تحليل الحرام بالمنطق السلطاني ما بين اللهو السلطاني واللغو الفقهي

تحليل الحرام بالمنطق السلطاني ما بين اللهو السلطاني واللغو الفقهي

مقدمة

لا نستطيع اتهام كل الخلفاء والسلاطين باللهو والعبث، ولكن يُوجد من اشتهر بحب الغناء وشرب الخمر، أو التسري بالجواري أو حتى بالغلمان، وحدث هذا كثيرًا، وحاول الكثيرون من رجال الدين والفكر الأصولي الدفاع عن هؤلاء الحكّام العابثين، دون جدوى، لأن التاريخ المكتوب عنهم جزم ما حدث من تلاعب فقهي، وهو ما نود الحديث عنه، ليس من أجل التشهير التاريخي، ولكن لتتعلم الأجيال الناشئة تاريخها الأصيل، وعدم عصمة أحد من الحكّام الحاليين أو من يأتي منهم في المستقبل.

وعندما نكتب عن التلاعب الفقهي عند الخلفاء والسلاطين القدامى، لا نقصد مجرد شكل رجال الدين، أولئك الذين عصموا الصحابة، ثم عصموا التابعين، وشملت عصمتهم كل ملوك الأمويين والعباسيين والعثمانيين، وسلاطين المماليك وغير المماليك.

والأدهى أن أكثر التراث الفقهي جاء من خلال سير هؤلاء المعصومين المزيفين، ثم قدّسوا كتب التاريخ، أو حسب ما قاله الشيخ الراحل “محمد الغزالي”: “إن الأمة تركت القرآن وأخذت بالسنة، ثم تركت السنة وأخذت بأقوال شرّاح السنة، ثم من شرّاح شرّاح السنة، ثم أخذت من أمراء لا يعرفون فرضًا من نافلة، أو فرعًا من أصل، فضلّوا وأضلّوا”، وهو قول صادق، وشرح صحيح، وعلينا الأخذ من الأصل القرآني النبوي الرسالي، فنكشف زيف من تلاعب بالفقه وهو على قمة السلطة، ومن ثمّ كتب عن حادثة فقهية تلاعب فيها خليفة ووزير وقاضي، كلّ حسب رؤيته.

تزييف التاريخ لخدمة الخلفاء

نال الخليفة “هارون الرشيد” الخلافة بمساعدة أمه “الخيزران” بعد استبعاد أبناء أخيه موسى الهادي من ولاية العهد، وفي عهده بلغت الدولة العباسية أوجّها، فقد كانت بغداد (كما يُقال) تملك نصف ثروات الأرض وتشارك العالم في النصف الثاني”، وتوسعت بغداد، وصارت مقصدًا للعلماء والفقراء والشعراء، وكل من يسعى في البحث عن مصدر رزق.

وكان يجب أن يحكمها الإسلام الصافي، ولكنها انطلقت بمنطق القرون الوسطى، فلا وجود لمن يسمونهم “أهل الحل والعقد”، ولا وجود لعدالة اجتماعية أو قضائية، وكل هذا مفهوم، ولكن لأن عصر الرشيد بداية الزهو العباسي، لم يستطع الفقهاء التمييز أن الحكم شيء والدين شيء آخر، فلم يقنعوا أنفسهم بأن الخليفة كان يلهو بالفقه.

لقد قالوا عن هارون الرشيد إنه كان يحج عامًا ويغزو عامًا، وهو قول باطل، لأن الرشيد حكم 23 عامًا (786 – 809)، أي أنه غزا 11 غزوة، وهذا لم يحدث، حيث لم يذكروا له إلا غزوتين، الأولى ضد الروم، والثانية ضد “رافع بن الليث” وهو خارج على خلافته في “خراسان”، وذهب الرشيد ليحاربه، ولكنه توفي في “طوس” ولم يعد.

وهو تزوير تاريخي حقيقي، ولكن رجال الدين اعتمدوا على إيمان عوام المسلمين، وتقديسهم للخليفة، لمجرد أن اسمه خليفة، تمامًا مثلما نسبوا للرشيد حديثه للسحابة العابرة “أمطري حيث شئت فسيأتينني خراجك”، وهي مقولة مزورة، وإن صحّت بالفعل لا يستفيد منها المسلمون، لأن الخراج المالي سيأتي الرشيد، ولن ينال الشعب من ذاك الخراج وغيره شيئًا، فقد أُنفق المال على المغنيين والخلعاء والماجنين.

اللهو بالفقه واللغو بالحرام

جاءت حكايتنا في تاريخ الأمم والملوك لابن جرير الطبري، وربما أخذ منه مؤلف قصص “ألف ليلة وليلة” بمبالغات الروايات، في حكاية شهرزاد لشهريار الملك في الليلتين 336 و337 من ليالي ألف ليلة وليلة.

نتوقف عند رواية الطبري، حول ما حدث بين الرشيد وجعفر البرمكي والقاضي أبي يوسف، ورغم أن الطبري أورد الحكاية دليلًا عن حكمة العلماء والشيوخ وفطنتهم، إلا أننا لا نجد فيها إلا تلاعبًا فقهيًّا مقيتًا، ورغبة شهوانية عند الخليفة.

رغم أنه كما يقول الطبري وابن عساكر: “كان في دار الرشيد من الجواري والحظايا وخدمهن وخدم زوجته وأخواته أربعة آلاف جارية، وأنهن حضرن يومًا بين يديه فغنته المطربات منهن فطرب جدًّا، وأمر بمال فنثر عليهن‏. 

وكان مبلغ ما حصل لكل واحدة منهن ثلاثة آلاف درهم في ذلك اليوم”، ورغم وجود آلاف الجواري الحسناوات، لكن شهوته للمزيد ظل كما هو.

 

 رجال دين يحللون الحرام بقداسة

روى الطبري في تاريخه، أن الوزير جعفر البرمكي نادم هارون الرشيد “أي شربا الخمر معًا” ذات ليلة.

فقال الرشيد: يا جعفر بلغني أنك اشتريت جارية، ولي مدة أطلبها فإنها على غاية الجمال وقلبي يحبها في اشتعال، فبعها أو هبها لي.

فقال جعفر: لا أبيعها يا أمير المؤمنين ولا أهبها.

فقال الرشيد: زوجتي زبيدة طالق ثلاثًا إن لم تبعها أو تهبها لي.

قال جعفر: زوجتي طالق ثلاثًا إن بعتها لك.

ثم أفاقا من نشوتهما الخمرية، وعلما أنهما وقعا في أمر عظيم، وعجزا عن تدبير الحيلة، فقال هارون الرشيد: هذه وقعة ليس لها غير أبي يوسف، “وأبو يوسف هو العالم الفقيه تلميذ الإمام أبي حنيفة النعمان ومدوّن فقهه”.

فطلبوه وكان ذلك نصف الليل، فلما جاءه الرسول، قام فزعًا وقال في نفسه: ما طلبت في هذا الوقت إلا لأمر حدث في الإسلام، ثم خرج مسرعًا وركب بغلته.

فلما دخل قال له هارون الرشيد: ما طلبناك في هذا الوقت، إلا لأمر مهم هو كذا وكذا، وقد عجزنا في تدبير الحيلة.

فقال أبو يوسف: يا أمير المؤمنين إن هذا الأمر أسهل ما يكون ثم قال: يا جعفر بع لأمير المؤمنين نصفها وهب له نصفها وتبرآن يمينكما بذلك، فسر أمير المؤمنين بذلك وفعلا ما أمرهما به.

ثم قال هارون الرشيد: أحضروا الجارية في هذا الوقت، فإني شديد الشوق إليها فأحضروها.

وقال للقاضي أبي يوسف أريد وطأها في هذا الوقت، فإني لا أطيق الصبر عنها إلى مضي مدة الاستبراء وما الحيلة في ذلك؟

فقال أبو يوسف: ائتوني بمملوك من مماليك أمير المؤمنين، الذي لم يجر عليه العتق، فأحضروا المملوك فقال أبو يوسف: أتأذن لي أن أزوجها منه، ثم يطلقها قبل الدخول فيحل وطؤها في هذا الوقت من غير استبراء؟

فأعجب هارون الرشيد ذلك أكثر من الأول. فلما حضر المملوك، قال الخليفة للقاضي: أذنت لك في العقد فأوجب القاضي النكاح ثم قبله المملوك.

وبعد ذلك قال له القاضي: طلقها ولك مائة دينار فقال المملوك: لا أفعل ولم يزل يزيده وهو يمتنع إلى أن عرض عليه ألف دينار ثم قال للقاضي: هل الطلاق بيدي أم بيد أمير المؤمنين؟ قال: بيدك قال: والله لا أفعل أبدًا فاشتد غضب أمير المؤمنين وقال ما الحيلة يا أبا يوسف؟

قال القاضي أبو يوسف: يا أمير المؤمنين لا تجزع، فإن الأمر هين، ملّك هذا المملوك للجارية قال: ملكته لها، قال القاضي: قولي قبلت، فقالت: قبلت، فقال القاضي حكمت بينهما بالتفريق، لأنه دخل في ملكها فانفسخ النكاح.

فقام أمير المؤمنين على قدميه، وقال: مثلك من يكون قاضيًا في زماني، واستدعى بأطباق الذهب فأفرغت بين يديه، وقال للقاضي: هل معك شيء تضعه فيه؟ قال نعم ووضع الذهب في مخلاة بغلته، وانصرف إلى بيته.

فلما أصبح الصباح، قال لأصحابه: لا طريق إلى الدين والدنيا أسهل وأقرب من طريق العلم، فإني أعطيت هذا المال العظيم في مسألتين أو ثلاث…”.

نجد في تلك الحكاية فقهًا سياسيًّا ترفيهيًّا، يدلّ على مدى فراغ الخليفة للهو والعبث والبحث عن إشباع شهوته، ومدى ثراء الدولة في عصر هارون الرشيد، فقد كانت الدولة عالمية عظمى بمقاييس الملوك والسلاطين والطغاة، ولكنها لا تمت إلى الدين بصلة، إلا بقدر إضفاء شرعية القداسة ومنصب ظل الله في الأرض.

ولنا في تلك الحكاية عبرة ورؤية، فقد شرب الوزير جعفر الخمر مع الخليفة هارون، وطلّق كلّ منهما زوجته أثناء السُكر، من أجل جارية جميلة.

أراد الخليفة أن يشتريها ويطأها في الحال بشبق شهواني دون قضاء مدة العدة، هكذا دون حياء، أما رجل الدين الشيخ أبو يوسف، فلم يستنكر منهما شرب الخمر، ولا يمين الطلاق في حال السُكر.

لم يستنكر القاضي شربهم للخمر وخلافهم الترفيهي الدنيوي من أجل إمراة، نراها حرة أو كانت حرة في بلادها قبل أن يسبيها أحد فصارت جارية يجري عليها ما يجري على الإماء، ويروها جميعًا جارية مستباحة الجسد، لا يحميها خليفة أو وزير أو قاضي أو رجل دين، ويزوجوها ثم يطلقوها بلعبة فقهية من مملوك، نراه هو الآخر حرًّا، ويروه عبدًا، لا حرمة لفكره أو روحه أو ضميره، لا يحترمه خليفة أو وزير أو قاضي.

 

أسهل طريق للمال يكون عن طريق العلم !!!

والقاضي أبو يوسف، المفترض أنه عالم جليل، ولكنه أعطى أو باع مسألتين فقهيتين أو ثلاث بما ملأ المخلة بأطباق الذهب، وقال مفتخرًا لأصحابه في الصباح: إن أسهل الطريق للمال يكون عن طريق العلم. نعم هو أسهل طريق.

ولكنه أخس وسيلة، خاصة أن أستاذ أبي يوسف ومعلمه هو أبو حنيفة النعمان، الذي مات بعد الجلد بالسياط داخل سجن الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، لأنه رفض منصب قاضي القضاة، بما فيه من نعيم وأبهة وقداسة، لأنه يعلم تمامًا أن العلم خير من المال، لأن الإنسان يحرس المال، أما العلم فهو الذي يحرس الإنسان، كما قال الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وقال أيضًا عن أمثال هؤلاء الشيوخ أنهم “يتعلمون لغير العمل ويتفقهون لغير الله ويعملون للدنيا بآمال أهل الآخرة”، وهو قول نبوي علوي لم يفهمه السلاطين ولا كثير من رجال الدين.

نهاية المنادمة

ومن غرائب منطق السلطة أن الخليفة هارون الرشيد انقلب بعدها بسنوات على كل جماعة البرامكة، وقتل جعفر البرمكي عام 187 هـ، وعلّق رأسه وجسده على جسور بغداد ثلاثة أعوام، كما قتل كل أسرة البرامكة، وصادر أموالهم وديارهم، فيما عُرف في التاريخ بنكبة البرامكة الدامية… رغم أن من أسباب وصول هارون الرشيد للحكم هم البرامكة، لأن يحيى البرمكي والد جعفر هو الذي كان يشجع الرشيد على عدم التنازل عن ولاية العهد رغمًا عن الخليفة الهادي، ولذلك تكرر تحذير الهادي له أكثر من مرة.

إلا أن يحيى البرمكي ظل معاونًا للرشيد يشجعه على عدم التنازل عن ولاية العهد، بعد أن رأى أن الرشيد لا يريد أن يدخل في صراع على السلطة والخلافة مع أخيه.

وانتهى الأمر بأن أصدر الهادي أمرًا باعتقال يحيى البرمكي، فظل في السجن حتى وفاة الهادي وأخرجته الخيزران ليكون الوزير المقرب من الرشيد، ثم تولى ابنه جعفر الوزارة في حياة أبيه، ظل ملازمًا له ونادمه كثيرًا، حتى انقلب السحر على الساحر وضاع المسحور، إلا في صفحات كتب التاريخ، لضرب الأمثلة للناس…

ولله المثل الأعلى


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
الخلفاءالسلاطيناللغو الفقهي

المقالات المرتبطة

نماذج من الدور القيادي للإمام الخامنئي في إدارة الأزمات

لا تخفى الصعوبات الجسيمة والمخاطر المـُحدِقة التي واجهت مخاض ولادة الثورة الإسلامية في إيران (1979م)، ولعلّ وصفها من قبل الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر بـ “حلم الأنبياء”

شجرة مباركة

عندما تنظر إلى عائلة من عوائل بلادنا تنتشر في حقل زيتون لتجني ثماره من صغيرها الملفوف بالسرير إلى كبيرها المحفوف

تسبيحة السيدة الزهراء عليها السلام في روايات الأئمة (ع).

“إنّا لنأمر صبياننا بتسبيح فاطمة (ع) كما نأمرهم بالصلاة فالزمْه فإنّه ما لزمه عبدٌ فشقي”

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<