الفلسفة السياسية لولاية الفقيه -2 –

الفلسفة السياسية لولاية الفقيه -2 –

الفصل الأول

الاجتهادات القائلة بولاية الفقيه الخاصة

يعتبر أصحاب هذه النظرية أن نطاق هذه الولاية للفقيه يقتصر على الأمور الحسبية. وهي التي تعني حسب الفقه الشيعي الأمور التي لا يرضى الله بإهمالها والتي يجب القيام بها في كافة الأحوال مثل الوصاية على من لا وصي له، التعهد بشؤون الأيتام وأموال الأوقاف وبعض الأمور الجزئية الأخرى مثل التصرّف في الأمور الشخصية لفاقدي الأهلية أو المتعدّين، مثل تطليق الفقيه زوجة رجل لهجران أو إيلاء، أو بيع مال المفلّس أو ما يعبّر عنه بـ (ولاية التصرُّف في الأموال والأنفس)[1]، ورفضوا باقي مراحل الولاية باعتبارها من مختصات المعصوم، استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾[2]. فضلًا عما هو مشهور ومعروف من وظائف الفقهاء من: القضاء والإفتاء، وتولية الأوقاف، وقبض الحقوق الشرعية والتصرف فيها، وإجبار الممتنع، وتنفيذ وصية من لا وصي له. وأبرز من ذهب إلى ذلك:

  • الشهيد الأول العاملي[3].
  • الشيخ مرتضى الأنصاري[4]. (عدا إخراجه إجراء الحدود والتعزيرات من دائرة صلاحيات الفقيه).
  • الشيخ محمد حسن الجواهري[5].
  • السيد الخوئي[6].

أما من ذهب إلى القول بولاية الفقيه العامة ولكن بشكل مشروط، واستنادًا إلى توسعة مهام الحسبة والولايات النوعية، فهم:

  • السيد السيستاني؛ بشرط حصول المقبولية العامة من المؤمنين.
  • السيد الشهيد محمد باقر الصدر؛ على مبنى أن الفقهاء مكلفون بملء منطقة الفراغ التشريعي، وأنهم منصوبون من قبل الإمام نصبًا عامًّا، هذا على الرغم أنه (رض) أضاف أن هناك أدلة أخرى خاصة لديه على ولاية الفقيه العامة غير ما اكتفى به السيد الإمام الخميني (قده)[7].

تفصيل المباني الفقهية

يقول السيد أبو القاسم الخوئي في هذا الصدد: “إنّ الولاية المطلقة للفقهاء في عصر الغيبة إنما يستدل من عموم التنزيل وإطلاقه، حيث لا كلام من أحد في أن الشارع قد جعل للفقيه الجامع للشرائط قاضيًا وحاكمًا، وإنما ثبّتوا للفقيه ولاية التصدي .. لنصب القيم والولي على القصّر، والمتولّي على الأوقاف التي لا متولّي لها، والحكم بالهلال وغيرها”؛ أي إنه يعتبر أنّ الولي ليس له صلاحيات سياسية، إنما يتجلّى دوره بإصدار الفتاوي الشرعية التي تؤثر على الحياة الفردية والاجتماعية للشعب[8]. ويقول السيد الخوئي: “إن ما استدل به على الولاية المطلقة في عصر الغيبة غير قابل للاعتماد عليه”[9].

ويقول (قده): “ولكني لا أثبت إلّا بعض الصلاحيات الحكومية للفقيه. و[الأمر] الآخر هو أن الإمام الخميني يعتقد بأن الواجبات المالية في الإسلام [ليست] مقررة للفقراء فقط، وإنما هي تشكل ميزانية الدولة الإسلامية، وأنا أعتقد أن الواجبات المالية في الإسلام موضوعة للفقراء والمساكين”[10]. وفي موضع آخر: “إن التفاوت في المنزلة يستدعي التفاوت في الآثار لا محالة، ومن هنا كان للمعصوم الولاية على الكبير والصغير حتى على المجتهد العادل، ولا ولاية للمجتهد على البالغ الراشد، وما ذلك إلا لأن نسبة المجتهد إلى المعصوم تمامًا كنسبة القاصر إلى المجتهد العادل”[11].

كذلك اعتبر السيد علي السيستاني أنّ الولاية في الأمور الحسبية تثبت لكل فقيه جامع لشرائط التقليد، ويعتبر أن على المرجعية أن تنأى بنفسها عن السلطة والحكم وإبعاد رجال الدين عن المناصب، وأن يقتصر دورها على الإرشاد. خلال إجابة السيد علي السيستاني حول رأيه بإقامة الحكم الإسلامي في العراق وعن إن كان يرغب أن تكون دولة العراق مثل دولة إيران الإسلامية يقول: “أما تشكيل حكومة دينية على أساس ولاية الفقيه المطلقة فليس وارد…”[12]، فهو ليس مع نقل التجربة الإيرانية إنما يكرر رأيه بأن يتم احترام الدين الإسلامي في الحكم العراقي لأنه يعتبر دين الأغلبية.

أيضًا ذهب العلّامة محمد مهدي شمس الدين، وقال بولاية الأمة على نفسها، وبضرورة الشرعية السياسية للنظام في غياب المعصوم، وأن ولاية الفقيه منحصرة في القضاء والفتيا وما ماثلها، وأن قيام الدولة منفصل عن الإمامة[13]. وعلى مستوى النظرية السياسية في الحكم وطرح الشيخ (رحمه الله)، ومن خلال كتابه “الحكم والإدارة في الإسلام” يناقش فيه مصدر نظرية ولاية الفقيه في المذهب الإمامي، لينتهي إلى اقتراح صيغة بديلة عن الخلافة السنية وعن ولاية الفقيه الشيعية، يسميها (ولاية الأمة على نفسها). وهي تقتضي أن يقيم كل شعب مسلم لنفسه نظام حكمه الخاص، في إطار وحدة الأمة الإسلامية، وقد اعتبر أن هذا الأمر يسمح للحكومة الإسلامية المقيمة للشريعة أن تصبح حكومة توليها الأمة، وتغيّرها الأمة بإرادتها الحرة. فهو مع إقامة الحكومة الإسلامية ولكن من خلال ولاية الأمة[14].

كذلك السيد محمد حسين فضل الله[15] يقول كلامًا مشابهًا أن للفقيه الولاية على ما يدخل تحت عنوان (الأمور الحسبية)، كولايته على الأفراد الذين فقدوا وليّهم، كالقاصرين والمجانين، وكذا على الغائب والممتنع، ونحو ذلك. وحيث إن ولاية الفقيه لم تثبت عندنا بالنصوص الشرعية في الكتاب والسنَّة، فإنها مقتصرة على خصوص ما يتوقف عليه حفظ النظام، فتدور مداره وجودًا وعدمًا[16].

طروحات بديلة لولاية الفقيه المطلقة

وفي هذا الإطار، ذهب البعض للبحث عن طروحات بديلة لنظرية ولاية الفقيه لاعتبارهم أنها قد تكون أفضل على صعيد حل أزمات العالم الإسلامي. وسيتم ذكر نماذج عن هذه البدائل:

نظرية شورى الفقهاء

وهي التي صاغها السيد محمد حسين الشيرازي، للتعبير عن آرائه حول حكم المجتمع الإسلامي. وهو قد فضّل الشورى على الفردية لاعتبار استطلاع الآراء ضروري ليظهر الرأي الأصوب. وبرأيه، إنّ السلطة العليا في الدولة الإسلامية يجب أن تكون لمجلس الفقهاء، الذي يتكون من مراجع التقليد الذين عليهم إدارة كافة شؤون البلاد ومعالجة القضايا التي تهم الأمة عبر الشورى. وتحدّث أنّ الأمة هي التي تحدّد وتنتخب ولي الفقيه الجامع للشرائط، أو قد يجمعون على فقهاء ليتولوا رئاسة الدولة من خلال الشورى فيما بينهم الذين يعملون على رسم السياسة العامة للبلاد. ولذا تكون شرعية الفقيه أو الفقهاء من خلال الشرعية الإلهية لاعتبارهم نوّابًا للإمام المنتظر، ولأنه يعبر عن إرادة الأمة لاختيارهم.

نظرية العلمانية الجزئية (فصل الدين عن الدولة)

وهناك من رفضوا المبدأ برمته، انطلاقًا من قناعتهم بأنه لا توجد أية صيغة ملائمة للممارسة السياسية من قبل الفقهاء على أساس أن ذلك يعدّ تدخلًا من السلطة الدينية في الحياة السياسية، وهو أمر مرفوض تمامًا لديهم، ويبرز في هذا الاتجاه آية الله كاظم شريعت مداري، فكان من أكبر المعارضين لنظرية ولاية الفقيه والرافضين لها برمتها، ويؤكد أن الروايات المنقولة حول ما يتعلق بصلاحيات ولاية الفقيه، إنما تنحصر في بيان الوظيفة الدينية للعلماء فقط، في الفصل في المنازعات والفتوى، وليس الولاية العامة في سائر الأمور، وأن ربط الحكومة الإسلامية بولاية الفقيه ربط خاطئ؛ فوظيفة الفقيه هي النصح والإرشاد والقضاء بين الناس، وأن ولاية الفقيه ليست من ضرورات الحكومة الإسلامية، بل إنها نظرية للأزمات والضرورات فقط، التي تقتضي أن يكون الولي الفقيه في سدة الحكم، حتى ينظم أمور الدولة، كما تقتضي الشريعة الإسلامية، ولكن أن تستمر النظرية على إطلاقها هذا هو ما يرفضه هذا الاتجاه، لقد رافق الجدل بشأن ولاية الفقيه، الجمهورية الإسلامية في جميع المراحل التي مرّت بها، ولم يكن الخلاف بشأنها وليد الأعوام الأخيرة، لكنه اتخذ شكلًا أكثر وضوحًا، ذلك بأن كثيرين وإن كانوا لا يؤمنون بولاية الفقيه، إلّا أنهم كانوا تحت تأثير شخصية السيد الخميني وحضوره الذين جعلوا اليسار الإيراني يرى في السيد الخميني وليًّا فقيهًا مطلقًا، من دون أن يرى في خلفه ذلك، وساهم في ذلك مؤيدي التيار الإصلاحي، من أمثال عبد الكريم سروش[17]، فضلًا عن عدد من رجال الدين الذين ناصروا حسين علي منتظري في وضع ولاية الفقيه في بوتقة الجدل والنقد[18].

وسيتم التعرّض لأدلة الجميع ومناقشتها في الفصل الأخير.

[1] ينظر: النائيني، تنبيه الأمة وتنزيه الملة، القاهرة: دار التنوير، 2014.

[2] سورة الأحزاب، الآية 6.

[3] الشهيد الأول، الدروس الشرعية في فقه الإمامية، قم: مؤسسة الصادق للنشر والطباعة، بلا تاريخ، الصفحة 65.

[4] مرتضى الأنصاري، المكاسب المحرمة، كتاب البيع، قم: مؤسسة الهادي للنشر، 1419 هـ، الجزء 3، الصفحة 153.

[5] محمد حسن الجواهري، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، بيروت: دار إحياء التراث العلمي، 1988 م، الجزء1، الصفحة 359.

[6] الخوئي، صراط النجاة في أجوبة الاستفتاءات، قم: مطبعة سلمان الفارسي، 1416 ه، الصفحة 9، مسألة 1.

[7] محمد باقر الصدر، ومضات، النجف: مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر، 1428 هـ، الصفحة 484.

[8] ينظر: برهان غليون، ومحمد سليم العوا، النظام السياسي في الإسلام، القاهرة: دار الفكر، 2004.

[9] الميرزا علي الغروي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، النجف الأشرف: مطبعة الآداب، 1999، الصفحة 419.

[10] محمد جواد مغنية، الخميني والدولة الإسلامية، بيروت: دار العلم للملايين، بلا تاريخ، الصفحة 13.

[11] محمد جواد مغنية، الخميني والدولة الإسلامية، بيروت: دار العلم للملايين، بلا تاريخ، الصفحة 45.

[12] ينظر: حامد الخفاف، النصوص الصادرة عن سماحة السيد علي السيستاني في المسألة العراقية، بيروت: دار المؤرخ العربي، 2015.

[13] فؤاد إبراهيم، الفقيه والدولة – الفكر السياسي الشيعي (في حوار له مع الشيخ محمد مهدي شمس الدين)، الطبعة1، بيروت، دار الكنوز الأدبية، 1998م، الصفحة 434.

[14] ينظر: محمد مهدي شمس الدين، نظام الحكم والإدارة في الإسلام، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1991م.

[15] عبد العزيز قاسم، مقال بعنوان: السيد محمد حسين فضل الله، ولاية الفقيه نظرية لا يراها أكثر الشيعة، منشور على موقع: إسلام أون لاين، القاهرة، منشور في: 31/8/2008، آخر دخول للموقع: 22/11/2022.

[16] منشور في صحيفة عكاظ السعودية بتاريخ 21/8/2008، نقلًا عن: موقع البينات (الموقع الرسمي للسيد محمد حسين فضل الله)، آخر دخول: 22/11/2022. http://arabic.bayynat.org.lb/DialoguePage.aspx?id=12667

[17] محمد علي سرحان، إيران إلى أين في عهد الرئيس محمد خاتمي؟ دمشق: منشورات جامعة دمشق، 1999م، الصفحة 132.

[18] ستار جبار علاي، التجربة الإيرانية: المرشد الأعلى والنظام السياسي، القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، 2019م، الصفحة 15.



المقالات المرتبطة

زينب (ع)، ورُشدُ السير والسلوك

إذن، من هي الحوراء زينب (ع)؟! العالِمةُ غير المـُعلَّمة أي صاحبة البصيرة النافذة بفعل روح العبودية وحصن التقوى إنما كانت بذلك وليةً من أولياء الله.

أفريقيا بين سراب التنمية المستحيلة وزيف الديمقراطية والحوكمة الرشيدة

منذ ما اصطلح على تسميته بالاستقلال في بداية الستينات من القرن الماضي لا زالت تعاني بلدان أفريقيا

صلاة الإنسان وصلاة الله

الصلاة عند ابن عربي عبادة خاصّة، حوارٌ حميم بين العبد وربّه، حوارٌ هو أشبه بتقاسم الأدوار في ظهور الوجود

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<