تجربة الثورة الإسلامية في إيران

تجربة الثورة الإسلامية في إيران

اقترنت تجربة الثورة الإسلامية في إيران بأطروحة ولاية الفقيه التي تبنّاها الإمام الخميني (قده)، والتي تمثل مبدأً إسلاميًّا يحمل خلفية عقدية تنطوي على الكثير من القيم التأسيسية للأصل الصوفي – العرفاني المسمّى بـ “الإنسان الكامل”، والمعبَّر عنه أحيانًا “بالقطب”، أو “قطب الأقطاب”… كما وتنطوي على فهم فقهي لمساحة النطاق الفقهي في الحياة وعلاقته بالولاية التدبيرية على شؤون الحياة العامة للمجتمعات الإسلامية، والناظم العام للجماعات السائرة على نهج آل بيت محمد (ص)..

والملفت في هذا الارتباط بين أطروحة ولاية الفقيه وفعل الثورة التي تلاها قيام الدولة الإسلامية في إيران هو وجود الحراك والتنامي الطردي بين الأطروحة والواقع.. بحيث إنه كلما تطورت حركة الواقع فتحت منافذ لتمدّد الأطروحة، واكتشاف أبعاد جديدة فيها.. وكلّما تمدّدت وتنامت الأطروحة خلقت مناخات جديدة في البيئة المجتمعية الخاصة بأصحاب هذا النهج، بل وفتحت أفاقًا من التعاطي مع دورة الحياة العالمية بأبعادها السياسية والثقافية، وأخيرًا العسكرية والعلمية بإعلانها الواضح عن طموحها بأن تكون دولة نووية، وموقفها الأخلاقي والشرعي من امتلاك السلاح؛ هذا السلاح يدخل في دائرة المحظور بعكس الاستخدام السلمي لمنابع القدرة والطاقة…

وهذا يضعنا أمام حقيقة أن أطروحة ولاية الفقيه هي أطروحة قابلة للتطوّر والتبدّل.. وأنها ليست بتلك النظرة المنجزة في أصولها وتفريعاتها وحيثياتها،.. إذ هي تمثل مقصدًا تأسيسيًّا من مقاصد البناء الديني للواقع والحياة المتجانسة مع القيم الإلهية والروح التشريعية الإسلامية.. أما الحيثية والشكل والتفريع فهو مرن يتفاعل مع مقتضيات التجربة والزمان والمكان الخاصين.. من هنا وجدنا كيف أن هذه الأطروحة نالها التطور في توسيع الأفق حتى في حياة الإمام الراحل (قده) بين مرحلة الإعداد للثورة؛ وهي المرحلة التي مثلها على المستوى النظري (كتاب الحكومة الإسلامية)؛ ومرحلة الثورة وقيام الدولة، ثم مرحلة الحرب المفروضة، فبناء المؤسسات، ومراحل بناء الدستور الإسلامي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وصولًا لتبدّل الموقف من فكرة الوصي لولاية الفقيه بعد وفاته إلى من يختاره مجلس الخبراء، حتى ولو كان مجلس قيادة.. وإذا كانت معالم حركة التطور والتدافع التطويري مع الواقع لم تكن تلحظ بشكل بيّن بحياة الإمام الخميني (قده) فما ذلك إلا بسبب أنها كانت مرحلة الغليان ومرحلة حضور شخصية المؤسِّس.. لكن بعد رحيل الإمام (قده) وتسنّم الإمام الخامنئي قيادة الدولة ونهج الإمام أي: (الولي الفقيه)، فإن الأمور أخذت تتكشّف على وقائع مفصلية منها:

أولًا: المضمون الديني والشكل الحداثوي، فحتى هذه اللحظة لم ينجلِ الموقف عن حسم خيارات العلاقة بين القيم الإسلامية الداعية للتفاعل مع الشأن العام السياسي والاجتماعي. والواقع الذي يسود على مستوى العالم بفعل قيم الحداثة ووسائل تنظيماتها ومؤسساتها الاقتصادية والسياسية والحكومية، بحيث إن التزام إيران بكثير من أشكال المؤسسات الحداثوية؛ من مثل الفصل بين السلطات، أو الجمهورية، والدستور، والانتخابات يضعها عند كل استحقاق أمام نقاش أصل العلاقة بين قيم الإسلام، وقيم ومؤسسات الواقع (التي أنتجتها الحداثة)، وهذه الإشكالية وإن كانت تعم كل الحركات الإسلامية، بل وغالبية العالم الثالث، إلا أنها مع إيران تأخذ صيغة أكثر جدّية بفعل كونها دولية عقيدية تجاوزت حدود الحركات الإسلامية، وبفعل كونها من الدول النادرة في العالم النامي التي تعمل على أساس أنها دولة اقتدار.. ومثل هذه الإشكالية تتفاعل اليوم بشكل حاد بين الجهات الإيرانية، بحيث تولّد تيارًا ثقافيًّا يقيم الدين على أصل علماني في الطرح العقائدي فضلًا عن السياسي.. وهو ما دفع الجهات الدينية إلى فتح نافذتين على الموضوع:

النافذة الأولى: التمترس الحاد بصيغة ولاية الفقيه والتعاطي معها على أساس رفض أي فكرة، أو أمر نازل على الساحة الفكرية والسياسية الإيرانية..

أما النافذة الثانية: فهي توسيع النقاش في العلاقة بين الإسلام وولاية الفقيه، وكيفية أسلمة الواقع الحداثوي.. في الوقت الذي يقوم فيه آخرون بالعمل على تنقيح الأطروحة (ولاية الفقيه) على ضوء حراك الواقع ولوازمه..

وهنا يجيء التحدّي الثقافي والسياسي الذي على الولي الفقيه والمؤسسات التابعة له أن تواكبه..

ثانيًا: بعد فترة من حكم الإمام الخامنئي، بدأت بعض الأوساط تبحث عن أمور هي:

  • هل تنطوي هذه النظرية على امتداد تاريخي معرفي لها، بحيث تؤهلها لقيادة الواقع؟ أم أنها ما زالت بحاجة لتزخيم خبراتها في الحكم؟
  • هل لولاية الفقيه شكلًا واحدًا هو الذي قدّمه الإمام الراحل الخميني، أم أن هناك أشكالًا أخرى ممكنة، ويمكن أن يفتحها الإمام الخامنئي؟
  • هل العلاقة مع الأطروحة قامت على أساس من القناعة الشعبية، وعند النخب الإيرانية؟ أم أنها قامت على أسس عاطفية، وهذا ما ينبئ بإمكانية الافتراق بين النخب الإيرانية، وبين الاتجاه الشعبي والجماهيري؟..

ثالثًا: ما زال اليوم في إيران نقاشًا قديمًا يتجدّد عند كل مرة؛ وهو أيهما الحاكم على السياسة الإيرانية منطق المصلحة أم منطق الأيديولوجيا؟ وهل مصلحة إيران في إيران الداخل؟ أم أن مصلحتها في إيران التداخل مع الشعوب التي تحمل نفس القيم التي تنادي بها ثورة الدولة الإسلامية الإيرانية؟

إن الجدل في مثل هذه الأمور قد يبدو عاديًّا للوهلة الأولى، لكن بملاحظة طبيعة الدولة العقيدية، ومزاج الشعب الثقافي فإن لأي سؤال ونقاش موضع حراك مؤثر وفاعل من الصعب التكهّن بمدّياته الممكنة… ويبقى الزمن والتجربة هما الحكم في مثل هذه الأمور..

 

الشيخ شفيق جرادي

الشيخ شفيق جرادي

الاسم: الشيخ شفيق جرادي (لبنان) - خريج حوزة قُمّ المقدّسة وأستاذ بالفلسفة والعلوم العقلية والعرفان في الحوزة العلميّة. - مدير معهد المعارف الحكميّة (للدراسات الدّينيّة والفلسفيّة). - المشرف العام على مجلّة المحجة ومجلة العتبة. - شارك في العديد من المؤتمرات الفكريّة والعلميّة في لبنان والخارج. - بالإضافة إلى اهتمامه بالحوار الإسلامي –المسيحي. - له العديد من المساهمات البحثيّة المكتوبة والدراسات والمقالات في المجلّات الثقافيّة والعلميّة. - له العديد من المؤلّفات: * مقاربات منهجيّة في فلسفة الدين. * رشحات ولائيّة. * الإمام الخميني ونهج الاقتدار. * الشعائر الحسينيّة من المظلوميّة إلى النهوض. * إلهيات المعرفة: القيم التبادلية في معارف الإسلام والمسيحية. * الناحية المقدّسة. * العرفان (ألم استنارة ويقظة موت). * عرش الروح وإنسان الدهر. * مدخل إلى علم الأخلاق. * وعي المقاومة وقيمها. * الإسلام في مواجهة التكفيرية. * ابن الطين ومنافذ المصير. * مقولات في فلسفة الدين على ضوء الهيات المعرفة. * المعاد الجسماني إنسان ما بعد الموت.  تُرجمت بعض أعماله إلى اللغة الفرنسيّة والفارسيّة، كما شارك في إعداد كتاب الأونيسكو حول الاحتفالات والأعياد الدينيّة في لبنان.



المقالات المرتبطة

من كلّ فجٍ عميق

هذي الفجاج عميقةٌ جدًّا وقلبي يرتجي الوصال في وادٍ غير ذي زرعٍ ألبي إلى المولى أريد الارتحال   خلق الكمال

لوابس التعددية الدينية ومعاثرها

استدعت فكرة التعددية الدينية من ضوضاء الجدل الفلسفي فوق ما كابَدَه نظراؤها في حقل الأفكار والمفاهيم والنظريات المستحدثة في الغرب.

فلسفة الأخلاق: الماهية، الضّرورة، الأهداف

إلى أيّ مدى أُشبع الحقل الأخلاقي – بشكل عام – بحثًا ودراسةً، وحظي باهتمام الباحثين في ظل أزمتنا الأخلاقية المعاصرة؟

لستُ أعلم جوابًا محدّدًا ودقيقًا لهذا السؤال الإشكالي!

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*