من خلال التجربة التاريخية العلاقة الملتبسة بين المنبر|الدين والسلطة|السياسة

من خلال التجربة التاريخية العلاقة الملتبسة بين المنبر|الدين والسلطة|السياسة

توجد علاقة طردية بين المنبر والسلطة، في كل الأديان، ولكننا نكتب عن السلطة والمنبر عند المسلمين، والعلاقة الطردية تعني أنه كلما زادت السلطة استبدادًا، زادت المنابر سخونة للدعاء السياسي للمستبد السلطوي القديم، ثم الجديد، وعلينا الاعتراف بأنه مهما كتب الكتّاب وألّف  المؤلفون، لا يكون لهم تأثير مثل تأثير الخطب المنبرية، لأنها تحدّث العوام، وتؤثّر فيهم، وتملك ناصيتهم.

والمفترض أن منابر المساجد وسيلة لتحقيق الأمن، ونشر ثقافة التسامح والإخاء والمساواة، وتجديد النشاط الروحي، خاصة أن المسلم يذهب لصلاة الجمعة كل أسبوع، حتى تتحقق الغاية الإيمانية من الخطبة والصلاة، والمفترض أن خطبة المنبر توحّد جهود الأمة، خاصة وأن الخطباء من فوق ملايين المنابر لا ينفكون يرددون الآية 92 من سورة الأنبياء ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، وكذلك الآية 52 من سورة المؤمنون ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾، ولكن الوحدة لم تتحقق أبدًا، رغم أن شرعية الخلفاء تزداد عندما يخطب لهذا الخليفة أو ذاك من فوق المنبر المكي في الحرم الشريف والمدينة المنورة، ولكنها شرعية السيف واستغلال الدين برمزه المنبري الشائه..

والواقع العملي على مدار التاريخ الإسلامي هو أن المنابر تحولت لأبواق سياسية دعائية، وهوس مذهبي أحدث التفرّق والتشرذم والحروب الأهلية من أجل الحكم، فتعدّدت الدول وتعدّد الخلفاء، وتفرّق المسلمون، حتى قال شاعر أندلسي: “وتفرقوا شيعًا فكل قبيلة… فيها أمير المؤمنين ومنبر”، أمير المؤمنين سلطة، والمنبر جهاز إعلامي حكومي موجّه. ولقد حدث استخدام سياسي كريه للمنابر، كرّس فيها الخلفاء والسلاطين والأمراء والملوك الاستبداد السياسي باسم الدين، وعندما تقوم دولة بعد أن تسقط دولة، يكون المنبر هو الجهاز الإعلامي للحكم الجديد، وعندما يتعدد الخلفاء تتعدد المنابر بميولها وأهوائها وخطبائها، لدرجة أن قال ابن حزم الأندلسي الظاهري متحسرًا في كتابه “الفصل في الملل والأهواء والنحل”: “فضيحة لم يقع في الدهر مثله، أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام يسمّى كل واحد منهم بأمير المؤمنين، ويخطب لهم في زمن واحد، أحدهم في إشبيلية، والثاني بالجزيرة، والثالث بمالطة، والرابع بسبته”، ابن حزم يتحسر على الرقة ولكنه لم يتحسر على الاستبداد باسم الدين.

لقد بدأ التأريخ العلني لدور المنبر السياسي مبكرًا، في عصر الخلافة الراشدة، ثم صار أكثر علانية وصلافة منذ صعود الخلافة الأموية، كما “جاء في البداية والنهاية” لابن كثير عن سعيد بن سويد قال: صلّى بنا معاوية بالنخيلة خارج الكوفة الجمعة في الضحى ثم خطبنا فقال: “ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا ولا لتحجوا ولا لتزكّوا، قد عرفت إنكم تفعلون ذلك، ولكن إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، فقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون”، أي أنه يريد الإمارة ودونها قطع الرقاب حتى لو صلى الناس وصاموا وحجوا. وخطا عبد الملك بن مروان خطوة أجرأ، فقال من فوق المنبر علنًا: “لو قال لي أحد بعد مقامي هذا لضربت عنقه بالسيف”، هكذا بدون أي رابط ديني أو خُلقي أو إنساني، وبالفعل قطع الرقاب بدون محاكمات، وتكرر الأمر عبر التاريخ الدموي، فقال أبو العباس السفاح ضمن ما قال في أول خطبة له يوم جمعة من فوق منبر جامع الكوفة كما جاء في كتاب “الكامل في التاريخ” لابن الأثير “وإني لأرجو أن لا يأتيكم الجور من حيث أتاكم الخير …. استعدوا فأنا السفاح المبيح، والثأر المبير”؛ السفاح المبيح أي الذي يبيح كل شيء وأي شيء، أما المبير فهو المهلك القاتل الفتّاك، وفي تلك الخطبة العصا والجزرة، فيها زيادة الأعطية، وفيها التهديد بسفك الدماء وإهلاك المعارضين. ويستمر الحال على ما هو عليه، فعندما سقطت الدولة الفاطمية على يد صلاح الدين الأيوبي، فقد أعلن سقوط الدولة الفاطمية وخضوعها للخليفة العباسي في بغداد، منع “حي على خير العمل”، ومن أجل تثبيت الحكم قام بقتل آلاف المصريين وتعليق رؤوس قادة المعارضين على فروع الأشجار، ولمن يريد المزيد فما عليه إلا أن يطالع كتاب “الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية” لأبي شامة شهاب الدين، ففيه ما تشيب له الأبدان، ويؤكد أن المنابر استخدمت لأغراض دنيوية سياسية أكثر منها دينية روحية إيمانية.

ودام الأمر في العلاقة الملتبسة بين المنبر الديني والسلطان السياسي في العصر العثماني، وما بعده حتى اليوم، ومن فوق ألف منبر ومنبر تأتي شرعيات حكومية زائفة، وخطب منبرية مشوّهة، ومن يراقب الأمور في كل البلاد الإسلامية يجد المنابر المؤثّرة على نشر الفكر التكفيري الدموي الإرهابي الوهابي الداعشي البوكو حرامي تحض على الكراهية والعنف والقتل والسبي، أما منابر من يسمّون أنفسهم معتدلين أو ما يقولون عنه إسلام وسطي فالخطب أبدًا لا تحرّك روحًا ولا تملأ نفسًا بالإيمان، ولا تروي عطش الظامئين للحرية، وبالطبع هذه الخطب المنبرية لا تجدد ولا يمكن أن تجدد جملة دينية وليس خطابًا دينيًّا كاملًا…

 

 


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
الدين والسلطةالسياسة والدين

المقالات المرتبطة

النشيد وحركات التحرّر

يُفرِّق أهل الفن، وأهل الشرع، بين الإنشاد والغناء. كما إنهم يفرزون للابتهالات والتواشيح بابها الخاص. ويذهب المتشرّعة إلى اعتبار الإنشاد حلالًا جائزًا في الوقت الذي يحرِّمون فيه الغناء. ولمـّا كان المائز بين الاثنين – الغناء والإنشاد – أمرًا غير معلوم لدى غالبية المتشرّعين، فقد ذهب بعض الفقهاء لاعتبار الأمر على ذمة المكلَّف.

التعدديّة الدينية

يقدم آية الله الشيخ محمد تقي المصباح اليزدي، في هذا المقال، نظرةً عمليةً مختلفة لموضع التعددية الدينية الدينية

القيم الغربيّة: حكاية السيّد الذي أطاح به خادمه

كما الأساطير القديمة، الماقبل سقراطيّة، فإنّ الأسطورة التي نحن بصددها متجذّرة في الملاحظة الحثيثة لهذا العالم.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*