التوحيد والإلحاد في التوحيد

التوحيد والإلحاد في التوحيد

من فقرات هذا الدعاء التي تثير الدهشة والتعجّب عند الجميع: أن يطلب الإمام السجّاد (عليه السلام) من الله أن يجنّبه الانحراف عن طريق التوحيد. كما سبق أن أشرنا، فمدعاة العجب في هذا القسم من الدعاء هو أنّ الداعي ليس إنسانًا عاديًّا؛ بل هو الإمام المعصوم ووليّ الله: الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين (عليهما السلام).

كلمة “إلحاد” بحسب الاصطلاح المعروف والرائج إنّما تُطلَق على الأشخاص الذين ينكرون الله تعالى أو ينكرون الدين من الأساس، ولكنّ المعنى اللغوي للإلحاد ليس كذلك في الحقيقة. الإلحاد مفهومٌ قرآنيّ[1]، والمقصود منه الميل والانحراف عن الحقّ. بناءً عليه، فالإلحاد يعني الانحراف. نعم؛ إنكار الله تعالى أحد مصاديق الانحراف والإلحاد، ولكنّ الإلحاد لا ينحصر في إنكار الله والدين. ثمّ إنّ استعمال الإلحاد في القرآن والروايات استعمالٌ واسعٌ جدًّا، وهو يشمل جميع أنحاء الانحراف عن طريق التوحيد.

التوحيد يعني القول بوحدانية الله؛ أي الاعتقاد بأنّ خالق عالم الوجود ومدبّره واحدٌ لا شريك له. في مقابل هذه الرؤية معتقدات أخرى أيضًا ممتدّة من الماضي البعيد جدًّا وحتى يومنا هذا؛ من قبيل الاعتقاد بالثنويّة أو الاعتقاد بالتثليث. هذه المعتقدات والمدارس هي نوعٌ من الانحراف عن عقيدة التوحيد. صحيحٌ أنّ هذه الجماعات تؤمن بالله وتعدّ من جملة عبدة الله تعالى، ولكنّها في الواقع لا تعتقد بالإله الواحد الأحد الذي لا شريك له. مضافًا إلى ذلك، فإلى جانب تلك الجماعات أشخاصٌ ينكرون الله تعالى من الأساس، وهؤلاء يُعرَفون في التعابير القرآنية بـ”الدهريّين”: ﴿وَمَا یُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْر[2]. هذه المجموعة من الملحدين معروفة بـ”الطبيعيّين”، واليوم يقال لهم “الماديّون” أو “الماترياليّون” بحسب التعبير الغربي.

الإلحاد في التوحيد يشمل جميع هذه الأقسام الثلاثة الأخيرة، فكلّ نوعٍ من الانحراف عن عقيدة الوحدانية والتوحيد هو نوعٌ من الإلحاد. ولكن هل الإنكار في التوحيد ينحصر في هذه الأنواع الثلاثة (الثنويّة، التثليث، والمادّية)؟ إنّ خطر الانحراف عن الصراط المستقيم الاعتقادي وخطر الإلحاد في التوحيد بمختلف أشكاله يهدّدنا جميعًا نوعًا ما. أشخاصٌ كثر، وقد رأينا بعضهم بأمّ العين، انحرفوا بعد سنواتٍ من دراسة العلوم الدينيّة، والمثال القرآني البارز في باب الإلحاد في التوحيد: بلعم بن باعوراء. عندما نرى مثل هذه الشخصيّة التي قد وصلت بعد سنواتٍ من الجهد والمشقّات الكثيرة إلى مقام “مستجاب الدعوة”، ثمّ تسقط دفعةً واحدة؛ فسيكون حال الآخرين في غاية الوضوح، ولا يمكن لأحدٍ أن يجزم بأنّه في مأمنٍ من تهديد خطر الكفر، كما لا شكّ في أنّ كلّ من يشعر بمثل هذا الأمان قد وقع ضحيّة خدع الشيطان. جميعنا معرّضون لجميع أنواع الخطر، اللهمّ إلّا إذا شملتنا الألطاف الإلهيّة وأعاننا التوسّل بعنايات أهل البيت (عليهم السلام) وذكر المصائب وذرف الدموع، ليضمن لنا حفظ ديننا، ولولا هذه الفسحة من الأمل فإنّ أيدينا خالية تمامًا. على أنّ خطر الإلحاد في التوحيد والانحراف عن الطريق لا ينحصر بأن يصبح الفرد مسيحيًّا أو ثنويًّا أو منتميًا لفرقة ضالّة، ولا بأس بأن أذكر هنا عدّة نماذج عن أشخاص انحرفوا عن مسير الحقّ لأسباب مختلفة.

قبل انتصار الثورة، كان أحد العلماء يرتقي المنبر في المدرسة الفيضية، وقد كنت حاضرًا حينما كان يتحدّث في ليلةٍ بعد الصلاة حول الماديّين والملحدين، ذاكرًا في هذا المجال أدلّةً يردّ بها عليهم. وفي خطابه للماديّين جعل يقول: أنتم تعتقدون بأنّ المعادلات الرياضيّة وحلّ تلك المعادلات وقواعد الجمع والمعالجة في المعادلات الرياضيّة، هذه جميعها أمورٌ ثابتةٌ لا تتغيّر، والإله الذي نعتقد به كذلك، فهذه الأمور الثابتة هي الله، وبقيّة الأمور في العالم من غير هذه الأمور الثابتة لمّا كانت متغيّرةً وتزول، فمجموع هذه المتغيّرات هي علم الله. علم الله كذلك هو عين الله، والله هو تلك المعادلات الرياضيّة الثابتة.

هذا الشخص كان عالمًا في هذه المدينة يرتقي المنبر في الحوزة العلمية في قم المقدّسة ليدافع عن معتقداتنا الدينيّة بمثل هذه التصوّرات والمعارف!

شخصٌ آخر كذلك كان من أهل العلم والفضل، وكان قد درس في الحوزة العلمية في قم وفي سائر الحوزات أيضًا. كان يعتقد بأنّ الردّ على الماديّة ومواجهة الماديّين في غاية السهولة، وأنّه لا حاجة إلى المباحث الفلسفيّة والكلاميّة المعقّدة. كان يقول مخاطبًا الماديّين: جميع التغييرات الموجودة في عالم المادّة وتبدّل المادّة إلى مادّة أخرى وهكذا؛ جميع ذلك ينتهي أخيرًا إلى شيءٍ اسمه “مادّة المواد”؛ أنتم تسمّونه “مادّة المواد” ونحن نعبّر عنه بـ”الله”!

هذان الشخصان كانا من الصالحين، ولكنّهما في مقام الدفاع عن الدين والمعتقدات الدينيّة كانا يلقيان على الآخرين مثل هذه الكلمات!

الحالة الثالثة التي أنقلها عن شخصٍ كان قد كتب قبل انتصار الثورة كتابًا بعنوان “التوحيد”، وقد ادّعى في هذا الكتاب بأنّه ليس ثمّة إشكالٌ يرد على الماديّة الفلسفيّة، وأمّا ما يستحقّ الذمّ فهو الماديّة الأخلاقيّة. المادية الفلسفيّة تعني الاعتقاد بأنّ هذا العالم ليس فيه شيءٌ سوى المادّة؛ هذا الاعتقاد المشبع بالإلحاد كان يرى في كتاب توحيده أن لا إشكال يرد عليه، إذ إنّ كلمة “الله” في “لا إله إلا الله” تعني بحسب اعتقاده المثاليّة الأخلاقيّة.

هذا الشيخ المدّعي كان شخصًا يتظاهر كذلك ببعض السلوكيّات الأخلاقيّة، فكان -مثلًا- يتجنّب الجلوس على السجّاد الثمين والنوم على الفُرش الناعمة، ولم يكن يتناول أيّ طعامٍ في الولائم التي يُدعَى إليها -مع أنّه كان يأكل من كلّ شيء في الولائم الخاصّة- وباختصار، فقد كان يتظاهر بكثيرٍ من الزهد أمام أعين الآخرين. على أنّ هذا الرجل، لاحقًا، وبعد سنواتٍ من الدراسة في الحوزات العلميّة في مشهد وقم، على يد بعض كبار العلماء؛ صار منكرًا للدين من الأساس. لقد روّج بين رفاقه ومريديه وأتباعه الزواج الجماعي، وفي تبريره لهذا العمل القبيح كان يستدلّ بالقرآن الكريم حيث يقول: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُم[3]، باعتبار أنّ “نساء” جمع و”كُم” جمعٌ أيضًا، فيكون معنى الآية هو أنّ مجموعةً من الرجال يتزوّجون، بشكلٍ جماعي، مجموعةً من النساء! هذه الأحكام الشيطانيّة كانوا يطبّقونها وينفّذونها كذلك في منازل فريقه. لقد كان يعتقد في كتاب توحيده بأنّ الإيمان بالمادّة وعدم الإيمان بالله ليس عيبًا، فالمهمّ هو أن يكون الإنسان زاهدًا ويكون نصيرًا للعمّال والفقراء، وأمّا سائر الأمور فهي غير مهمّة؛ أن يكون لديك اعتقادٌ بالله أو أن لا يكون، ما الفرق في ذلك؟

نموذجٌ آخر من بحوثه كان حول معنى التوحيد؛ فقد كان يقول إنّ “التوحيد” من “وَحَدَ”، وهو من باب التفعيل بمعنى “إيجاد الوحدة” و”جعل الشيء واحدًا”؛ أي نأتي إلى شيءٍ ما لا يكون واحدًا بالأصل ثمّ نجعله واحدًا ونمنحه الوحدة، وبالتالي، فأصل التوحيد يعني أن نمنح الوحدة لكلّ ما هو كثرة ولا يتّصف بالوحدة. ثمّ إنّ مجموعةً استنتجت من هذا الفهم المغلوط والمنحرف أنّ التوحيد بالأساس عمليّةٌ مرتبطة بالمجتمع؛ وهذا المفهوم هو ما أسماه بعض الأفراد والجماعات، الذين كانوا بحسب الظاهر مسلمين ولكنّهم كانوا ماركسيّين في مقام العمل؛ أسموه بـ”المجتمع التوحيدي المعاصر”.

إحدى خصائص الماركسيّين كانت في أنّهم عندما يَدخلون إلى مجتمعٍ ما يهيمنون على أدبيّات ذلك المجتمع. كانوا يستحوذون على أفضل الأدبيّات الموجودة في كلّ مجتمع، كما كانوا يُدخلون إلى أدبيّات المجتمع معظم المصطلحات الجديدة والكلمات البرّاقة، تمامًا كما ينسب القرآن الكريم إلى الشياطين والمنافقين: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَیَاطِینَ الإنْسِ وَالْجِنِّ یُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا یَفْتَرُون[4].

هكذا كان الماركسيّون، وأحد تلك المفاهيم الجديدة والجذّابة التي روّجوها: “المجتمع التوحيدي المعاصر”. كانوا يدّعون أنّ المجتمعات التي تشكّلت في العالم حتى يومنا هذا عبارة عن: الإقطاعية، الرأسمالية، ونظام الرقّ، وقد انطوت صفحة تلك المراحل. أمّا اليوم فهو زمان حاكميّة المجتمع الاشتراكي والشيوعي حتى نوجد في ظلّ ذلك “المجتمع المعاصر”. كانت دعواهم أنّ الوصول إلى المجتمع الشيوعي يكون من طريق المجتمع الاشتراكي، حيث يكون كلّ شيء في هذا المجتمع ملكًا للجميع بنحوٍ مشترك. كان ماركس يعتقد بالمجتمع الاشتراكي؛ ذلك المجتمع الذي لا يكون فيه المال، الثروة، الممتلكات، المرأة، المنزل، الحقوق والمزايا؛ جميع ذلك لا يكون مختصًّا بشخصٍ ما، وليست الملكية الخاصّة هي التي تُلغَى فحسب؛ بل حتى الاستفادة من النساء لا بدّ من أن تتمّ بشكلٍ مشترك! فالحاجة إلى المرأة أو الزوج هو نوعٌ من الاحتياجات التي لا بدّ للدولة من أن تؤمّنها. على الدولة أن تتكفّل برفع احتياجات عموم الأفراد في المجتمع، سواءً أكانت هذه الحاجة إلى الماء والغذاء أم إلى المرأة والزوج؛ لا بدّ من إنشاء مراكز يرجع إليها جميع أفراد المجتمع -كلٌّ بحسب حاجته- لكي يرفعوا حاجاتهم فيها.

ومع ظهور الماركسيّين الإسلاميّين، أضافوا إلى ذلك المصطلح كلمة “التوحيدي” ليقولوا إنّنا نسعى إلى إيجاد “المجتمع التوحيدي المعاصر”. ولهذا السبب فقد كانت هذه المجموعة المنحرفة تقوم بأفعالٍ مشينة في منازل فريقها، ومن خلال إقامة الزواج الجماعي كانوا يفكّرون بتعميم هذه الحالة الحيوانيّة. لقد تناول هؤلاء الأفراد أفضل شعارٍ لأنبياء الله، وهو “التوحيد”، ثمّ صاروا يؤوّلونه إلى هذا الشكل، ففسّروا التوحيد بجعل الشيء واحدًا وبالاشتراك في جميع الأشياء، حتى غدا التوحيد في نهاية المطاف عين الآمال المتأخّرة عند ماركس وأمثاله، وبهذه الطريقة أوجد هؤلاء الانحراف في مفهوم “التوحيد” ومعناه، في حين أنّنا جميعًا نعلم أنّ التوحيد يعني ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِد[5]، التوحيد یعني ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَیْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِد[6]، والتوحيد يعني الاعتقاد بوحدانيّة الله لا جعل الأشياء المتكثّرة شيئًا واحدًا.

هذه الحالات تشكّل نماذج ملموسة لانحرافاتٍ في مجال التوحيد ووحدانيّة الله، وهي موجودة بين بعض أهل العلم والمحصّلين. إذا ابتُلي الإنسان بمثل هذا الانحراف فلا شكّ في أنّ أعماله وعباداته التي يؤدّيها لن يكون لها بعدُ أيّ قيمة. يتحدّث القرآن الكريم حول هؤلاء الأفراد وأعمالهم التي لا فائدة منها فيقول: ﴿وَالَّذِینَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِیعَةٍ یَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ یَجِدْهُ شَیْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِیعُ الْحِسَابِأَوْ كَظُلُمَاتٍ فِی بَحْرٍ لُجِّيٍّ یَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ یَدَهُ لَمْ یَكَدْ یَرَاهَا وَمَنْ لَمْ یَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور[7].

وفي آيةٍ أخرى يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِینَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّیحُ فِی یَوْمٍ عَاصِفٍ لا یَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِید[8].

وكذلك في سورة الفرقان المباركة يقول حول أعمال الكافرين التي لا فائدة منها: ﴿لا بُشْرَى یَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِینَ وَیَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًاوَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَنْثُورًا[9].

جميع هذه التعابير القرآنية الحادّة والشديدة تكشف عن عاقبةٍ سيّئة للغاية تستحقّ التأسّف لهؤلاء الذين تورّطوا بنوعٍ من الإلحاد والانحراف عن الحقّ والتوحيد والذين باتت أعمالهم وتصرّفاتهم مشوبةً بهذا النوع من المعتقدات المنحرفة. على أنّ هذه الحالات لا تختصّ بالماضين وليست عاقبة خاصّة وحصريّة لأقوامٍ بعينهم، بل حتى في أيامنا هذه لسنا، نحن ولا سائر عباد الله، مصونين من وجود مثل هذه الأخطار. لا يمكن لأيّ أمرٍ من الأمور، من قبيل الحضور في الأماكن المقدّسة في قم والنجف، والاشتغال بالمباحث الدينية والإسلاميّة، والانتماء إلى بعض الجماعات والفئات؛ جميع ذلك لا يمكنه أن يضمن للإنسان مصونيّته من الانحراف عن مسير التوحيد. وبناءً عليه، فلا بدّ من اللجوء إلى الله تعالى وطلب العون منه في كلّ الأحوال، فمع مثل هذه الانحرافات ما أجدر بالإنسان أن يطلب من الله فيقول: إلهي احفظني عن الإلحاد في توحيدك.

ثمّة نقطة جديرة بالذكر بما يخصّ هذا النحو من المسائل الاجتماعيّة؛ وهي أنّ نخب المجتمع قد يتورّطون في نوعٍ من الإفراط أو التفريط: فمجموعة تولي أهمّية أكبر للمسائل الفكريّة والنظرية، الاعتقادية، المعرفيّة والإيمانيّة، ومجموعةٌ أخرى تهتمّ أكثر بالمسائل العمليّة والخارجيّة حاملةً روحيّةً عملانيّة. لا شكّ في أنّ القرآن الكريم قد أَولى للإيمان أهميةً أكثر من العمل واعتبر أنّ العمل الصالح فرع الإيمان، وهذا ما صرّحت به آيات القرآن أيضًا: ﴿آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ}[10]، كما صرّحت بأنّ العمل من دون إيمان ليس له أيّ قيمة: {مَثَلُ الَّذِینَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّیحُ فِی یَوْمٍ عَاصِفٍ لا یَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِید[11].

بشهادة هذه الآية الشريفة، فالعمل الصالح لا يكون ذا قيمة ومؤثّرًا في إيصال الإنسان إلى السعادة إلّا إذا كان مستندًا إلى الإيمان؛ بل أكثر من ذلك، العمل الصالح أساسًا لا يجعل الإنسان سعيدًا إلا حينما يؤدّي إلى تقوية إيمان الإنسان ورفع درجاته: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ[12].

المقصود من “الكلم الطيّب” هو الإيمان والاعتقاد؛ فالإيمان في الحقيقة يمنح الرفعة للإنسان ويوصله إلى الله، والعمل الصالح مؤثّرٌ وداعمٌ لرفع الإنسان، ولهذا السبب كانت النيّة مؤثّرةً جدًّا في تقييم الأعمال، فعلى سبيل المثال، إذا بلغ أحدهم سنّ التكليف، وكان مؤمنًا بالله تعالى وينوي القيام بالعمل الصالح، ولكنّه توفّي بحادثةٍ ما قبل أن يقوم بالعمل، فلا شكّ في أنّه من أهل النجاة؛ لأنّه ارتحل عن الدنيا وهو مؤمن. وفي المقابل، فالشخص الذي لم يؤمن بالله تعالى ولكنّه قام بأعمالٍ صالحة، ثمّ ارتحل عن هذه الدنيا وهو في حال الإنكار والكفر، فصحيحٌ أنّ عذابه قد يُخفَّف بسبب أعماله الصالحة، ولكنّه ليس من أهل النجاة مثل المؤمنين.

وبناءً عليه، فالإيمان أصل، والعمل الصالح -بحدّ ذاته- نتيجةٌ للإيمان، وجميع جهود الإنسان في مجال حفظ إيمانه ومعتقداته، وتعلّم أكثر معارف الدين وحقيقة الولاية، ومحبّة أهل البيت (عليهم السلام) وولايتهم مهما أمكن؛ جميع تلك الجهود إنّما هي لتقوية البعد الإيماني حتى يُتقرّب إلى الله تعالى في ظلّها. ولهذا السبب، فجميع التوجيهات التربويّة والأخلاقيّة والإرشادات والتوصيات التربويّة والأخلاقيّة إنّما هي لتقوية بُعد الإيمان والمعتقدات عند الإنسان، حتى يخطو في الصراط الإلهيّ المستقيم بالاعتماد على هذا المرتكز الاعتقاديّ المحكم.

هذا، ولكن ثمّة مجموعة ترى أنّ جميع الحسنات في الإحسان والعمل الصالح، فالمهمّ في رأيهم هو إغاثة الفقراء، ولا يختلف الأمر عند الشخص العامل أيًّا تكن نيّته في العمل. معيار التقييم في هذه الرؤية هو نفس العمل، فالمهمّ مثلًا هو أن تكون أعمال الشخص الفلاني في إطار خدمة الناس وازدهار البلاد، حتى وإنْ لم تكن نيّاته في أداء تلك الأعمال نيّات طيّبة بالحقيقة، بل حتى وإنْ لم يكن إيمانه واعتقاده صحيحًا من الأساس. فنفس فعله ذو قيمة على أيّ حال، وهذا كافٍ بحدّ ذاته.

للأسف، فكثيرٌ من الأفراد، وحتى من الخواصّ، قد يقعون نتيجة هذا الاشتباه في بعض المغالطات والانحرافات الفكريّة، ومنهم مثلًا إحدى الشخصيّات العلمائيّة، الذي خُتم له لاحقًا بحسن العاقبة -والحمد لله- واستشهد في حادثة “السابع من تير”. هذا الشخص، ونتيجةً لهذه الاشتباهات، كان يعتقد بأنّ للإسلام قسمين؛ ونحن قد عملنا بقسمٍ من الإسلام، فيما الماركسيّون عملوا بالقسم الآخر منه. وبناءً عليه، فليس لنا فضيلةٌ عليهم كما ليس لهم هم فضيلة علينا؛ فنحن لم نأخذ ولم نلتزم إلا بالاعتقاد باللّه والأحكام الإلهيّة مثل الصلاة وسائر العبادات، وهم قد أخدوا قسم العدالة وإغاثة الفقراء والأمور الاجتماعيّة وعملوا بها. ومن هنا، فلا ينبغي لنا أن ننسب إليهم الكفر وعدم التديّن، وإلّا كان لهم الحقّ أيضًا في أن يعتبرونا كفارًا وبلا دين!

هذه الحالات نماذجُ من الأخطار التي تهدّد معتقداتنا وتكمن لنا، بحيث لا يمكن لأيّ شخصٍ أن يشعر بالأمان من ذلك الخطر، ولولا الألطاف والتفضّلات الإلهيّة لما كان أحدٌ من الناس في أمانٍ من ذلك، وهذه الحقيقة هي التي يشير إليها الإمام السجّاد (عليه السلام) في تعبيره الحكيم حيث يقول: “اللّهُمّ جَنّبْنَا الْإِلْحَادَ فِي تَوْحِیدِك“.

[1]  {وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِینَ یُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَیُجْزَوْنَ مَا كَانُوا یَعْمَلُونَ} (سورة الأعراف، الآية 180)؛ {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ یَقُولُونَ إِنَّمَا یُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي یُلْحِدُونَ إِلَیْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِینٌ} (سورة النحل، الآية 103) و…

[2]  سورة الجاثية (45)، الآية 24.

[3]  سورة البقرة (2)، الآية 223.

[4]  سورة الأنعام (6)، الآية 112.

[5]  سورة البقرة (2)، الآية 163.

[6]  سورة النساء (4)، الآية 171.

[7]  سورة النور (24)، الآيتان 39-40.

[8] سورة إبراهيم (14)، الآية 18.

[9]  سورة الفرقان (25)، الآيتان 22-23.

[10]  سورة البقرة (2)، الآية 25.

[11]  سورة إبراهيم (14)، الآية 18.

[12]  سورة فاطر (35)، الآية 10.

** من كتاب زاد اللقاء الصادر عن دار المعارف الحكمية لآية الله الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي



المقالات المرتبطة

قدرة العقل على معرفة الله

هل يمكننا، بالاستعانة بالأدلّة العقليّة، وبالبراهين والمسائل الفلسفيّة والكلاميّة، أن نعرف الله تعالى بنحوٍ نستغني به عن تعاليم الدين، أم لا؟

ساحة الرحمة لها باب اسمه التوبة

تتمثّل الخاصّية العجيبة لهذه الساحة في غفران كافّة ذنوب العاصي عند دخولها؛ ولو كان قد لوّث روحه وجسده بالعصيان لمائة سنة؛ والأرقى من ذلك أنّ كلّ هذه المعاصي سوف تُستبدل بالحسنات، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿يُبَدِّلُ‏ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾

علّة وداع شهر رمضان المبارك وأهمّيته

والوحشة تقع في مقابل الأنس، فحينما يأنس الإنسان بأحد، ثمّ يفترق عنه، فإنّه يشعر بالوحدة، ويُعبّر عن هذا الشعور بالوحدة والغربة الناتج عن فراق المحبوب بواسطة الفعل “أوحش”.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*