الحراك العربيّ صحوة بناء الدولة

الحراك العربيّ صحوة بناء الدولة

لن نختصم في تحديد تسمية للحراك العربيّ الأخير. هل هو ربيع عربيّ، أم ثورة عربيّة، أم صحوة إسلاميّة، أم نهضة شعبيّة؟… وإن كان لكلّ جهة عملت على إطلاق اصطلاحها على هذا الحراك أسبابها الخاصّة الدالّة على فهمها للحراك ممزوجة بأهداف وغايات تتوخّاها منه. إلّا أنّ ما هو مهمّ في هذا الحراك، بحسب فهمنا، أمورٌ منها:

  1. حجم التوتّر المجتمعيّ الذي أسفر عنه الحراك العربيّ، والذي استحضر العمق الإسلاميّ في ثقافة الناس، كما استحضر طبيعة الاحتياجات الحياتيّة التي يتوخّونها، من مثل استعادة الثقة بالنفس، وتأصيل الارتباط بجهاز دولة وحكومة وأحزاب سياسيّة تتولّى تأمين مقتضيات منها الاجتماعيّ والسياسيّ والمعيشيّ.
  2. تشظّي مكوِّنات مجتمعات الحراك العربيّ إلى حزبيّة وأيديولوجيّة ومذهبيّة وطائفيّة ومطلبيّة، الأمر الذي يُنبّه الدارس إلى وجود تفسّخات، وإن بدت أحيانًا صغيرة على السطح، إلّا أنّها تكشف عن تفسّخات أعمق في بنية هذه المجتمعات. يضاف إلى ذلك، القابليّات الحسّاسة لعداوة الغرب والوقوع بأفخاخه في آن واحد. وهو ما يستدعي منّا إنشاء منهجيّة تفسيريّة تعتمد الوصف الدقيق لهذا الواقع القائم.
  3. الرغبة الجامحة عند الأطراف المذهبيّة والدينيّة والحزبيّة بتسنّم سدّة الحكم والسلطة. رغبة لا تقتصر على مجرّد قبول المشاركة بالحكم، بل تبتغي الذهاب عميقًا في بناء القواعد التأسيسيّة للدولة، من مثل: الدستور وتشريع القوانين بما يتناسب مع مصالح تلك الجماعات، وبذهنيّة تستدعي جلب مسير مركب السلطة إليها وحدها لما تفتقده من ثقافة تعدّديّة، وروح تتآلف مع الآخر، أو إن شئت فقل: تتكامل مع الآخر كما تفتقد روح الثقة بالمحيط.
  4. قيام خطاب جديد مبنيّ على زحزحة ثوابته. تلك الثوابت التي لطالما دعت إليها الحركات الإسلاميّة والعلمانيّة. فإنّ هذه الجماعات لمّا كان من الصعب عليها رفض ثوابتها فإنّها قامت بانعطافات تأويليّة لتلك الثوابت عبر جملة من التفسيرات والمواقف، بحيث صار من الواضح سبق الموقف والمصلحة على المبادئ والرؤى في كثير من الأحيان.

ونحن في هذه المقالة، سنقتصر على الإسلاميّين، وعلى مشروعهم وخطابهم المرتبط بالدولة والقيادة السياسيّة.

إلّا أنّ، وقبل بدء استعراض طرح الإسلاميّين في هذا الشأن، بودّي إبراز المقصود من سبق الموقف على الرؤية في بعض الخطاب الإسلاميّ المعاصر.

جدليّة الموقف والرؤية

لن أدخل عميقًا في التباين الذي برز ببعض المدارس الفلسفيّة، والتي أُطلق على بعضها اسم الفلسفة الواقعيّة لتقديمها الواقع المجتمعيّ على الفكر. وعلى بعضها الآخر اسم الفلسفة المثاليّة لما أولته من اهتمام خاصّ بالفكر والذهن وأسبقيته على الواقع. وإن كانت المدارس السياسيّة، بل وبعض الحضارات، تأثّرت بشكل أو بآخر بمثل هذا الانقسام الفلسفيّ، حيث إنّ هناك أيديولوجيّات قامت على اعتبار أنّ الواقع المتغيّر هو الحاكم في مسار الفكرة والمبدأ، وأنّ لا مبدأ ثابتًا بشكل نهائيّ، إذ الثابت الوحيد هو جريان الفكرة مجرى تغيّر الواقع وتبدّله. والملفت هنا، أنّ طغيان هذا الاتّجاه فرض نفسه كذريعة تَتَتَرَّس بها حركات وأحزاب ومذاهب دينيّة وإسلاميّة. وأخرجت من عُباب الغيب فكرة “المصلحة العليا”، وبنت على ضوئها رؤيتها للأمور. إلّا أنّ “المصلحة” هنا، باتت عند هذه الحركات مفهومًا تتداعى معانيه بحسب الوظيفة المتوخّاة منه، أكثر من إدخاله كعنصر من عناصر تشخيص الموقف وإجراء اللازم الذي تتكامل فيه الثوابت والأحكام العقائديّة والأخلاقيّة والشرعيّة مع مقتضيات الظرف. وفي هذا كسر لمبدأ الاجتهاد الإسلاميّ ودوره في دفع الحياة العمليّة والسياسيّة على ضوء هدي الإسلام وأحكامه، بل ورؤيته تجاه العالم والحياة.

ولا يخفى أنّ انفلات العلاقة مع الاجتهاد الإسلاميّ يودي بالمسلمين، وبشكلٍ محتوم، إلى تيه وضلالة ما بعدها ضلالة. إذ هو، وإن ترك مجالًا للتمسّك بالاسم (الإسلام)، أو (المشروع الإسلاميّ، والدولة الإسلاميّة)، لكنّه يضع اللفظ والاسم (أي الإسلام) في ناحية، والمعنى المتوخّى من الإسلام في ناحية أخرى، وحينما ينفرط عقد العلاقة بين اللفظ والمعنى، فإنّنا سنكون عند مفهوم هجين لا اللفظ يكشف عن معناه، ولا المعنى يرضى به اسمًا وعنوانًا يحكي المفهوم عنه. وهنا، تتبدّد الرؤية ويضطرب الموقف من الواقع. وهذا ما حصل مع أغلب الحركات الإسلاميّة التي باتت أمام طرحين، إمّا دولة المِلّة الإسلاميّة، وإمّا الدولة المدنيّة الإسلاميّة.

المِلّة والمدنيّة في بناء الدولة الإسلاميّة

لا أقصد بالمِلّة هنا الجماعة الدينيّة أو الإسلاميّة، إذ الدولة الإسلاميّة هي الناظم الذي يحفظ مصالح الجماعة ويحقّق لها أمنها ورقيّها، بل أقصد المِلّة بالمعنى الذي انشطر اليوم من الدين فشكّل مذهبًا، ومن المذهب فشكّل قراءة أو فرقة خاصّة صارت هي المِلّة، التي أوّل من تعادي رفاق دربها الدينيّ أو حتّى المذهبيّ أحيانًا كثيرة. وتمارس بحقّهم إقصاءً عنفيًّا تحت عنوان التكفير، في الوقت الذي تناصر فيه حتّى الظالم إن كان من فِرقتها ومِلّتها الخاصّة. كما أنّي لا أقصد بالمدنيّة الناس ومقتضيات الحياة العاديّة عندهم. ذلك أنّ الإسلام هو دين الإنسان الذي جاء الوحي إليه ليهديه سُبُل الرشاد في معرفة نفسه والكنوز المعنويّة التي أودعها الله فيه، فطرةً وتكوينًا. إلّا أنّي أقصد بالمدنيّة هنا، بمعنى إخراج الشريعة كما جاءت في حكم الله عن أن تكون مصدر التقنين والتشريع والدستور الحاكم في حياة الناس.

وأقصد بالمدنيّة، ما أشار إليه الشيخ محمّد مهدي شمس الدين، حينما عرّف الدولة المدنيّة بقوله: “أي دولة بلا دين”[2].

الانشطار في الخطاب عند الحركات الإسلاميّة بين مثل هذه الدولة المدنيّة، وبين دولة المِلّة تلك، هو الذي علينا التمعّن في دلالته التي أوّل ما تكشف عن انفصام حادّ في شخصيّة بناة الحراك الإسلاميّ في الوسط العربيّ المعاصر، والذي قد نحيل أسبابه إلى:

  • إمّا المسارعة غير المدروسة في اقتناص فرصة استلام الحكم وبناء مشروع الدولة، وهذا ما أرخى بظلّه على تصريحات ومواقف غير دقيقة وغير مدروسة أحيانًا، ومسترضية للمناخات العامّة والقوى المتحكّمة أحيانًا أخرى.
  • وإمّا الوصول إلى موقع لم يكن بالحسبان، ولم تنضج المقدّمات اللازمة لطرح صيغ إسلاميّة تؤهّل هذا الواقع الجديد لكي يتّصف ويتضمّن عمق الرؤية والمشروعيّة الإسلاميّة.
  • وإمّا بفعل ثقل الصدمة الحضاريّة التي وقعت على العالم الإسلاميّ بفعل النهوض الحضاريّ المادّيّ للغرب. والذي أخرج أهل الإسلام من أفق المشاركة بالحياة العامّة والشأن السياسيّ العام، ليعيشوا في قمقم الهواجس الذاتيّة من خوف على وجودهم وعلى دينهم وأخلاقيّاتهم ومعتقداتهم. حتّى بات هؤلاء بلا طموح مستقبليّ، وبالتالي بلا رؤية واضحة لمشروع إسلاميّ ناضج، ولو أردنا جمع وتلخيص كلّ هذه الأزمات لأفردناها بعبارة واحدة، أنّ فرضيّة الحكم جاءتهم في ظلّ فقدانهم للثقة بأنفسهم.

وعند فقدان الثقة بالنفس، فإنّ الإنسان إذا جاءته بعض المقدّرات تحوّل إلى وضع من اثنين: إمّا الانكفاء على الذات ورفض الآخر مهما كان ذاك الآخر وأيًّا كان. وهذا الذي تسبّب بما نسمّيه مشروع المِلّة، وهو في قبال مشروع الأمّة، أو أن ينساق وينزلق في ناظمه السياسيّ إلى تبعيّة الخصم الفعليّ الذي يعشعش في وجدانه، بسبب ما أُثقل هذا الوجدان من استعمار لأحاسيسه التي باتت تتكيّف مع المناخ الاستعماريّ الغربيّ، وبالتالي مع مزاجه السياسيّ والتشريعيّ واليوميّ. في الوقت الذي ترفض بعض قناعاته الإسلاميّة الاستسلام، ممّا يدفع به لإيجاد توفيق تأويليّ بين أمرين مختلفين في العمق ولا يُرتقا إلّا من حيث المظهر والشكل. وهذا ما يسوِّغ له ويستدعيه أن يتحدّث عن دولة مدنيّة، هي تعبيرٌ مُلطَّف للدولة العلمانيّة؛ مصدرها “التشريع الإسلاميّ”، وهو من أعجب ما يمكن أن يتصوّره عقل، أو يعبّر عنه بيان متوازن.

إذ كيف يمكن أن نجمع بين فكرة المدنيّة للدولة بمعنى العلمنة المنادية بإقصاء الدين عن الشأن العامّ، وبين أن تكون الشريعة الإسلاميّة هي مصدر التشريع والحكم في تلك الدولة.

وإذا كانت مسألة الدولة المدنيّة والسعي لأسلمتها اليوم إشكاليّة من السهل رصدها ودفع مخاطرها. إلّا أنّ الخطر الداهم الذي سبّب، وما زال يسبّب، مأزقًا جدّيًّا أمام الصحوة الإسلاميّة هو الانسياق نحو “دولة المِلّة” ولو تحت عناوين متنوّعة قد تكون سنّيّةً أو قد تكون شيعيّةً إلّا أنّها تضجّ في مضمونها وفي نبضها بنحو من العصبيّة المرَضِيّة التي أطلقت عليها بعض أدبيّات سيّد قطب بالروح الجاهليّة. (وكما عن بعضهم، اسم “الجاهليّة الحديثة”)، وذلك لما جمعته بين مناخ يعايش الحداثة بأفق من العصبيّة المِلّيّة، أي هناك ازدواجيّة المزاج (الحداثة) والانتماء (المِلّة). لكن ما ينبغي التسليم به أنّ تسمية الصحوة الإسلاميّة لهذا الحراك العربيّ الأخير اقترن في إرهاصاته الأولى التي كانت قبل الحراك الأخير، وفي أثنائه، بفكرة الدولة الإسلاميّة، وهذا ما عبّر عنه بعض الباحثين بتعريف الصحوة الإسلاميّة آنذاك

الصحوة الإسلاميّة مصطلح حديث، أطلقته الجماعات الدينيّة على ما تقوم به من عمل في سبيل تحقيق الدولة الإسلاميّة. والدولة الإسلاميّة إنّما تتحقّق عند هذه الجماعات على أساس من العمل في سبيل بناء مجتمع إسلاميّ جديد، وفي سبيل إقامة حكومة إسلاميّة تحافظ على الدين وترعى شؤون الأمّة.

والسبيل إلى تحقيق الدولة الإسلاميّة قد يكون الجدل بالتي هي أحسن عندما يكون المُستهدَف هو بناء المجتمع الإسلاميّ. أمّا حين يكون المُستهدَف إقامة الحكومة الإسلاميّة، فإنّ السُبُل تكون شاقّة عسيرة، وتكون بالنضال والجهاد في سبيل الله[3].

إنّ النقاط التي يستدعيها هذا النصّ في تعريفه للصحوة كلّها ترتبط ببناء الدولة الإسلاميّة منها:

  1. العمل في سبيل تحقيق الدولة الإسلاميّة.
  2. بناء مجتمع إسلاميّ جديد على أساس الجدل بالتي هي أحسن.
  3. النضال والجهاد لبناء الدولة الإسلاميّة.

فهي إذًا، صحوة مجتمعيّة وسياسيّة، طابع الصحوة الأساسيّ هو الوعي على الواقع والإسلام وربطهما بما يحقّق رفع بناءات المجتمع وإقامة الحصانة السياسيّة له من خلال سلطة وحكومة نافذة وقادرة، تحمل مَدَيَات من اهتمامات الأمّة الإسلاميّة. وأنّ أيّ خلل بهذين العاملين الأوّل، مجتمع الأمّة الإسلاميّة عبر تغليب طابع الملّة؛ أي الفرقة الضيّقة؛ على الأمّة هو انسلاخ عن الصحوة الإسلاميّة، والثاني، أيّ زحزحة عن مصدريّة التشريع الإسلاميّ النافذ الإجراء بإرادة الناس هو انزياح عن المعنى الدينيّ نحو علمنة تفصل الحياة العامّة عن الشريعة، ولو تحت عنوان المدنيّة. إلّا أنّ النصّ التعريفيّ هنا فوَّت علينا قراءة أهمّيّة الوعي الاجتهاديّ لبناء الدولة والذي يتمثّل بالفقه والبصيرة السياسيّة التي تؤسِّس أركان الدولة بما فيها الدستور والقوانين والتشريعات وشكل السلطة ونظام الحكم. أي بمعنىً أدقّ، فلسفة الدولة والقانون على ضوء الرؤية الإسلاميّة التوحيديّة التي تمثّل منطلق أيّ حراك إسلاميّ يمازج بين خصوصيّات الواقع وضروراته من جهة، وبين منطلقات وغايات المبادئ والرؤية الإسلاميّة من جهة أخرى. وفي مثل هذا الحراك بين الواقع والشريعة الإسلاميّة يتولّد اجتهاد قيام وبناء الدولة الإسلاميّة التي لا يغشاها عمى جاهليّة المِلّة العصبيّة، ولا تحلّل العلمنة بثوب المدنيّة أو غيرها، بل يكون المطلوب هو معاصرة العقل الاجتهاديّ لاحتياجات الأمّة ومصالحها. وهنا، من المفيد الإشارة أنّ كافّة مفاصل الأمّة الإسلاميّة وأطرافها المتنوّعة تحتاج إلى تبادل ثريّ للخبرة في نظم الأمر أمام صحوة أخذت تتحوّل إلى ظاهرة فوق إقليميّة، ومن أجلها. إذ من الواضح أنّ الإسلام في مشروعه أخذ يتقدّم أمام عالم أوروبّيّ وأمريكيّ مضطرب وقلق بفعل أزمات اقتصاديّة وسياسيّة استراتيجيّة تسمح لمشاريع إنسانيّة–سياسيّة أن تأخذ مكانها الطبيعيّ. ولهذا، فإنّ الأفق الذي أخذت بعض أركان الصحوة الإسلاميّة تتحدّث عنه هو “الإسلام الحضاريّ”. بما يتضمّنه معنى الإسلام الحضاريّ من مجتمع متقدّم ورؤية عميقة وقيم تتّسم بالفرادة، واهتمامات ترتبط بالسياسة والحكم وإقامة الدولة والعلاقات الدوليّة وغير ذلك.

إلّا أنّ إقامة طموح مبنيّ على إسلام حضاريّ يقضي النجاح في أبعاد ثلاث:

البعد الأوّل: الرؤية المؤسِّسة لهذا النموذج الحضاريّ وقابليته على التمدّد المتجاوز لحدود الجغرافيا والقوميات والأطر الضيّقة، كما وأن تكون رؤية تحتضن من القيم الفاعلة والمرنة ما يؤهّلها لطرح هويّة حضاريّة واثقة ومتفاعلة مع المحيط الإنسانيّ العالميّ.

البعد الثاني: تقديم نموذج إسلاميّ لبناء مجتمع ودولة ناجِحَيْن في مراعاة الخصوصيّة الثقافيّة لشعب بعينه دون أن يؤثّر ذلك على المدى الحيويّ لقضايا وقيم واهتمامات الأمّة التي هي فوق شعب خاصّ أو جماعة خاصّة.

وفي هذا ما يحفظ مبادئ العلاقة بين الدعوة والدولة في أيّ مشروع إسلاميّ حضاريّ.

البعد الثالث: نموذج لدولة إسلاميّة معاصرة، هويّتها الإسلام بكلّ معانيه ومستلزماته المنسكبة في بناء أركان هذه الدولة التي من المفترض أن تتوفّر على روح المعاصرة.

ومن المفيد هنا القول: إنّني لا أقصد بهذا رفض مذهب أيّ دولة إسلاميّة؛ ذلك أنّ مذهب الدولة إنّما يعبّر عن خصوصيّتها الثقافيّة الدينيّة. لكن ما أرفضه هو أن ينسف المذهب الدين في قيمه وتطلّعاته ومقاصده ويحوّل الجماعة إلى “مِلّة مذهبيّة”.

وبهذا المعنى، فإنّ على اتّحادات الدول الإسلاميّة أن تتثاقف وتتداين فيما بين بعضها البعض بروح تآلفيّة اجتهاديّة تشكّل سرّ قوّتها وصعودها السياسيّ والحضاريّ.

فأنا، إن كنت لا أفهم السبب الذي يجعل الشيعيّ، مثلًا، رافضًا لأطروحة السلفيّة، وإن كان من حقّه أن يستنكر تصرّفات بعض جماعاتها، إلّا أنّي لا أفهم، إطلاقًا، ما آلت إليه الأمور وبعد قيام حركات الصحوة الإسلاميّة في البلدان العربيّة، من رفض سنّي عارم للتشيّع والشيعة وإيران وحزب الله والمقاومة الإسلاميّة. علمًا أنّي أتفهّم النقد السنّيّ لبعض السياسات هنا وهناك، وقد أتفهّم بعض التفهّم المذهبيّ لديهم، لكن هذا شيء، وشيطنة التشيُّع عند كثير من الجهات والحركات والمذاهب والحكومات السنيّة شيءٌ آخر.

هل قصَّر الشيعة تجاه قضايا الأمّة المركزيّة، من مثل قضيّة فلسطين، بل وكلّ قضايا الظلم التي تطال العالم الإسلاميّ السنّيّ منه قبل الشيعيّ؟

هل أباح الشيعة يومًا الدم السنّيّ؟ وإذا كانوا قد فعلوها – لا سمح الله – ألا يوجد جهات مرجعيّة شيعيّة متقاربة مع السنّة ورافضة لتدهور العلاقة الإسلاميّة؟ ألا يستطيع السنّة تشكيل قوى فاعلة ومؤسّسات مرجعيّة بالتنسيق مع الشيعة بغية حلّ هذه المشكلات؟

لماذا صار التشيُّع تهمةً تنأى بعض الجهات والمرجعيّات السنّيّة بنفسها عنه، إمّا قناعةً، أو خشية المزاج السنّيّ العامّ؟

ثمّ، لماذا هذا الانقسام الإسلاميّ القوميّ اليوم بين عربيّ وتركيّ وإيرانيّ وغير ذلك. أليس النبيّ هو القائل: “لا فضل لعربيّ على أعجميّ ولا لأبيض على أسود إلّا بالتقوى”؟

أم أنّ اقتضاءات المصالح المِلّيّة التي ترضي التحشيد الجاهليّ العامّ، أو المصالح التي تقتضي إرضاء قوى الأمر الواقع العالميّ والدوليّ هي أولى بالإرضاء من رضا الله؟

لن أتوقّف كثيرًا عند هذه الأسئلة وغيرها، ولكنّي أريد أن أطوي عنها كشحًا بالقول: إنّ الذي يحصل اليوم فيه خسارة للكلّ، ولقد وصل الكلّ إلى نقطة القناعة بعدم جدوى، بل بخسارة هذا الواقع المتردّي، إلّا أنّهم جميعًا لم يمتلكوا بعد جرأة أخذ القرار بالتخلّي عن هذه السياسة التي تكاد أن تذهب بريح الدين وفرص عودة الإسلام إلى حاضنة العصر والزمن والحضارة البانية.

الصحوة الإسلاميّة للحراك العربيّ والاستفادة من التجارب

أعتقد أنّ على هذه الصحوة الإسلاميّة في الحراك العربيّ أن تتفهّم جملة أمور منها:

  1. أنّها ليست وحدها الحاضرة في الشارع العربيّ، فهناك استفاقة علمانيّة جديدة أخذت ملامحها بالتبلور، وأخذت تستجمع قواها ومقدّراتها. وهي استفاقة تمتلك فرصًا حقيقيّة، كما أنّها وبسبب تبنّيها لبعض القضايا العربيّة المحقّة، فهي لم تقفل الباب عن إجراء أيّ حوار وتصالح داخليّ بينها وبين القوى الإسلاميّة وحركات الصحوة في العالم الإسلاميّ، لذا، من المفيد السعي الدؤوب لملاقاة هذه الحركات العلمانيّة بصفّ ورؤية إسلاميّة واحدة على مستوى المنطقة والعالم الإسلاميّ، وبروح إيجابيّة تبتغي الصالح العامّ لشعوب هذه المنطقة بكافّة فئاتها.
  2. على هذه الحركات الإسلاميّة أن تعي أنّ واقع التعدّديّة المذهبيّة والدينيّة في الأوطان العربيّة ظاهرة بنيويّة في تركيبة أصل العالم العربيّ. وأنّ رفض هذه التعدّديّة هو رفض لجوهر ومنطق وقائع المنطقة وواقعها، وهذا الأمر قد يودي إلى كوارث مجتمعيّة قد تُلحق – لا سمح الله – بالإسلام الضرر المستقبليّ وإلى عقود مديدة. بل إنّه قد يشكّل علامة سلبيّة خطيرة بأصل المشروع الإسلاميّ وصلاحيّته السياسيّة والعلاجيّة للواقع المجتمعيّ العربيّ.
  3. إنّ التكامل بين أطراف وجهات الصحوة الإسلاميّة تفرض نحوًا من التفاهم والتبادل الدائم في التجارب والخبرات والاجتهادات والإمكانات.

فمن الملحوظ مثلًا، أنّ هناك تأثّرًا في الأوساط الإسلاميّة العربيّة من سياسة حزب العدالة والتنمية فيما يخصّ سياسة صفر مشاكل. لذا، لا ينبغي أن نفوّت فرصة الاستفادة من البرنامج الذي طبّقته تركيّا بغية الوصول إلى هذه النتيجة، دون أن يعني هذا أن نتأثّر باللون العلمانيّ الذي يَحْبُك الذهنيّة الإسلاميّة في تركيّا. كما أنّ هناك نموذجًا في ممارسة الحكم وإدارة الدولة على أساس الاجتهاد الإسلاميّ وفّرته إيران، سواءً على مستوى الدستور، أو على مستوى أطروحة السيادة الشعبيّة الدينيّة، أو سيادة الشعب الدينيّة، والتي نجحت من خلالها بتجاوز إشكاليّة محنة العلاقة بين الإسلام والمعاصرة في ممارسة صيغة حكم إسلاميّ لدولة عصريّة. فلا ينبغي للقوميّة أو المذهبيّة أن تكون عائقًا أمام الاستفادة من مثل هذه التجارب والطروحات، بل إنّي أعتقد أنّ أيّ تجاهل أو اعتراض على التكامل بين أطراف وجهات أطراف الصحوة الإسلاميّة يصبّ في خدمة المشروع المعادي الذي يريد التخلّف وإلحاق الهزيمة بالأمّة الإسلاميّة وبلدانها.

بناءً على كلّ ما سلف، فإنّ علينا، والفرصة اليوم ملك يدينا، أن لا نفوّت هذه الفرصة، أو الفرص القاضية بالتمهّل وعدم حرق المراحل لاعتلاء سدّة الحكم، إذ سلطة بلا فقه وتبصّر وتدبير لن تكون إلّا حكمًا ثيوقراطيًّا تلتهب فيه الشعارات البرّاقة بينما تلتهب الناس من ظلمه وجوره وجهله.

في الوقت نفسه، ينبغي أن ننظر إلى إقامة الدولة الإسلاميّة خارج المِلّيّة والعلمانيّة كفريضة حضاريّة ينبغي أن نوفّر لها كلّ مقدّرات النجاح والتمايز، وإنّي على يقين، أنّ الأمّة لو خرجت من حروبها وشرذمتها الطائفيّة والعصبيّة لتدخل معركة البناء الحضاريّ، لأمكن لها أن تؤسّس وتشيّد بنيان الدولة الإسلاميّة العادلة والهادية والقادرة، وفق روح القرآن وسنّة النبيّ الصادق الأمين رسول الله محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم.

[1] بحث مقدّم إلى مؤتمر العلماء والصحوة الإسلاميّة في طهران، بتاريخ 29-30-4-2013

[2] راجع، الشيخ محمّد مهدي شمس الدين، الأمّة والدولة والحركة الإسلاميّة، مجلّة الغدير، الطبعة الأولى (بيروت: المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى، 1994م)، الصفحتان 23 و 24.

[3] الدكتور محمّد أحمد خلف الله، الحركات الإسلاميّة المعاصرة في الوطن العربيّ (مركز دراسات الوحدة العربيّة)، الصفحة 37.

الشيخ شفيق جرادي

الشيخ شفيق جرادي

الاسم: الشيخ شفيق جرادي (لبنان)
– خريج حوزة قُمّ المقدّسة وأستاذ بالفلسفة والعلوم العقلية والعرفان في الحوزة العلميّة.
– مدير معهد المعارف الحكميّة (للدراسات الدّينيّة والفلسفيّة).
– المشرف العام على مجلّة المحجة ومجلة العتبة.
– شارك في العديد من المؤتمرات الفكريّة والعلميّة في لبنان والخارج.
– بالإضافة إلى اهتمامه بالحوار الإسلامي –المسيحي.
– له العديد من المساهمات البحثيّة المكتوبة والدراسات والمقالات في المجلّات الثقافيّة والعلميّة.
– له العديد من المؤلّفات:
* مقاربات منهجيّة في فلسفة الدين.
* رشحات ولائيّة.
* الإمام الخميني ونهج الاقتدار.
* الشعائر الحسينيّة من المظلوميّة إلى النهوض.
* إلهيات المعرفة: القيم التبادلية في معارف الإسلام والمسيحية.
* الناحية المقدّسة.
* العرفان (ألم استنارة ويقظة موت).
* عرش الروح وإنسان الدهر.
* مدخل إلى علم الأخلاق.
* وعي المقاومة وقيمها.
* الإسلام في مواجهة التكفيرية.
* ابن الطين ومنافذ المصير.
* مقولات في فلسفة الدين على ضوء الهيات المعرفة.
* المعاد الجسماني إنسان ما بعد الموت.

 تُرجمت بعض أعماله إلى اللغة الفرنسيّة والفارسيّة، كما شارك في إعداد كتاب الأونيسكو حول الاحتفالات والأعياد الدينيّة في لبنان.


لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*