تقرير الجلسة الأولى من أعمال المؤتمر الخامس للتجديد والاجتهاد الفكري

تقرير الجلسة الأولى من أعمال المؤتمر الخامس للتجديد والاجتهاد الفكري

تابع مؤتمر التجديد والاجتهاد الفكري الخامس أعمال جلساته في مركز الإمام الخميني- طريق المطار والمنعقد تحت رعاية الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وتحت عنوان “أطروحة الثورة مفاهيمها ونطاق اشتغالاتها”.

بدأت الجلسة الصباحية الأولى تحت عنوان “أطروحة الثورة الإسلامية ومرجعياتها“، وترأستها الإعلامية ليلى مزبودي…

ثم تحدث محمد مصطفوي تحت عنوان “نظرية الثورة وجهة نظر إسلامية“، فطرح مجموعة من التساؤلات حول الثورة ومفهومها ومبرراتها ومقوماتها وأوقاتها، وقال: هل الثورة مظهر من مظاهر روح العالم في السعي المتواصل نحو تحقيق الكمال؟ أم أنها صانعة قوى التغيير في التاريخ؟ أم الثورة اندفاع نحو استعادة الحريات والامتيازات التي فقدت نتيجة استبداد الحكومات؟ أم هي الإطاحة بالنخبة المُشكِلة بطريقة مرموقة؟ أم هي بث روح الوعي والاندفاع والنشاط في جسم الأمة؟ أم هي تشكيلة من تلك المواصفات؟ أم الثورة في جوهرها أمر مختلف عن كل ما سبق؟ متجاوزًا الوقوف عند المفهوم اللغوي لكلمة الثورة لعدم أهميته، ودخل مباشرة إلى تبيين المفهوم السياسي، علمًا أن للثورة مفاهيم أخرى غير السياسية أيضًا، وهي المفردة المستخدمة أولًا في مجال علم الفلك. ولكن ينبغي القول من البداية إن تحقيق الثورة بمواصفاتها المعيارية في عصر سيادة القوة الذكية وفي ظل وجود كيانات موازية أمر في غاية التعقيد إن لم نقل بأنه صعب المنال.

لا يوجد – في الحقيقة –  مفهوم واحد وموحد للثورة عند الباحثين في مجال الاجتماع السياسي، بل هناك مفاهيم عدة للثورة بحسب المنبت الفكري والأيديولوجي والثقافي للباحث الذي يريد أن يصل إلى موقف اتجاه الثورة أو الثورات التي حصلت في العالم. علمًا أن الدراسات التي عملت في الغرب تم التركيز فيها بالدرجة الأولى على تلك الثورات التي حصلت في الغرب أو كان لها منبت غربي: الثورة الإنجليزية (1640)، الثورة الأمريكية (1775)، الثورة الفرنسية (1789)، الثورة الروسية (1917)، وغيرها، في حين أن العالم شهد ثورات متعددة الألوان والأشكال والأهداف والمقاصد وفي الشرق والغرب.

وأعطى مصطفوي نبذة سريعة عن الثورة والفكر الماركسي والليبرالي والإسلامي، إلا أنه أوجز قوله بالاتفاق على المفهوم العام للثورة، واعتبرها عبارة عن: فعل وانفعال وتفاعل إنساني في ظرف معين بهدف التعبير نحو الأفضل، وذلك انطلاقًا من مبادئ وقيم إنسانية سياسية دينية وثقافية محددة.

وعن الثورة ومبرراتها وموجباتها في الواقع الاجتماعي رأى أن لا مبررًا واحدًا من تلك المبررات كان كافيًا في اندلاع ثورة، بل قد ساهم في بعض الثورات تجمع موجبات عدة لحصول الثورة، ومنها: الضرورة، ونعني بالضرورة توفر الموجبات الواقعية وبروز المطالب الملحة في مجتمع لحصول الثورة، نتيجة انسداد الأفق السياسي وغلق أبواب الإصلاح والتغيير عبر طرق قانونية ومشروعة، وذلك عندما يعم الفساد والفوضى، وينتشر البؤس الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع ويتعرض الشعب للتهميش، بل الإقصاء المعتمد من قبل السياسيين ورجال الدولة. نتيجة ذلك لا تعمل مؤسسات الدولة وفقًا للقوانين وضمن الأطر الشرعية المحددة لعملها، وتسود اللامعيارية والتفاوت الأفقيين أفراد الشعب.

والضرورة بشكل خاص تبرز بشكل واضح في حالتين اثنتين: حالة الدولة البوليسية، وحالة شبه الدولة أو الدولة في حالة التكوين.

أما السبب الآخر فهو التحرر والسيادة من الاستعمار الأجنبي والحصول على السيادة والاستقلال الذي شكلا همًّا و دافعًا أساسيًّا للشعوب.

وكذلك التنمية التي تعتبر مطلبًا مهمًّا من الناحية السياسية والشعبية، وشكّلت منطلقًا لبعض الثورات في العالم.

وأيضًا السبب الأيديولوجي لأن الأيديولوجيا بدورها لعبت دورًا مهمًّا في عدد من الثورات في العالم، فالحركات اليسارية عمومًا، والماركسية بشكل خاص، انطلقت من الأيديولوجيا في فكرها التغييري لوجه العالم، واعتبرت الماركسية الثورة مظهر من مظاهر روح العالم في السعي المتواصل لتحقيق الكمال.

وهناك النهضة الدينية والمصلحة العامة، فالفكر السياسي والالتزام الشرعي الدينيين عملا عملهما في الثورة الإسلامية في إيران. وشكّل التدين والفكر المصلحي العاملين الجوهريين في التوجه السياسي الإسلامي عمومًا وبشكل خاص في الثورة الإسلامية في إيران التي انصهرت في الفكر السياسي للإمام الخميني الذي كان يرى الثورة الإسلامية مخرجًا للعبور من المشكلات التي كان يعيشها الشعب الإيراني قبيل الثورة.

وعن الثورة ومبادئها ومقوماتها وخصائصها وآفاتها قال: إنّ للثورة مبادئ أساسية يجب توفرها وإلا تبدلت الثورة إلى الانقلاب، متوقفًا عند بعض المبادئ الأساسية للثورة كمفهوم اجتماع سياسي، ومنها: الثورة تكون ثورة اجتماعية – بالمفهوم المعاصر – عندما تكون لها صفة الشعبية والعمومية ولم تنحصر في دائرة الخواص سواء كانوا عساكرًا، أو مثقفين، أو رجال الدين، أو أصحاب رؤوس الأموال أو غيرهم. وأن تكون عفوية وغير مبرمجة من قبل دوائر خاصة وضمن أهداف محددة. وأن تكون الثورة حرة والثوار أحرارًا، ولا تربطهم ارتباطات خارجية أو اعتبارات لا وطنية كي تكون أسباب اندلاع الثورة ونمط إدارتها وصور تنظيمها وطنية حرة ونبيلة. وأن تكون عقلانية ضمانة لمستقبل الثورة لناحية ما تؤول إليها الثورة وما تستقر وترسو فيه من محطات.

أما عن مقومات الثورة، فقال: إن لكل ثورة خصائص ومقوّمات تختلف بحسب الشعوب، الثقافات، الأديان والقيم والاعتبارات التي تحكم مجتمعًا إنسانيًّا، ومن تلك المقومات:

أهداف الثورة التي هي المنطلق الأساس للثورة كما أنها المحدد للمواقف اتجاه كل ما تواجهها الثورة من عقبات وإشكاليات ونكسات وأيضًا لتقييم المواقف وتجاوز الأخطاء والوصول إلى أساليب بديلة وطرق ناجعة لمقابلة المشكلات ورفع الموانع ودفعها.

وثقافة الثورة التي هي بشكل عام تركيبة من العقائد والمعارف والقوانين والأخلاق والعادات والتقاليد والآلام والآمال. ونعني هنا بأهمية الثقافة في تحديد المناهج والأساليب الملائمة والمدروسة التي يستعملها الثوار للوصول إلى أهدافها بأقل الخسائر في الجانب المعنوي والمادي. إن العنف النسبي الذي يرافق الثورة عادة يقل ويخف من تأثيره السلبي في حالة وجود ثقافة للثورة ولدى الثوار.

وهناك لغة الثورة التي تعكس درجة الوعي ومستوى النضج السياسي والعملي لدى الثوار عند ممارسة الأعمال الثورية. كما أنها قادرة على البناء وتوطيد العلاقات وتقريب الوجهات وتخفيف الخلافات فإنها مفسدة ومدمرة عندما تتحول إلى أداة لممارسة السلطة والاستبداد السياسي والعملي في التعاطي مع الآخرين.

ومن مقومات الثورة أيضًا القيادة الثورية الملهمة لها تأثير عظيم في إنجاح الثورات تاريخيًّا، فالقيادة هي التي تستطيع أن تخلص الثوار من حالة التيه وتقوم بوضع خطط لسير الثورة إلى الأمام. ويشكل فقدان القيادة الحكيمة من العوامل الأساسية لفشل الثورة وانحرافها وسقوطها. سواء كانت القيادة فردية أو جماعية تنبغي أن تتصف ببعض المواصفات العملانية: من الحكمة، والدراية، والقدرة على الإدارة والتدبير، والوعي بالزمان وبالملابسات التي تحيط بالثورة والثوار، الصدق والمصداقية في القول والفعل، والجرأة والشجاعة اللازمة لتصدي المشاكل والعبور من الأخطار، مضافًا إلى توفر رأسمال الاجتماعي.

وأيديولوجيا الثورة تعتبر الأيديولوجيا عاملًا مهمًّا في الثورة باعتبارها الوسيط السياسي والثقافي والنفسي والرمزي والتاريخي بين فئات من الناس الذين جمعتهم قيم وأفكار وثقافة وآمال وأهداف مشتركة. وهناك خلاف بين الباحثين في إمكانية تغيير الأيديولوجيا عن عدم تغييرها وكونها من الثوابت الروحية للأفراد والجماعات. وفي كل الأحوال الأيديولوجيا تملك قدرة هائلة في توجيه الناس ودعمهم بالدينامية والحركية في مجال الفعل السياسي والاجتماعي.

أما عن خصائص الثورة وآفاتها فمتوقف عند حالات التغيير الجذري والانفلات النسبي والعنف النسبي والطوباوية النسبية والأنانية الثورية والثورة والدعاية والإعلام.

وطرح سؤاله: هل توجد أو وجدت ثورة نموذجية؟ فقال: يبدو لي بأن ما نشهده من الحديث عن استنساخ الثورات في التاريخ الإنساني البعيد منها والقريب منا وإلينا فيها من المبالغة والتعميم الخاطيء ما يجعل الحديث عن الثورة النموذجية أمرًا غير واقعي بل فيها الكثير من الديماغوجية والطوباوية في الفكر والأداء. وفيما يلي توضيح موجز للموضوع:

تعميم ثورة معينة تارة يقصد منها التعميم الأفقي التاريخي وأخرى التعميم العمودي الحركي والتفاعلي، وللحالتين تحديات كبيرة. فالمراد من التعميم الأفقي هو تعميم ثورة من الثورات من الناحية الزمنية؛ بأن نقول: إن ثورة من الثورات صالحة للاستنساخ من الناحية الزمنية وبشكل أفقي، وبإمكان كل جماعة بشرية أن يجعل ثورة معينة نموذج عمل في تحركها لتغيير واقع اجتماعي وسياسي رديء أو غير مطلوب أو غير فاعل لناحية من النواحي.

في حين أن المقصود من التعميم العمودي هو أن ندعو إلى استنساخ تجربة تاريخية عملية لشعب من الشعوب أو فئة من الفئات لشعب أو فئة وجماعات أخرى. فإن كان المراد من التعميم هو التعميم العمودي فهو أكثر طوباوية من الأول، ففي التعميم الأفقي هناك اتفاق – في أقل التقدير – على مستوى أصل القيم والمباديء، وأما في الحالة الثانية فالأصل هو الاختلاف وعدم التوافق، حيث إن لكل شعب وجماعة خصائصهم الإقليمية ومصالحهم الخاصة ومتطلباتهم الواقعية التي تختلف عن الآخرين.

إضافة إلى مصطلح “الثورة الدائمة” الذي ورد لأول مرة في كتابات كارل ماركس.

وتطرق مصطفوي في الجزء الثاني من بحثه إلى الثورة في التصور الإسلامي/ الرؤية، النظرية والموقف، وسأل: هل هناك جذور للثورة في النصوص الدينية والتجربة العملية للأنبياء والأوصياء والأولياء؟ أم أن الثورة هي محض تجربة إنسانية وصناعة سياسية بشرية ومن منجزات العصور المتأخرة من التجربة الإنسانية في الواقع الاجتماعي والسياسي؟ وللإجابة عن السؤال/ التساؤل – هذا – يمكن القول بأنه بالإمكان النظر إلى الثورة من زاويتين اثنتين: الزاوية الفكرية والزاوية العملية، فيما يتصل بالزاوية الفكرية فإن التغيير الجذري والبناء من جديد هما العمودان الفقريان لكل ثورة جامعة. ومن هذه الناحية فإن الدعوة إلى التغيير تمثل جوهر دعوة الأنبياء ومحتوى الكتب السماوية عامة، والقرآن الكريم خاصة كما يأتي من الزاوية العملية (الإجرائية): وفي الجانب العملي أيضًا فإن فعل الأنبياء عمومًا وأولو العزم منهم خاصة يتصف بالثورية لأنه تغييري في العمق وإن لم يكن بالصيغة المتعارفة للثورة في الفكر السياسي في عصور متأخرة كما سبق الحديث عنه في السابق.

وإذ سأل: هل القرآن الكريم يدعو إلى التغيير والبناء من جديد (جوهر التوجه الثوري)؟ أم أنه كتاب محافظ يدعو إلى الحفاظ على منجزات الماضي والسير عليه؟ فإنه قال: لا يختلف اثنان في أن القرآن من النوع الأول بامتياز، حيث يدعو إلى نبذ القديم ومنع الاقتداء بالآباء والنهي عن متابعة سيرتهم وعاداتهم، وأكثر من ذلك فإن القرآن يتبع أسلوبًا خطابيًّا تغييريًّا؛ قوامه الخطاب الإجرائي التدخلي والمباشر الدافع للتغيير الجذري والحاوي للروح الثورية في الخطاب.

ومنها البناء العام للنص حيث انتظم البناء العام للنص القرآني في نواظم عدة حددت معالمه العامة وصبغته الخاصة وتحكمت في توجيه دلالاته وتحديد مقاصده. ومن تلك النواظم الخطاب التعاملي والمباشر المعتمد في الخطاب القرآني والذي يؤدي إلى بناء جسر من التواصل الفعال مع المخاطب بهدف التأثير عليه ودعوته إلى التغيير وبناء الذات من جديد وفق المنهج التغييري للقرآن الكريم.

وفي المحتوى العام، فتشكل ثلاثية “العقيدة” و “القيم الروحية والأخلاقية” و “الشريعة” صلب المحتوى القرآني العام بجانب كم هائل من المواضيع الأخرى التي انتظمت في دائرة تلك الموضوعات الكبرى.

كما أن التعابير في القرآن جمعت بين الحدة والشدة في التعبير تارة والمرونة تارة أخرى وذلك بهدف التغيير والتأثير وممارسة عملية الإقناع للمخاطب، مما يؤكد على الصبغة التغييرية المقصودة بالأساس في المنهج القرآني، مؤكدًا  أن التوظيف القرآني لتعابير شديدة الإيقاع وقوية التأثير في مقابل تعابير مرنة وخلابة تدعو إلى التأثر والتعلق المشاعري الشديد مع النص القرآني هو لهدف إجرائي عملاني وتغييري في المخاطبين، كما أن الخطاب العام للقرآن هو خطاب تغييري.

وعن الثورية في السنة النبوية، سنة النبي (ص) وهي الأقوال والأفعال والمواقف الإيجابية أو السلبية منه اتجاه قضية من القضايا يتم التعبير عنها بالسنة، وتمثل سلوكيات النبي نظرًا إلى زمانه سلوكًا ثوريًّا، نظرًا إلى ما كان يشكل من صدمة للعقل العربي آنذاك. فهو كان مناهضًا لكثير من السلوكيات السائدة في عصره بدءًا من العقيدة ومرورًا بالسلوكيات الفردية وانتهاءً بالسلوكيات الاجتماعية، أبرزها: التوحيد الخالص، وحقوق المرأة وكرامتها، وإقامة الحكم في المدينة، والنهي عن المنكر.

وتوقف مصطفوي عند ما شهد التاريخ الإسلامي من عدة ثورات/ انقلابات، كانت لها تأثير كبير على مجرى التاريخ الإسلامي، ومن تلك الثورات ثورة الإصلاح المالي والسياسي، والتي حصلت زمن الخليفة عثمان بن عفان. كان لاغتيال الخليفة الثالث عثمان بن عفان (عام 35 هـ)، والتي سميّت بالفتنة الأثر الكبير في التاريخ الإسلامي وأدت فيما بعد إلى خلافات كبيرة في الوسط الإسلامي. تمثلت هذه الوثبة بخروج فصائل من الجيوش المرابطة في البصرة والكوفة ومصر إلى المدينة المنوّرة، ومحاصرة منزل الخليفة لأربعين يومًا ومن ثم تسللت مجموعة منها إلى داخل المنزل واغتالوه. وكان خروج هؤلاء لأسباب عدة، إذ كانوا يطالبون الخليفة بعدد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية، أهمها وقف تكدّس الأموال وفساد أقاربه والمساواة بين المسلمين في العطاء، وكان الإمام علي بن أبي طالب(ع) من أشد المخالفين لقتل الخليفة عثمان، في حين كان البعض الآخر من المحرضين على القتل بشكل صريح.

ثم ثورة الإمام الحسن (ع) تمثل ثورة الحسين بن علي(ع) في عام 61 للهجرة في كربلاء في العراق، نقطة عطف في التاريخ الإسلامي. وكانت الأشهر والأشد تأثيرًا في التاريخ الإسلامي، على رغم محدودية نطاقها وعدد الأفراد المشاركين فيها. لقد خرج الإمام الحسين للإصلاح حيث قال: “إني لم أخرج أشرًا، ولا بطرًا، ولا مفسدًا، ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله؛ أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي”. فهي كانت ثورة ذات خلفية دينية وسياسية، ترفض مبايعة الخليفة الأموي يزيد بن معاوية بسبب انحرافه عن نهج الرسول(ص).

وكذلك ثورة زيد بن علي فكانت من أبرز الثورات التي قامت بعد الإمام الحسين(ع). تشترك مع ثورة كربلاء في أنها كانت في نفس النهج وموجهة ضد الأمويين وخليفتهم آنذاك هشام بن الحكم. وأيضًا ثورة محمد النفس الزكية.

أما في مسألة الثورة وعلماء المسلمين فقال: إنها قضية الخروج على الحاكم التي تعتبر موضوعًا إشكاليًّا في الفقه والتاريخ الإسلاميين. وقد انقسم رأي علماء المسلمين من المذاهب الأربعة إلى قائل بالصبر و”حرمة الخروج مطلقًا” إلا في حالة الكفر الصريح؛ وهو الموقف المعتمد عند الحنابلة.

وفي المقابل هناك موقف لفقهاء الشيعة يرون بموجبه جواز الخروج على الحاكم في حالة ارتكاب المعصية والظلم، لما ورد من نصوص كثيرة في الكتاب والسنة. ثم إن جميع التيارات الفكرية الإسلامية، التي انحازت للثورة، وقررت مشروعيتها نظريًا أو عمليًا أو كليهما معًا؛ قد استندت إلى أنَّ القرآن قد أَوجب على الأُمَّة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولهذا هم يؤكدون على الفعل بعد القول، واستخدام القوة عند الحاجة والتي اتفقوا على تسميتها: (قضية السيف).

وعن الثورة الإسلامية في إيران قال: تمثل الثورة الإسلامية نقطة عطف في التاريخ الإسلامي الشيعي، التي أدت إلى نتائج خطيرة على الوضع السياسي والاجتماعي في إيران وفي محيطه العربي والإسلامي. وقد ذكر العديد من الأسباب لحصول وانتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، فالبعض يركز على البعد الثقافي، والبعض يعزز العوامل الاقتصادية، وآخرون يركزون على العوامل السياسية والدينية وغيرها.

وأوضح أنه في جانب العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية كان دور رجال الدين وشخص الإمام الخميني حاسمًا في إطلاق الثورة الإسلامية وفي انتصارها في إيران. فالإمام الخميني هو من أهم فقهاء المسلمين في عصرنا الذي استطاع أن يخرج رجال الدين من حالة القلق واليأس والكبت الاجتماعي والسياسي، وارتقى بهم إلى مصاف قادة المجتمع ورجاله المؤثرين في مجتمعاتهم.

الثورة الإسلامية في إيران انطلقت من منطلقات دينية – إسلامية واضحة وتبنى قائدها نظرية فقهية لإنجاح مشروعه السياسي “نظرية ولاية الفقيه”. وكان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشكلان الركيزة الأساس في فكر الإمام الخميني وهو الذي انطلق منهما في اتخاذ المواقف السياسية منذ كتابة تحرير الوسيلة في المنفى بتركيا وقبل صياغة نظرية ولاية الفقيه في النجف الأشرف.

وعن مبررات الثورة من منظور إسلامي، أشار إلى تفسير واضح لتبرير الثورة من منظور إسلامي؟ وما هي المبررات الدينية للثورة من منطلق فقهي؟

وخلص مصطفوي إلى اسنتاجات من خلال بحثه ومنها:

أولًا، الثورة – كما سبق – فعل وتفاعل وانفعال سياسي، وكلما زاد الانفعال في الثورة وقل التفاعل فيها تحولت الثورة من فعل سياسي اجتماعي إلى ممارسة للغرائز التي لا تضبطها اعتبارات سياسية ولا مصالح عامة.

ثانيًا، المنتج الثوري ينبغي أن يصنف ضمن المصلحة العامة أو الصالح العام، فكل مكسب ثوري لا يدخل ضمن الصالح العام وتصنف ضمن مكاسب فردية، أو حزبية، أو فئوية، فلا تعبر تلك النتائج عن روح الثورة العامة والحرة والهادفة.

ثالثًا، الثورة في ميزان العقل والعقلانية ليس لها قيمة ذاتية وإنما تكمن قيمتها في نتائجها من الفوائد والمصالح على صعيد الصالح العام وما يحدث من تغيير إيجابي وجذري على صعيد الواقع السياسي والاجتماعي لعموم الناس.

رابعًا، ليس للدين عامة والإسلام بشكل خاص موقف خاص من الثورة بالمفهوم السياسي والاجتماعي الحديث، وإن كانت حركة الأنبياء عمومًا وسيرة الرسول (ص) خاصة حركة تغييرية في جوهرها وأدت في عصرها وظائف الثورة الإيجابية بالمعنى الحديث للثورة.

خامسًا، الثورة تتصل اتصالًا مباشرًا بالزمان والمكان والواقع وشروط وإشراطات الواقع، وليس هناك ثورة مطلقة عن كل تلك الاعتبارات. فقد تكون ثورة ناجحة وفاعلة ومؤثرة في مكان وزمان وواقع معين ولكن الثورة بنفس الأهداف والتوجهات تتحول إلى ثورة فاشلة وغير مطلوبة بل ضارة في مكان وزمان وواقع مختلف آخر.

سادسًا، الثورة وسيلة سياسية للتغيير الجذري والحاسم، وقد تتصف بالعنف أيضًا وذلك في غياب وسائل وطرق بديلة أخرى لتحقيق الأهداف السياسية والاجتماعية العامة للناس.

سابعًا، تلعب النخب السياسية والفكرية دورًا هامًّا في تحقيق وإنجاح الثورات غير أن الثورة لو تحولت إلى ثورة فئة من الناس تبقى غير عامة وتصيبها ما أصابت الثورات الحزبية والفئوية من نتائج عكسية على الواقع الاجتماعي والإنساني.

ثامنًا، صاحب الثورة ومالكها الشعب (كل الشعب) فإن تحولت ثورة إلى ملك خاص لشخص أو جماعة أو فئة اجتماعية تسقط عن الاعتبار الشعبي العام وتتحول إلى إنجاز شخصي أو حزبي أو فئوي.

تاسعًا، تكبر الثورة وتصغر بالنظر إلى ما تتركه من آثار إيجابية أو سلبية على واقع الناس المحلي والإقليمي والدولي. فكلما كان التأثير الإيجابي غالبًا على الآثار السلبية فبتلك الدرجة تكون الثورة ناجحة والعكس صحيح أيضًا. غير أن الثورات التي حصلت في التاريخ البشري تبين أن عددًا ضئيلًا من الثورات أنتجت وأعادت بالفائدة للناس والعالم سواء من الناحية السياسية أو المعرفية أو التنمية بشكل عام، وأن أغلب الثورات التي حصلت إما كانت فاقدة للمنفعة العامة أو كانت المنفعة العائدة منها ضئيلة وفي موارد كثيرة أدت إلى أضرار جسيمة على مستويات عدة وكانت بمثابة النكسة بدل أن تكون ثورة ذات فوائد جمة.

عاشرًا، تبدأ الثورة من الفكر وتنتهي بالممارسة والعمل، فإن انعكست الآية بأن بدأت ثورة من الفعل والممارسة من دون خطط واضحة وأفكار مدونة وتصورات وتصديقات محددة فتبدأ الثورة بالضمور والأفول والتقوقع بالضرورة ؛ وذلك عندما ينزل الثوار من أبراجهم الخيالية إلى الأرض ويتعاطون مع الواقع وتعقيداته العملية ومشاكله الميدانية، ويكتشفون عاجلًا أم آجلًا أن الأعمال الاعتباطية وغير المدروسة لا تنتج على الخط الطويل.

وتحت عنوان: “مع الإمام الخميني في ثوراته الثلاث” تحدث الأستاذ الدكتور في كلية الآداب- جامعة بغداد إياد محمد علي الأرناؤوطي، فأعطى تعريفًا للثورة في اللغة والاصطلاح، وتوقف عند مفهوم الثورة والعرفان الخميني، فالعرفان ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: العرفان النظري: وهو فرع من فروع المعرفة الإنسانيّة يسعى لإعطاء تفسير كامل للوجود، ونظامه، وتجلّياته، ومراتبه، وليكون رؤية كونيّة عن المحاور الأساسيّة في عالم الوجود: الله، والإنسان، والعالم، يستند العارف في تأسيسها على المكاشفة والشهود، من خلال تصفية القلب وتزكيته بالرياضات المعنويّة التي أقرّها الشارع المقدّس.

القسم الثاني: العرفان العملي: يرتبط بالسلوك، والعمل، والمجاهدة الخارجيّة ويتكفل ببيان مقامات العارفين، ودرجات السالكين إلى القُرب الإلهي، بقدم المجاهدة والتصفية والتزكية. وأمّا الغاية التي يبتغيها العارف في سلوكه، فهي الوصول إلى مقام أن لا يرى في الوجود غيره تعالى، فيصل إلى مقام “وما تقرب إليّ عبد بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، وإنه ليتقرب إليّ بالنافلة حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته”[1]. فإذا كان السمع إلهيًّا فإنّه لا يسمع إلاّ الحقّ، وإذا كان البصر إلهيًّا فإنّه لا يرى إلاّ الحقّ، وإذا كان اللسان إلهيًّا فإنّه لا ينطق إلاّ بالحقّ، وإذا كانت اليد إلهيّةً فإنّها لا تبطش إلاّ بالحقّ، فيكون هذا العبد إلهيًّا في كلّ حركاته وسكناته.

والطريق إلى المعرفة في هذا المنهج هو جهاد النفس المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾[2]، وهو عند الإمام الخميني: “انتصار الإنسان على قواه الظاهرية، وجعلها مؤتمرة بأمر الخالق، وتطهير المملكة من دنس وجود قوى الشيطان وجنوده”[3].

وقد أكّد العلامة الطباطبائي، أن عرفان النفس في الإسلام، وسيلة وليس غاية، فقال: “ثم إن الدين الفطري إنما يعتبر أمر عرفان النفس ليتوصل به إلى السعادة الإنسانية، التي يدعو إليها، وهي معرفة الإله، التي هي المطلوب الأخير عنده. وبعبارة أخرى الدين، إنما يدعو إلى عرفان النفس دعوة طريقية لا غائية فإن الذوق الديني لا يرتضي الاشتغال بأمر إلا في سبيل العبوديّة، وإن الدين عند الله الإسلام ولا يرضى لعباده الكفر فكيف يرضى بعرفان النفس إذا استقل بالمطلوبية؟ ومن هنا يظهر أن العرفان ينتهى إلى أصل الدين الفطري”[4].

وقد اختلفت المواقف من العرفان، ففي حين رآه بعضهم جوهر الدِّين وأساسه رآه آخرون بدعة ليست من الدِّين بشيء.

وأشار الأرناؤوطي إلى الثورات الثلاث في حياة هذا الرجل العظيم، يجد حياته منذ مرحلة التمييز، تُختصر في مفردة واحدة هي (الثورة)، التي تتحلل إلى ثلاث ثورات، ما فتئ يعيشها حتى غادر هذا العالم، والثورة الأولى على الذات لصقلها وإعادتها ناصعة إلى فطرتها الإلهية. والثورة الثانية: على الحوزة العلمية لتنفض عن نفسها ركام السنين، من التقوقع على الدرس والتحصيل العلمي، الذي حولها من مؤسسة تقود الأمة، إلى مدرسة تجبي الحقوق الشرعية، لتمول في أحسن الأحوال، تدريس الفقه والأصول. والثورة الثالثة: على الواقع الفاسد المكتوي بعدوين: داخلي ممثلًا بمؤسسة الدولة التي توجه حركة المجتمع، وخارجي ممثلًا بقوى الاستعمار الطامع ببلاد المسلمين، والساعي لإفساد الإنسان المسلم، ليكون هذا الإفساد بابًا إلى الهيمنة على الوطن، كل الوطن.

تابع، ومن أبرز ما عني به الإمام الخميني من الشأن الحوزي الذي شكّل أساس بناء الرجل الحوزي، منها: أوّلًا: ضرورة ترافق التزكية والتعلم، بل تقديم تزكية النفس وتهذيبها على التعلم.. ثانيًا: الرجل الحوزي في موضع القدوة التي تفرض عليه مسؤولية جسيمة ينبغي إدراكها أوّلًا، والنهوض بها ثانيًا. وثالثًا: ضرورة إصلاح النفس وتهذيبها قبل النهوض بعملية التبليغ التي هي المهمة الأساس للحوزيّ، وفي ذلك يقول الإمام: “أنا لا أقول: لا تدرسوا، لا تكسبوا العلم؛ بل ينبغي أن تلتفتوا إلى أنكم إذا أردتم أن تكونوا أبناء مفيدين وفاعلين للإسلام والمجتمع، وأن تتولوا قيادة الأمة وتوعيتها بالإسلام، وإذا أردتم أن تدافعوا عن حمى الإسلام وتذودوا عن حياضه؛ ينبغي لكم أن تعززوا قواعد الفقاهة وأن تصبحوا من أصحاب الرأي فيها. ورابعًا: ضرورة المحافظة على تماسك الصرح الحوزيّ، ونبذ الخلافات بين أبنائه، التي سببها ضعف البناء الأخلاقي…  ويؤكد الإمام أن حب الدنيا وراء الاختلافات بين الحوزيين، فيقول: “إن جذور كل الاختلافات التي تفتقد إلى الهدف المحدد والمقدس، تعود على حب الدنيا”.

وتشتد لهجة خطاب الإمام لتطل ثورية خمينية فيقول مخاطبًا الحوزيين: “فإذا بقيت أعمالكم وأفعالكم وأوضاع معيشتكم وسلوككم بالصورة التي هي عليها الآن، فاحذروا أن تغادروا هذه الدنيا وأنتم لستم من شيعة علي أبي طالب (ع)…

أما خامسًا فهو تحذير الحوزة مما ينتظرها من مخططات الأعداء، وحثها على الانفتاح على وسائل العصر، فيقول: “إنني أقضي الآن آخر أيام حياتي، وسأفارقكم عاجلًا أو آجلًا، ولكني أتوقع لكم مستقبلًا مظلمًا، وأيامًا سوداء. فإذا لم تصلحوا أنفسكم وتتجهزوا وتجعلوا النظام والانضباط حاكمًا على دراستكم وحياتكم، فإنكم محكومون بالفناء والاندثار ـ لا سمح الله ـ”.

ولفت الأرناؤوطي إلى الثورة على الطاغوت انطلاقًا من الإيمان برسالة الإسلام العظيم، وتتأسس من أساسين، هما:

أوّلًا: استشعار التكليف الشرعي بالثورة.

ثانيًا: صغر الدنيا في عين الثائر، والزهد بها، والتضحية بها في سبيل الله تعالى.

ومن أبرز المحطات في طريق الثورات الثلاث، توقف على ثلاث محطات مختارة في طريق جهادي انبجس عن أعجوبة بشرية، أبدعت في صقلها يد الرسالة الإلهية، حتى حانت ساعة اللقاء والمثوى الأبديّ. وكانت:

في جوار علي أمير المؤمنين (ع) حين قدم الإمام الخميني إلى النجف الأشرف، واجه حوزة تشيع فيها رؤية تستند إلى ركنين[5]:

أحدهما: وجوب التقيّة التي لا حدود ولا استثناءات لها، حتى صار جهاد الحاكم الجائر، إلقاءً بالنفس إلى التهلكة، وخروجًا على تعاليم مدرسة أهل البيت (ع).

والآخر: رفض أية راية تقوم قبل الإمام المنتظر (عج).

وهنا تكمن المهمة الغاية في التعقيد، فمن جهة على الإمام أن يحافظ على القضية الأساس، وهي جهاد نظام الشاه الطاغوتي، وعدم فتح جبهات داخلية، تحقق أهداف الأعداء في إضعاف الحوزة الشريفة، وتمزيقها؛ ومن جهة أخرى عليه أن يصدع بمعالم مشروعه الفكري الجهادي الحضاري، المتمثل بولاية الفقيه.

وشدّد على أن الإمام استطاع بحكمة بالغة، التوفيق بين الأمرين، فكانت محاضراته في الحكومة الإسلامية أثناء إقامته في النجف الأشرف، من جانب محاولة فكرية جادة من أجل أن يفتح وعي الحوزة على عالم واسع من الثورة الشاملة، والأهداف التي كانت تبدو ضربًا من الخيال وأحلام اليقظة؛ ومن جانب آخر صرخات هادرة تستثير ضمير الأمة، ولا سيما في داخل إيران، إذ كانت هذه المحاضرات تُسجّل وتوزع على كثيرين من أفراد الشعب الإيراني، وامتدت لتشمل أوروبا، وأمريكا، وأفغانستان، وباكستان، وبذلك انعتقت من قيود المحلية إلى فضاءات العالميّة.

ورأى أنّ الذي مكّن تلك المحاضرات والخطب من تحقيق أهدافها، ثلاثة أمور:

الأوّل: التسديد الإلهي، والثاني: صدورها من عَلَم شامخ من أعلام الحوزة، لا شك في اجتهاده،  والثالث: صدورها من مجاهد تحدى النظام الطاغوتي، وجاهده، ودفع ثمن ذلك نفيًا من بلاده، وتشريدًا من موطنه.

كما توقف الأرناؤوطي عند فقدان ابن الإمام الشهيد مصطفى الذي كان أقرب الناس إلى قلبه، فهو الولد الحبيب، والعضد القوي، والساعد الأيمن لأبيه. وهو الذي قاد جماهير المتظاهرين في شوارع قم إثر اعتقال أبيه عام 1963م، إذ رددت الجماهير الشعار: الموت أو الخميني، والذي انتشر انتشار النار في الهشيم في طهران وشيراز ومشهد وعشرات المدن الإيرانية.

وهذا يعني أنّ السافاك، ومن خلفه دوائر الاستكبار العالمي، أرادوا بقتله أن يقتلوا للإمام: الولد الحبيب، والعضد المجاهد، والبرعم العالم.

وجاء في مذكرات ابن الإمام السيد أحمد الخميني وصفه لكيفية تلقيه النبأ المفاجئ بوفاة ولده: “كان جالسًا وواضعًا يديه على ركبتيه، فهز يديه عدة مرات، وقال ثلاثًا: إنا لله وإنا إليه راجعون … كان مصطفى أمل الإسلام … كان أمانة خسرناها. ولم يغيّر الإمام شيئًا في برنامجه اليومي، فبينما حُمل جثمان ولده إلى كربلاء، خرج لصلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء كعادته يوميًّا، من دون أن يذرف دمعة واحدة، وذهب بعدها إلى دار ولده الشهيد، وهناك عزّى أم الشهيد (زوجته) قائلًا: “كان أمانة أعطانا الله إياها، وأخذها الآن منا. عليّ أن أصبر، وعليك أن تصبري أيضًا، وليكن صبرك لله”.

وختم الأرناؤوطي قائلًا:  أثبتت الوقائع بالدليل القاطع أنّ الثورة الخمينية على الذات، من خلال سلوك الطريق إلى الله، قد أثمرت مواقف فريدة قليلة النظير، منها موقفه في استشهاد ولده مصطفى.

والثورة على الحوزة، أثمرت خطًّا جديدًا في فهم لإسلام يعالج مشاكل الفرد والمجتمع، في جوانبها الروحية والسياسية والاقتصادية والاجتماعيّة.

   والثورة على الحاكم الجائر أثمرت دولة إسلاميّة أبدعت في مواجهة طاغوت الاستكبار العالمي، وأثمرت خطًّا مقاومًا له اليد الطولى في رسم حاضر العالم الإسلامي ومستقبله.

 وتحت عنوان “لماذا انتصرت الثورة الاسلامية؟” تحدث الشيخ عباس شمس الدين وصف في بدايتها كيفية تلقيه نبأ انتصار الثورة وقال: في مطلع عام 1979 عندما كنت في الرابعة عشر من عمري، وعلى الرغم من التزامي الديني المبكر، لم يتبلور في ذهني حينها أي فكر سياسي أو ميل أيديولوجي، لذا شعرت بالغرابة الكبيرة عندما لفني شعور غامر بالفرحة الهائلة وأنا أسمع من راديو في بيت صديقي نبأ انتصار الثورة الإسلامية من على إذاعة مونتي كارلو، لكن ما صدمني أكثر في حينها هو رؤية الفرحة الهائلة التي اجتاحت والد صديقي وهو الحزبي المنتظم في صفوف الشيوعي العراقي والمتحمس الماركسي والرجل الذي لم يحترم عالم دين قط في حياته.

وأضاف: لقد شكل انتصار الثورة الإسلامية زلزالًا هائلًا؛ فكريًّا وروحيًّا وثقافيًّا غيّر وجه المنطقة إلى الأبد. شكّل هذا الانتصار أيضًا زلزالًا في أوساط الدوائر السياسية والثقافية والإنسانية في جميع أنحاء الأرض، فالصدمة التي شكلها انتصار الثورة المفاجئ والناجز، قد أصابت الجميع بالذهول، فكيف أمكن لعمامة ثمانينية أن تقود شعبًا أعزل لتسقط أحد أقوى أنظمة البلدان الإقليمية في المنطقة والتي تمتد أسسه التاريخية راسخة لألفي وخمسمائة سنة ضمن تقاليد متجذرة في بنية الشعب الإيراني ثقافيًّا واجتماعيًّا.

لقد شكلت الإجابة على هذا السؤال المحير تحديًا كبيرًا لكل المفكرين والمخططين الاستراتيجيين والمثقفين والمنظرين والمحللين في أرجاء العالم، لا سيما في الدول التي مستها نيران وأنوار هذه الثورة بشكل مباشر. لقد تراوحت الأطروحات التي قدمت لتفسير انتصار هذه الثورة بين السطحية وبين محاولات الغوص النظري البعيد عن واقع الأرض، فيما انجرفت بعضها لطمأنة تلك النفوس الغاضبة من هذا الانتصار الضخم.

وتابع: لقد تم إحصاء ستة من النظريات التي تحاول تفسير نجاح الثورة الإسلامية بهذه القوة والسرعة والحسم، اختارت معظمها سببًا رئيسًا واحدًا مفردًا لتفسير هذا الانتصار، وهذه النظريات هي: نظرية التآمر، ونظرية الإخفاق التحديثي، والنظرية الاقتصادية، والنظرية الدينية، والنظرية الديكتاتورية، ونظرية القيادة الدينية.

نظرية القائد الملهم

ورأى شمس الدين أن أهم عناصر انتصار الثورة الإسلامية هو القيادة الدينية الفذة. فعلى الرغم من وجود شخصيات علمانية ويسارية مميزة في النضال ضد الشاه، ووجود شخصيات دينية وازنة ذات ثقل شعبي، لكن مقايسة تأثيرها في صناعة الثورة ونجاحها بتأثير الإمام الخميني (رض) لا يقارن.كانت شخصية الإمام الخميني (رض) بخصائصه المتفردة العرفانية والسياسية والفقهية والشخصية وحدها التي لها القدرة على قلب نظام بهذه الوحشية والدموية والرسوخ التاريخي والعسكري والمدني والمدعوم دوليًّا بشكل واسع للغاية، ثم إقامة نظام بديل معاكس ثم الحفاظ عليه وسط حروب متعددة وحصار خانق، وعملية بناء مادي ومعنوي تقارب البدء من الصفر.

دور القيادة الدينية في الثورة الإسلام:

ولفت شمس الدين إلى ما تحمّله  الإمام الخميني في قيادة الثورة بشكل رئيسي وعلى الرغم من مشاركة علماء دين مرموقين معه في قيادة الثورة إلا أن ما احتملوه لم يشكل إلا الجزء الأقل من المسؤولية الكبرى التي اضطلع بها الإمام. بل إن قيادة هؤلاء البارزين لم تكن لتثمر في الجزء الأصغري هذا لو لم يكونوا تحت جنح وهيبة الإمام الخميني. إن الخصائص الفريدة عند الإمام جعلت الناس يثقون بشخصه أكثر من قناعتهم بتنظيراته. أما هيكلية الدولة الإسلامية فلم تكن واضحة للناس، ومع ذلك ووفقًا للثقة والاعتقاد الكبيرين اللذين شعر بهما الناس بقائد ديني شبيه بالنبي، فإنهم تحركوا بذلك الاتجاه. وعندما قال الإمام: “جمهورية إسلامية فقط، لا أقل ولا أكثر” فإن الناس حينها لم يكن لديهم فهمًا كاملًا أو استيعابًا كاملًا لهذه العبارة، ولكن كلمة الإمام لا نقاش فيها بالنسبة لديهم.

وأكد أن إقامة جمهورية عادلة يقودها عالم دين وفقيه ثوري لم يكن ليتم دون تطبيق نظرية ولاية الفقيه التي كانت في صورتها الحديثة وليدة فكر الإمام الخميني، وبهذا التسلسل المنطقي فإن دور الإمام الخميني في صنع الثورة الإسلامية كان مشاركًا فعالًا، لكن دوره في نجاحها واستمرارها وصمودها كان هو الحاسم بلا منازع.

 وتابع: إن عامل التسديد الإلهي أو الرغبة الإلهية – إن جاز لنا القول – بنجاح الثورة الإسلامية قد ذلل كل الصعوبات التي كانت في مواجهة الثورة. وهذا العامل غير القابل للقياس يمكن تلمس مظاهره بالآتي:

  • كيف تعقلنا قيام جمهورية إسلامية تقوم على أنقاض إمبراطورية بعمر ألفين وخمسمائة سنة تربى الناس فيها في العقود المتأخرة على مظاهر انحلال وفجور والحاد فاقت حتى المنابع التقليدية لمثل هذه الظواهر والانحرافات؟ وهل من تفسير علمي لنجاح هذه الثورة في بيئة أقل ما يقال عنها أنها ضعيفة دينيًّا أو معادية للدين في الحد الأعلى؟
  • كيف نجح رجل أعزل ومنفي وهرم لا يمتلك شبرًا في الجيش، أن يربح معركة مع الجيش الخامس في العالم بأنصار في معظمهم لم يكونوا يعرفوه تمام المعرفة؟
  • لماذا عجزت أجهزة الاستخبارات في الدول المعنية بإيران وبحماية نظام الشاه عن التنبؤ أو التوقع لوجود ما يقلق في إيران وتهيئة خطط معقولة لمواجهته؟ ويشاركها في ذلك الفشل المحللون الاستراتيجيون الغربيون والشرقيون معًا. وكيف تحولت البقعة التي كانت تصفها أمريكا بجزيرة الاستقرار إلى بركان ثوري يقوده عالم ديني شيعي؟
  • ولماذا كانت ردة فعل هذه الدول والأجهزة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية على ما جرى في حينه ولاحقًا قد امتازت بالضعف الشديد والذهول والخور، وكيف فشلت العمليات العسكرية المباشرة أو الأمنية فشلًا ذريعًا – مع معرفة الجميع بالقدرات الهائلة لهذه الدولة، والتي نجحت مثل هذه العمليات بمستوى أقل تركيزًا في بلدان أخرى وأطاحت بعديد من الأنظمة؟
  • بل السؤال الأكثر إلحاحًا لماذا تحرك الناس في هذا الوقت بالذات وهم في وضع أفضل بكثير من أحقاب كانوا أكثر حاجة فيها إلى تغيير النظام؟
  • ما الذي منع الشاه ونظام البعث العفلقي من تصفية الإمام الخميني بنفس الطريقة التي قاما بها أو لا أقل النظام العفلقي بتصفية عدد كبير من علماء الدين من كلا الطائفتين، وسمح الأخير بخروج الإمام الخميني بشكل آمن إلى الكويت ففرنسا.

وقال: إن النظر إلى الخط السياسي الذي انتهجه الإمام الخميني منذ مطلع الستينات كان يشير بوضوح أن الرغبة في إسقاط الشاه وإشعال الثورة لم تكن حاضرة في فكره، بل يرجح المؤرخون أن حركة الإمام الخميني كانت قد سارت على ثلاث مراحل: نصح الشاه، ثم المعارضة، ثم الانقلاب. ويلاحظ أن البيانات الاعتراضية على سلوك نظام الشاه كانت تتجنب الهجوم المباشر على شخص الشاه وتتخذ الالتزام بالدستور ذريعة لتوجيه النقد. وأنه حدثَ حدثٌ ما في أواسط السبعينات دفعت بالإمام الخميني دفعًا لهذا السلوك (الأنبيائي) الذي يبدو أنه محمل بتكليف لا يمتلك ظاهرًا أية أدوات لنجاحه على الأرض، وبسقف عال وثقة مفرطة لا تساعد عليها المظاهر المحسوسة. أشار المراقبون أنه ومنذ عام 1977 أصبح الحديث عن الدولة والجمهورية والحكومة الإسلامية يصبح أكثر وضوحًا في الشعارات، إلى أن يأتي تقديم أو طرح موضوع ولاية الفقيه ومن ثم الولاية المطلقة للفقهاء الكبار بعد انتصار الثورة. ونعرف بداهة أن (الإلهام) بالحديث عن ولاية الفقيه المطلقة أمام جمهور لم يسمع عنها من قبل وقبوله لها بهذه السهولة أمر لا يمكن تفسيره فقط بالكاريزما الساحرة للإمام الخميني، بل لوجود (حال ما) يُستعصى على التفسير، بل إنه وبسبب غموض الرؤية وقصور التصور العام عن أفكار الإمام الخميني ساعدا كثيرًا في انعدام أو قلة الحساسية ضده من قبل تيارات عديدة. وهو ما فسر التكاتف العام قبل الثورة ثم الارتدادات من مختلف الطوائف والأحزاب والمشارب بعدها، وبعد إعلان الجمهورية والولاية المطلقة.

وختام المحاضرات في الجلسة الصباحية الأولى كانت مع مسؤول قسم الدراسات في معهد المعارف الحكمية الدكتور أحمد ماجد تحت عنوان: مفهوم الثورة دراسة مقارنة عن تشكل المفهوم وحدوده، فتطرق إلى مفهوم الثورة باعتباره من المفاهيم الإشكالية التي تحتاج إلى الكثير من العمل لتوضيحه، وهذا الأمر ناشئ من طبيعته والظروف المولدة له، فعلى الرغم من البساطة التي توحي بها التسمية إلا أنّ هذا الأمر سرعان ما يتبدد، لتحلّ مكانها متاهة؛ تتشابك فيها اللغة والعلوم، حيث كلّ منها تخطّ لنفسها تعريفًا خاصًا.

وأضاف، على المستوى الأول يتشابك هذا المفهوم مع مفاهيم أخرى، لكلّ منها دلالاتها، وعلى هذا المستوى نجد تمظهرات متعددة منها: الخروج، الفتنة، الانتفاضة، الحراك، العصيان، التمرد … وهذا يستدعي التوقف للنظر إلى مفهوم الثورة، لنرى هل هناك معيارية معينة على مستوى اللغة، تسوّغ مثل هذه التمظهرات؟ وإذا تركنا هذا الجانب اللفظي، وتتبعنا حركية اللفظ، هل سيقودنا مثل هذا الأمر إلى وضوح يفصح عن معنى محدد؟ وهل هو باستخدامه المعاصر، يحمل المقومات التي نشأ عليها؟ وما هي العناصر الثابتة فيه وإلى ما تؤشر؟ والإجابة عن هذا السؤال قد لا يعفينا عن آخر، يأتي لكي يوقظنا على ارتباط هذا اللفظ بالبيئات الإنسانية التي يشتغل فيها، هل هو يحمل نفس المعنى في المجتمعات الإنسانية كافة، أم أنّه يختلف باختلاف النظرة الكونية التي تشتغل عليه؟

وتابع، بعد كلّ هذا، قد يفكر الباحث بهجران عالم اللغة، وينتقل إلى المستوى الثاني، وييممُ وجهة باتجاه الاصطلاح علّه يستريح من ثقل السؤال، ولكنّه قد يجدّ نفسه مرة ثانية أمام دوامة جديدة، تحضر فيها العلوم، لتلقي بثقلها على الموضوع، فهل التعريفات واحدة في جميع العلوم؟ وهل نظرة العلوم الاجتماعية إلى هذا المفهوم تنطلق من نفس زاوية الفلسفة وعلم النفس وعلم السياسة؟ وهل هذه العلوم اعتمدت معيارية معينة في تقييمها لمصطلح الثورة؟ وهل توصلت في حركيتها إلى نتائج ثابتة ومستقرة، نستطيع أن نعتمدها كمرجعية، نبني عليها فهمنا للمعنى؟

ولفت إلى أن هذا البحث، سيعمل على تحليل مفهوم الثورة عبر معالجة النقاط التالية:

  • تشكل مصطلح الثورة.
  • المصطلح في الحقل المعرفيّ الغربي تعريفه وحدوده.
  • الثورة عند الإمام الخامنئي.
  • قراءة مقارنة.

ففي تشكل المصطلح: يُلاحظ المتابع للمعجمية اللغوية العربية أنّ فعل “ثار” مال باتجاه البعد الانفعالي، وهو يشير إلى حركة عشوائية ومضطربة.

فهو ركز على الجوانب التالية:

الهياج والغضب: الانتقال من حالة طبيعية إلى أخرى انفعالية.

المواثبة: التي تشير إلى القفز على الشيء.

الانتشار والتفرق: وهو ما يتجلى من خلال شعر الرأس.

إظهار من خفاء: كما الطحالب الغائرة التي يضربها الراعي لتظهر على وجه الماء.

عمارة الأرض من خلال الزراعة.

كما نلاحظ، المعاني جميعًا، تشير إلى حركة وانتقال من حالة إلى أخرى، ومعظمها يُظهر عدم الاستقرار أو الفوضى في المظهر، باستثناء ما أشار إليه المعنى المتعلق بالعمارة، الذي يحمل معنى إيجابيّ، يحمل في طياته بعدًا بنائيًا، يمكن أن يحمل عليه المعنى الحديث للكلمة المرتبط ببناء الحضارة عبر عمارة الأرض.

ويُستنتج من التحليل الأولي أنّ التراث العربي، لم يعط هذا المفهوم أبعادًا سياسية مباشرة، ويعود سبب ذلك إلى اعتباره انفعالًا وليس فعلًا واعيًا، يكون المقصد منه تغيير السلطة السياسية السائدة، وهو عندما ذهب باتجاه الحديث عن المعارضة السياسية أسماها “الفتنة” و”الخروج” وهذه التسميات ترتبط بوقائع وأحداث تاريخية.

وتابع الدكتور ماجد، في العصور الحديثة والمعاصرة، تم الخلط بين “الثورة” و”الانقلاب” “والتمرد” والبعد اللغوي، وفي هذا المجال نلاحظ أنّ اللغة العربية، لم تعرف مصطلح الثورة على مستوى التنظير المعاصر، ولم يلق رواجًا إلا في فترة مواجهة الاستعمار الأجنبيّ في البداية ثم قيام الدولة الوطنية، فكثير من أفعال المقاومة وُصِفت باعتبارها ثورات، كثورة البراق في فلسطين عام 1929، وثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق 1941 إلا أنّ هذا البعد عاد، وأخذ معنًى جديدًا بعد سلسلة من الانقلابات العسكرية التي وقعت في العالم العربي، فسُمي انقلاب 23 يوليو/ تموز 1952 بمصر ثورة ضد النظام الملكي، وانقلاب 14 تموز 1958 في العراق ثورة ضد النظام الملكي أيضًا، وهذا ما انعكس على مستوى التنظير، وهذا ما دفع مجمع اللغة العربية في القاهرة إلى إجازة اللفظ، وقام بتحديد آلية استخدامه، حيث يُقال: “ثار ضد الحكم”، بينما الصواب أن يقال “ثار على الحكم”[6]، وهذه الآلية، تُظهر أن المقصود هو الانقلاب وليس الثورة، فالانقلاب ليس ثورة إلا على سبيل المسامحة، بل يمكن القول إنّه تجميل لعملية السيطرة على الحكم من قبل فئة معينة من المجتمع لا سيما القطاع العسكري.

وفي اللغات الأوروبية: يستخدم لفظ “revolution” “révolution” للتعبير عن الثورة، وهي مشتقة من الكلمة اللاتينية Revolution التي استخدمت من أجل وصف الحركة في منحنى مغلق حول محور أو نقطة، حقيقية أو متخيلة، تتوافق نقطة رجوعها مع نقطة البداية.

وهذا الاستخدام المجازي للغة، تمّ تثبيته في اللغات الأوروبية، فأصبح كلّ تحوّل، يُطلق عليه اسم ثورة، من هنا ظهرت الثورة الثقافية، التي قام بها ماو تسي تونغ في عام 1966، والثورة الصناعية، وثورة الاتصالات، ثورة الأخلاق… وفي كلّ واحدة من هذه الثورات كانت تحضر فكرة الانتقال إلى بداية جديدة، تميل إلى إحداث ثورة عميقة ودائمة في المؤسسات الثورية، وهذا ما نلاحظه في الثورة الثقافية في الصين التي رفعت شعار تجنب تصلب الحزب الشيوعي الحاكم. والثورة الصناعية، التي أعلنت انتقال الاقتصاد من المرحلة الحرفية واليدوية إلى المرحلة الصناعية بفضل الآلات الكبيرة وتعدين الفحم في الفترة الممتدة من منتصف القرن الثامن عشر في إنجلترا وبداية القرن التاسع عشر في أوروبا القارية.

وهذا البعد التكوينيّ للمصطلح، وإن أشار إلى تحوّل ما في البنى، وانتقال من حال إلى حال، لكن هل يمكن أن تكون كلّ عملية تغيير “ثورة” أم أنّ هناك معيارية محددة، تجعلها مستحقة لهذه التسمية، على هذا الأساس، لا يمكن الوصول إلى نتيجة نهائية، قبل تحليل المصطلح من خلال حركيته في الحقل المعرفي، لننظر إلى كيفية التعاطي معه، وهذا يقتضي الانتقال إلى العنوان الثاني قبل الوصول إلى حكم يتعلق به.

وبالانتقال إلى المصطلح في الحقل المعرفيّ الغربي تعريفه وحدوده: رأى الدكتور ماجد أنه لا يمكن الوصول إلى نتيجة متعلقة بالمصطلحات والمفاهيم الغربية دون الرجوع إلى الأدبيات المتعلقة بها والحقل المعرفيّ، الذي نشأت فيه، لذلك من المفيد، وقبل المضي قدمًا بالموضوع الوقوف أمام التيارات النظرية التي تحدثت عن هذا المصطلح، حيث سيكون هذا العمل الأولي مفيدًا في التحليل المقارن الذي نسعى في هذه الورقة البحثية، وعلى هذا الصعيد، يمكن تلمس النظريات التالية:

النظرية الماركسية: الثورة عند كارل ماركس ليست عملًا فرديًا، إنّما تنطلق من روح الجماعة  مع تضافر جملة من الأسباب الاقتصادية والمادية، فهي تأتي دائمًا للتعبير عن التحوّلات التي تشهدها البنية التحتية، والتي من خلالها يتمّ العبور من حقبة تاريخية معينة إلى أخرى.

النظريات النفسية: على طرف نقيض من الماركسية، عمل علم النفس الجمعيّ على تعريف الثورة انطلاقًا من الدوافع الفردية؛ بدءًا من افتراض أن الثورات تنشأ في أذهان الشعب بعد فقدان الدولة القدرة على تأمين متطلباتهم، فيلجأ عند ذلك إلى البديل الأكثر انتشارًا، الذي يعتمد العنف والعدوانية للتعبير عن نفسه.

 نظريات الثورة كنزاع سياسي: رفض “تشارلز تللي” نظرية الحرمان النسبي في تفسير قيام الثورة، وأكد أنّ ما يُحدِّث الثورة ليس الحرمان ولكن استئثار جماعة من الناس بمواقع القوة والتصدي لها من قبل جماعة أُخرى تحاول الوصول إلى مواقع القوة ذاتها، علمًا بأن هذا الظرف البنائي هو الأصل في تشكيل الإحباط والحرمان.

الثورة كحمى اجتماعية: يعتبر “غرين برنتون” من أبرز الشخصيات التي عالجت موضوع “الثورة” وعمل على تفيكك محتواها، وإن كان يرى أنّ الثورة ليست بالضرورة تحوّل جذري عنيف في البنى السياسية الاجتماعية والثقافية… بالنظر إلى إمكانية انبثاق مثل هذا الأمر من صلب المنظومة الحاكمة نفسها كثورة “الميجي” في اليابان خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، غير أن المؤلف ركز دراسته في كتابه “نشرح الثورات” على المفهوم الضيق للثورات من خلال الاعتماد على أربع نماذج رئيسية الثورة الإنجليزية (1640)، الثورة الأمريكية (1775)، الثورة الفرنسية (1789)، الثورة الروسية (1917)، واعتمد فيه المنهج التاريخي المقارن.

النظرية البنيوية: إذا قام “غور” و”تيللي” بتحليل الثورات كأنواع محددة من الأحداث السياسية التي يمكن تفسيرها من خلال مفهوم العنف السياسي أو من خلال الصراع الجماعي، فإن النظرية البنيوية، صاغت نظرتها بما يتماشى مع “إميل دوركايم” و”ماكس فيبر” من خلال المفهوم الماكروسوسيولوجي لدمج التغيير الاجتماعي. كما أنّ مقولاتها حول الثورة ترجع جذورها إلى أفكار “توكفيل” التي رأت أنّ معالجة هذه الظاهرة، تقتضي المرور بثلاث نقاط أساسية:

– علاقة الدولة بالمجتمع؛ باعتبارها فاعلًا مستقلًا.

– إنّ نتائج الثورات هي المزيد من التمركز السياسي والاستقلالية.

– الثورات تبتدئ بشعارات الحرية وتنتهي إلى أنظمة أكثر دموية من سابقتها.

ثم تطرق الدكتور ماجد إلى الثورة عند الإمام الخامنئي: حيث يعتبر الإمام الخامنئي الثورة تحوّل أساسي قائم على سلسلة من القيم فضلًا عن كونها حركة تقدّمية؛ يطال الأركان السياسية والاقتصادية والثقافية للمجتمع[7]، وهي تنبع من ذاتية الأمة وخصوصيتها، فهي ليست أمرًا نظريًا، يتحدث عنه الناس في صالوناتهم الفكرية، إنّما هي عبارة عن واقع وحركة: “الثورة ليست أمرًا فكريًا ومثاليًا، وإنّما هي أمر واقع وحركة عامّة، ومنهج يسير عليه هذا الشعب؛ من أجل الوصول إلى الفلاح والسعادة الحقيقية، والتخلّص من المآسي التي تشترك فيها جميع البلدان الواقعة اليوم تحت نير الظلم والجور…. والثورة تريد لهذا البلد ولهذا الشعب العزّة والمجد، والرفاهية والرفعة والتكامل المادي والمعنوي، كما أن هذه الثورة تستهدف إزالة التسلّط الأجنبي، وقطع دابر الذّل والخنوع الذي فرضه على هذا البلد وعلى هذا الشعب، ومحو آثار المآسي التي خلّفها الوجود الأجنبي المعادي”[8].

وهكذا تكون الثورة حركة إنسانية هادفة، تسعى إلى بناء الإنسان على قواعد قيمية، تنطلق من خصوصيات الذات وتعاليمها، يقول الإمام: “في ظل النظام السياسيّ الذي أرسى الإمام الراحل [الخميني قدس سره] ركائزه في هذا البلد لا داعي لأن يقلّد الشعب الإيراني الآخرين في أسلوب حياته أو أن يأخذ عنهم؛ فلدى الشعب ثقافة غنية وعميقة، هي الإسلام، والمفاهيم القرآنية، والأحكام الإلهية، ولديه ثقافته وتقاليده الوطنية العريقة، وبوسعه أن يبني لذاته صرح حياة طيبة هانئة وسعيدة مكللة بالعزة والكرامة”[9].

وأضاف “الثورة” بالنسبة للإمام الخامنئي، تنطلق من مجموعة من المبادئ الكبرى، التي تحكم حركتها، وتسير بها نحو غاياتها النهائية، بعضها يتعلق في كيفية بناء الإنسان الثوري، وتقوم على الأسس التالية:

1- بعد التدين والمعنوية: فالثورة الإسلامية التي خطت لنفسها منهجًا جديدًا أعادت فعالية الدين في الواقع الاجتماعيّ، وجعلته قاعدة الحركة من أجل قيام مجتمع العدل على أسس إلهية، لذلك عملت على تفعيل قيمه بين الناس، عبر توسيع رقعة المعتقدات والمبتنيات الدينية لديهم.

2- حضور الشعب في الساحات: فالثورة الإسلامية انطلقت من: “الإيمان الراسخ والصادق بدور الأمة، إذ كانت للهوية الإنسانية في منهج الإمام السياسي قيمتها وكرامتها وقدرتها على التأثير والإبداع، ونتيجة لذلك كان يرى ضرورة أن تلعب آراء الناس دورًا أساسيًا في تقرير مصير المجتمع. وعليه، فإن الديمقراطية في منهج الإمام ـ المنبثق من صُلب الإسلام ـ هي الديمقراطية، وليست مجرد شعار خلّاب خادع كما هو حال الديمقراطية الأمريكية وما شاكلها، فالشعب هو الذي يختار طريقه بإرادته وإيمانه ورأيه”[10].

3- الرؤية العالمية والشمولية: وهذه الخاصية، تنطلق من خاصية الإسلام العالمية ومنهجه: “السياسي في الإسلام بنشر فكره الصحيح وكلامه الجديد في أذهان الناس، ويترك عطره فوّاحًا في الأجواء ليتنشّقه حاسة شمٍّ سليمة”[11]، فالإمام الخميني: “لم يقتصر نداؤه إلى الشعب الإيراني فقط، وإنما تعدّاه إلى جميع الأمم؛ لأن هذا المنهج كان يريد الخير والاستقلال والعزة والإيمان لجميع الأمة الإسلامية، بل وكافة البشرية، وهذه هي الرسالة الملقاة على عاتق المسلم”[12]، وهذا الأمر، يجعل مفهوم الثورة يتعدى كونه مصطلحًا، ينشغل بقضية التحوّل السياسيّ، ليصبح دالًّا على حالة تحررية شاملة للإنسان ببعديه الفردي والاجتماعيّ، تقوم على أسس قيمية تنطلق من البعد الرساليّ للإسلام، الذي يصلح لكلّ زمان ومكان، لأنّها تتناسب مع فطرته.

4- صيانة القيم: تجلّى هذا البعد من خلال تبنّي الإمام مسألة ولاية الفقيه: “وقد حاول الكثير منذ بداية الثورة الإسلامية وانتصارها تعريف ولاية الفقيه بشكل خاطئ وسّيء ومخالف للواقع[…] بوصفها الحكومة الفردية المطلقة، وهذا كذب؛ إذ إنّ ولاية الفقيه ـ وفقًا لقانونها الأساسي، لا تنفي مسؤوليات الأركان المسؤولة في الدولة. فليس لولاية الفقيه سوى دور هندسة النظام، وحفظ مسيرته من الانحراف، وعليه فإنّ ولاية الفقيه ليست مجرد منصب شكليّ، وقد يكون ناصحًا أحيانًا دون أن يكون ملزمًا، كما أراد بعض إشاعته في مطلع الثورة. كما أنه لا يضطلع بدور تنفيذي في أركان الدولة، فالقوى التقنينية والتنفيذية والقضائية تمارس دورها بشكل مستقل، وتكون مسؤولة عن ممارساتها، ولولاية الفقيه دور الإشراف على هذه المجموعة المعقّدة؛ بغية صيانتها من الانحراف عن الأهداف والقيم”[13].

وإذا نظرنا إلى الثورة نراها تحمل في طياتها الخصائص التالية:

أ- الهدفية السياسية: أي الإدارة الحازمة لتحكيم دين الله، وسحب القدرة من يد الشياطين الظلمة الفاسدين وإقامة الحاكمية والقدرة السياسية للمجتمع على أساس من القيم الإسلامية.

ب- استمداد القوى الإنسانية: تعتمد الثورة لتحقيق أهدافها على الجماهير المؤمنة الواعية والمتحرقة والمضحية لا من الأحزاب والتجمعات والتكتلات السياسية فكان القائد الحكيم يبحث عن عوامل النصر بعد التوكل على الله بين القوة الشعبية العارمة ويعمل خلال جهاده طوال خمسة عشرة عامًا على تكوين جند الرحمن من عباد الله وزجهم في زحمة الصراع في سبيل الله.

ج: وضوح الخطوط العامة الأصيلة للمجتمع المطلوب أمام الجميع: وتعني استقرار الشريعة الإسلامية المتضمنة للعدل الاجتماعيّ والاستقلال السياسيّ والغنى الاقتصادي والتكامل العلميّ والأخلاق، وطرح شعار: لا شرقية ولا غربية جمهورية إسلامية. ويعني التبديل الواقعي والشامل لأسس الحياة الجاهلية إلى أسس إسلامية قويمة.

د- القيادة الحكيمة المتفقهة: القائد الحكيم والفقيه وهو العبد الصالح والنموذج الإسلاميّ كان في طليعة هذه الحركة إيمانًا وعلمًا، وقد حوّل الإيمان روحه إلى روح كبرى استطاعت أن تترع القلوب الفارغة من الإيمان والأوعية الخالية وتملأها من فيضان إيمانها في الساحة العملية واختراق شعاع إيمانها الجُدر السميكة الرفيعة لحالة اليأس واللاإيمان فعلت الآفاق والمحبة بالحيوية.

هـ: صدق القيادة وثباتها: صدق القائد وصفائه ووعيه وقفت أمام اعوجاج ومساومة وتعامل مع العدو وبالتالي لا يوجد مقتضى للانحراف عن الهدف وبذلك اتجه صراط الثورة المستقيم نحو أهدافه بكل ثقة واستقامة ودونما أيّ اعوجاج[14].

وفي  مقارنة بين الثورة في التنظيرين الإسلاميّ والغربيّ، يقول الدكتور ماجد بهذا الصدد: نلاحظ من خلال التعريفات السابقة عدم وجود تعريف واضح للثورة في التنظير الغربي، وهذا ليس غريبًا عليها، حيث اعتمد هذا التنظير على التعاريف المفتوحة، التي تحتمل القراءات المتعددة ضمن أطر المرجعية الحضارية الواحدة، وعلى الرغم من ذلك سنسعى من خلال هذا العنوان أن نقدم مقارنة بين الفهمين، معتمدين في ذلك على العناصر العامة المشتركة التي تؤسس لفهم أفضل للموضوع:

1- تعتمد جميع التعريفات للثورة في المنظومة الغربية على أسس تجريبية، فهي لا ترى الثورة إلا باعتبارها حراك إنسانيّ، حصل في فترة زمنية معينة، وحمل معه تحوّلات كبيرة في البنى كافة، وهو يتعدى كونه مصطلحًا وظيفيًّا في السياسة، ليصبح وسيلة عامة؛ يتمّ استخدامها بشكل منفتح لوصف كلّ عملية تؤدي إلى بداية جديدة، تقطع مع الماضي، وهذا ما عبّر عنه “أرسلانيان” بقوله: “غالبًا ما يتم استخدام هذا المفهوم بشكل ليبرالي، ويتمّ تطبيقه على كلّ شيء”[15] بدءًا من ثورة وسائل التواصل الاجتماعي إلى الثورة الثقافية… حتى أصبحت شعارًا جديدًا، يُستخدم بشكل دلالي متعدد الوجوه بحسب الموضوعات، فكلّ عملية تحوّل على مستوى البنى المادية تعتبر ثورة. ويعود سبب ذلك إلى طبيعة الواقع الذي نما فيه هذا المصطلح والذي حمل معه تغييرًا في الرؤية الكونية من البعد الدينيّ إلى الماديّ، وهذا ينطبق على الموضوع العلمي كما يمكن رؤيته على المستوى السياسيّ.

والنظرة الغربية للحركة، تنظر إليها باعتبارها ذات طابع خطيّ ميكانيكي، وهذا ما يجعل الإنسان خاضعًا للوقائع المادية، وهذا ما لا يتوافق مع النظرة الإسلامية، التي ترى الإنسان هو محرّك التاريخ، وهذه الحركة تنبع من ما هو موجود فيه من وحدة الفطرة التي تجعل الإنسان ساعيًا لتحقيق كمالاته.

2- إذا ذهبنا باتجاه التدقيق في المحتوى السوسيو – سياسي للمصطلح، بعد دمج التعريفات السابقة، نجد أنّنا نجد الخطيطة التالية، التي توصل إليها  “كوهان” (1975)، والتي اعتبرت أنّ الثورة يجب أن تشمل العناصر التالية:

  • تغيير القيم أو أسطورة نظام معين.
  • تغيير في البنية الاجتماعية.
  • تغيير في المؤسسات السياسية.
  • شرعية أو عدم شرعية التغيير.
  • تعديل النخبة.
  • استخدام العنف.

وهذه العناصر تترابط فيما بينها لتحقيق الهدف من الثورة، وهذا يعني أنّ التغيير الهيكلي سمة أساسية لها، لأنّه لا يمكن الانتقال من حقبة تاريخية إلى أخرى دون إجراء هذا الأمر، فهي بداية جديدة، تستلزم التغيير المؤسسي من إلغاء مؤسسة أو إلغاء بعض وظائف المؤسسة أو إنشاء مؤسسات جديدة أو وظائف جديدة لمؤسسة ما[16].  وهذا يحتاج بحسب تعبير “هنتنغتون” ليس إعادة تصميم المؤسسات فحسب، بل أيضًا الأسس والقيم التي تقوم عليها.

3-  ما قدم، يمكن اعتباره جزءًا من المعرفة المتاحة عن الثورة، ولا يمكن حصر العناصر المسببة بالثورة بستة، كما أنّ اعتبار الثورة حدثًا واحدًا يحتاج إلى مراجعة، فالثورة حتى من المنظور الغربيّ، لا يمكن تصويرها بهذا الشكل الصارم، فهي قد تتضمن سلسلة من المراحل والتقنيات التي قد تتطور لتصبح ثورة بدءًا من الإضرابات العامة إلى الانقلابات، إلى الحروب الثورية، وحتى الأحداث السلمية مثل الأمور المطلبية، وما يسمى بالثورة البرجوازية / الديمقراطية كما يصفها “ليون تروتسكي”، والمفاوضات، ومع ذلك لا يمكن حجب اسم الثورة، فهي ترتبط بأهدافها.

4- تمّ التركيز في دراسة الثورات على نمط واحد منها وهي التجارب التي جرت في المجتمعات الأوروبية أو المتأثرة بها، فهي جميعها جرت في بيئة ثقافية واحدة، وهذا يجعل إمكانية تعميم النتائج التي تتوصل إليها عملية في غاية الصعوبة، كما أنّ هناك أيضًا مشكلة تتعلق بالعينات التي تؤخذ كأمثلة دالة، فمعظم الدراسات ذهبت باتجاه الثورات التي حققت نجاحات، ولكنّها تناست عددًا لا يحصى من الثورات غير المكتملة أو الثورات الفاشلة التي، وفقًا لـ “غرين”[17]، إذا تمت دراستها، يمكن أن تسهم ليس فقط في دراسة الثورة كعملية، ولكن أيضًا في حقيقة أنه يجب فهم الثورة على طول الطريق باعتبارها خطوط سلسلة متصلة من أنماط السلوك الجماعي.

5 – قصور النظريات المتعلقة بالثورة عن تقديم وجهات متكاملة حولها، حيث لا يمكننا أن نعثر على نظرية متكاملة، تستطيع أن تقدم معالجة موضوعية تتعلق بها، ما قدمه الباحثون استغرق في تقديم مقاربات نظرية على حساب الموضوع المعالج، بالتالي قاموا بإخضاع التجارب المدروسة للمنهج، فمثلًا قامت “تيدا سكوكبول” بكتابة مقالة تحت عنوان “دولة الدخل والإسلام الشيعي في الثورة الإسلامية”، وضمن استعراضها لأسباب الثورة، انشغلت في تعميم نموذجها البنيوي على الثورة الإسلامية، كما كتبت الكاتبة: “إذا كانت هناك حالة واحدة فقط في التاريخ حدثت فيها ثورة بحركة جماهيرية اجتماعية غاضبة متعمدّة تدمير النظام الحاكم القديم، فإنّ هذه الحالة تجسّدت في الثورة الإيرانية ضد الشاه”. ومع ذلك، تصور الكاتبة أنّها بقيت أمينة لتحليلها الرئيسي في الإطار الذي وضعته دون أن تحيد عنه، تقول: “الثورة الإيرانية يجب أن تُفهم من الرؤية المنظورة الواسعة المنفتحة على التاريخ، الرؤية التي تمتد خلال العلاقات المتبادلة بين الحكومة والمجتمع والدبلوماسية المنظمة في إيران، وحيث تضعها في مسارها السياسي والاقتصادي الشامل”. ورغم ذلك فإنّها لم تستطع تجاهل أهمية المعتقدات والمنظومات الثقافية في خلق الفعل الثوري”.

وأوصى الدكتور أحمد ماجد في ختام محاضرته بضرورة إعادة درس الثورات على ضوء المعنى الجديد الذي أعطته الثورة الإسلامية، والذي يحمل في طياته عناصر لم تكن متوافرة في الدراسات السابقة، فما قُدم من فهم للثورة من شمولية وإعادة اعتبار للبعد الوحياني، يصلح لأن يكون قاعدة تحليلية جديدة، يساهم في بعث رؤية تجديدية للمفاهيم في العلوم الإنسانية.

[1] الكافي  2/352 باب (من آذى المسلمين واحتقرهم)، الحديث 7.

[2] سورة العنكبوت، الآية 69.

[3] الأربعون حديثًا، 1/32.

[4] الميزان، 6/ 190.

[5] ينظر: الإمام الخميني في ذاكرة النجف الأشرف، الصفحة 64.

[6] – الطيب مولود زايد، علم الاجتماع السياسي، طرابلس الغرب، دار الكتب الوطنية، 2007.

[7] – الثورة والنظام الإسلاميّ في كلمات الإمام السيد علي الخامنئي دام ظله، ترجمة وإعداد دار الولاية 1422 هـ. ق، الصفحة 81.

[8] الثورة الإسلامية ورسالتها المناسبة: الذكرى السنوية السادسة لرحيل الإمام الخميني قُدس سره الشريف.

[9]–  الذكرى السنوية الثامنة لرحيل الإمام الخميني قدس سره، المكان والزمان: 28 محرم 1418هـ. ق/طهران.

[10] – المصدر نفسه.

[11] – الذكرى السنوية الثامنة لرحيل الإمام الخميني قدس سره، المكان والزمان: 28 محرم 1418ه. ق/طهران.

[12] – الذكرى السنوية الثامنة لرحيل الإمام الخميني قدس سره، المكان والزمان: 28 محرم 1418ه.ق/طهران.

[13] – المصدر نفسه.

[14] – الثورة والنظام الإسلاميّ في كلمات الإمام السيد علي الخامنئي دام ظله، مصدر سابق، الصفحتان 215 – 216.

[15] – V.A. Arslanian. Beyond revolution: Ending lawlessness impunity during revolutionary periods، Boston College International and Comparative Law Review، 2013. P117.

[16] – E.S. Pettee. The process of revolution، Harper، New York. 1938.p22.

[17] – T.H. Greene، Comparative revolutionary movements: search for theory and justice، 3rd ed. Prentice Hall، Englewood Cliffs، N.J. 1990، p14.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
أطروحة الثورة الإسلاميةمؤتمر التجديد والإجتهاد

المقالات المرتبطة

دور الإعلام المقاوم

اتهم الإعلام المقاوم بأنّه إعلام مذهبيّ، دينيّ، هل هذا صحيح؟ هل يمكن إخفاء هذا الانتماء العقائدي؟

تقرير الجلسة الثانية من أعمال المؤتمر الخامس للتجديد والاجتهاد الفكري

 الجلسة الصباحية الثانية فحملت عنوان: نطاق أطروحة الثورة وتجلياتها، ترأستها الإعلامية بثينة عليق. وعن “العلاقة بين أطروحة الثورية وقيام

تأثير الثورة الإسلامية في إنتاج إعلام مقاوم

عقدَ معهد المعارف الحكمية للدّراسات الدّينية والفلسفية يوم الخميس الواقع فيه 26.5.2022 ندوةً تمهيدية لمؤتمر التجديد والاجتهاد الفكري الخامس، تحدّث فيها وكيل الأمين العام لاتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية الشيخ ناصر أخضر

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<