مقاربة الوجود في الحكمة المتعالية وفق صياغة فلسفية (1)

مقاربة الوجود في الحكمة المتعالية وفق صياغة فلسفية (1)

واجهت الفلسفة في العالم الإسلامي هجومًا شديدًا وعداءً سافرًا في تهافت الغزالي، وفتاوى ابن الصلاح، ومقدّمة ابن خلدون، وموقف ابن تيمية ومدرسته.

وبالرغم من ذلك فقد استطاعت أن تجعل لنفسها حيّزًا مناسبًا في المحيط الثقافي الإسلامي حتّى القرن الحادي عشر؛ انطلاقًا من فلسفة ابن سينا التي تبلورت في اتجاهات مختلفة، يتجسّد أوّلها في شهاب الدين السهروري مؤسس الفلسفة الإشراقية، أمّا ثانيها نصير الدين الطوسي الشارح الأكبر لابن سينا، ومؤسس علم الكلام الفلسفيّ، وأمّا ثالثها فهو الاتجاه الصوفي العرفاني الذي بلغ تمامه مع ابن عربي.

ولا شك أنّه مع صدر الدين الشيرازي تكتمل شروط الفلسفة وإجراءاتها في العالم الإسلامي؛ إذ يتم – مع هذا الفيلسوف – الاشتغال على أربعة محاور كبرى يمثل كلّ واحد منها أنطولوجيا خاصّة، وهي:

  1. المنطق والفلسفة الميتافيزيقية.
  2. والحكمة المشرقية.
  3. والنبوّة والوحي.
  4. والعرفان الصوفي.

وهذه المحاور الأربعة تستبطن تجارب تاريخية مختلفة، وتنهل من عوامل ثقافية متباينة، وتنتمي إلى أصول فكرية متنوّعة[1]. والحق أنّ الشيرازي استطاع أن يستجمع كل تلك المحاور على اختلاف أصولها ومناهجها ومراميها، وأن يؤلّف ما بين موادها وعناصرها في مجموع فلسفيّ سمّاه “الحكمة المتعالية” يمكن عدّه أشمل بناء فكري عرفته الفلسفة الإسلامية[2].

وقد اكتملت الفلسفة الإسلامية وبلغت ذروتها في هذا الكتاب الموسوعة الذي يحشد فيه الشيرازي كيانات مفهومية لا نظير لها من قبل، معالجًا بمهارة فائقة كلّ الموضوعات والقضايا التي طرحها الفكر الإسلامي على نفسه، ومتقصيًا بذلك الأمور حتّى نهايتها القصوى[3]. ومن المفاهيم الفلسفية الرئيسة التي شيّد عليها كل أو جُل آرائه الفلسفية والعلمية مفهوم “أصالة الوجود”. ذلك المفهوم الذي لم يكن الشيرازي يؤمن به في أوّل نشأته الفلسفية – تبعًا لأستاذه الحكيم الداماد[4] الذي كان يؤمن بأصالة الماهية[5] – وفي هذا يقول الشيرازي:

“وإنّني قد كنت في سالف الزمان شديد الذبّ عن تأصل الماهيّات واعتبارية الوجود، حتّى هداني ربّي وأراني برهانه. فانكشف لي غاية الانكشاف أنّ الأمر فيها على عكس ما تصوّروه وقرّروه. فالحمد لله الذي أخرجني عن ظلمات الوهم بنور الفهم، وأزاح عن قلبي سحب تلك الشكوك بطلوع شمس الحقيقة، وثبّتني على القول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة”[6].

وفيما كانت فلسفة الشيرازي – بجميع قضاياها – يمكن أن تُستخلص من عدّة قضايا مبدئية حول حقيقة مفهوم الوجود وأصالته؛ فإنّ مفهوم أصالة الوجود لم يُدرس بعدُ حقّ الدراسة، ولم يحرر محل النزاع فيه حقّ التحرير؛ فالباحثون في فلسفة الشيرازي – وهم قلّة – يدرسون أجزاءً من فلسفته وهم يجهلون الهدف الحقيقيّ من دراستها. ولذا كان من الضروريّ أن نتريّث في قراءة تراث الشيرازي ولا سيما نظريته عن أصالة الوجود.

المبحث الأوّل: إشكالية الوجود

قبل أن نبدأ ببحث مفهوم أصالة الوجود عند الشيرازي، فإنّه من اللازم أن نتحدّث قليلًا في تحقيق مفهوم الوجود وأحكامه، حتّى نكون مؤهّلين لمعرفة أفضل السبل في دراسة فلسفة الوجود عنده، أو على أقلّ تقدير، لنفهم ماهية أصالة الوجود وما الذي يريد أن يقول الشيرازي عنها؟

فمن جملة الأسس التي تعين الباحث على فهم موضوع الوجود عند الشيرازي هو تحديد إشكالية البحث الذي هو بصدده. فإذا تمّ تحديد هذه الإشكالية، فسوف تتضح عندئذٍ صورة دقيقة عن المحور الأساسي لكافّة جوانب فلسفة الشيرازي المتعالية.

أولًا: الوجود المصطلح والمفهوم

إنّ لكلمة الوجود[7] عند الشيرازي إطلاقين واستعمالين، فقد يطلق الوجود ويُراد منه المعنى الانتزاعي العقلي من المعقولات الثانية والمفهومات المصدرية التي لا تحقّق لها في نفس الأمر، ويسمّى بالوجود الإثباتي[8]. وقد يُطلق الوجود ويُراد منه الأمر الحقيقيّ الذي يمنع طريان العدم وغير الشيئية عن ذاته بذاته، وعن الماهية بانضمامه إليها[9]. فالوجود بهذا الإطلاق هو حقيقته[10]، وهو ما مصداقه، وهو الظاهر بنفسه المظهر لغيره.

ولمّا كان الوجود بالإطلاق الأوّل معنًى انتزاعيًا فهو مفهوم واحد كليّ، ولكن صدقه على ما صدقاته ليس من قبيل صدق الكليّ على أفراده، فمفهوم الوجود بالنسبة إلى مصاديقه عرض عام، فيصدق عليها صدقًا عرضيًا، كمفهوم الشيء الذي هو عرض عام بالنسبة إلى جميع الأشياء. ومن ثمّ، فليس هذا المفهوم من حقيقة الوجود، أي إنّه ليس وجودًا بل مفهوم له الوجود، وذلك عند تصوّره في الذهن؛ فلا يكون إلا عنوانًا للوجود الحقيقيّ ومرآةً له[11].

وحتى لا يخلط المرء بين الوجود الحقيقيّ والوجود الانتزاعيّ، يؤكّد الشيرازي أنّ الموجودات الجزئية حاصلة في الواقع بحصّتها من الوجود الحقيقيّ القائم في الأعيان، وأننا نشتقّ منه معنًى عقليّا هو الوجود الانتزاعيّ، كما نشتقّ الإنسانية من الإنسان والأبيضية من البياض والحيوانية من الحيوان. وكما أنّ الموجود في الواقع هو الحيوان، أمّا الحيوانية فمفهوم انتزاعيّ، ففي الواقع أيضًا موجود في الواقع هو الحيوان، أمّا الحيوانية فمفهوم موافق هو الموجودية[12].

وعليه، فالوجود ينتزع منه أمر مصدريّ، وهو مفهوم له الوجود؛ وهو الذي يعرض للماهية عند اعتبار العقل إيّاها. وهو ليس من حقيقة الوجود في شيء؛ فوجود كلّ ماهية في ذاته يقتضي التعيّن بتلك الماهية، لا بسبب ذاته. فالوجود الحقيقيّ بما هو وجود بدون إضافة شيء إليه غيره لا يكون ماهيةً كليةً ولا جنسيةً ولا مزعومةً ولا نوعيةً ولا عرضيةً حتّى تكون لها أفراد متماثلة؛ بل حقيقة الوجود متبانية بنفسها، وحصص الوجود ومراتبه مختلفة بذاتها؛ ومن حدودها الخاصّة تنتزع الماهيّات[13].

فالموجود في الخارج ليس إلا الوجود بالذات، والماهية متّحدة معه ضربًا من الاتحاد، ولا نزاع لأحد في أنّ التمايز بين الوجود والماهية إنّما هو في الإدراك، لا بحسب العين[14]؛ بمعنى أنّ للعقل أن يلاحظ لكلّ وجود من الموجودات معنًى منتزعًا منه ويصفه بذلك المعنى بحسب الواقع؛ فالحكاية هي الماهية، والمحكي عنه هو الوجود[15]. كما سوف نشير إلى ذلك فيما يتعلّق بالعلاقة بين الوجود والماهية.

ولكن هل يمكن تعريف الوجود؟

إنّ الوجود بأي اعتبار أخذ لا يصح تعريفه، بل يمتنع، سواء أريد منه مفهومه أو حقيقته[16]. فلا يجوز أن يعرّف الوجود تعريفًا يكون الغرض منه إفادة تصوّر أمر مجهول بواسطة تصوّر أمر معلوم[17]، وذلك لأنّ التعريف إمّا أن يكون بحدٍّ أو برسم، ولا يمكن تعريفه بالحدّ ولا بالرسم ولا بصورة مساوية له[18]؛ إذ تصوّر الشيء العينيّ عبارة عن حصول معناه وانتقاله من حدّ العين إلى حدّ الذهن، فهذا يجري في غير الوجود. وأمّا في الوجود فلا يمكن ذلك إلا بصريح المشاهدة وعين العيان دون إشارة الحدّ والبرهان وتفهيم العبارة والبيان[19].

ومفهوم الوجود بديهيّ التصوّر يلمسه كلّ واحد منّا، ولم نعرف مفهومًا أوضح منه. وهذا المفهوم أوّل معنًى يرتكز في الذهن ويرتسم فيه ارتسامًا أوّليًا فطريًّا، وذلك هو المقصود من بداهته[20]. ومن ثمّ، فلا سبيل إلى تفسيره وتعريفه؛ إذ الواجب في المعرّف أو المفسّر أن يكون أجلى وأوضح ممّا يفسّر أو يعرّف، ولا مفهوم أجلى وأبين من مفهوم الوجود[21].

ثمّ إنّ قصد إظهار هذا المعنى بالكلام، فيكون ذلك تنبيهًا للذهن وإخطارًا بالبال، وتعيينًا له بالإشارة من بين سائر المرتكزات في العقل، لا إفادته بأشياء هو أغنى منها ظهورًا ووضوحًا وأعمّ منها شمولًا؛ فيكون تعريف الوجود على هذا النحو ليس تعريفًا لفظيًّا، أي تعريفه بما يرادفه ويواطئه من الأسماء[22].

وبذلك يشير الشيرازي إلى أمرين مهمّين بالنسبة لمفهوم الوجود، أوّلهما: إنّ مفهوم الوجود ليس غنيًّا عن التعريف فحسب[23]، بل إنّ إيجاد تعريف حقيقيّ له[24] – أيضًا – أمر متعذر وغير قابل للتحقيق؛ وأنّ ما يذكر في تعريفه إنّما هو من قبيل “التعريف اللفظي”[25] و”شرح الاسم”[26] فقط.

أمّا حقيقة الوجود فهي – عند الشيرازي – ذلك الأمر المتحقّق في الخارج، وتلك حقيقة مجهولة الكنه غاية الجهالة، وغير واضحة، ولا يمكن التعرّف عليها[27].

ولذلك يستحيل أخذ صورة ذهنية عنها تكون كنهًا؛ لأنّ كل ما كانت حقيقته أنّه في الأعيان يمتنع أن تحصل حقيقته في ذهن من الأذهان[28].

وعليه، فيمكن العلم بالوجود علمًا حضوريًّا – كعلم النفس بذاتها وأفعالها – لأنّنا سوف نجد نفس الواقعية العينية بلا واسطة صورة ومفهوم، وبلا تحليل وتفسير. وفي ذلك العلم الحضوري لا يوجد موضوع ولا محمول ولا حكم، وإنّما هو وجدان الواقع على ما هو عليه. ولكن هذا العلم ليس من نوع العلم المقصود بالتعريف، فإنّ معنى تعريف الشيء هو عبارة عن حصول معناه في العقل مطابقًا لما في الخارج[29]. وهذا يحدث فيما عدا الوجود من المعاني والماهيّات الكلية التي توجد تارةً بوجود عيني أصيل تترتب عليها آثارها الخارجية، وأخرى بوجود ذهني ظلّي لا تترتّب عليها آثارها مع انحفاظ ذاتها في كلا الوجودين؛ وليس الوجود ماهيةً فليس للوجود وجود آخر يتبدّل عليه مع انحفاظ ماهيّته خارجًا وذهنًا[30].

فليس لكلّ حقيقة وجودية إلا نحو واحد من الحصول، وهو الحصول في الخارج. وليس للوجود وجود ذهني، وما ليس له وجود ذهني فليس بكلّي ولا جزئي ولا عام ولا خاص؛ فهو في ذاته أمر بسيط متشخّص بذاته، لا جنس له ولا فصل له، وليس هو جنسًا لشيء ولا فصلًا له ولا نوعًا ولا عرضًا عامًا ولا خاصًا[31].

وهنا نلاحظ أنّه على الرغم من الاختلاف القائم بين مفهوم الوجود وحقيقته، إلا أنّهما يشتركان في الاستغناء عن التعريف. ولكن مفهوم الوجود غنيّ عن التعريف لبداهته، وحقيقته غنية عن التعريف لاستحالة تصوّرها.

ثانيًا: اشتراك الوجود المعنوي

ينتقل الشيرازي بعد ذلك لمناقشة مسألة اشتراك الوجود وتحديد نوع الاشتراك، فتراه يؤكّد أنّ مبدأ اشتقاق الوجود مشترك معنوي بين موارد استعماله، ليبيّن أنّ الموجود بمعناه الواحد يُطلق على ما مصاديقه، فيصلح أن يكون موضوعًا واحدًا لعلم واحد، بالإضافة إلى ردّ ما زعمه كلّ من أبي الحسن الأشعري وأبي الحسين البصري من اشتراك الوجود اشتراكًا لفظيًّا[32].

وترجع أهمية البحث في هذه المسألة عند الشيرازي إلى توقّف إثبات أصالة الوجود عليها، وكذا توقّف البرهان الذي يقيمه على وحدة حقيقة الوجود. ومهما كان الأمر، فوحدة معنى الوجود والموجود أمر واضح لا يحتاج إلى تجشّم دليل. وقد أجاد الشيرازي حينما قال عن كون مفهوم الوجود مشتركًا بين الماهيّات أنه “قريبٌ من الأوليّات”[33].

من أجل ذلك، يرى الشيرازي أنّ مَن ذهب إلى أنّ الوجود مشترك لفظي وفسّر مذهبه بأنّ المقصود من حمل[34] الوجود على ماهية هو نفس المفهوم من تلك الماهية، فقد ذهب إلى خلاف ما يريه عقله؛ لأنّ العقل يجد من المناسبة والمشابهة بين موجود وموجود ما لا يجده بين موجود ومعدوم. فإذا لم تكن الموجودات متشاركةً في المفهوم بل كانت متباينةً من كلّ الوجوه، كان حال بعضها مع بعض كحال الوجود مع العدم في عدم المناسبة[35].

وليست هذه المناسبة لأجل كونها متّحدةً في الاسم حتّى لو قدّرنا أنّه وضع لطائفة من الموجودات والمعدومات اسم واحد، ولم يوضع للموجودات اسم واحد أصلًا؛ لم تكن المناسبة بين الموجودات والمعدومات المتّحدة في الاسم أكثر من التي بين الموجودات غير المتّحدة في الاسم، بل ولا مثلها كما حكم به صريح العقل[36].

ومعنى هذا أنّ العقل حين يقارن بين موجود وموجود يدرك معنًى مشتركًا لا يدركه حين يقارن بين موجود ومعدوم؛ وهذه حجّة راجحة في حقّ الشيرازي بأن يكون مفهوم الوجود مشتركًا معنويًا بين الموجودات.

بالإضافة إلى ما تقدّم يُرشدنا الشيرازي إلى اشتراك مفهوم الوجود ووحدته بما يلي:

1 – إنّ الوجود مفهوم مشترك حتّى عند مَن قال بعدم اشتراكه، لأنّه حينما يقول بأنّ الوجود غير مشترك فلا بدّ أن نتصوّر مفهومًا جامعًا أي مشتركًا محكوم عليه بأنّه غير مشترك، فناقض نفسه؛ إذ إنّه لا يمكن أن يتصوّر مفهومات لا نهاية لها لكلّ موجود، وباعتبار كلّ واحد منها يحكم عليه بأنّه مشترك أو غير مشترك. ومن ثمّ، فإنّ اشتراك مفهوم الوجود أمر بديهيّ يكاد يكون في بداهته قريبًا من بداهة مفهوم الوجود نفسه[37].

2 – ومن الجدير بالذكر أنّ الرابطة في القضايا والأحكام ضرب من الوجود لأنّها بمثابة الوجود الرابط[38] الذي له حظ من الوجود، وهو في جميع الأحكام مع اختلافها في الموضوعات والمحمولات معنًى واحد[39]. فإطلاق الوجود على الرابط في القضايا ليس بحسب المعنى المستفاد من مطلق الوجود، أو منه إذا كان محمولًا أو رابطيًا أي ثابتًا لغيره[40].

ومعنى ذلك أنّ الوجود الرابط هو ثبوت شيء لشيء، أي ما هو مفاد كان الناقصة، وهو ما يقع رابطةً في الحمليّات الموجبة ولا يقع محمولًا حتّى في مفاد كان الناقصة[41]. فالوجود الرابط إذن هو ثبوت شيء لشيء لا ثبوت الموجود نفسه، فلا يكون هذا الثبوت ثابتًا لغيره، بل الثابت لغيره هو ذلك الشيء المضاف إليه الثبوت لا نفس الثبوت[42].

وهنا ينبغي أن نفرّق عند الشيرازي بين إطلاق لفظة الوجود على روابط القضايا وعلى الوجود المحمولي؛ لأنّه يؤكّد على وحدة معنى الوجود وكونه مشتركًا معنويًّا، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى يختار الاشتراك اللفظي بين الوجود الرابط بالمعنى الذي أثبتناه فيما سبق وبين الوجود المحمولي، ولا سيّما أنّ الاختلاف بينهما نوعي كما يرى هو. ومراده هنا أنّ الوجود بمعناه المتعارف عليه – الذي ثبت اشتراكه المعنوي – هو الوجود المحمولي؛ أمّا إطلاق الوجود على رابطة القضية فهو بمعنى آخر، بحيث يكون الاتفاق بينهما في مجرد اللفظ.

ثالثًا: المغايرة المفهوميّة بين الوجود والماهيّة، وزيادة الوجود على الماهيّة[43]

قبل تناول موقف الشيرازي من هذه المسألة، لا بدّ من الإشارة إلى أنّه على ضوء مبدإ الاشتراك المعنوي للوجود تبطل مقولة عينيّة مفهوم الوجود للماهيّة، لأنّ العينيّة فيما بينهما تفضي إلى القول بالاشتراك اللفظي للوجود، وهو تناقض. ولكن إذا كان الاشتراك المعنوي للوجود يبطل الشبهة القائلة بجزئيّة الوجود للماهيّة؛ ولهذا فإنّ إثبات كون الوجود مشتركًا معنويًا لا يغنينا عن الخوض في مسألة زيادة الوجود على الماهيّة، وهذا من ناحية.

من ناحية أخرى، فإنّ التغاير القائم بين مفهومي الوجود والماهيّة عبارة عن أمر بديهي، ولذا فلا بدّ من قبول القول بأنّ الوجود زائد على الماهيّة. ومن ثمّ، فإنّ الاستدلالات التي يستخدمها الشيرازي هنا إنّما هي من قبيل التنبيه على وجه التحديد.

لمّا كان الشيرازي يؤكّد أنّه ليس في الخارج سوى الوجود بالمعنى الحقيقي، فإنّ الماهيّة متّحدة به اتحاد المفهوم الاعتباري بالأمر العيني؛ وذلك لأنّ الوجود لو لم يكن متّحدًا بها اتحاد الأمر العيني مع المفهوم الاعتباري لكان إمّا نفس الماهيّة بحسب المفهوم، أو جزءًا منها كذلك، أو زائدًا عليها قائمًا بها في الأعيان قيام الصفة بالموصوف، فيتحصّل الوجود في الخارج على نحو أنّه عارض للماهيّة[44]. وهو ما يقبله الشيرازي لأنّ الماهيّة من حيث هي ليست إلّا هي مع غضّ النظر عن الوجود والعدم، فليس لها تحصّل في الخارج إلّا بحسبان وجودها لا سابقًا على الوجود، فلا يجوز أن يثبت لها في الخارج شيء من هذه الجهة، بل كلّ ما يعرضها من هذه الجهة يكون من لوازمها الانتزاعيّة التي لا وجود لها في العين[45].

ومن ثمّ، فإنّ الماهيّة لها حالة عقليّة تسبق وجودها في الواقع؛ إذ من الجائز أن يلاحظها العقل من غير ملاحظة وجود خارجي أو ذهنيّ معها. وهذا محض تجريد يمنحها وجودًا ذهنيًا بتصوّرها مجرّدةً عن وجودها الشخصي؛ ولذلك يصح القول: إنّها متقدّمة على الوجود، ولكن في الذهن الذي يمكنه أن يجرّد الماهيّة عن وجودها، فتكون مغايرةً له. فالحقّ إذن أنّ زيادة الوجود على الماهيّة في التصوّر وليس في العين[46].

من أجل ذلك نقول: إنّ العلاقة بين الوجود والماهيّة علاقة اتحاديّة لا تعقّلية أو انضماميّة، أي إنّها علاقة بين أمر متحصّل هو الوجود وغير متحصّل هو الماهيّة، وليست بين أمرين متحصّلين.

ولمّا كنّا قد فرّقنا – تمامًا – فيما سبق بين مفهوم الوجود عند الشيرازي، فيمكننا التوفيق بين القائلين بأنّ الوجود زائد على الماهيّة عارض عليها، وبين القائلين بأنّ الوجود عين الماهيّة؛ فمن قال بزيادة الوجود على الماهيّة أراد مفهوم الوجود، فإنّ العقل يحلّل كلّ شيء إلى شيئين: ماهيّة ووجود، أي إنّ كلّ ممكن موجود، ومعنى ذلك أنّه شيء ثبت له الوجود، ولذا قالوا: “أنّ كلّ ممكن زوج تركيبي”[47]، فيكون الوجود زائدًا على الماهيّة تعقّلًا ومعنًى[48].

وأمّا من قال بأن الوجود عين الماهيّة، فلا أظنّه يزعم أنّه عينها تصوّرًا ومعنًى، وأنّ المعقول من الماهيّة نفس المعقول من الوجود، فإنّ هذا لا ينبغي أن يتوهّمه عاقل، بل المراد أنّ حقيقة كلّ شيء موجود هو نحو وجوده الخاص. فالوجود تحقّقًا نفس الماهية، فهما متّحدان – هويةً – اتحادًا حقيقيًّا من باب اتحاد غير الاقتضاء مع الاقتضاء، الاتحاد بين الجنس والفصل، وغير الاقتضاء من جانب الماهيّة؛ إذ إنّها من حيث هي ليست إلا هي لا تقتضي وجودًا ولا عدمًا، وإنّما توجد بالوجود، ومعنى وجودها بالوجود ثبوتها وتحقّقها، لا ثبوت شيء لها[49].

وبهذا، فإنّ الوجود زائد عارض الماهيّة تصوّرًا ومعنًى، ولكنّه عينها تحقّقًا وخارجًا؛ فليس معنى زيادة الوجود على الماهية وعروضه لها أنّهما متباينان بحسب الحقيقة، بل كيفيّةً، وحقيقة كلّ شيء نحو وجوده الخاص به؛ ولا كونه عرضًا قائمًا بها قيام الأعراض بموضوعاتها حتّى يلزم للماهية سوى وجودها الخاص وجود آخر. بل بمعنى كون الوجود الإمكانيّ لقصوره وفقره مشتملًا على معنى غير حقيقة الوجود، منتزعًا منه محمولًا عليه منبعثًا عن إمكانه ونقصه[50]. وهذا المعنى الآخر هو الذي نسمّيه الماهيّة، فيكون المعقول من الوجود غير المعقول من الماهية[51]، ويكون الوجود في التصوّر عارضًا للماهيّة محمولًا عليها[52].

وهكذا نستنتج من عدم تمايز الوجود عن الماهية في الخارج وانحصار ما في الخارج في الوجود أنه لا يوجد في الواقع إلا الوجود، فليس للماهية حقيقة عينية أصلية. ومن ثم “فإن الوجود أحق الأشياء بأن يكون ذا حقيقة موجودة”[53].

رابعًا: الوجود حقيقة أصلية

يؤكّد الشيرازي هنا أن لمفهوم الوجود حقيقةً عينيةً في الخارج، وهي سائر الأشياء التي نعتبرها ماهيات ونعتقد أن لفظ الوجود منتزع عنها لا أكثر، إنه يريد أن يجعل الأشياء حاكيةً عن حدود الوجود، فلو أردنا دراستها للزم علينا عدم الاكتفاء بدراستها لكونها ماهيات، وإنما يجب دراسة واقعها العيني الذي يغدو بموجب هذه الرؤية الوجود[54].

“الوجود أحق الأشياء بالتحقّق؛ لأن غيره به يكون متحقّقًا وكائنًا في الأعيان وفي الأذهان، فهو الذي به ينال كل ذي حق حقيقته”[55].

ولمّا كانت حقيقة كل شيء هي خصوصية وجوده التي تثبت له، فالوجود أولى من ذلك الشيء، بل من كل شيء، بأن يكون ذا حقيقة، كما أن البياض أولى بكونه أبيض مما ليس ببياض ويعرض له البياض. فالوجود بذاته موجود، وسائر الأشياء غير الوجود ليست بذواتها موجودةً بل الوجودات العارضة لها. وبالحقيقة إن الموجود هو الوجود، كما أن المضاف هو الإضافة لا ما يعرض له من الجوهر والكم والكيف وغيرها: كالأب والمساوي والمشابه، وغير ذلك[56].

فالوجود إذًا حقيقته أنّه في الأعيان لا غير، وكيف لا يكون في الأعيان ما هذه حقيقته[57].

وقد وضع الشيرازي أدلته القاطعة على تأصّل الوجود، وعلى أنّ هذا الوجود هو الذي تنال به الأشياء تحقّقًا أصيلًا، وذلك كما يلي[58]:

1 – إنّ حقيقة كل شيء هو وجوده الذي يترتّب عليه آثاره وأحكامه، فالوجود حقيقة، ولا يحتاج هو في أن يكون ذا حقيقة إلى حقيقة أخرى، فهو بنفسه في الأعيان، وغيره – الماهيات – به في الأعيان لا بنفسها. وموجوديته في الخارج أنّه بنفسه واقع في الخارج، كما أنّ زيدًا إنسان في الواقع، وكون زيد إنسانًا في الواقع عبارة عن موجوديّته، ومعنى كون الوجود موجودًا أنّ شيئًا في الخارج هو وجود وحقيقة. فلو لم يكن للوجود حقيقة خارجية إلا مجرّد تحصّل الماهية، لم يكن حينئذ فرق بين الخارج والذهن، وهو محال؛ إذ الماهية قد تكون متحصّلةً ذهنًا وليست بموجودة في الخارج[59].

2 – إنّه لو كانت موجوديّة الأشياء بنفس ماهياتها لا بأمر آخر لامتنع حمل بعضها على بعض والحكم بشيء؛ لأنّ مفاد الحمل وما صدقه هو الاتحاد[60] بين مفهومين متغايرين في الوجود، وكذا الحكم بشيء عبارة عن اتحادهما وجودًا وتغايرهما مفهومًا وماهيةً، وما به الاتحاد. فلو كان الوجود أمرًا انتزاعيًّا، تكون وحدته وتعدّده تابعين لوحدة ما أضيف إليه وتعدّده من المعاني والماهيات[61].

3 – لو لم يكن الوجود موجودًا لم يوجد شيء من الأشياء؛ لأنّ الماهية إذا اعتبرت بذاتها مجرّدةً عن الوجود فهي معدومة، وكذا إذا اعتبرت بذاتها مع غض النظر عن الوجود والعدم فهي بذلك الاعتبار غير موجودة وغير معدومة. فلو لم يكن الوجود موجودًا في ذاته لم يمكن ثبوت أحدهما للآخر، فإن ثبوت شيءٍ أو انضمامه إليه أو اعتباره معه متفرّع على وجود المثبت له أو مستلزم لوجوده، فإذا لم يكن الوجود في ذاته موجودًا ولا الماهية في ذاتها موجودةً، فكيف يتحقّق ها هنا موجود؟ فلا تكون الماهية موجودة[62].

4 – إنّه لو لم يكن للوجود صورة في الأعيان، لم يتحقّق في الأنواع جزئي حقيقي هو شخص من نوع؛ وذلك لأنّ نفس الماهية لا تأبى عن الشركة بين كثيرين وعن عروض الكلية لها بحسب الذهن وإن تخصّص بألف تخصّص من ضم مفهومات كثيرة كلية إليها. فلا بدّ إذًا أن يكون للشخص زيادة على الطبيعة المشتركة، بحيث تكون تلك الزيادة أمرًا متشخّصًا لذاته غير متصوّر الوقوع للكثرة. ولا نعني بالوجود إلا ذلك الأمر، فلو لم يكن الوجود متحقّقًا في أفراد النوع، لم يكن شيء منها متحقّقًا في الخارج[63].

5 – لو لم يكن للوجود صورة في الأعيان، لم يكن عروضه للماهية اتصافًا خارجيًّا وعروضًا حلوليًا، بل كان كسائر الانتزاعيات التي تلحق الماهية بعد ثبوتها وتقرّرها. فيجب إذن أن يكون الوجود شيئًا توجد به الماهية وتتّحد معه وجودًا مع مغايرتها إياه معنًى ومفهومًا في ظرف التحليل[64].

6 – لو لم يكن الوجود أمرًا حقيقيًا، بل كان أمرًا انتزاعيًا – أعني الكون المصدري -، لكان وجود السواد نفس سواديّته لا حلوله في الجسم. وإذا كان وجود الأعراض – وهو عرضيّتها وحلولها في الموضوعات – أمرًا زائدًا على ماهياتها الكلية، فكذلك حكم الجواهر[65].

وعليه، فإنّ المتحقّق المتأصّل والمشار إليه وصاحب الأثر والتأثير والتأثّر هو الوجود، والماهية إنما تُحقّق ويُشار إليها وتكون صاحبة الأثر بالوجود[66].

وهذا يعني أنّها تفتقر إلى الوجود لكي تتحقّق، وما لم نضف إليها الوجود لن تتمكّن من أن توجد ويفرض وجودها من نفسها لمجرّد تصوّرنا لها، بل يظل أمرها معلّقًا ليس من هنا ولا هناك إلا إذا سلّطنا عليها ضوء الوجود، عندئذ تكون متحقّقةً، وإلاّ فلا[67]. ومن ثمّ، فإن الماهية إذًا تتقوّم بالوجود، وإنّ الوجود حقيقة عينية أصيلة.

تلك هي الدقّة التي تميّز بها الشيرازي في تحديد إشكالية الوجود التي تسبّب اختلاط العقل وارتباكه، نظرًا لعدم وضوح الفرق بين المفهوم والمصداق في الوجود؛ فلم يحدث لكثير من فلاسفة الإسلام التفرقة الدقيقة بين مفهوم الوجود وحقيقته، فوقعت جملة من الشكوك في مباحث الوجود. أمّا الشيرازي فقد أدرك جيدًا الفرق بينهما، فتفجّرت له كثير من الإشكاليات التي وقع فيها الصراع بين الفلاسفة. ولعلّه استطاع أن يوفّق أيضًا بين الآراء المتصارعة برفع المغالطات الذهنية عنها.

وأخيرًا، لا مفر من القول بأنّ بلورة كافة المسائل المتعلّقة بإشكالية الوجود بالصورة التي تناولها هنا إنّما هو بمثابة مقدّمة ضرورية لإثبات الحقيقة العينية للوجود وأصالتها. إذ إنّ ما تهدف إليه الحكمة المتعالية عند الشيرازي هو البحث في أحكام وخصوصيات هذه الحقيقة. فهل للوجود حقيقة واحدة في نفسه أو حقائق متباينة؟ وما خصائص هذه الحقيقة ومميّزاتها؟

مصادر البحث:

[1] لمعرفة الأصول الفكرية لصدر الدين الشيرازي، يُراجع:

  1. Corbin, le liver des Penations Melaphpiques (Paris: 1941), p. 11 – 12.

وأيضًا، سيد حسين نصر، دراسات إسلامية (بيروت: الدار المتّحدة للنشر، الطبعة 1، 1975)، الصفحتان 108 و109.

وأيضًا، عبد زهرة البندر، نظرية البداء عند صدر الشيرازي (النجف: مطبعة النعمان، 1975)، الصفحات 18 إلى 20.

وأيضًا، علي الشابي، مباحث في علم الكلام والفلسفة (تونس: دار بو سلامة للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة 2، 1894)، الصفحة 195.

[2] علي حرب، النص والحقيقة/ نقد الحقيقة (المغرب-بيروت: المركز الثقافي العربي، الطبعة 2، 1995)، الجزء 2، الصفحة 99.

[3] المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[4] هو مير محمّد باقر بن شمس الدين استرآبادي الأصل، أصفهاني المنشأ والموطن، إشراقيّ التخلّص، مير داماد الشهرة. كان أستاذًا ماهرًا وحاذقًا في جميع العلوم العقلية والنقلية.

[5] انظر، الشيخ محمد رضا المظفّر، الفلسفة الإسلامية (بيروت: دار الصفوة، الطبعة 1، 1993)، الصفحة 16؛ مباحث في علم الكلام والفلسفة، مصدر سابق، الصفحة 196.

[6] المشاعر، مصدر سابق، الصفحة 82؛ وانظر، الأسفار، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحة 49؛ ملا جعفر لاهيجي، شرح رسالة المشاعر، تعليق وتصحيح وتقديم سيد جلال الدين آشتياني (طهران: مكتب الإعلام الإسلاميّ، الطبعة 2)، الصفحتان 147 و148.

[7] هناك معانٍ متعدّدة لكلمة الوجود، فقد يُراد به المعنى الحرفي الرابط بين القضايا، والذي يرادفه في الفارسية “أست” ويقابله الوجود المحمولي الصالح لجعله محمولًا في الهلية البسيطة. وقد يراد به المعنى المصدري المتضمن للنسبة إلى الفاعل، والذي يرادفه في الفارسية “بودن”، ولا يحمل على الأعيان إلا حمل الاشتقاق. وقد يُراد به اسم المصدر الفاقد في نفس مفهومه للنسبة إلى الفاعل، والذي يرادفه في الفارسية “هستي”، ويحمل على الأعيان حمل المعقولات الثانية الفلسفية على مصاديقها الخارجية. وقد يُراد به نفس الحقيقة العينية التي يشار إليها بذاك المعقول الثاني، وهو موضوع بحثنا هذا. انظر، محمّد حسين الطبطبائي، نهاية الحكمة، تعليق الشيخ المصباح اليزدي (بيروت: دار الكتاب الإسلاميّ، 1400)، تعليقة الشيخ اليزدي، هامش الصفحة 22.

[8] الأسفار، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحتان 64 و65.

[9] المرجع نفسه، الجزء 1، الصفحة 65.

[10] لفظة الحقيقة قد تستعمل مرادفةً للماهية ومقابلةً للوجود العينيّ، وهذا هو المراد بقولهم: “حقيقة الوجود أصيلة دون مفهومه”. وقد تستعمل في الواجب تعالى في مقابل الوجود المجازي الذي ينسبوه إلى الممكنات، وقد تستعمل في الواجب الساري في جميع الموجودات سريانًا عينيًا مشابهًا لسريان مفهوم الجنس في أنواعه سريانًا ذهنيًا أو لسريان الكليّ الطبيعيّ في أفراده، وقد يختص بأعلى مراتب الوجود، أي مرتبة وجود الواجب تعالى. وقد تستعمل الحقيقة مرادفةً للكنه، كما يُقال حقيقة الوجود مجهولة، أي لا يدرك الذهن كنه. انظر، تعليقات الشيخ مصباح اليزدي على نهاية الحكمة للطباطبائي، الصفحة 23.

[11] الفلسفة الإسلامية، مصدر سابق، الصفحة 11.

[12] الأسفار، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحة 65.

[13] المشاعر، مصدر سابق، الصفحة 7؛ وانظر، الفلسفة الإسلامية، مصدر سابق، الصفحة 34.

[14] الأسفار، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحة 67.

[15] الفلسفة الإسلامية، مصدر سابق، الصفحة 34.

[16] المرجع نفسه، الصفحة 13.

[17] الشيخ عبد الكريم الزنجاني، دروس في الفلسفة (النجف: مطبعة الغري، 1940م)، الجزء 1، الصفحة 159.

[18] انظر، المشاعر، مصدر سابق، الصفحة 6، الأسفار، مصدر سابق، الصفحة 25.

[19] الشيرازي، الشواهد الربوبية (المركز الجامعي للنشر، الطبعة 2، 1981م)، الصفحة 6.

[20] وفي هذا يقول ابن سينا: “إنّ الموجود والشيء والضروريّ معانيها ترتسم في النفس ارتسامًا أوّليًّا، ليس ذلك الارتسام ممّا يحتاج إلى أن يجلب بأشياء أعرف منها”. انظر، ابن سينا، إلهيات الشفاء، تحقيق قنواتي وسعيد زايد، بإشراف د. بيومي مدكور (القاهرة: الهيئة العامّة لشؤون المطابع الأميرية، 1960م)، المقالة 1، الفصل 5، الصفحة 29.

[21] انظر، الفلسفة الإسلامية، مصدر سابق، الصفحة 13؛ رضا الصدر، الفلسفة العليا (بيروت: دار الكتاب اللبنانيّ، الطبعة 1، 1986م)، الصفحة 85.

[22] انظر، المشاعر، مصدر سابق، الصفحة 6؛ الشيرازي، المبدأ والمعاد، تحقيق سيد جلال الدين آشتياني، مراجعة سيد حسين نصر (طهران: 1976م)، الصفحة 10؛ الفلسفة الإسلامية، مصدر سابق، الصفحة 13.

[23] لقد صرّح فخر الدين الرازي من قبل بمثل هذا القول في مباحثه المشرقية، إذ يقول: “اعلم أنّ التعريف على وجهين: أحدهما يكون الغرض منه إفادة تصوّر مجهول بواسطة تصوّر حاصل، وثانيهم أن يكون الغرض منه التنبيه على الشيء بعلامة منبّه، وإن كانت أخفى من المعرّف في نفس الأمر، فتعريف الوجود على الوجه الثاني جائز، وأمّا على الوجه الأوّل فغير جائز”. انظر، فخر الدين الرازي، المباحث المشرقية في علم الإلهيّات والطبيعيّات، تحقيق وتعليق محمد المعتصم بالله البغدادي (بيروت: دار الكتاب العربيّ، الطبعة 1، 1990م)، الجزء 1، الصفحة 97.

[24] التعريف الحقيقيّ عبارة عن نوع من المفاهيم التي تستوجب الوصول إلى معرفة الأشياء وطبيعتها، وهو يتألّف من الجنس والفصل والعرض الخاص، بالإضافة إلى تميّزه بعدّة شروط من أهمّها:

1 – وجوب اشتماله على مفهوم أشد وضوحًا من المفهوم المعرّف.

2 – أن يكون جامعًا مانعًا.

3 – أن لا يكون مفهوم المعرَّف عين المفهوم المعرِّف.

4 – عدم اشتماله على الدور.

5 – خلوّه من الألفاظ المبهمة والمعقّدة.

[25] التعريف اللفطي عبارة عن بيان معنى اللفظ بواسطة لفظ آخر، وهو يحدّد العلاقة فيما بين اللفظ والمعنى ويشخّصها. وهذا التعريف لا يؤدّي البتة إلى صياغة مفهوم ومعنى جديدين، كما أنّه يؤدّي أيضًا إلى إضافة تصوّر جديد إلى ذهن الإنسان. انظر، علي شيرواني، دروس فلسفية في شرح بداية الحكمة للعلامة الطبطبائي، ترجمة حبيب فيّاض (بيروت: دار الهادي، الطبعة 1، 1995م)، الصفحة 15.

[26] وفي هذا يقول ابن سينا: “إنّ الوجود لا يمكن أن يشرح بغير الاسم، لأنّه مبدأ أوّل لكلّ شرح، فلا شرح له، بل صورته تقوم في النفس بلا توسّط شيء”. انظر، النجاة، مصدر سابق، الفصل السادس في النفس، الفصل 30، الصفحة 161. وانطلاقًا من ذلك يؤكّد يوسف كرم أنّ “الوجود يعدّ أوّل المعاني لبساطته القصوى، وأنّه أوّل ما يقع في الإدراك لعمومه الشامل، فكل ما يمكن صنعه هو شرح اللفظ فقط”. انظر، يوسف كرم، العقل والوجود، (مصر: دار المعارف، الطبعة 3، الصفحة 114. وقد أوضح السبزواري أيضًا أنّ جميع التعريفات للوجود ليست بالحدّ المؤلّف من الجنس والفصل الكاشف عن حقيقته، ولا بالرسم الذي هو تعريف بالعرض، وإنّما هو شرح الاسم باسم أوضح فقط، إذ لا شيء أعرف من الوجود، وقد أنشد قائلًا:

معرّف الوجود شرح الإسم وليس بالحدّ ولا بالرسم

مفهومه من أعرف الأشياء وكنهه في غاية الخفاء

انظر، الشيخ عبد الله نعمة، فلاسفة الشيعة (حياتهم وآراؤهم) (بيروت: دار مكتبة الحياة)، الصفحتان 555 و556.

[27] الفلسفة العليا، مصدر سابق، الصفحة 85.

[28] الأسفار، مصدر سابق، الصفحة 37.

[29] انظر، الفلسفة الإسلامية، مصدر سابق، الصفحة 13؛ الفسلفة العليا، مصدر سابق، الصفحة 85.

[30] المشاعر، مصدر سابق، الصفحة 7.

[31] المرجع نفسه، الصفحة نفسها؛ وأيضًا، الشواهد الربوبية، مصدر سابق، الصفحتان 6 و7.

[32] لعلّ الداعي إلى إنكار الاشتراك المعنويّ عندهما هو توهم استلزامه نفي التمايز بين الحقائق العينية، وخاصّة نفي التمايز بين الخالق والمخلوق. ومنشأ هذا التوهّم هو الخلط بين المفهوم والمصداق؛ كما نبّه عليه العلامة الطباطبائيّ. انظر، الطباطبائي، نهاية الحكمة، هامش الصفحة 20 و21.

[33] الأسفار، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحة 35. ويستوجب الالتفات هنا إلى أنّ قول الشيرازي يشبه إلى حدّ كبير قول الرازي الذي مؤدّاه: “يشبه أن يكون ذلك من قبيل الأوليّات”. فخر الدين الرازي، المباحث المشرقية، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحة 106.

[34] الحمل: هو الحكم بالاتحاد بين شيئين، وينقسم على قسمين: أوّلي ذاتي، وشائع صناعي، فإنّ قصد عن الحمل الاتحاد المفهومي بين شيئين – كما قولنا: الإنسان حيوان ناطق – فهو المقصود من الحمل الأوّليّ. وإن قصد من الحمل الاتحاد بحسب الوجود – وإن كان الشيئان مختلفين بحسب المفهوم – فهو الثاني من قسمي الحمل، أعني الشائع الصناعي، كقولنا: زيد إنسان، وقولنا: القطن أبيض؛ فالأوّل حمل ذاتي والثاني حمل عرضي، وكلاهما حمل شائع، انظر، الفلسفة العليا، مصدر سابق، الصفحتان 116 و117.

[35] الأسفار، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحة 35.

[36] المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[37] الأسفار، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحتان 35 و36.

[38] ذكر الشيرازي أنّ للوجود اصطلاحين عند الحكماء، أحدهما: ما يقع رابطةً في الحمليّات الموجبة، ويكون من المعاني الحرفية؛ ويقابله الوجود المحموليّ الذي يقع محمولًا في الهليّات البسيطة، ويكون من المعاني المستقلّة. واختار أنّ إطلاق الوجود على الرابطيّ – بهذا المعنى – والمحموليّ يكون من قبيل الاشتراك اللفظيّ، كوجود المعلول للعلّة، أو عند شيء كوجود الصورة العلمية في النفس، ويقابله الوجود النفسيّ. ثمّ اقترح تخصيص الأوّل بالرابط لئلا يحدث الخلط بينهما. انظر، الأسفار، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحات 79 إلى 82، و327 إلى 330.

[39] المرجع نفسه، الجزء 1، الصفحة 36.

[40] المرجع نفسه، الصفحة 37.

[41] الفلسفة الإسلامية، مصدر سابق، الصفحة 35.

[42] المرجع نفسه، الصفحة 37.

[43] الماهية مصدر جعلي مأخوذ من “ما هو” وتستعمل بمعنى اسم المصدر في ما يجاب به عن السؤال بـ”ما هو”، وهو ما يناله العقل من الموجودات الممكنة عند تصوّرها تصوّرًا تامًّا، وإن شئنا قلنا: قالب ذهنيّ كليّ للموجودات العينيّة، أو قلنا: الحدّ العقليّ الذي ينعكس في الذهن من الموجودات المحدودة. انظر، تعليقات الشيخ محمد المصباح اليزدي على نهاية الحكمة للطباطبائي، الصفحتان 23 و24؛ وأيضًا، د. مهدي الحائري، هرم الوجود، ترجمة محمد عبد المنعم الخاقاني (بيروت: دار الروضة، الطبعة 1، 1190م)، الصفحات 214 إلى 217. وقد قال الشيرازي في أسفاره: “فإنّ ماهيّة كلّ شيء هي حكاية عقليّة عنه، وشبح ذهنيّ لرؤيته في الخارج، وظل له”. الأسفار، مصدر سابق، الجزء 2، الصفحة 236. وقال في موضع آخر: “فإنّ الماهيّة نفسها خيال الوجود وعكسه الذي يظهر منه المدارك العقليّة والحسيّة”. الأسفار، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحة 198. وللماهيّة اصطلاح آخر أعم، وهو “ما به الشيء هو هو”. وبهذا المعنى يُطلق على الواجب تعالى أيضًا فيقال: “الواجب ماهيّته إنيّته”. انظر، الأسفار، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحة 413.

[44] الأسفار، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحتان 245 و246.

[45] المصدر نفسه، الجزء 1، الصفحة 246.

[46] الأسفار، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحة 247.

[47] انظر، إلهيات الشفاء، مصدر سابق، المقالة 1، الفصل 7، الصفحة 47.

[48] انظر، الفلسفة الإسلاميّة، مصدر سابق، الصفحة 15؛ وقارن، نصير الدين الطوسي، تجريد العقائد، تحقيق عباس سليمان (الإسكندريّة: دار المعرفة الجامعيّة، 1996م)، الصفحة 63.

[49] الفلسفة الإسلاميّة، مصدر سابق، الصفحة 15.

[50] وهذا يعني أنّ الإمكان الفقري والوجودي عند الشيرازي هو أنّ ذاته هي التعلّق بالغير، فهو ذاتًا ظهور شيء آخر وذاتًا قد جاء من شيء آخر. فالوجودات الإمكانيّة بمعنى الفقر – إذن – تعني أنّ ذاتها الفقر والاحتياج؛ فالفقر هنا لا يعني إلا التعلّق. وهذه الفكرة من ابتكارات الشيرازي القائمة على أساس أصالة الوجود. انظر، هرم الوجود، مصدر سابق، الصفحات 279 إلى 300.

[51] الأسفار، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحات 243 إلى 245.

[52] الفلسفة الإسلاميّة، مصدر سابق، الصفحة 15.

[53] الأسفار، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحات 243 إلى 245.

[54] انظر، محمد رضا اللواتي، المعرفة والنفس والألوهية في الفلسفة الإسلامية والمدارس الفلسفية الأخرى (بيروت: دار الساقي، الطبعة 1، 1994)، الصفحة 139.

[55] الشواهد الربوبية، مصدر سابق، الصفحة 6.

[56] الأسفار، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحتان 38 و39.

[57] بهمنيار بن المرزبان، التحصيل، تحقيق مرتضى مطهري (إيران: طبعة كلية الإلهيات – جامعة طهران، 1356ه)، الصفحات 9 إلى 11.

[58] المشاعر، مصدر سابق، الصفحتان 9 و10.

[59] المرجع نفسه، الصفحة 12.

[60] يذهب الشيرازي في أسفاره إلى أن جهة الاتحاد في كل متحدين هو الوجود، سواء أكان الاتحاد – أي الهو هو – بالذات كاتحاد الإنسان بالوجود أم اتحاده بالحيوان، أو بالعرض كاتحاد الإنسان بالأبيض، فإن جهة الاتحاد بين الإنسان والوجود هو نفس الوجود المنسوب إليه بالذات، وجهة الاتحاد بينه وبين الحيوان هو الوجود المنسوب إليهما جميعًا بالذات، وجهة الاتحاد بين الإنسان والأبيض هو الوجود المنسوب إلى الإنسان بالذات، وإلى الأبيض بالعرض. فحينئذ لا شبهة في أن المتحدين لا يمكن أن يكونا موجودين جميعًا بحسب الحقيقة، وإلا لم يحصل الاتحاد بينهما بل الوجود الواحد منسوب إليهما نحوًا من الانتساب، فلا محالة أحدهما أو كلاهما انتزاعي، وجهة الاتحاد أمر حقيقي. انظر، الأسفار، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحة 67. ومن الملاحظ أن الشيرازي قد ترقى في أسفاره فنظر بدقة إلى ما قرره في المشاعر، حيث أشار إلى أنه لولا جهة الاتحاد لما تحقق حمل أصلًا، لأن جهة الاتحاد في الأولى أيضًا هو الوجود، إلا أنه الوجود الرابط المتحقق بنحو الرابطية، وإن لم يتحقق بنحو الظرفية كما في الوجود المحمولي.

[61] المشاعر، مصدر سابق، الصفحتان 12 و13.

[62] المشاعر، مصدر سابق، الصفحتان 13 و14.

[63] المرجع نفسه، الصفحتان 14 و15.

[64] المرجع نفسه، الصفحتان 15 و17.

[65] المرجع نفسه، الصفحة 17.

[66] الفلسفة الإسلامية، مصدر سابق، الصفحات 17 إلى 19.

[67] الفلسفة الإسلامية، مصدر سابق، الصفحات 17 إلى 19.



المقالات المرتبطة

إرجاع العلم الحصولي إلى العلم الحضوري من وجهة نظر العلامة الطباطبائي

جرت عادة الفلسفة الإسلامية بشكل واضح وبارز على تقسيم العلم إلى حضوري وحصولي، وتقسيم العلم الحصولي إلى تصوّر وتصديق، وتقسيم التصوّر الكلّي إلى: ماهوي، وفلسفي، ومنطقي، على المنوال نفسه.

العولمة وتنميط المجتمع

وفقاً لتصنيف الأنمطة الأسرية والأنمطة الاستهلاكية نجد أن جميع الأفراد تكمن فيهم الاستعدادات لكافة القيم الشخصية إلاّ أن تراتبيتها ودرجتها تختلف من بين الأفراد، وتؤثر عوامل موضوعية خارجية؛ العولمة والمؤسسات المجتمعية،

مارتن هايدغر الفيلسوفُ الحائرُ في كينونته الرمادية

لكي يُقرأ نصُّه وَجَبَ التهيؤ لرحلة مشرعة على طبقات شتّى من الفهم. لكن هذا لن يفضي بك إلى الإعراض، بل إلى ما يدعوك لمجاراته بخفرٍ وصمتٍ وانتباه.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*