المعرفة من وجهة نظر صدر المتألهين

المعرفة من وجهة نظر صدر المتألهين

تتوزع هذه المقالة على قسمين: الأول ويتناول عقيدة الفلاسفة الآخرين في الوجود الذهني، والثاني يتناول حصرًا عقيدة صدر المتألهين في هذا الموضوع. وبادئ ذي بدء، لا بد من الإشارة إلى جملة نقاط مهمة يقتضيها البحث، هي:

  • 1- من الواضح كما جاء في القرآن الكريم، وتوافق عليه جميع المفكرين، إن الفكر البشري محدود أمام حقائق العالم اللامتناهية. بالالتفات إلى هذه الحقيقة، فقد شك الكثير من العلماء في موضوع قيمة المعرفة ومحصولاتهم الفكرية، لا بل إن منهم من صرح بأن تمحيصاته، على دقتها، لا تكاد تعد شيئًا مرددين مقالتهم المشهورة: “في النهاية، لم نحصل على ذرة من الكمال”. يقول فيلسوف العرب أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي حول السمة اللامتناهية للعالم، ومحدودية ساحة المعرفة البشرية، ومدح العلماء المتواضعين، وذم الجهلة المدعين المعجبين: “العاقل يظن أن فوق علمه علما فيتواضع لتلك الزيادة والجاهل يظن أنه تناهى في العلم فتمقته النفوس”.

وأما ابن سينا فيذهب في التعليقات بأن إمكانية معرفة ذاتيات وحقائق الأشياء خارج عن ساحة وقدرة الفكر البشري، وبالتالي لا يبقى في متناول المعرفة إلا بالمعرفة بخواص ولوازم وأعراض الأشياء. ويعتقد الشيخ شهاب الدين السهروردي بأن التعريف بالحد غير ممكن، وجميع التعاريف المتداولة محدودة بظواهر الأشياء، وبالتالي فإن التعريف الواقعي هو التعريف بالرسم. من جهته، أوقف القرآن الكريم إمكانية المعرفة البشرية على حدود ظواهر العالم، قال تعالى: {يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة عم غافلون}. هذا وجاء في سورة الملك أن العلم بحقائق وكنه الأشياء مختص بالذات الإلهية المقدسة حيث إنها خالقة لتلك الأشياء: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}. نعم أولئك الذين يعتبرون أنفسهم عالمين بكل شيء، وينزهون معارفهم عن الخطأ، هم في واقع الأمر، لا علمًا حقيقيًّا عندهم وأفضل ما يقال لهم: “حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء”.

  • 2- من دواعي الأسف، إن تاريخ الفلسفة الإسلامية لم يكن منصفًا، حيث حظي بعض الفلاسفة الكبار بالشهرة، في حين قذف البعض الآخر، على أهميته إلى مطاوي النسيان. الأمر الذي أوقع في اعتقاد البعض، أن هؤلاء العظام هم الممثلون فقط للفلسفة الإسلامية. وكل هذا كان يجري من دون أدنى تحقيق أو تمحيص. بناء على هذا، يمكن اعتبار الموقف الرافض للفلسفة والناقد للفلاسفة مقبولًا. وقد أوضح ابن عربي هذه المسألة حين قال: “لم تكن عداوة البعض للعقائد الفلسفية بسبب اسم الفلسفة وإنما بسبب عدم ملاءمة تلك العقائد للدين”. وفي هذا الإطار، من المفيد الوقوف على الحديث المأثور عن هشام ابن الحكم، وذلك في سياق التأكيد على لزوم الالتفات إلى المعنى والابتعاد عن الضمنية التي تبعد الإنسان عن معرفة الحقيقة. فقد سأل هشام بن الحكم الإمام الصادق عليه السلام حول أسماء الله واشتقاقها حيث أجاب الإمام عليه السلام: “فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئًا، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك وعبد اثنين، ومن عبد المعنى دون الاسم فذاك هو التوحيد”….تحميل البحث



لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*