رؤية فلسفية للكمال السماوي والنقص البشري

رؤية فلسفية للكمال السماوي والنقص البشري

الكمال في معناه العام هو الوصول إلى الكمال الروحي والعقلي والخلقي، وهو غاية الإنسان عبر الدهور، ومفهوم الكمال في اللغة يأتي من مصدر كمل ويعني التمام، وفي الاصطلاح يقصد به البراءة من النقص، وهو غالبًا ما يستخدم لوصف الخالق في الديانات التوحيدية، أما الكمال الذي يوصف به المخلوق فهو كمال نسبي، بخلاف الكمال الإلهي السماوي المصدر، وهو الكمال المطلق، ولكن الكمال البشري فهو يتمثل في المعصومين من الأنبياء والأوصياء.

 الكمال البشري النسبي

في الفلسفة الأخلاقية يعني الكمال الوصول إلى أعلى درجة في سلم القيم، فالكمال إذن مصطلح يدل على سعي الإنسان للوصول إلى المثالية العالية في الفكر والأخلاق، أو الأنا المتعالية في الفكر الفلسفي، وترى الأديان السماوية أن الكمال المطلق هو الله، والأنبياء كاملون لأنهم معصومون، ولكنّه كمال غير مطلق، وفي التراث الإسلامي ما يدلّ على محاولة الوصول بالإنسان إلى المثال الأعلى، فعبد الكريم الجيلي المتصوف كنموذج إسلامي الثقافة، سعى في كتابه “الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل”، حقيقة “الإنسان الكامل”، ويرى أن كل أمة من الأمم مقيدة بالخيال في أي عالم كانت من العوالم، بمعنى أن كل أمة تبدع في خيالها نماذج عليا لما تعتبره كمالًا، بل إنها مقيدة في كل شيء بالخيال، والخيال قوة، لأن “الإنسان الكامل خيال”[1]، لأنه يقف وراء حدود الحس المباشر باعتباره نموذجًا متساميًا، أما “الأوائل والأواخر” فإنهم ليسا أطرافًا سائبة، بل حلقات مستمرة في مساعي الأمم معرفة حقيقة الكمال ونموذجه الإنساني، وفي الإنجيل ما يشير إلى نموذج الكمال، قال السيد المسيح : “إن أردت أن تكون كاملًا فاذهب وبع أملاكك وأعطِ الفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني”[2]، وفي هذا المثال اليسوعي نموذج للمثال الأخلاقي الإيماني.

الكمال الفلسفي

في الثقافة الأوروبية القديمة والحديثة محاولات لفهم الكمال البشري، منذ عصر الإغريق القدماء، فقد رأى الفيلسوف اليوناني برمنيدس أن الوجود البرمنيدي موجود منذ الأزل، وإلى الأبد، إنه موجود قبل وجود الزمان، ومن الأفضل أن نقول: إنه ليس له ماضي أو حاضر أو مستقبل، لأنه في حضور أزلي، وطبيعة الوجود واحدة ثابتة لا تتطور ولا تتغير، وهو وحدة متجانسة[3]، أمّا عن الموجودات، فهي موجودة في الوجود منذ الأزل، لأنه بتعريفه مملوء وليس فراغًا، وهذا الوجود الموجود بالضرورة لا بدّ أن يكون كاملًا، وكلّ ما هو كامل وغير ناقص لا يخضع للفناء، وهو بحسب تعريفه له نهائي، لأن اللانهائي في نظر القدماء، هو الذي يفتقر إلى موجودات أخرى خارج عنه، هذا هو الفارق بين مفهوم اللانهائي في الفلسفة اليونانية القديمة والفلسفة الحديثة، فبينما نجد فيلسوفًا مثل رينيه ديكارت يقرّر أن اللانهائي هو مصدر كل شيء، ولا يمكن أن ينتهي إلى حدّ معيّن، نجد أن الكمال في الفلسفة اليونانية بفكرة النهائي والمحدودة، والكمال عند الإغريق سواء كان في الفنّ أو في الفلسفة، هو التناسق بين الأجزاء، والانسجام بين الحدود، ولذلك كان من الطبيعي أن يتصور برمنيدس الوجود في شكل من أشكال وأن يكون له حدّ وصورة، وهو يقول عنه إنه كالكرة المتناسقة الأجزاء، المغلقة على نفسها، الثابتة غير المتحركة[4].

ولكن في فلسفة أرسطو، تبدأ النظرية الأخلاقية من الاهتمام بالحياة الجيدة، أو الحياة المرغوبة في حد ذاتها، وتصور هذه الحياة بطريقة مميزة، وتذكر أن هناك صفات معينة تشكل الطبيعة البشرية، أو محددة للإنسانية، أي تجعل البشر آدميين، وتضيف أن الحياة الجيدة تعمل على تطوير هذه الصفات بدرجة عالية، أو تسليط الضوء على ما هو أساسي ومحوري للطبيعة البشرية، وربما تختلف الأشكال المتباينة لهذه النظرية حول ماهية الصفات ذات الصلة، وهكذا تختلف حول محتوى الحياة الجيدة، ولكنها تتشارك في الفكرة الأساسية المتمثلة في أن الأمر الجيد في النهاية هو تطوير الطبيعة البشرية، وقد ذكر أرسطو مفهومه عن الحياة الجيدة، وعلّم طلابه أن السياسة والهياكل السياسية ينبغي أن تروج للحياة الجيدة بين الأفراد، حيث إن المواطنة هي أفضل ما يمكنه الترويج للحياة الجيدة، وينبغي اتباعها عن أي شكل آخر من أشكال التنظيم الاجتماعي.

أما مبدأ أفلاطون فهو أن للإنسان نفسًا روحية هبطت من العالم المعقول، وأنها ستعود إليه بممارسة الفضيلة، ولكنّ مبدأ أبيقور هو أن ما يسمى نفسًا إنسانية، ما هو إلا اجتماع ذرات مادية تنفصل بالموت، وأن السعادة في اللذة الجسمية، وأن كل ما يؤدي إلى هذه اللذة هو الغاية المنشودة، أمّا مبدأ المدرسة الرواقية أن السعادة في الحكمة والفضيلة، دون نظر إلى ظروف الحياة، وبالرغم من مادية العالم ومادية النفس وفنائها.

تلك المدارس اليونانية الثلاث ترى أن للإنسان القدرة على تحقيق السعادة، فهذه هي المسألة الكبرى أو الكمال الكامل، التي يتعين حلها بادئ ذي بدء[5]، ويمكن أن نستخرج من كتب أفلاطون وأفلوطين عبارات توحي بافتقار الإنسان إلى مدد إلهي، كي يزاول الحياة الفاضلة، بيد أن فكر أفلاطون متردد قلق، ولا يصعب علينا أن نستخرج من كتبه عبارات توحي بالعكس، وأفلاطون يجاوز الحد المقبول في مذهبه، والله عنده لا يعلم العالم، بل لا يعلم ذاته، فلا يعني بسيرتنا ولا يمنحنا مددًا ما،[6]، وكان أوغسطين يقول: إن التجربة لتدل على أن اللذة لا تسعدنا، فالحواس لا تقنع أبدًا بما تناله منها، ولكنها تطلب المزيد دائمًا، وتتمرد على الحياة، ويستشهد أوغسطين بالعقل فيقول إنه يرى أوضح رؤية أن الجسد مرتب للنفس، لا أن النفس مرتبة للجسد، فخير ما يملكه الجسد، أي النشاط والجمال والحس، ليس آتيًا منه هو، بل من النفس منبع صفاته وعواطفه، ومركز هنائه وسعادته، والنفس هي الجزء الأهم في الإنسان، وهي التي يجب مراعاتها عند تحديد الأخلاق.

واستمرت الرؤية الغربية تتواصل وتضيف إلى ما كتبه قدماء اليونان، حيث كتب الألماني  فريدريك نيتشه عن وصول المرء إلى الكمال بممارسة إرادة القوة، ثمّ طوّر الفيلسوف الأمريكي ستانلي كافيل فكرة الكمالية الأخلاقية، وأنها مثل فكرة وجود الذات التعجيزية، ولكنها المدركة التي ينبغي على المرء الكفاح لبلوغها، وأن الأسئلة القديمة، مثل “هل أعيش كما يفترض بي أن أعيش؟” تتسبب في حدوث كل التغيير في العالم، ويصف أصحاب تلك المدرسة الالتزام، الذي ينبغي أن نتحلى به بطرق تبدو متطلبة بشكل مستحيل، ولكنها ليست كذلك، ونفعل ذلك لأنه يمكن فقط من خلال الاحتفاظ بهذه النظرة المستحيلة في الذهن، أن يناضل المرء من أجل الوصول إلى “الذات التعجيزية”.

ولكن المدركة، تتلخص أفكارهم في أنه بما أن الله هو الذي أوصانا أن نعمل الخير ونتجنب الشر، وهو الذي أودع فينا الضمير الذي نميز به بين هذا وذاك، إذًا فهو كامل أيضًا في صفات القداسة والمحبة والعدالة والرحمة، وغيرها من صفات الكمال، وإذا رجعنا إلى الكتاب المقدس، وجدنا أن الإعجاب بكمال الله قد سبى عقول الأنبياء حتى عجزوا عن الإحاطة به عجزًا تامًا[7]، وأن هناك فرقًا كبيرًا بين الأمور التي تسمو فوق العقل، وتلك التي لا تتفق معه، فالأولى هي التي تتفق معه في أساسها، لكن لسموها لا يستطيع الإحاطة بكنهه، أما الثانية، فإنها لا تتفق معه إطلاقًا، لا في أساسها أو في كنهه، فمثلًا إذا قلنا إن الله يحب الأشرار لا يكون ذلك ضد العقل، بل يكون أسمى من إدراكنا، لأن الأشرار وإن كانوا )حسب عقولنا) لا يستحقون محبة من الله، إلا أنه تعالى لكماله التام، لا يمكن أن يكرههم، لأنهم خليقته، والخالق يحب خليقته، ولذلك فمن البديهي أنه يحبهم، ويهيئ لهم سبيل الرجوع إليه والتوافق معه، أما إذا قلنا إن الله يحب الخطيئة، فلا يكون ذلك أسمى من إدراك العقل، بل يكون ضده، لأن الله لم يخلق الخطيئة، ولأن الخطيئة تتعارض مع كماله كل التعارض[8]، فلكل إنسان في الواقع نظرية أخلاقية بمبادئها ونتائجها، والمبدأ يمثل نوع السعادة الذي يختاره، والنتائج تمثل الطرق الموصلة إلى هذه السعادة، ونظريات الفلاسفة إفصاح عما يختلج في صدور سائر البشر، وتحليل له منطق عميق.

ونجد الكمال أو النظرية الكمالية عند الفيلسوف الألماني غوتفريد فيلهيلم لايبنتز، هي نظرية ميتافيزيقية، وأنها من أخلاقيات عملية الخلق، فهي تحدد من وجهة نظره، المبادئ التي تكمن في العقل الإلهي وتوجهه في اختيار الأفضل من بين جميع العوالم الممكنة، العالم الأكثر ملاءمة للخلق، والله عند لايبنتز هو الكيان الكامل على الإطلاق، ويرى لايبنتز أن مبادئ الكمال ما هي إلا حقائق أبدية، إذ تستند إلى العقل الإلهي وتكمن فيه، ولايبنتز اعتقد أن الله يدعم الجواهر المخلوقة ويحفظها في الوجود، لكنه يصر على أن الله يخلق جواهر لها قوى وميول فعالة، تتأسس عليها المبادئ الأولى للفيزياء وقوانينها، وهذا لا يتضمن الخلق المتواصل وإعادة خلق الرب للأشياء بطرائق تعكس مباشرة الطبيعة الإلهية[9].

ولكن المفكر الألماني الجدلي هيغل، (ومعه معظم مفكري الماركسية)، أدخل مبدأ الحركة المنطقية ذات الطبيعة المثالية الخالصة في كل ما كتبه من آراء وأفكار فلسفية، منطلقًا من اعتقاده، بأن الحقيقة هي وحدة عضوية من أجزاء متناقضة، وأن تشكيل الآراء بالنسبة للقضايا الكبرى هو تذبذب بين قطبين، وإن حركة التطور هي حركة دائمة من النمو والتطور بين الأضداد والتوفيق بينهما، ودمجهما معًا، تصبح كل الأشياء خاضعة لهذه الحركة التطورية، حتى النظم الاجتماعية تحوي داخلها تعارضًا وتآكلًا في ذاتها[10].

ونصل إلى الفرنسي جان بول سارتر، لنجده عندما يتحدث عن الكمال، ينحاز للإنسان الفرد، فيقول: “إن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يسبق وجوده ماهيته”[11].

معنى هذا أن الإنسان يقفز أولًا إلى هذا الكون، وبعد ذلك يتعرف إلى ذاته، ويحتك بالعالم الخارجي ويحاول بشخصه أن يصل إلى الكمال، فتكون له صفاته فيختار لنفسه وبنفسه ما يريد أن يكون عليه، فهو في النهاية “ليس سوى ما يصنعه هو بنفسه”[12]، يصل إلى الكمال أو لا يصل.

[1]  عبد الكريم الجيلي، الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل، مكتبة المصطفى الإلكترونية، ببعض تصرف.

[2]   إنجيل متى: 21:19.

[3]  الشيخ كامل محمد محمد عويضة، حصاد الفكر الفلسفي اليوناني، بيروت، دار الكتب العلمية، 1995، الصفحة 261.

[4]   المصدر نفسه، الصفحة 262.

[5] يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط، القاهرة، دار العالم العربي للنشر والتوزيع، 2010، ببعض تصرف.

[6]  المصدر نفسه، ببعض تصرف.

[7] عوض سمعان، الله بين الفلسفة والمسيحية، God in Philosophy and Christianity، مطبوع باللغة العربية في Stuttgart – Germany، الطبعة 1، 1991، الصفحة 8.

[8] [8] عوض سمعان، الله بين الفلسفة والمسيحية، مصدر سابق، الصفحة 43.

[9]  موقع ويكيبيديا https://ar.wikipedia.org/wiki

[10]  موقع ويكيبيديا https://ar.wikipedia.org/wiki 

[11]جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمه عن الفرنسية: عبد المنعم الحفني،  الدار المصرية للطبع والنشر والتوزيع، 1964، الصفحة 13.

[12]   جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، مصدر سابق، الصفحة 14.



المقالات المرتبطة

الليبرالية أم الواقعية، أي النظريتين أقرب إلى السياسة الخارجية العراقية؟

يستلزم العمل المؤسسي أن يكون ضمن سياقات معينة مسبقة، ووفق خطط منهجية مدروسة بعناية من ذوي الاختصاص، معروفة المسارات المتبعة أو تلك التي ستتبع

نظريتان مهمتان حول لغة القرآن الكريم

لقد ذُكرت نظريات كثيرة حول لغة القرآن الكريم، وهي متكثّرة متعدّدة، وأُثير على بعضها أو أغلبها أو كلها ـ ربما ـ ملاحظات كثيرة

إرجاع العلم الحصولي إلى العلم الحضوري من وجهة نظر العلامة الطباطبائي

جرت عادة الفلسفة الإسلامية بشكل واضح وبارز على تقسيم العلم إلى حضوري وحصولي، وتقسيم العلم الحصولي إلى تصوّر وتصديق، وتقسيم التصوّر الكلّي إلى: ماهوي، وفلسفي، ومنطقي، على المنوال نفسه.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<