الضداللغوي والتضاد الفلسفي

الضداللغوي والتضاد الفلسفي

التضاد الغوي

التضاد في اللغة العربية هو  التعاكس، إذا اختلف أمران تضادّا، ومنه جاء الضد، والضد لا بدّ أن يكون له ضد، وفي “القصيدة اليتيمة” المشهورة، التي أُختلف في قائلها، يوجد بيت من الشعر، يوحي ببلاغته اللغوية، ولكن في داخله عمق فلسفي.

ضدان لما استجمعا حسنًا والضد يظهر حسنه الضد

فالضد لا يكون ضدًّا، إلا وله ضدّ مقابل، وهو ما نكتب عنه وفيه…

وفي الديانات السماوية نجد الضد موجودًا حتى في المخلوقات الإلهية مثل “إبليس – آدم، الله – شيطان، إنس – جن …”. هذا بخلاف المأثورات التي بحث فيها الإنسان عبر تاريخه الممتد…

الضد

مصطلح الضدّ يدلّ على الشيء وعكسه، أو ضدّه، الخير ضدّ الشر، والنور ضدّ الظلام، وفي كتاب تاج العروس نجد أن كلمة ضدّ تعني الضد بكسر الضاد:كل شيء ضاد شيئًا ليغلبه، والسواد ضدّ البياض، والموت ضدّ الحياة.

ولا يثبت الضد إلا بوجود مضادّه، ولو انتفى أحدهما انتفى وجود الآخر، فلو لم يكن الأبيض موجودًا، لما استدللنا على وجود الأسود، وبغياب الليل لا يعرف النهار، ومعناه أنهما متلازمان عقليان ومنطقيان تلازم وجود[1].

ثنائيات التضاد الدينية

عرفت الشعوب تلك الثنائية التي سبّبها الضدّ، فوُجدت ثنائية إله الخير وإله الشر، أو إله النور وإله الظلام، كما في ديانة زرادشت وديانات أخرى.

ولكنّ فكرة التضاد والائتلاف بين الموجودات فكرة قديمة مثل فكرة التغيّر، وفي الديانات اليهودية والمسيحية والإسلام ينتظرون المسيح (من وجهة نظر كل دين) وضدّه أو عدوّه، أو المسيح الحقيقي والمسيح المزيّف، أو عدو المسيح الذي هو Anti Christ.

التضاد في الفلسفة الغربية

في الفلسفة الغربية عُرفت نفس الفكرة الضدّية، فقد عرف اليونان القدماء مفهوم الضد، وذلك لمعرفة ضدّه، ويربطون بين التغيّر والثبات كضدّين، وهو ما أكدّه هيراقليطس على تغيّر الوجود وسيلانه باستمرار، فيرى أنه إذا كان الوجود يعتريه التغيّر، إلا أنه يعتريه الثبات أيضًا، إذًا لا مجال للثبات في هذا الوجود، بل الوجود متغيّر باستمرار، فالوجود دائم التدفق والسيلان، فلا يبقى شيء على طبيعته على الإطلاق، إنه يتغير إلى ضدّه[2]، وليس فقط الشيء الواحد يتحول إلى شيء آخر، بل أيضًا هذا الشيء الواحد لا يستقر لحظة واحدة على حال واحدة، وإنما هو ينقلب دائمًا باستمرار من حال إلى حال، فالشيء يكون حارًّا، ويكون باردًا، ويكون حارًّا من جديد، وهكذا باستمرار، وهكذا في جميع الأشياء، فلا تثبت لها صفة واحدة ثباتًا دائمًا، أو على الأقل ثباتًا لمدة غير قصيرة.

ومن هنا، يقول هيراقليطس بأن كل شيء يشمل ضدّه ويحتويه، لأن كل شيء حين يتغير، يتغير من ضد إلى ضد، فلا بدّ له إذًا أن يكون حائزًا من قبل على الشيء الآخر لكي يمكن هذا التغير أن يتم[3].

وقد عبَّر هيراقليطس في كثير من نصوصه على التضاد، مثل  النهار والليل، الشتاء والصيف، الموت والحياة، الحرب والسلم، الشبع والجوع[4].

ويرى أن قانون التضاد أو الصراع بين الموجودات لا ينتهي إلى فناء الموجودات، بل يفضي إلى التناغم والائتلاف بينها، ويبدو ذلك بوضوح أن الناس يجهلون كيف يكون الشيء مختلفًا ومتفقًا مع نفسه، فالائتلاف يقوم على الشدّ والجذب بين الأضداد، كالحال في القوس والقيثارة[5].

وهذا الائتلاف الظاهر أمام أعيننا ليس هو الائتلاف الأفضل، بل الائتلاف الأفضل هو الائتلاف الخفي[6]، الذي يمكننا أن ندركه بواسطة البصيرة أو العقل، والائتلاف أو الوحدة بين الأضداد لا يمكن تفسير التغيّر بدونها، ومن الحكمة أن نعرف أن كل الأشياء واحدة، فالحديث عن هيراقليطس أنه فيلسوف الكثرة دون إشارة إلى الوحدة هو حديث مبتسر؛ إذ كيف يمكن أن يذكر عنه القول بتوتر المتضادات دون أن يشار إلى أن ذلك مظهر التوازن والتوافق[7].

التضاد عند أرسطو

ولكن أرسطو انتقد القائلين بتوتر المتناقضات، ومنهم هيراقليطس، فيقول: إن المتناقضين أو الضدّين صادقان معًا عند إنسان واحد، لأنهما يخلطان بين عمل الحواس وعمل النفس.

ويرى أرسطو أنه لا يمكن أن يظهر الشيء الواحد بالبصر أنه عسل، وبالذوق أنه ليس بعسل، فإن يعرض لمن يعتقد بهذا أن يقضي على الشيء الواحد بالبصر أنه عسل، ويقضي مع ذلك بالذوق أنه ليس بعسل فيناقض نفسه.

ويؤكد أرسطو أنه حتى في الحاسة الواحدة قد لا يبدو الشيء الواحد على أنه واحد، ففي حاسة البصر، العينان اثنتان، فإن كانتا مختلفتين لا يبدو الشيء الواحد أنه واحد، لأنه متى خالفت إحدى العينين صاحبتها في الوضع عرض له أنه يرى الشيء الواحد شيئين

وبالتالي، إذا كانت الحاسة الواحدة لا يمكن أن تكون مقياسًا لشيء، فكيف تكون حواس متعددة مقياسًا لهذا الشيء؟[8]. إذن، العلة فيما يكون فيه الشيء واحد، وهو هو في زمان واحد ولإنسان واحد، حيث لا يجوز أن يجتمع في الشيء الواحد ضدّان، أو أن يصدق المتناقضان في وقت واحد. الذين يحتجّون بها يعرض لهم أن يكون المتناقضان صادقين، ليس عند الناس المختلفين فقط، بل عند الإنسان الواحد بعينه، وذلك أنه ليس يسلمون أن الأضداد تظهر للإنسان الواحد في الشيء الواحد، في حالة واحدة[9].

التضاد عند ديكارت

ولكن الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت رأى أن الشك محك الحقيقة، هو ضد اليقين، هو الحامض الذي يحلل الأخطاء؛ لذلك يجب أن نجعله أقوى ما يمكن، وأن نشك في كل شيء ما استطعنا إلى الشك سبيلًا، حينئذ فقط نكون على يقين.

ويقول ديكارت: إننا لا نستبقي إلا ذهب الحقيقة الخالص … إن هذه العجائب الثلاث أي الأمور الثلاثة المعارضة للعقل، أو بتعبير أدق الفائقة للعقل تشترك في شيء هو تلاقي اللامتناهي والمتناهي، فالخلق يعبّر عن المسافة اللامتناهية الفاصلة بين العدم والوجود، والتجسد يجمع بين اللانهاية الإلهية والنهاية الإنسانية، وأخيرًا الحرية؛ فهي نوع من تحقيق اللامتناهي في المتناهي[10]. وإذن، أنا أفكر فأنا موجود، ولكن ما أنا؟ أنا موجود يفكر ويشك وينفي، وهذا يكفي عند ديكارت، لأن الموجود الذي يفكّر ويشك، فهو موجود ناقص متناه، وهو فوق ذلك يعلم أنه ناقص متناه[11].

التضاد عند سارتر

لكن الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر اعترض على ديكارت، الذي استخلص الوجود من الفكر، أنا أفكر إذن أنا موجود، فيقول سارتر: أنا موجود إذن أنا أفكر [12]، وفي الوقت نفسه، لا يستعمل سارتر مصطلحات الأضداد، خاصة فيما يتعلق بالسيد والعبد، أو الوجود المستقل والوجود المعتمد في وصفه للعلاقة بين الأنا والآخر.

التضاد الماركسي

أخذت الماركسية بمفهوم الضدّ أو التضاد في معانيها الديالتيكية، فذهبت إلى أن الضدّ يعبّر عن جانب واحد من جوانب التناقض ووحدة الأضداد، والجوانب والاتجاهات المتضادة بشكل حاد تكون تناقضًا، فيعدّ هو القوة المحرّكة، مصدر تطور الأشياء.

ويُستخدم مفهوم الضدّ عند ماركس أيضًا لتحديد درجة تطور ونمو ونضج تناقض من التناقضات والأضداد، مقابل الاختلافات التي لا يكون فيها التناقض قد نضج بعد، ولا يزال يوجد بذاته إلى حد كبير، أي يعني تناقضًا متطورًا، برز في المقدمة ووصل إلى مرحلة أعلى من تطوره، عندما يصل صراع الأضداد والاتجاهات إلى المكان النهائي لتطورها وحلّها[13].

خلاصة القول

من هنا ندرك أهمية تداول المصطلحات بمفاهيمها الدينية الإلهية والفلسفية البشرية، ولا نهدف سوى المعرفة …

[1]  محمد بن محمد بن عبد الرزاق المرتضى الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، مكتبة المصطفى الإلكترونية، باب حرف الضاد.

[2]حسن كامل إبراهيم، التغير: مفهومه وطبيعته في فلسفة هيراقليطس وأثره على الفكر السفسطائي، /www.maaber.org/issue_october14/

[3]  عبد الرحمن بدوي، ربيع الفكر اليوناني: خلاصة الفكر الأوروبي، سلسلة الينابيع، بيروت، دار القلم، 1979، الصفحتان 138 و 139.

[4] أحمد فؤاد الأهواني، فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط، القاهرة، مكتبة البابي الحلبي وشركاه، 1953، الصفحات 106 – 109.

 [5] أحمد فؤاد الأهواني، فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط ، مصدر سابق، الصفحة 107.

[6] المصدر نفسه، الصفحة 108.

[7]  د. على سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي عند اليونان، الإسكندرية – مصر،  منشأة المعارف، 1964، الصفحة 133.

[8] زهير إبراهيم عمران، إشكالية الصورة بين أرسطو وابن سينا، جامعة دمشق، مطبعات كلية الآداب، 2014، الصفحة 43.

[9] زهير إبراهيم عمران، إشكالية الصورة بين أرسطو وابن سينا، مصدر سابق، الصفحة 43.

[10] ألكسندر كواريه، ثلاثة دروس في ديكارت، ترجمه عن الفرنسية يوسف كرم، لندن، المملكة المتحدة، مؤسسة هنداوي  سي آي سي، 2017، الصفحة 27.

[11]المصدر نفسه، الصفحة 41.

[12]جان بول سارتر، تعالي الأنا موجود، ترجمة حسن حنفي، بيروت، دار التنوير، 1982، الصفحة 51.

[13] موسوعة الماركسية الإلكترونية، حرف الضاد.

 https://www.marxists.org/arabic/glossary/term


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
الضدالتضادماركسديكارتسارترأرسطو

المقالات المرتبطة

الإمام العسكري(ع) وسياسة التمهيد للغيبة المهدوية

مقدمة طينة واحدة طابت وطهرت بعضها من بعض، خلقكم الله أنوارًا وجعلكم بعرشه محدقين حتى منّ علينا بكم فجعلكم في

الوجود الشيعي في مصر الحديثة

كيف عاد التواجد الشيعي في مصر ليطرح نفسه مرة أخرى؟
إن الإجابة على هذا السؤال تقتضي تقسيم الفترة الحديثة والتي سبقت الانتفاضة الجماهيرية في 25 يناير/كانون الثاني 2011 إلى ثلاث مراحل

العلمانيـة في الخطاب الإسلامي

ليس محددًا بدقة متى دخلت عبارة العلمانية إلى اللغة العربية، ولكن بدأ تداولها ما بعد عشرينات القرن العشرين بعدما كان

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<