الركائز الإبستيمولوجية للعلمانية(1)

الركائز الإبستيمولوجية للعلمانية(1)

مدخل

يمتاز عصر النهضة بثلاثة أحوال هي:

  • تقديم “الأسباب” على “الأدلّة” في إعادة دراسة الرؤى والظواهر وعرضها.
  • ظهور حالات انقطاع وتجزئة متطرّفة في المجالات المعرفية، والمعيشية، والذهنية والعينية.
  • زوال الاعتدال وشياع آفات الإفراط والتفريط.

 أ – نقول شرحًا لهذه الأحوال الثلاث إنّ عصر الحداثة هو عصر “الأسباب والعلل”، وليس عصر “التسليم للأدلّة والبراهين”، فرؤى الإنسان المعاصر ومواقفه مبتنية على الأسباب لا على الأدلّة، وقد أضحى “التبرير” في عصرنا بديلًا لـ “البرهان”. لذا، ينبغي عند شرح الظواهر والأفكار تحرّي أسبابها أو عللها بدل التنقيب عن أدلّتها وبراهينها. لقد بَهَتَتْ همومُ الوصولِ إلى الأحقّية نفس الأمريّة، إلى درجة أنّ “الفلسفة” كأنّما غيّرت ماهيّتها وراحت تمارس دور “السفسطة”، والحال أنّ فلسفة “ظهور الفلسفة” إنّما كانت لمواجهة السفسطة (Sophism)!

إنّ الدراسة الإبستيمولوجية للأفكار والرؤى الاجتماعية أصعب بكثير من دراستها أنطولوجيًا، كما أنّ البحث الأنطولوجي للظواهر أعقد وأصعب من معالجتها السوسيولوجية، والتاريخية، والتجريبية بمئات المرّات. الدراسة الإبستيمولوجية والأنطولوجية من سنخ عرض الأدلّة والبراهين، والمعالجة السوسيولوجية والتاريخية من سنخ تحليل الأسباب والعلل. والسرّ في هذه الصعوبة والتعقيد يعود إلى مسألتَين على الأقلّ:

أ – الطابع الانتزاعي الشديد للأسلوبَين الأوّل والثاني أعلاه (على الترتيب) مقارنة ببعضهما، ومقارنةً بالأساليب الثلاثة المذكورة الأخرى.

ب – حاجة الدراسة الإبستيمولوجية والأنطولوجية على مستوى التبيين والتبيُّن، إلى شواهد عينية ومصاديق توفّرها المناهجُ الثلاثة (أو الأربعة) الأخيرة للباحث في المنهجَين الأول والثاني.

في ضوء هذه النقاط يبدو أنّ الدراسة الظاهرياتية والاجتماعية – التاريخية لظهورِ العلمانية واستمرارها ألطفُ وأمكنُ بكثير من دراستها الميتافيزيقية – المعرفية.

ب – يلوح أنّ الأواصر بين كلّ الأشياء والأشخاص يُنظر ويُراد لها أن تكون متفسّخة مهترئة؛ فالتنافر في شتّى الميادين والصُعُد ملحوظ بدرجات أكبر بكثير من التجاذب. في الرؤى الكونية، والبحوث حول الموجودات، وعلم المعرفة، وفلسفة العلم، وعلم الدين، والأخلاق، والحقوق، والسياسة، والعلوم الطبيعية، وكذلك في العلاقات الإنسانية والعالمية، وفي المجالات الأخرى كافّة، يُنظر لكلّ شيء على أنّه منفصل عن كلّ شيء، وما يُراد له هو انفصال التكليف عن التوصيف، والعلم عن القيم، والمعيشة عن المعرفة، والفعل عن المنحى، والعمل عن النظر، وفهم الدين عن نصّ الدين، وهامش الدين عن متن الدين، والواقع عن الحقيقة، والظاهر عن الموجود، والمادّي عن المعنوي، والدين عن الدنيا، والدنيا عن العقبى، والديانة عن الشريعة، والشريعة عن الطبيعة!

لقد تقطّعت اليوم أجزاء الوجود عن بعضها (بما في ذلك انقطاع الإنسان عن الله، والله والإنسان عن الطبيعة) بفعل التفسير العلماني للوجود والكون، والنظر لأجزاء الوجود باعتبارها منفصلة عن بعضها، وإنكار “كُلّيّة” العالم و”طابعِهِ القدسي”، ورفض النظام الأخلاقي الذي يسود الحياة والوجود، ونبذ التراتبية بين الموجودات.

لم يعد الإنسان مشتقًّا من “الأُنس”، ولا العالم بمعنى (Cosmos) أي النظام والجمال، ولا الإنسان خليفةً لله بل خصمه، ولا هو مُعمِّر الطبيعة والكون ومسخِّرهما وحارسهما بل هادمهما ومخرّبهما. وبدل أن يكون الإنسان عابدًا لله كسائر عناصر الوجود، ومشتاقًا لقطب الكمال والجمال ومتّصلًا به، يريد العالم كلّه عبدًا له، ولا يرتاح حتّى لله إلّا إذا أطاع أوامره!

الأدبيات والعلاقات الحديثة بتحريضها الإنسان على الامتلاك المتطرِّف للطبيعة والأرض وزخرف العالم، نسفت علاقاته بكلّ الوجود، وابتسرته (وهو جزء من الطبيعة) عن أصوله ووطنه. ليس للإنسان الحديث من علاقة بالعالم القديم سوى علاقة الناهب والمنهوب، فالإنسان اليوم لم يعد “على شكل الله”، ولا الله إلهًا يبارك ويثني على خِلقة الإنسان. لم يعد الإنسان “عالمًا صغيرًا”، ولا العالم “إنسانًا كبيرًا”!

فالثقافة والحقوق السياسية الجديدة جعلت الأصالة لـ “الحقّ” بدل “الواجب”، فصيّرت من جميع الأفراد والمجتمعات البشرية شكاةً ودائنين ذوي دعاوى فارغة يذهبون للمحكمة من طرف واحد ودون حضور خصمهم ويعودون منها راضين، جاعلين مسرح الحياة محكمةً بلا قاضٍ ولا قوانين ولا متّهم!

إنكار وحدة العلوم

تُشيع الأدبيّاتُ السياسية والحقوقية المعاصرة النـزعة الفردية وتسمي أفراد المجتمع “مواطنين”، وتقدِّم تعريفًا خاصًّا لمفهوم “البلاد – الدولة”، وتجترح استقطابات عالمية، مثيرةً بذلك وعلى نحو مذهل النـزاعاتِ بين الشعوب والدول، وأفراد المجتمع فيما بينهم، والشعوب ضدّ الشعوب، وبين الشرق والغرب، والشمال والجنوب. والأدبيات الاجتماعية الحداثية بطرحها وتلقينها مفاهيم نظير “الإنسان الحديث”، و”الإنسان التقليدي” (وكأنهما نوعان مختلفان من الحيوان)، وكذلك بتنمية الحياة المدينية، والإسكان المصطنع للناس في المدن، وإشاعة فكرة “محورية الذات” والإيحاء للبشر بتصوّرات “ألوهيةِ الذات” (Humanism)، عزلت الإنسانَ عن تاريخه وانحداره وأبناء جلدته. وعملت الشعاراتُ النسوية (الفيمينية) المتطرّفةُ غير المجدية، بل والضارّة، على هدم المؤسّسة العائلية، وبالتالي فقد أفضت هيمنة التقنية والبيروقراطية وشياع النسبية وأزمة المعرفة والمعنوية إلى اغتراب الإنسان عن ذاته وربّه، وعن الوجود والحقيقة.

وعلى صعيد العلم والمعرفة شاعت النـزعة الحسّية والتجريبية، وإنكار وحدة العلوم وجحود حاجة العلم إلى الرؤية الميتافزيقية، والتجزئة المفرطة للعلوم وحقول التخصّص المتنوّعة، والفصل بين العلوم التقليدية والعلوم الحديثة، ونهجت البحوث العلمية طريق التغيّر الدائم، فتفكّكت معارف الإنسان ووعيه وقناعاته، وحُرِم من النظرة الكلّية الشمولية. لم يعد هدف العلم اليوم “اكتشاف الحقيقة”، ولا هدف السياسة “تحقيق السعادة”، بل صار هدف كلَيهما “إحراز القوّة والسيطرة” وهذا معناه: حرب الإنسان ضدّ الإنسان، وخصام البشر مع الطبيعة!

والتقنية، لا سيّما تقنية الاتّصالات، رغم ما يظنّ من أنّها صغّرت العالم، لكنّها بدل أن تقرِّب البشر من بعضهم، جعلتهم مستغنين وأجانب عن بعضهم، وكأنّما لا يوجد إنسان يحتاج إلى إنسان آخر، فالماكنة (كبديل لأبناء الجلدة) راحت تلبّي جميع احتياجات البشر. كلّ إنسان يجالس إمّا مرسِلة (إذا كان يريد إرسال شيء)، أو يقضّي الوقت كلّه مع مستلِمة (إذا كان يريد تلقّي شيء)؛ إذن، فالمكائن والآلات هي التي ارتبطت واقتربت من بعضها وليس أفراد البشر.

جدير بالقول: إنّ ما يذكر حول التفكّك في عصر الحداثة، سيتضاعف (حسب القرائن) في عصر ما بعد الحداثة وما يلي هذه الآفة، فوا أسفاه على حال الإنسان في عصر ما بعد الحداثة!

ج – أخطر الآفات التي تعتوِر طريق إدراك الحقيقة دومًا هي “الإفراط والتفريط”، والنـزعة الأحادية في مقام التفكير والتنظير وإطلاق الفرضيات. وللأسف، يمكن ملاحظة آثار هذه الآفة بدرجات متصاعدة وبوضوح ووفور متضاعف في المجالات والحقول الفلسفية والعلمية في العصر الحديث. ومن أعراض هذه الآفة ظهور فرضيات متناقضة عديدة، وفتور وهشاشة النظريات الفلسفية والعلمية وسرعة زوالها، وانهيار الثقة بالعلم، ونسبية الحقيقة وتغيّرها (وهذه هي المحنة الأشدّ للإنسان المثقّف المعاصر). وبالمقدور عرض لائحة طويلة (تشمل آلاف النماذج المعروفة) للرؤى الأحادية الجانب وحالات الإفراط والتفريط المعرفية والحياتية لدى الإنسان، وخصوصًا الإنسان المعاصر. لكنّنا نكتفي هنا بنماذج معيّنة في بعض الميادين المعرفية:

ففي حقل علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) مثلًا يصف شخص مثل “هوبز” الإنسان بأنّه ذئب، ويعتبره آخر بأنّه ملائكي الخصال وقطب العاطفة والرحمة، ويراه معيار الحقّ والحقيقة!

وحول مكانة المرأة يراها أحدهم حيوانًا طويل الشعر شبيهًا بالإنسان، خلقت لمجرّد خدمة الرجال. (كبعض الفلاسفة القدماء)، أو يريدونها موديلًا وأداة للتسويق (كما في الثقافة التجارية في الغرب المعاصر)، وآخرون كما هم أنصار النـزعة النسوية الراديكالية يضعونها فوق مرتبة الرجل ويرونها إنسانًا أعلى!

وحول حرّية الإنسان ومصيره يرى أحدهم الإنسان أسيرًا مجبرًا في السجون الأربعة: “التاريخ”، و”المحيط”، و”الطبيعة”، و”النفس”. ويراه آخر كما لدى الوجوديّين حرًّا من أيّة قيود على الإطلاق، حتّى من فطرته الملكوتية وطبيعته الناسوتية!

وبخصوص ماهيّة الفرد والمجتمع والعلاقة بينهما يرى البعضُ الفردَ أصيلًا ومستقلًّا على الإطلاق، ويتصوّرون هويّة المجتمع اعتبارية ووهمية، ويخال آخرون الفرد ذائبًا في المجتمع، والمجتمع هو الأصيل، مفترضينَ له وحدة قد ترقى إلى مستوى الوحدة الحقيقية!

مساحات السياسة العملية والنظرية كانت دومًا مجالًا للإفراط والتفريط، ثمّة اليوم علماء سياسة لا زالوا يروّجون للأفكار الشمولية بخصوص حدود واجبات الدولة وصلاحيّاتها، وهناك آخرون يتحدثون عن “الدولة الصغيرة” أو “نهاية الدولة”!

وبالتالي كان هناك من يرفضون – على صعيد العلاقة بين الدين والسياسة في أوروبا القرون الوسطى – العقل والديمقراطية، مطالبين الدين بالأمور السياسية كلّها حتى الشؤون الجزئية واليومية، ويُقصي الساسةُ اليوم الدين إلى الهامش بالمطلق، ويفرضون على الله التقاعد في الميدان الاجتماعي!

موضوع هذا الفَصْل ودعواه

القضية والدعوى الرئيسة في هذا الفصل هي شرح تأثير علم المعرفة (الإبستيمولوجيا) الحديث في ظهور العلمانية وفاعليتها واستمرارها. من دون تجاهل سائر العلل والأسباب، فندعي أنّ التطوّر في صُعُد حياة الإنسان بما في ذلك التحوّلات الاجتماعية، إن لم يكن دائمًا وفي المواطن كلّها فعلى الأغلب، منوط ومعلول للتحوّل في هندسة الإنسان المعرفية. فتأسيس قصر “المعيشة” وترميمه يتمّ على يد مهندسي “المعرفة”، وعندئذ ستكون مقبولةً أكثر الدعوة إلى الاهتمام بالأدوار الخفية والجليّة لعلم المعرفة وتأثيراته المباشرة وغير المباشرة حتّى في بروز وتشكيل واستمرار سائر العلل والأسباب. طبعًا، التحوّلات الأنطولوجية والسوسيولوجية أوضح وأكثر بداهة.

سنسلّط الأضواء في هذا الفصل على ثلاثة فقط من المباني المعرفية للعلمانية، ونعترف أنّ عوامل ظهور هذا المنحى لا تنحصر في العوامل المعرفية، كما أنّ العوامل المعرفية لا تنحصر في هذه الثلاثة التي سنذكرها، ونؤكّد على أنّ هذه العوامل الثلاثة لم تكن سببًا في ظهور الأيديولوجيا العلمانية وحسب، إنّما كان تشديد وتشييد هذه العوامل سببًا في قوام العلمانية ودوامها أيضًا. الصورة الكلاسيكية لهذه العوامل كانت سببًا في ظهور العلمانية، بينما وجوهها الحديثة والموسّعة، إلى جانب رؤى أخرى حديثة الظهور، عملت على استمرار العلمانية وتكريسها.

المباني الثلاثة التي نناقشها في هذا الفصل أي: “فكرة عدم انسجام العقل والدين وتفضيل العقل، وفكرة عدم تلاؤم العلم والدين وترجيح العلم، وزوال الجزم وشياع النسبية”، لها جذور واحدة فهي ترجع بنحو جليّ أو خفي إلى النـزعة الإنسية (الأومانيسمية)، وقد كان العامل الثالث مصدر ظهور التعدّدية المعرفية وغيرها من فروع النـزعة التعدّدية.

1 – العقلانية وفكرة تعارض العقل والوحي

تصوّر البعض خطأ أنّ عملية العلمنة انطلقت من الحكمة اليونانية، وأنّ العلمانية وليدة الفلسفة العقلانية – الميتافيزيقية. ومنذ أن بدأ الفلاسفة (والفلاسفة اليونانيون قبل غيرهم) بإضفاء طابع فلسفي على العالم؛ (أي حاولوا فهمه داخل نطاق المفاهيم الميتافيزيقية)، فقد فتحوا الباب أمام الفكر العلماني بمعنى إبعاد الله عن العالم وتفسير شؤون العالم وتبيينها بنحو مستقلّ عن المشيئة والتصرّف والتقدير. نعتقد أنّ هذه الفكرة ليست صائبة، والشاهد على خطئها أنّ الفلسفة اليونانية تعايشت مع الديانة المسيحية الإلهية القدسية ما يربو على الستّة عشر قرنًا، وتتعايش ولا تزال منذ أكثر من أحد عشر قرنًا مع الديانة الإسلامية. لم تظهر العلمانية منذ أن جرى التأسيس لفكرة وجودِ “ذاتٍ وطبيعةٍ” للأشياء، أو حينما تمّ تحليل العالم على أساس النظام العِلّي، إنّما ابتدأ التفسير العلماني للحياة والوجود عندما ظنّ بعض قصّار النظر تعارضَ ذاتيةِ الموجودات مع كونها (أو صيرورتها) إلهيةً ودينية، وخالوا التفسير العِلّي والعقلاني للوجود متناقضًا مع تواجد الإله المبسوط اليد في العالم(2).

ليس العقل الفلسفي والفلسفة العقلية متعارضَين مع الديانة الفكرية والفكر الديني، وإلّا لوقع  المتديّنون العقلانيون كافّة في ورطة الظنون القائلة بانفصال الدين عن الدنيا، ولعارضوا التفكير القدسي والرؤى الإلهية.

إنّ إنكار طبيعة (ماهيّة) الأشياء يساوي إنكار العلّية، وإنكار العلّية يعادل إنكار حكمة الله، وإنكار الحكمة الإلهية بدوره يكافئ عزلة الله عن التصرّف في الطبيعة والسياسة كلَيهما.

ولدت العلمانية منذ أن شاعت تصوّرات التعارض بين العقل والوحي، وانفصلت مساحات الدين عن أقاليم العقل، وخال الإنسانُ نفسه ذاتي المحور وقائمًا بذاته، وسرت الظنون بأنّ عقل البشر يكفيه لتفسير الطبيعة وتدبير المعيشة.

يقوم علم المعرفة الحديث على أساس الإنسيّة والنـزعة الفردية (Individualism)، ومن استحقاقات هذَين المنحيَين النزعة العقلانية (Rationalism)، ونبذ الدين.

بغضّ النظر عن التوالي والآثار القيّمة التي أوجدها الشكّ الديكارتي الواعي والمنظّم للمعرفة البشرية، وبعيدًا عن المؤاخذات الفلسفية العديدة التي ترد عليه، فقد أطلق الشكُّ الديكارتي العقلانيةَ الفردية الإنسية. فاعتبار التجربة الشخصية هي المعيار حالة ابتدأت من ديكارت، فهو يقول:

عمل الفرد الواحد أكثر تكاملًا من أن يكون صنيعة رصف أعمال خبراء متعدّدين إلى جوار بعضها. ما نتعلمه من الكتب أبعد عن الحقيقة من البراهين البسيطة لشخص يشاهد الأشياء أو يتعامل معها بعقله(3). الفلسفة الديكارتية لها مظهر عقلاني وجوهر تجريبي.

أفتى “فرانسيس بايكون” Francis Bacon (1561 – 1626 م) صراحة بالتباين بين العقل والدين، وبين العلم والوحي: “كلّما كانت الأسرار الإلهية تافهةً وغير معقولة أكثر كلّما كان انتصار الإيمان أعظم”، و”ينبغي استخراج اللاهوت المقدّس من الكلام أو الإلهام الإلهي لا من أنوار الطبيعة أو أحكام العقل”(4).

وقد قال وليام بليك بحقّ: “لقد أنهى فرانسيس بايكون عصر الإيمان”، ووصف صادقًا كتاباته بأنّها “توصيات مستساغة لهيمنة الشيطان”(5).

وركّز “توماس هوبز” Thomas Hobbes (1558 – 1679 م) بعد ديكارت على تقليص دائرة الأخلاق.

ومنع “إيمانوئيل كانط” Immanuel Kant (1724 – 1804 م) العقل وحرمه من الدخول إلى دائرة الإلهيات وما بعد الطبيعة، وهبط بالدين عمليًّا إلى مستوى الاكتفاء بالأخلاق، والإنسان طبعًا هو ملاك الحسن والقبح في هذه الأخلاق!

إقصاء الطابع العقلاني للدين، وإنكار عقلانية العبارات الدينية، وإشاعة النـزعة الإيمانية، وسلخ الماهية المفيدة للمعرفة عن الدين، والقول بإمكانية الجمع بين الشكّ والإيمان، وتحويل الدين إلى ضرب من التصوّف، وتبديل الشأن الشامل للدين إلى شأن شخصي وداخلي، كانت كلّها من مقدّمات ومقارنات الرؤى المذكورة للدين، ومن البيِّن أن النتيجة الطبيعية لمثل هذه التصوّرات عن الدين هي تقديم العقلانية ونبذ الدين عن مسرح الإدارة الاجتماعية!

 

 

2 – العلموية وفصل العلم عن الدين

النظر للطبيعة بوصفها ماكنة، والإعراض عن النظرة الميتافيزيقية للحياة والوجود، وإنكار حاجة العلوم للمقدّمات والتمهيدات البحثية الفلسفية – الميتافيزيقية، وبكلمة واحدة: فكرة “التحوّل” هي التي شكّلت الأركان الإبستيمولوجية والأنطولوجية لتفسير العالم علمانيًّا. وبسحبِ منهج وقواعد دراسة الطبيعة والعلوم الطبيعية على حيّز المعيشة والعلوم الإنسانية ولدت العلمانية الاجتماعية أيضًا.

العلم الحديث مداره التجربة ومعبوده الحسّ، ولا يفهم سوى المنحى المادي للوجود، ولا يطيق أبدًا الاتّجاه القدسي للعالم والإنسان. وعلى حدّ تعبير الشاعر الإيراني ذائع الصيت حافظ الشيرازي:

– كيف تستطيع المرور بديار الحقيقة وأنت لا تخرج من دارة الطبيعة؟!

– ليس على جمال الحبيب من نقاب أو أستار، ولكن انفض عنك غبار الطريق لتستطيع أن تراه.

الرؤية الكونية غير القدسيّة تفرز إدارة غير قدسية للعالم، وإلّا فإنّ التفسير والتحليل الإلهي للعالم والإنسان متناقض مع الإدارة المادّية للمجتمع والحياة السياسية.

إثر إطلالة العلوم الطبيعية العلمانية، وظهور العلوم الإنسانية غير القدسيّة وتطاولها على دائرة العبارات والتعاليم الدينية، أضحت الإلهيات طفيليًّا يعتاش على العلوم الإنسانية والاجتماعية! وصار يُنظر للدين على أنّه “شيء”، وحَلَّ “الدين المحقّق”، محلَّ “الدين المنـزّل”، وخضع الدين باعتباره “موضوعًا صامتًا” لدراسة العلوم كغيره من الموضوعات، وفرضِت الفرضيّاتُ الساذجة والميّتة للعلوم الإنسانية على الدين إلى درجة أنّ الدين والأخلاق أيضًا اكتسبا أحيانًا هوية علمانية!

تنميةُ استخدام منطق التجربة والمشاهدة وتطويره ليشمل كلّ مساحات الطبيعة والمعيشة والدين وحتّى الحكمة حالةٌ نجمت عن انبهار الإنسان المعاصر بمكتسبات العلم الحديث، وكانت إلى ذلك نتيجة ثقته المفرِطة بالحسّ والتجربة. ففتوحات العلم الحديث أصابت الإنسان بالغرور وكرّست عزمه على انتهاج “محوريّة الذات”، والمعرفة أنتجت القدرة، والقدرة أفرزت الاعتداد بالرأي، وهكذا انبثق الاستبداد الحديث (الاستبداد بالمقياس العالمي – الإنساني، بل وعلى مستوى الوجود)؛ ورويدًا رويدًا شعر الإنسان بعدم الحاجة إلى الله، وبالتالي وجد الله مزاحمًا له في الطبيعة والسياسة.

انبرى الإنسان المعاصر في “الطبيعة” لتكريس سلطته وسيطرته وتمرير “ينبغيّاته” التي يستسيغها؟ وانطلق في عالم “السياسة” من موقف الدراسة الظاهرياتية والعملانية لاكتشاف الطبائع الاجتماعية، وانتهى إلى التعاطف والتصالح مع “وجوداته”، أو “إنَّ” ـاته النفسانية.

بعد عصر النهضة تغيّر مفهوم الله، وتبدّل تصوّر الوجود، وانقلب دور العلم ونظرته، وتحوّل معنى الدين، وتغيّرت منـزلة الأخلاق ومفهومها، وانسلخت السياسة عن ماهيّتها. لاهوت القرون الوسطى الهزيل والعلم الحسّي القصير النظر في القرون الحديثة جعلا الله علةً أولى وبديلًا موقّتًا للعلل الطبيعية، وفاعلًا متواضعًا عوض اعتباره علّة للعلل وربًّا أزليًّا أبديًّا، ثمّ أطلقا عليه ألقاب المعمار المتقاعد والزعيم السياسي المعزول. والنتيجة الحتمية لإنكار الربوبية التكوينية هي إنكار الربوبية التشريعية. وبدل أن يكون هدف العلم “اكتشاف الحقيقة” صار هدفه “الإمساك بالسلطة والهيمنة”، وتحوّلت رسالة المعرفة إلى “الشكّ والحيرة” بعدما كانت “اليقين والإيمان”، واختزل شأن الدين بعد أن كان تفسير الوجود وتعريف الإنسان وتدبير شؤون حياته إلى تنظيم علاقاته المحدودة (من حيث الكم، والكيف، والزمان، والمكان) مع الله (شريطة أن يرغب الإنسان بذلك ويمارسه كيفما يرغب). والأخلاق التي كان بوسعها أن تكون مُقيِّدًا للسياسة النفسانية الأنانية انقلبت إلى مسوِّغ ومُطهِّر للممارسات العرفية. وتحولت ماهية السياسة من “إدارة المجتمع” إلى “تغيير المجتمع”.

كان واضحًا منذ البداية أنّ النـزعة الحسّية والتجريبية تجعل المعرفة أحادية الجانب وبائسة، وتصيّر الإنسان قصير النظر خائر الهمّة، وتجرّ الطبيعة والمعيشة إلى هاوية الضياع، ذلك أنّ النـزعة الحسّية ضرب من الركون للعافية والمهمّات الأسهل في مضمار علم المعرفة. مع أنّ العلم الحديث أهدى للبشر مكتسبات سطحية وصورية، لكنّه خدعه (كما يُخدع الطفل الساذج بالبهارج وظواهر الأمور) بالصورة الظاهرية للحياة والوجود، وصدّه عن التأمّل في سيرة الحياة وسريرتها والغور في أعماق الوجود وأسراره. فبقي الإنسان أمام علمٍ سيّال متوثّب عائم دائم التغيير شكّاك قلِق له آلاف الآراء ومئات الوجوه، ولا يتّسم بالقدسية، وليس له روح؛ وبقي أمام علم جزئي ذي نظرة جزئية ظاهرية، قصير اليد، ضيّق المجال ومحدود السعة، لكنّه مغرور متشدِّق كثير الادّعاءات، وهو طبعًا مفيد ونافع وفتّان لأغراض الإنسان المعاصر الناسوتية الوقتية.

ومع أنّ البعض من قبيل “كارل بوبر” Karl Popper (1902 – 1994 م) يزعجهم اتّهام العلماء بعبادة العلم، ويرون تزلزل العلم وتغيّره والنظرة غير الواثقة للعلماء بالفرضيات العلمية دليلًا على عدم ثقتهم بالعلم(6)، ولكن لا يمكن على كلّ حال إنكار حقيقة أنّ الكثيرين تصوّروا بعد عصر النهضة أنّ “معجزة العلم” تؤهّل الإنسان للانتصار على كلّ شيء والظفر بكلّ شيء. وأنّ العلم والعلم فقط هو علاج كلّ الآلام، وهكذا أحلّوا هذا الصنم المتزلزل محلّ الله، ووضعوا أحكامه الزائلة مكان الأحكام الإلهية الأبدية.

3- زوال الجزم ورواج النسبية

مع أنّ تصوّرات كثيرة ومتنوّعة ظهرت بشأن الشكّ والنسبية على امتداد التطوّرات التاريخية (7)، ولكنّ خلف كلّ شكل من أشكال النسبية والشكّ الفلسفي تكمن درجة معيّنة من الجهل والجهد. الشكّ هو الجسر إلى اليقين، وكلّ يقين مسبوق بشكّ “جلي”، أو “خفي”. فالتردّد أحدث من الإنسان بعدّة لحظات، وأقدم من البحث والتحقيق بعدّة لحظات، والتاريخ المدوَّن وغير المدوَّن شاهد على صدق هذا الادّعاء.

فقد اعتبر مؤرّخو العلم والفلسفة الحكيم اليوناني “هيراقليطس” Heraclitus (نحو 500 ق.م) أوّل الشكاكين، وجاء من بعده سائر المشكّكين نظير: “بروتاغوراس Protagoras، و”بروديكوس” (أفروديقوس) Prodicus المولود نحو 481 ق. م)، و”هيبياس” Hippias، و”غورغياس” (غورجياس) Gorgias الذي عاش منذ نحو 483 إلى 375 ق. م، ليؤسِّسوا للسفسطائية (Sophism)، فظهر قبل الميلاد بثلاثة قرون مذهب الشكّ الأكاديمي (Academic Skepticism) بين بعض أتباع “سقراط وأفلاطون” نظير “آرسيلوس” (Arcesilaus)، فضلًا عن مذهب الشكّ البيروني Pyrhonian (SK، 360 ق. م) وعاش في الزمن نفسه مفكّرون وتيّارات فكرية مشكّكة في الهند ربّما تكون قد تأثّرت “ببيرون” Pyrthon (8).

وقد تمّ إعادة تشكيل الشكّ البيروني بعد الميلاد بقرنين على يد “سكستوس أمبريكوس” Sextus Empiricus، ولكن، مع إطلالة القرون الوسطى (لمدة عشرة قرون منذ انقراض دولة الروم الغربية وحتّى فتح اسطنبول من قبل السلطان محمد الفاتح) انحسرت موجة الشك وانتشرت نزعة اليقين.

أمّا الشكّ المنهجي والمتبصّر والناقد للعقل عند “الغزالي” (450/1058 – 505/1111) -راجع: المنقذ من الضلال- الذي عاش قبل ديكارت (1596 – 1650 م)، وحتّى الاحتجاجات التجريبية بين أبي ريحان البيروني (440/1048 م) وابن سينا (428/1037 م)، بل وحتّى التشكيكات المناهضة للفلسفة لدى أمثال إمام المشكّكين فخر الدين الرازي (606/1029 م) فهي نماذج ينبغي عدم اعتبارها من سنخ الشكّ المصطلح. فخر الدين الرازي كان مشكّكًا إلّا أنّه لم يكن شكّاكًا.

استئنفت نزعة الشكّ في القرون الأخيرة على خلفية عصر النهضة الثقافية، فانطلق الشكّ الحديث (Modern skepticism) مع مونتاني (Montaigne) الفرنسي في القرن الخامس عشر للميلاد. وقد كان نشاطه ردّة فعل حيال نهضة الإصلاح (Reformism) الرامية لمكافحة احتكار الكنيسة لعملية تفسير النصوص المقدسة. فقد قال بهشاشة الفهم البشري وضعفه رغمًا عن كلفان Calvin (الذي استند إلى حجّية الفهم البشري ليعتبر أنّ من حقّ كلّ إنسان تفسير النصوص الدينية شاجبًا بذلك احتكارية آباء الكنيسة). ولم تنفع جهود ديكارت لتبديد إيحاءات مونتاني، بل انجرف بدوره إلى منـزلق الشكّ في المحسوسات وهي غالبية الأشياء التي يطالها الإدراك البشري، ذلك لأنّه اعتبر الحواس غير مفصِحة عن الواقع، والمفاهيم الفطرية قليلة جدًّا قياسًا إلى المحسوسات.

ووقع “هيوم” David Hume (1685 – 1753 م) في فخ النسبية أيضًا أثناء عملية الهرب من العقلانية إلى التجريبية، فوجّهت سجالاتُهُ حول الميتافيزيقا وتشكيكاته بشأن انسجام الطبيعة (Uniformity of nature) بعض الضربات لمبدأ العلّية، وليس هذا وحسب بل ونراه يشعل مزارع “القضايا التجريبية” بنيران الارتياب، ويشكّك في إمكانية العلم بالمستقبل. لقد انعكس جوهر أفكار هيوم في فلسفات كانط، وهيغل، والماركسية، والوضعية المنطقية، وهكذا انبثق الشكّ المعاصر (Contemporary Skepticism) من تربة الشكّ الحديث، وأحرق بلهيبه بقايا قصر المعرفة.

فأفكار كانط (I. Kant) التي جاءت لمعالجة معضلات خلقتها الحسّية المفرطة لدى هيوم انتهت إلى المثالية المعقّدة أو الواقعية التخمينية، ونسفت صرح حجّية العقل، وطرحت مفاهيم قبلية وأصرت إصرارًا متطرّفًا على التعامل بين الذهن والعيان (أو تفعّل العيان من الذهن) لتجعل بلوغ الواقع مستحيلًا بالمرّة، فكرّست عمليًّا أركان النسبيّة والشكّ، وضرب بوبر من بعده (بذريعة السلوك الانتقائي لأصحاب الفرضيات في عملية المشاهدة) حجّية الاستقراء عرض الجدار قائلًا: “إنّ الإثبات والتأييد ليسا من فعل التجربة إنّما تستطيع التجربة أن تدحض وحسب”.

وهكذا تهاوت خنادق المعرفة الواحد تلو الآخر، بدءًا من المعرفة العقلانية أوّلًا (المعتقد الصادق المسوَّغ)، ومن ثمَّ المعرفة العقلائية (المعتقد المسوَّغ)، والآن مطلق المعتقد. إنّ سلطان النسبية والشكّ المغرور يصول ويجول اليوم في بعض أرجاء العالم، وخصوصًا في الغرب، فاتحًا كلّ الأقاليم من فلسفة، وعلم، ودين، وأخلاق، وحقوق، وسياسة، و…

يقول كانط:

التنوير عبارة عن حرّية الإنسان من القوامة التي يفرضها على نفسه أو تفرضها الدولة عليه.. ومن عجزه عن استخدام عقله دون إرشاد أحد. إنني أعتبر مثل هذه القوامة، إن لم تكن نتيجة فقدان العقل، نتيجة الافتقار للجرأة أو القدرة على اتّخاذ قرار استخدام العقل. كونوا شجعانًا واستخدموا عقولكم! هذا هو شعار التنوير وأرجوزته الحربية(9).

بيد أنّ الفيلسوف الحداثي ينسى أنّ بطل هذه الملحمة (أي العقل) الذي ينظِم هو له أرجوزةَ القتال، قُتِلَ منذ أمد طويل على يد نفسه!

لا أريد الدفاع هنا عن الجزمية المطلقة، بل أروم نقد النسبية المطلقة التي تعدّ بدورها نوعًا من الجزمية. لا أوصي إطلاقًا بالركود العلمي والركون المطلق للموروث العلمي الواصل إلينا من الأسلاف، ولا أعارض الحيوية والنقد العلمَّيين، إنّما أُدين تقلّبات العلم والفلسفة وعدم استقرار البحوث والنظريات المتعلّقة بحقول الحكمة والمعرفة، وكأنّ الإنسان ضاق ذرعًا بسلطة اليقين وسيطرة الحقيقة حتّى راح يصرّ هكذا وبكلّ إفراط على التذرّع والتمنّع حيال اليقين والحقيقة، والعمل على إسقاط سيادة الصدق وحكومة اليقين!

أشرنا في مدخل هذا الفصل بإجمال إلى آفات المعرفة والمعيشة الحديثة. ونعتقد أنّ من أكثر الآفات انتشارًا المغالطة الناجمة عن التحدّث عن “القضية الجزئية” باعتبارها “قضية كلّية”! القضايا التي تنعقد أحيانًا استنادًا إلى حالات استثنائية جدًّا، لكنّ أحكامها ومقتضياتها تعمَّم على كلّ الحالات أو معظمها لتُستخرج منها نتائج كلّية. هذه القضايا تستخدم أحيانًا لإيضاح بعض الظواهر والادّعاءات الصائبة ولكن الجزئية، بيد أنّها بدل أن تُفهم – على الأكثر – كعامل واحد إلى جانب عدّة عوامل أخرى تتدخّل في تلك الظاهرة، تُستعمل كما تستعمل النظارات الملوّنة التي تغيّر كلّ شيء أو كما لو كانت “علّة تامّة”!

ومن نتائج مثل هذه الآفة بروز نظريات مثل فلسفة التاريخ، ومنطق تحليل التحوّلات التاريخية الماركسي، وكذلك أفكار التحليل النفسي لدى فرويد، بل مجمل الاتّجاهات في علم اجتماع الدين، وعلم نفس الدين. أضف إلى ذلك أنّ وَضْعَ الحدس والاحتمال موضع القطع والإيقان هو واحد آخر من الآفات الشائعة التي تعذِّب العلم والعلماء.

يجب التطرّق لعلم آفات المعرفة في فرصة أوسع وبحث مستقل، لكنّنا نقول هنا باختصار وصراحة إنّه منذ أن تطرّقت مغالطة “الخلط بين العامل والنظارات” و”تعميم الاستثناء والاحتمال” إلى حيّز الإلهيات والبحوث الدينية تعرّض الدين لآلاف الويلات والاعوجاجات.

تحديد “منظومة الدين الشاملة” بعدد معدود من “القضايا الخاصة بالله والمعاد” إنّما هو اختزال للدين إلى “معرفة دينية” يجب أن تكون معرفة بشرية. وتفكيك “فهم الدين” عن “نصّ الدين”، و”صدف الدين” عن “جوهر الدين” – وهذه الأساليب بحدّ ذاتها ضرب من علمنة الدين – هبوطٌ بـ “الاعتقاد الديني القاطع” إلى مستوى “الإيمان” الممكن الجمع مع الشكّ والمتلائم مع الحيرة، وتقليص للتدين إلى حدود الالتزامات الأخلاقية، وإحالة “الوحي الديني” إلى نوع من “التجربة الباطنية” العرفانية و”المواجيد الشخصية” الصوفية القابلة للتنوّع والتعدّد (بعدد أبناء البشر) والتي لا تقبل بالتالي الحكم عليها بصحة أو خطأ، وكذلك تحويل القضايا والعبادات الدينية إلى شبه قضايا مفيدة لكنّها تفتقر للمعنى والمعقولية، وإيداع الدين في سجن التحليلات اللغوية الملتبسة، وبالتالي طرح المفاهيم الدينية بوصفها مفاهيم مجملة وغامضة(10)، واعتبار تعاليم الوحي مفتقرة لصلاحية وشأن الصدق والكذب بذريعة افتقادها لسمة “القابلية للتحقيق”(11)، وكذلك الإصرار على مكتسبات الهرمنوطيقا المتطرفة والإعلان عن الفوضى التأويلية، والتشديد غير المتهيّب على تعدّدية حقّانية الأديان وتعدّدية صدق المعرفة الدينية (التي سوف تنسف الحقّانية والصدق معًا)(12)، وإشاعة الإلهيات المثالية ورفض الواقعية الدينية(13)! ليس بوسعهما أن يؤتيا من الثمار سوى تعطيل الدين وإبدائه لغوًا عبثيًّا (14)!

والآن، ومع هذه الهجمات العنيفة كلّها على صحة الدين والضربات الموجهة لحجّية المعرفة الدينية، هل يبقى مجال للاعتقاد بالقضايا الدينية والالتزام بالتوصيات القيمية الإلهية والانقياد للإرشادات الدينية؟ بل ما الداعي للإيمان والتطبيق أساسًا إذا كانت المعتقدات مشكوكًا فيها، والأخلاق مشوّشة، والأحكام مدخولة؟

الهوامش

1 – أرى أنّ مفردة “اينجهاني گري” هي باللغة الفارسيّة [بمعنى الدنيوية أو العلمانية] من أنسب المفردات كمعادل لـ Secularism  .

2 – راجع بحث “معنى العلمانية وأسسها”، مجلة كيان، السنة الخامسة، العدد 26 (آب وأيلول 1995م).

3 – نقلًا عن أربلاستر: الليبرالية الغربية، ترجمة عباس مخبر، نشر مركز، الصفحة 198 .

4 – مصدر سابق.

5 – مصدر سابق.

6 – كارل بوبر، ندوة: “العلم والفرضية”، ترجمة شهرام أنصاري، فصلية “ذهن”، السنة الأولى، العدد الأول.

7 – الشك [بسكون الكاف] (مأخوذة من زند وپازند): الظن، والشبهة. والشكّ تستعمل في الفارسية غالبًا بنحو مخفف: خلاف اليقين، الريبة، الظن، مرادفة للشبهة، التردّد والتذبذب، والتساوي بين طرفي العلم والجهل (دهخدا). تستخدم مفردة الشك على شكلَين: 1 – بمعنى خاص وهو حالة نفسية يتساوى فيها طرفا العلم والجهل. 2 – وبمعنى عام هو خلاف حالة اليقين النفسية، ويشمل ثلاث أحوال هي: الوهم، والظن، وتساوي الطرفين. وفي هذا الفصل استخدمنا الشك بالمعنى الثاني أحيانًا.

8 – أورد فريدريك كابلستون، التروبس (Tropes) أو الدليل المُقام من قبل انزيدموس Aenesidemns (حوالي منتصف القرن الأول [43]، ق.م) كما يلي:

“1 – الاختلاف بين أنواع الكائنات الحيّة يستلزم أفكارًا مختلفة (وبالتالي نسبية) حول الشيء الواحد.

2- الاختلافات بين أبناء البشر تستدعي نفس هذا المعنى [تؤدّي إلى تصوّرات مختلفة].

3- البنية والتعبير المتباين لحواسنا المختلفة (فالفاكهة الواحدة مثلًا قد تكون حلوة لكنّها كريهة الرائحة غير أنّ طعمها لذيذ) [لذلك ينبثق السؤال: هل تلك الفاكهة حلوة أم كريهة الرائحة؟].

4 – الاختلاف بين أحوالنا المتعدّدة، كاليقظة أو النوم، والشباب أو الشيخوخة. فتيار الهواء الشديد قد يشعره الشاب نسيمًا ملائمًا، لكنّه قد يكون أمرًا مزعجًا جدًّا بالنسبة لشخص مُسنّ.

5 – اختلاف المناظر، فقد تظهر العصى المغطسة في الماء مكسورة، ويبدو البرج المربع مدوّرًا من بعيد.

6 – المدرَكات لا تدرك إطلاقًا بنحو مباشر صرف خالص، إنّما هناك دائمًا وسائط مثل الهواء. لذا فهي مختلطة (اپي مكسيا) نظير الثيل والعشب الذي يبدو أخضر وقت الظهيرة ويلوح أصفر ذهبيًّا تحت ضوء العصر.

7 – الاختلاف في الإدراك الناشئ عن اختلاف الكيفية، فحبّة الرمل تبدو صلدة لكنّها تظهر ناعمة إذا انزلقت بين الأصابع.

8 – النسبية بشكل كلّي، “هـُ آپوتوپرُس تي” (ما هو حسب النسبة). [النسبية جارية في كلّ شيء].

9 – الاختلاف في التأثّر الناتج عن تواتر [كثرة] الإدراك أو ندرته، فالنجم المذنب الذي يشاهد بندرة يؤثّر أكثر من الشمس.

10 – طرائق الحياة المختلفة، والقواعد الأخلاقية، والقوانين، والأساطير، والنظم الفلسفية، وغيرها [تؤدّي إلى فهوم وإدراكات متباينة في المجتمعات] (قارن ذلك بالسفسطائيين)”.

كابلستون، تاريخ الفلسفة، الجزء 1، ترجمة جلال الدين مجتبوي، شركت انتشارات علمي وفرهنگى وانتشارات سروش، الطبعة 3 (طهران 1996 م)، الصفحات 10 إلى 509.

9 – كانط، إيمانوئيل، ما هو التنوير؟ (1785 م)، wwc، الرابع، الصفحة 169، نقلًا عن بوبر: الاحتمالات والدحوض، ترجمة أحمد آرام (طهران، الجزء 2، 1989 م) الصفحة 219. مع أنّ هذا المضمون ورد مختلفًا جدًّا في كتاب “فلسفة التنوير” لأرنست كاسيرر، ترجمة يد الله موقن، مطبعة نيلوفر، الصفحة 243 .

10 – المدرستان الكبريان والمتواصلتان للفلسفة المعاصرة (الوجودية والوضعية) تشترکان في بعض الوجوه رغم اختلافاتهما الأساسية العميقة، ومن ذلك التأكيد المفرط على دور اللغة إلى درجة قرّبت الفلسفة -التي ساقها كانط من علم الوجود إلى علم المعرفة وعلم الذهن- من علم اللغة أو جعلتها تابعة له، وجعلت كافّة الميادين بما في ذلك ميدان الدين مرتبطة بهذه الزاوية.

11 – أشعلت الوضعية المنطقية أوار الشكّ في المعنائية (Meaninglessness) معتبرةً القضايا الدينية والميتافيزيقية، والحقوقية، والأخلاقية خالية من المعنى (Meaningless)، لذا فهي لا تصلح للاتّصاف بالصدق أو الكذب. يقول آير (Ayer): “لقد قطعنا خطوة أبعد من المشكّكين والملاحدة بخصوص القضايا الدينية، لأنّنا أخرجناها موضوعًا من دائرة الشكّ والإلحاد”! اللغة والحقيقة والمنطق، الصفحتان160 و161.

12 – نعتقد أنّ المداراة بين الأديان والمعارف لا تقتضي المساواة بين الأديان أو التعدّدية في الحقّ والصدق. فالمداراة لا تعبر ضرورة على جسر الشك والنسبية، ويجب أن لا تذهب الحقيّة ضحيةَ “هموم النجاة”. المداراة ممكنة عبر “تحمّل” البشر، والنجاة عبر الرحمة الإلهية الواسعة والمغفرة الربانية الشاملة، بل إنّ هاتَين القيمتَين ممكنتا الإحراز عن هذا الطريق وحسب. والتعدّدية السلوكية أنجع وأكفى، بينما التعدّدية المعرفية غير ناجعة وغير ممكنة، فالتعدّدية تنسف نفسها، ولا تظفر بالهدف الذي رُسم لها، إنّما تتحوّل بدورها إلى مسلك بموازاة سائر المسالك، وتضاعف التعدّد والتعارض.

13 – قرأت مؤخّرًا كتابًا بعنوان بحر الإيمان (The sea of Faith) تأليف دون كيوبيت (Don Cupitt) وترجمة حسن كامشاد، واستغربت كثيرًا لمضامينه ودعاواه. الكتاب تلخيص كامل للرؤى الحديثة حول الدين في الغرب، ويحاول المؤلّف في نهايته افتراض عدم واقعية الله واعتباره مرادفًا لمجموعة القيم الأخلاقية!

14 – من جملة الآفات المعرفية والحياتية في عصرنا داء “أصالة التجدّد”، أو “الإصابة بالتجدّد”، وكأنّ التجديد بحدّ ذاته هو المهم. بل صار إحياء الأمور القديمة المتروكة وغير المعقولة بأسماء وأزياء قشيبة عملية إيجابية محبّذة، وهذا ما أفضى إلى إطلاق بعض الفرضيات والنظريات الهشّة الأسس، وأدّى إلى زيادة الرؤى والمدارس والمناهج والسلوكيات الركيكة في الحقول العلمية والعملية.

* أعدّت هذه الدراسة لتقديمها لمؤتمر العلمانية (كانون الأول 1999 م) في جامعة جورج تاون بأمريكا، لكن الوفد العلمي الإيراني أعرض عن المشاركة في ذلك المؤتمر للتعامل اللاإنساني الذي أبداه عناصر النظام الأمريكي ضد أعضاء الوفد في مطار جان. أف. كندي.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
الركائز الإبستيمولوجيةالإبستيمولوجيةالعلمانيّة

المقالات المرتبطة

الفكر العربي الحديث والمعاصر | المنهج في فلسفة زكي نجيب محمود (3)

نظر زكي نجيب محمود إلى الفلسفة باعتبارها منهجًا، فهي ليست كما اعتاد الناس النظر إليها كموضوعات ترتبط بوقائع تشكل الميتافيزيقا ركنها الأساسي، بل كلّ قضيتها تنحصر في تحليل الكلام والبحث عن الروابط،

التصوف والطرق الصوفية في مصر: دراسة مقارنة

إذا كان علم العقيدة قد اهتمّ بما يخصّ الإلهيات والنبوّات، وعلم الأصول اختصّ بالقواعد والضوابط العقدية والفقهية…

العلم والعقل والحبّ في ديوان مثنويّ

لا يختلف اثنان على كون مولانا جلال الدين محمّد الرومي من أكبر العُرفاء المسلمين قاطبةً والتلميذ الأشطر في مدرسة التصوّف.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*