا للشكر، ويتذكّر حقيقة أنّ البارئ عزّ وجلّ هو الذي منحه تلك النعمة، وإلّا فما الذي كان سيمتلكه هذا العبد الحقير؟! وحينئذ، سيُناجي الإنسان نفسه قائلًا: “لو لم أكن أملك هذا الجمال الظاهريّ، لاشمأزّ منّي الناس، ولما رغب أيّ أحد في النظر إليّ؛ ولو لم أكن قادرًا على الكلام، لما تسنّى لأيّ أحد التواصل معي؛ وبالتالي، لن يوجد من يطلب مؤانستي؛ ولو أنّني كنت مفتقرًا لنعمة البصر، لما تمكّنت من رؤية أيّ مظهر من مظاهر الجمال في العالم”. إنّه من الواضح بمكان أنّ كلّ زاوية من العالم يتأمّل فيها الإنسان يجدها مشحونةً بالنعم الإلهيّة، فيرى نفسه خاضعًا لحقيقة: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾[17]. هذا، مع أنّ الشعور الفطريّ بالاعتراف بالجميل يقتضي أن يُبرز الإنسان – بنحو من الأنحاء – ردّة فعل تجاه النعم الإلهيّة، ويُؤدّي حقّ الشكر، حيث يُنقل عن حالات الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) أنّهم كانوا إذا تذكّروا نعمةً أو حظوا بنعمة خاصّة حين ركوبهم للخيل يسجدون على عرف الفرس علامةً على الشكر؛ وأمّا إذا كانوا يمشون، فإنّهم يلقون بأنفسهم على الأرض، ويضعون جباههم على التراب، ويشكرون الله تعالى.

وباعتبار أنّ البارئ عزّ وجلّ يعلم مقدار تأثير هذا الشكر في ترقّينا وتكاملنا وتقرّبنا، فإنّه يريد أن يُقويَّ فينا هذا العامل الفطريّ؛ ولهذا السبب، نجده يحضّ الإنسان بطرق مختلفة على الشكر، نظير قوله تعالى في الآية الكريمة: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزيدَنَّكُم‏﴾.

هذا، ومن الممكن أن يعتقد بعض الذين ليس لديهم اطّلاع على اللغة العربيّة بأنّ معنى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزيدَنَّكُم‏﴾ هو: “إذا شكرتم، سأكثّركم، وأزيد من تعدادكم”. لكنّ حقيقة الأمر أنّ المفعول في جملة ﴿لَئِنْ شَكَرْتُم﴾ محذوف، وهو “نعمتي”؛ كما أنّ التمييز في جملة ﴿لَأَزيدَنَّكُم‏﴾ محذوف أيضًا، ويُعلم من مفعول العبارة السابقة أنّه كلمة “نعمةً”. وبالتالي، يكون معنى الآية هو: “إذا شكرتم نعمتي، فإنّني سأزيدكم نعمةً”. وفي تتمّة هذه الآية الشريفة، وبحسب معنىً يُقابل الجملة السابقة، يقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابي‏ لَشَديدٌ﴾، ولا نجده يقول: “لَئِنْ كَفَرْتُمْ لأعذّبنّكم”، فهو يقول بأسلوبٍ ينمّ عن الكرم: “إذا كفرتم بنعمتي، فاعلموا أنّ عذابي شديد”؛ فمع أنّ هذه الجملة تُفيد نفس معنى الجملة التي سبقتها، إلّا أنّ التعبير فيها يحكي أكثر عن عظمة وكرم القائل عزّ وجلّ.

إنّ الله تعالى يعلم بمقدار مساهمة ذكره في ترقّي روح الإنسان، وتهيئته الأرضيّة المساعدة لنيله فيوضات أكثر؛ ولهذا، فإنّه يستخدم هذه العبارات من أجل حثّ الإنسان على أن يذكره في قلبه، ويشكره على نعمه، لكي يزيده من هذا النعم أكثر فأكثر.

 

[1] سورة البقرة، الآية 152.

[2] سورة إبراهيم، الآية 7.

[3] في السنوات السابقة، تباحثنا مع الأصدقاء في مكتب السيّد القائد حول مسألة الذكر، حيث طُبعت خلاصة هذه الأبحاث في كتاب تحت عنوان: به ياد او. [المؤلف]

وقد تُرجم هذا الكتاب إلى العربية وطُبع في دار المعارف الحكمية في العام 2017 م بعنوان ذكر الله. [المحرر]

[4] سورة البقرة، الآية 152.

[5] سورة آل عمران، الآية 31.

[6] سورة المائدة، الآية 54.

[7] سورة المائدة، الآية 119؛ سورة التوبة، الآية 100؛ سورة المجادلة، الآية 22؛ سورة البيّنة، الآية 8.

[8] سورة البقرة، الآية 152.

[9] سورة فاطر، الآية 34.

[10] نظير: سورة آل عمران، الآية 32؛ سورة النساء، الآية 59؛ سورة المائدة، الآية 92.

[11] سورة البقرة، الآية 25.

[12] أحمد بن محمد بن خالد البرقيّ، المحاسن، الجزء 1، الصفحة 39.

[13] سورة المائدة، الآية 116.

[14] سورة النمل، الآية 65.

[15] سورة الإنسان، الآية 1.

[16] سورة إبراهيم، الآية 7.

[17] سورة إبراهيم، الآية 34؛ سورة النحل، الآية 18.

 

من كتاب وداع الربيع الصادر عن دار المعارف الحكمية


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
وداع الربيعالشيخ محمد تقي مصباح اليزديشهر رمضان

المقالات المرتبطة

أعظم شهور الله وعيد أحبابه

السرّ في ذلك أنّ وداع الأشياء هو في الحقيقة نوع من الاعتراف بالجميل لصاحب هذه الأشياء أو الأمكنة أو الأزمنة التي استفاد منها الإنسان.

الرحمات المعنويّة

إذا تمكّنا من الصيام في شهر رمضان المبارك، فلا ينبغي علينا أن نمنّ على الله، بل المنّة له تعالى على أن دعانا للصيام، حتّى يضمن لنا سلامة الجسم والروح، ويُحقّق في الوقت ذاته العديد من المنافع للمجتمع،…

رمضان؛ شهر الله

إذا كان مقرّرًا أن تُنسَب بعض الأزمنة والأمكنة إلى الله تعالى، فلماذا ينبغي أن يُحدَّد ويُعيَّن المكان الفلاني أو الزمان الكذائي؟ ما هي الحكمة من هذه النسبة والشرف؟ هذه النسبة المهمّة ينبغي أن لا تكون عبثًا وبدون حكمه، إذًا فما هي الحكمة فيها؟

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*