في المديح النبوي

في المديح النبوي

الاختلاف والتشابه اللغوي والفلسفي بين قصيدتي البردة ونهج البردة

 

مقدمة البردة ونهج البردة

قصيدة نـهج البردة واحدة من عشرات القصائد التي نُظمت على غرار القصيدة المعروفة بالبردة للإمام البوصيري، فأخذت نفس البحر (البسيط)، ولها نفس القافية (الميم المكسورة)، ولكن ليس على سبيل المعارضة، فقد صرّح شاعرها أحمد شوقي في بعض أبياتـها بأنه لا يعارض البوصيري:

اللهُ   يَشــــــهَدُ   أَنّي  لا   أُعارِضُــــهُ         من ذا يُعارِضُ صَوبَ العارِضِ العَـــرِمِ

وَإِنّـَمـــا أَنا  بَعضُ  الغابِطـــينَ  وَمَن         يَغبِطْ  وَلِيَّـكَ  لا يُذمَـــــمْ  وَلا  يُلَمِ

هَذا  مَقــــــامٌ  مِنَ  الرَحمَنِ   مُقتَبَسٌ       تَرمي  مَهابَتُــهُ  سَـحبانَ    بِالبَكَمِ

أما من يقرأ القصيدتين يجد بينهما قدرًا من التشابه كما يجد قدرًا أكبر من الاختلاف، وسوف تكون لنا وقفة مع القصيدتين في موضع آخر إن شاء الله، إلا أننا هنا سنبين بعض مآخذنا على شوقي في قصيدته نـهج البردة:

أولًا: أطال الشاعر في أبيات النسيب حتى إنّه استغرق عنده ضعف عدد أبيات النسيب عند البوصيري، ليس هذا فحسب وإنـما خرج بـها عن الجو النفسي للقصيدة التي يعد المدح النبوي موضوعها الأصلي. 

ثانيًا: أعاد شوقي صياغة ما يؤمن به الصوفيون من معتقدات تتعلق بـمحمد (ص)، مثل اعتقادهم بأن هذا الكون بـما فيه ومن فيه وجد من أجله (ص)، يقول شوقي:

مُحَمَّدٌ    صَـفــــــــوَةُ   الباري   وَرَحمَتُـهُ      وَبُغيَـــــــةُ  اللهِ مِن  خَلقٍ  وَمِن  نَسَــمِ

وهي صياغة جديدة متينة السبك جزلة اللفظ لا شك في ذلك إلا أنـها تشرح معتقدًا خاطئًا يتنافى والعقيدة الصحيحة التي نؤمن بـها.

وفي هذا الصدد يقول أيضًا:

وَصاحِبُ الحَوضِ يَومَ الرُسلِ سائِلَةٌ          مَتى الوُرودُ وَجِبريــــلُ الأَمينُ  ظَمي

وعن اعتقادهم بأن نور محمد (ص) كان موجودًا قبل خلق هذا الكون.. يقول شوقي:

حَواهُ في سُبُحاتِ الطُهرِ قَبلَهُمُ نورانِ     قاما   مَقــــــامَ  الصُلبِ  وَالرَحِمِ

ثالثًا: حاول شوقي في مواضع كثيرة سرد أحداث وقعت للرسول (ص) بلغة الشعر فجاءت محاولاته في غير موضعها؛ ذلك لأن لغة الشعر في هذه الحالة تفقد الكثير من رونقها ويسيطر عليها نوع من الركاكة والتعسف اللفظي… كقوله:

لَمّا   رَآهُ    بَحــــــــــــيرا    قالَ   نَعرِفُــــهُ      بـِما حَفِظنا  مِنَ الأَسْــماءِ وَالسِيَمِ

وكقوله في وصف حالة قريش بعد الجهر بالدعوة:

فَلا تَسَل عَن قُرَيشٍ كَيفَ حَيرَتُـهــــــا      وَكَيفَ نُفرَتُـها في  السَّــــــــهلِ  وَالعَلَمِ

تَســـــــــــاءَلوا عَن عَظيمٍ  قَد  أَلَمَّ  بـِهِــم      رَمى  المشـــايِخَ   وَالوِلدانَ   بِاللَمَمِ

يا جاهِـــلينَ  عَلى  الهادي  وَدَعوَتِـــــــهِ     هَل تَجهَلــــــــونَ مَكانَ الصادِقِ العَلَمِ

لَقَّبتُمـــــوهُ  أَمينَ   القَومِ  في   صِـغَرٍ      وَما   الأَمينُ  عَلى  قَولٍ  بِـمُتَّهَــــــمِ

نلاحظ هنا أن سرد هذه الأحداث حوّل الشعر إلى ما يعرف بالشعر القصصي، الذي لا يصل بحال إلى النسق الشعري الراقي، ولم يصل الشاعر من خلال هذه الأبيات الأربعة إلى ما وصل إليه صاحب البردة في قوله:

راعَتْ  قلوبَ  العِـــــــدَا  أنباءُ بِعثَتِهِ     كَنَبأَةٍ  أَجْفَلَتْ  غُفْــلًا  مِنَ الغَنَـمِ

فقد أجمل كل ما يُـمكن أن يقال في مدى ما أصاب قريش وأعداء الإسلام من أنباء بعثة الرسول (ص). ثم عاد أحمد شوقي إلى الشعر القصصي مرة أخرى حين قال:

مُسَيطِرُ  الفُرسِ  يَبغي  في  رَعِيَّتِـــــــهِ      وَقَيصَــــــرُ  الرومِ  مِن كِبرٍ أَصَمُّ  عَمِ

يُعَذِّبانِ    عِبـــــادَ   اللهِ   في   شُـبَهٍ      وَيَذبَحـــــــانِ  كَمــا  ضَحَّيتَ  بِالغَنَمِ

وغير خافٍ أن لجوء الشاعر إلى استعمال ألفاظ تقترب من العامية مثل قوله: (ضحيت بالغنم)، يدل على هبوط اللغة الشعرية وهو يستطرد في التعبير عما وقع، ويشرح ما ليس في حاجة إلى شرح، والبيت السابق على هذين البيتين فيه إجمال يغني عن أي تفصيل أو شرح، يقول الشاعر:

وَالأَرضُ   مَملــــــوءَةٌ  جَورًا  مُسَخَّرَةٌ      لِكُلِّ   طاغِيَــــــةٍ  في  الخَلــقِ  مُحتَكِمِ

ويكتمل المعنى بالبيت التالي على هذين البيتين، والذي يقول فيه: 

وَالخَلقُ  يَفتِكُ  أَقواهُـــــــــــم  بِأَضعَفِهِم     كَاللَيثِ بِالبَهــمِ أَو كَالحوتِ بِالبَلَـــمِ

وذلك دون تعسف ودون الهبوط بلغة الشعر من أجل استطراد يثقل كاهل القصيدة غالبًا.

رابعًا: شط شوقي في بيتين من الأبيات التى جاءت في باب الإسراء والمعراج يقول فيهما:

خَطَطتَ لِلدينِ  وَالدُنيا  عُلومَهُمـــــا       يا قارِئَ اللَوْحِ بَل يا لامِسَ القَــــــــلَمِ

أَحَطتَ بَينَهُما  بِالسِرِّ وَانْكَشَفَتْ        لَكَ الخَزائِنُ مِن عِلــــــمٍ  وَمِن حِكَمِ

ولا يخفى ما في هذين البيتين من تجاوز وقد أوضحنا ذلك في شرحنا للقصيدة.

خامسًا: تعرّض الشاعر لموضوع غزوات الرسول (ص) وادعاء الجهلة أن الإسلام انتشر بحد السيف، وهو موضوع لا تناسبه لغة الشعر في رأيي فجاء مبتورًا، فلم يستطع الشاعر أن يوضحه بـما ينفي عن الدين الإسلامي هذه الشبهة نفيًا قاطعًا، وذلك من قوله: (قالوا غَزَوتَ)، إلى قوله: (تَكَفَّلَ السَيفُ بِالجُهّــالِ وَالعَمَمِ)، فالواضح أن الشاعر تحدث عن الموضوع بإيجاز أفقده الكثير من مقوماته، ذلك لأن هذا الموضوع لا توفيه إلا لغة النثر وسوق الأدلة والبراهين على أن الإسلام انتشر بقيمه ومبادئه، وأن فرية انتشاره بحد السيف مردود عليها من واقع الأحداث التي وقعت عند الفتوحات التي تـمت في عهد النبي(ص)، وفي عهد الخلفاء الراشدين من بعده، وكذلك الفتوحات التي تـمّت في العهود اللاحقة.

أما لغة الشعر فكان يجب أن ينأى بـها الشاعر عن هذا الموضوع، حتى لا يقع في تقرير باطل ربـما لا يقصده، ولكن دلّت عليه الألفاظ وهو قوله في البيت الذي يلي هذه الأبيات:

وَالشَرُّ  إِن تَلقَهُ  بِالخَـــــيرِ  ضِقتَ بِهِ      ذَرعًا  وَإِن  تَلقَهُ  بِالشَـــــــــرِّ  يَنحَسِمِ

فالذي حدث لم يكن شرًّا قوبل بشر، ولكن كان فتوحات تـمت بالقوة مؤيدة بالحق والعدل، ولا يصح بحال من الأحوال أن يقرر أن الشر كان منهاجًا اتبعه الرسول، ولكنهم اعتدُّوا بالقوة وبنصر الله لهم في نشر دين الله والدفاع عن مبادئه والقيم الإنسانية التي ينادي بـها، وأسس العقيدة الصحيحة التي يقوم عليها، وهذا موضوع يطول الحديث فيه، ويبدو أن الشاعر أحس بأنه لم يوف الموضوع كما يجب، فلجأ إلى ما أضعف القصيدة أكثر؛ إذ عرض لموضوع آخر على سبيل المثال هو انتشار الدين المسيحي، وهو موضوع بعيد كل البعد عن الجو النفسي للقصيدة.

يقول شوقي:

سَــلِ  المَسيحِيَّةَ  الغَرّاءَ  كَم  شَرِبَت     بِالصابِ مِن شَـــــهَواتِ الظالِمِ  الغَلِمِ

طَريدَةُ الشِركِ   يُؤذيها  وَيوسِعُهـــــــا      في  كُلِّ حينٍ  قِتــــــــالًا ساطِعَ الحَدَمِ

لَولا  حُمـــــــاةٌ   لَها   هَبّوا   لِنُصـرَتـِهـا      بِالسَيفِ ما اِنتَفَعَت بِالرِفقِ وَالرُحَــمِ

لَولا  مَكـانٌ  لِعيسى عِندَ مُرسِــــــــلِهِ      وَحُرمَــــةٌ  وَجَبَت  لِلروحِ  في  القِدَمِ

لَسُمِّرَ  البَدَنُ الطُهــــرُ الشَريفُ عَلى      لَوحَـينِ لَم  يَخشَ  مُؤذيهِ  وَلَم  يَجِــــــــمِ

جَلَّ  المَسيحُ وَذاقَ الصَلبَ شــــــانِئُهُ      إِنَّ العِقــابَ  بِقَـدرِ الذَنبِ  وَالجُــــــرُمِ

أَخـــو  النـــــــَبِيِّ   وَروحُ   اللهِ  في نُزُلٍ      فَوقَ السَـــماءِ  وَدونَ  العَرشِ مُحتَرَمِ

فلم تكن المسيحية يومًا طريدة الشرك، ولكن كانت طريدة أهل الكتاب من اليهود، وقد قال الشاعر ما قال ليدلل على أن لكل دين حماة يحتمي بـهم، ومناصرين ينتصر بتصديهم لأعدائه، وقد أدّى سرد هذا الموضوع إلى الابتعاد عن جو القصيدة بعقد مقارنة لا محل لها بين انتشار الديانتين، وكان من الأنسب في رأيي أن يبتعد شاعرنا عن هذا الموضوع الشائك، وألا يعرض لغة الشعر للهبوط والانزلاق في مهاوي الركاكة والاستطراد والتعسف اللفظي على هذا النحو.  

رابعًا: ابتدع الشاعر كنيتين للرسول (ص)، فقد عرفه بأبى القاسم وبكنيات أخرى، ولكن لم يعرف بابن عبد الله كما يقول شوقي في هذا البيت:

وَوَحشَـةٍ لِاِبن عَبدِ اللَهِ  بينَهُمــــــــا       أَشهى مِنَ الأُنسِبِ الأَحسابِ وَالحَشَمِ

كذلك لم يعرف (ص) بابن آمنة، ولم ترد هذه الكنية في الكتب المعتمدة.

يقول شوقي:

مَحَبَّـــــــــــةُ   اللهِ     أَلقـــاها  وَهَيبَتُـهُ     عَلى  اِبنِ آمِنَـــــــةٍ في كُلِّ  مُصطَدَمِ

سادسًا: في معرض مدحه للرسول (ص) يقول شوقي:

فاقَ البُدورَ  وَفاقَ  الأَنبِيــــــــاءَ فَكَم    بِالخُلقِ وَالخَلقِ مِن حُســنٍ وَمِن عِظَمِ

سابعًا: حين يغلب الاستطراد على الشاعر يبدو المعنى مضطربًا، والصياغة غير محكمة كما في قوله:    

تـَهفـــــو إِلَيكَ  وَإِن  أَدمَيتَ  حَبَّتَهـا       في  الحَربِ  أَفئِدَةُ الأَبطــــــالِ  وَالبُهَمِ

وقوله في وصف القرآن الكريم:

يَكادُ  في   لَفظَــــــةٍ  مِنهُ   مُشَرَّفَةٍ       يوصيكَ بِالحَقِّ  وَالتَقــــــوى  وَبِالرَحِمِ

وقوله:

عَلَّمتَهُمْ  كُلَّ  شَيءٍ  يَجهَلــــــــونَ  بِهِ      حَتّى  القِتالَ  وَما فيـــــــــهِ مِنَ  الذِمَمِ

ثامنًا:في الأبيات التالية اجتمع السرد القصصي مع الاستطراد، فجاءت غاية في الركاكة والثقل، فلم يكن لها حظ من الشعر إلا الوزن والقافية، وإن جاءت قلقة في الأبيات الثلاثة.

يقول شوقي:

وَحِدنَ بِالراشِدِ الفاروقِ عَن رُشــــــــــدٍ      في المَوتِ وَهـــــــوَ  يَقــــينٌ غَيرُ  مُنبَهِمِ

يُجادِلُ   القَـــــومَ   مُســــــــتَلًا    مُهَنَّدَهُ      في أَعظَمِ الرُســـــلِ قَدرًا كَيفَ لَم يَدُمِ

لا تَعذُلـــــوهُ  إِذا  طافَ الذُهـــــولُ  بِهِ      ماتَ الحَبيبُ فَضَـلَّ الصَبُّ عَن رَغَمِ

فالملاحظ أن لفظ منبهم في البيت الأول جلب من أجل القافية، فوصف الموت بأنه يقين (غير منبهم) غير مألوف للأذن العربية، وتعبير الشاعر بقوله (لم يدم) لا يفهم منه موت بشر، وأيضًا قوله (عن رغم) ربّما لا يكون صحيحًا لغويًّا، فالصحيح أن يقول (برغمه) وهو مأخوذ من الرغام وهو التراب.

الأغراض التي اشتملت عليها قصيدة نهج البردة

بلغت أبيات القصيدة مائة وتسعين بيتًا، وعلى ذلك تعدّ هذه القصيدة أطول قصائد شوقي على الإطلاق، إلا أننا يـمكن من خلال الوقوف على الأغراض التي اشتملت عليها القصيدة أن نضعها في عدة أقسام غير المقدمة والخاتمة، اشتملت المقدمة على أبيات في الغزل وشكوى الغرام، وأبيات في الحديث عن النفس، وأبيات وضعتها تحت عنوان توبة ورجاء، واشتملت الخاتمة على أبيات في الصلاة على محمد، والصلاة على آل محمد، والصلاة على أصحابه، ثم أبيات في مناجاة الرسول (ص)، وبين مقدمة القصيدة وخاتمتها.

تنقسم القصيدة إلى عشرة أبواب؛ الباب الأول في بيان مآثر الرسول قبل البعثة وبعدها، الباب الثاني في الحديث عن القرآن الكريم؛ المعجزة التي بعث بـها، أما الحديث عن مولده (ص) فجاء في الباب الثالث، والباب الرابع في الحديث عن الإسراء والمعراج، أما هجرته فجاء الحديث عنها في الباب الخامس، والباب السادس في مناجاة الرسول، والباب السابع في المدح النبوي، الباب الثامن في الحديث عن غزواته (ص)، أما الحديث في الباب التاسع فجاء عن الشريعة الإسلامية.

وهكذا نجد أن الأغراض التي طرقها الشاعر سارت على غرار تلك التي وردت في قصيدة البردة للبوصيري إلا أن ثـمة اختلافات نشير إليها فيما يلي:

– أطال أحمد شوقي في أبيات الغزل وشكوى الغرام فأثقل كاهل القصيدة، أما البوصيري فاكتفى بعدد قليل من الأبيات في مقدمة القصيدة، ولم يلبث أن انتقل إلى الحديث عن النفس.

– قدّم أحمد شوقي الحديث عن النفس بتحذير من الدنيا وعدم الاغترار بـها، ولكن البوصيري تحدث عن النفس مباشرة.

– دخل البوصيرى في باب المدح النبوي بإعلان تقصيره في حق السنة النبوية المطهرة، أما شوقي فبعد أربعة أبيات حملت رجاءه إلى المولى عز وجل أن يغفر له ذنوبه، ويجيره مما ارتكب من آثام، ويقبل ندمه على ما فرط في جنب الله، بدأ شوقي حديثه عن الرسول (ص)، ولكن غلب على هذه الأبيات السرد القصصي مما جعل الشاعر يعود إلى المدح النبوي مرة أخرى بعد أن فرغ من الحديث عن مولده الشريف، وعن حادثة الإسراء والمعراج والهجرة النبوية الشريفة.

– بينما أفرد البوصيري بابًا لمعجزات الرسول (ص)، وآخر لمعجزة القرآن الكريم جاء حديث شوقي عن هذه المعجزات في أبيات متناثرة في باب مآثر الرسول (ص) قبل البعثة وبعدها. ثم تحدث عن القرآن الكريم في أبيات قليلة بعد ذلك.

– تحدث البوصيري عن غزوات الرسول ممجدًا ومبينًا شجاعته (ص) وبسالة أصحابه، أما شوقي فحاول الدفاع عن الفرية التي ألصقت بالدين الإسلامي زورًا وبـهتانًا؛ فرية انتشاره بحد السيف، ولكنه لم يصادف في ذلك التوفيق المرجو.

– أفرد شوقي بابًا تحدّث فيه عن الشريعة الإسلامية الغرّاء، وآخر عن الخلفاء الراشدين، وهذان البابان لم يردا في قصيدة البردة.

– ختام قصيدة نـهج البردة جاء مختلفًا بعض الشيء عن ختام قصيدة البردة، فقد تضمن الصلاة على النبي وعلى آله وصحبه، ثم الدعاء أن يلطف المولى عز وجل بالمسلمين ويقيل عثراتـهم، أما البوصيري فقد بالغ في التوسل بالرسول (ص) والتوبة من الذنوب والمعاصي، ثم الدعاء للمسلمين أن يبلغهم الله مقاصدهم ويغفر لهم ذنوبـهم بِـمنّه وكرمه.

نهج البردة

في الغزل وشكوى الغرام

ريمٌ  عَلى القــــاعِ  بَينَ البانِ  وَالعَلَمِ      أَحَلَّ سَفكَ دَمي في الأَشـــــهُر الحُرُمِ[1]

رَمى القَضـــــــاءُ  بِعَينَي  جُؤذَرٍ أَسَــدًا      يا ساكِنَ القاعِ أَدرِك سـاكِنَ الأَجَمِ[2]

لَمّا  رَنا  حَدَّثَتـــني   النَفسُ   قائِـلَةً      يا وَيحَ جَنبِكَ بِالسَهمِ الـمُصيبِ رُمي[3]

جَحَدتُها وَكَتَمتُ السَــهمَ في كَبِدي      جُرحُ  الأَحِبَّــــــــةِ  عِندي غَيرُ ذي أَلَمِ[4]

رُزِقتَ أَسمَحَ ما في الناسِ مِن خُلُــقٍ      إِذا رُزِقتَ اِلتِماسَ العُذرِ في الشِـــــــيَمِ[5]

يا لائِمي  في  هــــواهُ  وَالهَوى  قَـدَرٌ      لَو شَـــفَّكَ الوَجدُ  لَم تَعذِل وَلَم  تَلُم[6]

لَقَـــد   أَنَلتُكَ   أُذنًــــا   غَيرَ   واعِيَةٍ      وَرُبَّ  مُنتَصِـتٍ وَالقَـــلبُ  في صَــمَمِ[7]

يا ناعِسَ الطَرفِ لا ذُقتَ الهَوى أَبَـــدًا    أَسهَرتَ مُضناكَ في حِفظِ الهَوى فَنَمِ[8]

أَفديكَ إِلفًا  وَلا  آلو الخَيالَ  فِدىً      أَغراكَ باِلبُخــلِ  مَن  أَغراهُ  بِالكَــــرَمِ[9]

سَرى فَصادَفَ جُرحًا  دامِيـًـــا فَأَسـًــا      وَرُبَّ  فَضلٍ عَلى العُشّـــــاقِ  لِلحُلُمِ[10]

مَنِ    المَوائِــــسُ  بانًا  بِالرُبى   وَقَنًــــا    اللاعِبـاتُ بِروحي السافِحاتُ  دَمي[11]

الســــــافِراتُ  كَأَمثالِ  البُدورِ ضُحىً      يُغِرنَ شـَمسَ الضُحى بِالحَــليِ وَالعِصَمِ[12]

القاتِلاتُ   بِأَجفانٍ    بـِهــا   سَـقَمٌ      وَلِلمَنِيَّةِ    أَســــــــبابٌ   مِنَ   السَـقَمِ[13]

العاثِراتُ    بِأَلبابِ   الرِجــــالِ  وَما      أُقِلنَ مِن  عَثَراتِ الدَلِّ  في  الرَسَـــمِ[14]

المضرِماتُ خُدودًا أَسْـفَرَتْ  وَجَلَتْ      عَن  فِتنَةٍ  تُسـلِمُ  الأَكبادَ  لِلضَـــــرَمِ[15]

الحامِلاتُ   لِواءَ   الحُسنِ   مُختَلِفًــا      أَشكالُهُ  وَهوَ  فَــردٌ  غَـــيرُ  مُنقَســــــمِ[16]

مِن   كُلِّ  بَيضاءَ  أَو سَـمراءَ  زُيِّنَتـا      لِلعَــينِ وَالحُسنُ في  الآرامِ كَالعُصُـــمِ[17]

يُرَعنَ لِلبَصَــرِ  السامي وَمِن عَجَبٍ      إِذا   أَشَــــرنَ  أَسَــرنَ  اللَيثَ  بِالعَنَمِ[18]

وَضَعتُ خَدّي وَقَسَّمتُ الفُؤادَ رُبيً      يَرتَعنَ  في  كُنُسٍ  مِنـــهُ  وَفي  أَكَـــــمِ[19]

يا بِنتَ ذي  اللَبَدِ  المحْمِىِّ جانِبُــــــــــهُ      أَلقاكِ في الغابِ أَم أَلقـــــاكِ في الأُطُمِ[20]

ما كُنتُ  أَعلَـــــمُ حَتّى عَنَّ  مَسكَنُهُ      أَنَّ  الـمُنى  وَالـمَنايا  مَضرِبُ  الخِيَمِ[21]

مَن أَنبَتَ الغُصنَ مِن صَمصامَةٍ ذَكَـــرٍ     وَأَخــرَجَ   الريمَ  مِن  ضِرغـامَةٍ  قَــــرِمِ[22]

بَيني وَبَينَكِ مِن سُــمــرِ القَنا حُجُبٌ      وَمِثلُهــــــا   عِفَّـــــةٌ    عُذرِيَّةُ   العِصَـمِ[23]

لَم أَغشَ مَغناكِ إِلّا في غُضــونِ كِرىً      مَغناكَ   أَبعَــــدُ  لِلمُشتاقِ  مِن  إِرَمِ[24]

النفس

يا  نَفسُ دُنيـــاكِ تُخفى كُلَّ  مُبكِيَــةٍ      وَإِن بَدا  لَكِ مِنهــــــا حُسنُ  مُبتَسَمِ[25]

فُضّي  بِتَقواكِ فاهَا كُلَّما ضَحِكَت      كَما  يَفُضُّ   أَذى الرَقشـــــــــاءِ بِالثَرَمِ[26]

مَخطــوبَةٌ   مُنــذُ كانَ  الناسُ خاطِبَةٌ      مِن أَوَّلِ الدَهــــرِ  لَم  تُرمِـــل وَلَم  تَئَـــمِ[27]

يَفنى  الزَمانُ  وَيَبقى مِن  إِســــاءَتِـها      جُـــــرحٌ   بِآدَمَ يَبكي مِنـــــهُ  في الأَدَمِ[28]

لا  تَحفَلي   بِجَنــــاها   أَو   جِنايَتِها      الموتُ بِالزَهـــــــرِ مِثلُ الموتِ بِالفَحَـــــمِ[29]

كَم   نائِمٍ  لا  يَراها وَهيَ  ســـــاهِرَةٌ      لَولا  الأَمــــانِيُّ   وَالأَحــــــلامُ  لَم  يَنَمِ[30]

طَوراً  تَـمُدُّكَ  في  نُعمى   وَعافِيَـــةٍ      وَتارَةً  في  قَـــــــــرارِ  البُؤسِ  وَالوَصَــــمِ[31]

كَم  ضَلَّلَتكَ وَمَن تُحجَبْ  بَصــيرَتُهُ      إِن يَلقَ صابًّا يَرِد  أَو عَلقَمًـــا  يَسُــمُ[32]

يا  وَيلَتاهُ   لِنَفسـي  راعَهـــــا  وَدَهـــــا      مُســـوَدَّةُ الصُحفِ في مُبيَضَّـــةِ اللَمَمِ[33]

رَكَضتُهــــا  في مَريعِ  الـمَعصِياتِ وَما      أَخَذتُ مِن حِميَـــةِ الطاعاتِ لِلتُخَـــمِ[34]

هامَت  عَلى أَثَرِ  اللَـــذّاتِ تَطلُبُهـــــــا      وَالنَفسُ إِن يَدعُها داعي الصِبـا تـَهِمِ[35]

صَلاحُ   أَمرِكَ  لِلأَخـلاقِ  مَرجِعُـــــهُ      فَقَوِّمِ  النَفسَ  بِالأَخــــلاقِ  تَستَقِمِ[36]

وَالنَفسُ مِن  خَيــرِهـــا في خَيرِ عافِيَةٍ      وَالنَّفسُ مِن شَــــــــــــرِّها في مَرتَعٍ  وَخِمِ[37]

تَطغى إِذا  مُكِّنَت مِن لَـذَّةٍ  وَهَـوىً      طَغيَ الجِيادِ إِذا عَضَّت عَلى الشُكُمِ[38]

توبة ورجاء

إِن  جَلَّ ذَنبي عَنِ الغُفــرانِ لي أَمَـــلٌ      في اللَهِ  يَجعَــــلُني  في خَـــــــيرِ  مُعتَصِمِ[39]

أَلقى رَجائي إِذا عَـــــــزَّ الـمُجــيرُ عَلى       مُفَــــرِّجِ الكَرَبِ  في الدارَينِ وَالغَـمَـــــمِ[40]

إذا خَفَضتُ  جَناحَ  الذُلِّ  أَســــأَلُهُ      عِزَّ  الشَـــفاعَةِ لَم أَســـأَل سِــــــوى أَمَمِ[41]

وَإِن تَقَـــــــدَّمَ  ذو   تَقوى   بِصــالِحَةٍ      قَدَّمتُ  بَينَ  يَدَيــــهِ  عَـبــــرَةَ  النَـــدَمِ[42]

آثر الرسول (ص) قبل البعثة وبعدها

لَزِمتُ  بابَ   أَميرِ  الأَنبِيـــــاءِ  وَمَنْ        يـُمسِـك  بِـمِفتاحِ  بابِ  اللهِ يَغتَنِمِ[43]

فَكُلُّ   فَضــــلٍ   وَإِحسـانٍ   وَعارِفَةٍ      ما  بَينَ   مُســـــتَلِمٍ    مِنــــهُ   وَمُلتَزِمِ[44]

عَلَّقتُ مِن  مَدحهِ  حَبلًا  أُعَــزُّ  بِهِ      في يَومِ لا عِـــــــزَّ  بِالأَنسـابِ وَاللُحَمِ[45]

يُزري قَريضي  زُهَــيرًا  حينَ  أَمدَحُهُ       وَلا  يُقاسُ إِلى جــــــودي  لَدى هَـــرِمِ[46]

مُحَمَّدٌ   صَــــــــــفوَةُ   الباري   وَرَحمَتُــــهُ      وَبُغيَـــــةُ اللهِ  مِن  خَلقٍ  وَمِن  نَسَـــــمِ[47]

وَصاحِبُ الحَوضِ يَومَ الرُسلِ سائِلَةٌ      مَتى  الوُرودُ وَجِبريلُ الأَمــــينُ  ظَمي[48]

سَـناؤُهُ  وَسَــناهُ  الشَمسُ  طالِعَـــــةً        فَالجِـــــــرمُ في  فَلَكٍ  وَالضَــــوءُ في عَلَمِ[49]

قَد  أَخطَـــأَ  النَجمَ  ما نالَت أُبُوَّتُـــهُ      مِن سُــــؤدُدٍ  باذِخٍ  في مَظهَــــرٍ سَـــنِمِ[50]

نـُمــــوا  إِلَيهِ  فَزادوا  في الوَرى شَـــــرَفًا      وَرُبَّ أَصلٍ لِفَرعٍ  في الفَخـــــارِ نـُمي[51]

حَواهُ في سُبُحاتِ الطُهـرِ قَبلَهُمُ نورانِ    قامــا  مَقامَ   الصُـلبِ  وَالرَحـــمِ[52]

لَمّا   رَآهُ   بَحـيـــرا    قالَ    نَعرِفُـــــــهُ       بِـما حَفِظنـــــــا مِنَ الأَسْــماءِ  وَالسِيَمِ[53]

سائِل حِراءَ وَروحَ القُدسِ هَل عَلِما       مَصــــــونَ سِــــرٍّ عَنِ  الإِدراكِ  مُنكَتِمِ[54]

كَم جيئَةٍ  وَذَهابٍ  شُــرِّفَت  بِـهِمــا       بَطحاءُ مَكَّةَ في الإِصبـاحِ وَالغَسَــــــــمِ[55]

وَوَحشَـــــةٍ  لِاِبنِ  عَبدِ  اللَهِ   بينَهُما       أَشهى مِنَ الأُنسِ بِالأَحسابِ وَالحَشَمِ[56]

يُسـامِرُ الوَحيَ  فيها   قَبلَ  مَهبِطِهِ       وَمَن يُبَشِّـــرْ  بِسيمى  الخَيرِ  يَتَّسِـــــمِ[57]

لَمّا دَعا الصَحبُ يَستَسقونَ مِن ظَمَــإٍ   فاضَت يَــــداهُ  مِنَ التَســــنيم بِالسَنَمِ[58]

وَظَلَّلَتـــهُ   فَصـــــــارَت   تَستَظِلُّ   بِـهِ      غَمامَــــــةٌ    جَذَبَتهـــــا  خـــيرَةُ   الدِيَمِ[59]

مَحَبَّةٌ   لِرَســـــــولِ  اللهِ    أُشـــــرِبـَهــــا         قَعائِــــدُ  الدَيرِ وَالرُهبـــــانُ  في  القِمَمِ[60]

إِنَّ   الشَمائِلَ إِن  رَقَّت يَكادُ  بـها      يُغرى الجمادُ وَيُغرى كُلُّ  ذي نَسَمِ[61]

وَنودِيَ اِقرَأ  تَعــالى   اللهُ   قائِلُـــها        لَم  تَتَّصِــل قَبلَ  مَن قيلَت  لَهُ  بِفَمِ[62]

هُنــاكَ  أَذَّنَ   لِلرَحَمَنِ   فَاِمتـــَلأَت        أَسْماعُ  مَكَّةَ  مِن  قُدسِـــــيَّةِ   النَغَمِ[63]

فَلا تَسَــلْ عَن قُرَيشٍ  كَيفَ حَيرَتـُهـا      وَكَيفَ نُفرَتـُهــــا  في السَــــهلِ  وَالعَلَمِ[64]

تَســـــــاءَلوا  عَن عَظيمٍ  قَد  أَلَمَّ  بـِهِم      رَمى  الـمَشــــايِخَ   وَالوِلـدانِ  بِاللَمَمِ[65]

ياجاهِلينَ عَلى  الهادي  وَدَعوَتِــــهِ        هَل تَجهَـلـــونَ  مَكانَ الصادِقِ العَلَمِ[66]

لَقَّبتُمـــوهُ  أَمينَ  القَـــومِ   في  صِـغَرٍ       وَما  الأَمينُ  عَلى   قَــولٍ  بِـمُتَّهَـــــــمِ[67]

فاقَ البُــــــدورَ  وَفاقَ الأَنبِيــاءَ   فَكَم      بِالخُلقِ وَالخَلقِ مِن حُســنٍ وَمِن عِظَمِ[68]

معجزة الرسول (ص) هي القرآن الكريم

جاءَ  النبِيّـونَ بِالآيـــاتِ  فَاِنصَــرَمَت       وَجِئتَنا     بِحَكـــيمٍ   غَيرِ   مُنصَــرِمِ[69]

آياتُهُ   كُلَّمـــا  طالَ  الـمَدى  جُدُدٌ      يَزينُهُـنَّ   جَــــــلالُ  العِتقِ   وَالقِدَمِ[70]

يَكادُ   في  لَفظَــــةٍ    مِنهُ   مُشَـــرَّفَةٍ      يوصـــيكَ  بِالحَقِّ  وَالتَقوى  وَبِالرَحِمِ[71]

يا  أَفصَحَ  الناطِقينَ الضــادَ  قاطِبَةً      حَديثُكَ الشَـــــهدُ عِندَ الذائِقِ الفَهِمِ[72]

حَلَّيتَ  مِن  عَطَلٍ جيدَ البَيــانِ بِهِ        في  كُلِّ  مُنتَثِرٍ  في حُسـنِ  مُنتَظِـــــــمِ[73]

بِكُلِّ  قَــــولٍ  كَريمٍ  أَنتَ   قائِــلُـهُ          تُحيِ  القُلــــوبَ  وَتُحيِ  مَيِّتَ  الهِمَمِ[74]

مولده (ص)

سَـــــرَت بَشـائِرُ   باِلهادي   وَمَولِــــدِهِ      في الشَـرقِ وَالغَربِ مَسرى النورِ في الظُلَمِ[75]

تَخَطَّفَت مُهَجَ   الطاغــينَ مِن عَرَبٍ       وَطَيَّرَت أَنفُسَ  الباغينَ  مِن عُجُـــمِ[76]

ريعَت لَها شرَفُ الإيوان فَاِنصَدَعَت       مِن صَدمَةِ الحَقِّ لا مِن صَـدمَةِ  القدُمِ[77]

أَتَيتَ وَالناسُ  فَوضى لا تـَمُــــــرُّ بـِهِم      إِلا عَلى صَنَمٍ  قَــــد  هامَ  في صَنَــــمِ[78]

وَالأَرضُ   مَملـــــوءَةٌ  جَـــــورًا  مُسَخَّرَةٌ      لِكُلِّ  طاغِيَــــــــــــــةٍ  في  الخَلقِ  مُحتَكِمِ[79]

مُسَــيطِرُ  الفُرسِ  يَبغي  في  رَعِيَّتِــــــهِ      وَقَيصَـــــــــــرُ  الرومِ مِن كِبرٍ أَصَمُّ  عَمِ[80]

يُعَذِّبانِ   عِبـــــــادَ   اللهِ  في    شُـــــبَهٍ      وَيَذبَحــانِ   كَمــا  ضَحَّيتَ  بِالغَنَــــــمِ[81]

وَالخَلقُ يَفتِكُ  أَقواهُـــــــم  بِأَضـعَفِهِـــم    كَاللَيثِ بِالبَهـمِ أَو كَالحـوتِ بِالبَـــلَمِ[82]

 

الإسراء والمعراج

أَسرى  بِكَ  اللهُ  لَيلًا  إِذ  مَلائِكُهُ     وَالرُسلُ في الـمَسجِدِ الأَقصى عَلى قَدَمِ[83]

لـمَّـا  خَطَرتَ  بِهِ  اِلتَفــوا  بِسَـيِّدِهِم      كَالشُهبِ بِالبَدرِ أَو كَالجُندِ بِالعَلَــــــمِ[84]

صَلّى وَراءَكَ لامِنهُم كُلُّ ذي خَطَــرٍ      وَمَن   يَفُــــز  بِحَبيبِ   اللهِ   يَأتـَمِــــمِ[85]

جُبتَ السَماواتِ أَو ما فَوقَهُنَّ بـِهِم      عَلى مُنَــــــــوَّرَةٍ    دُرِّيَّــــــــةِ      اللُجُـــمِ[86]

رَكوبَـــــــةً لَكَ  مِن عِــــزٍّ  وَمِن  شَرَفٍ      لا  في  الجِيادِ وَلا في الأَينُقِ الرُسُـــــمِ[87]

مَشــــــيئَةُ  الخالِــــقِ  الباري   وَصَنعَتُهُ      وَقُدرَةُ   اللهِ  فَوقَ الشَــكِّ   وَالتُهَــــمِ[88]

حَتّى  بَلَغتَ  سَــــماءً لا  يُطارُ لَهــــــا      عَلى جَنـــــاحٍ  وَلا يُسـعى عَلى قَـــدَمِ[89]

وَقيـــــــلَ  كُـلُّ   نَــــبِيٍّ   عِنــــــدَ    رُتبَتِـهِ      وَيا   مُحَمَّدُ  هَذا العَرشُ  فَاسْــــــــــتَلِمِ[90]

خَطَطتَ لِلدينِ  وَالدُنيـا  عُلومَهُمــا      يا قارِئَ اللَوحِ  بَل يا لامِسَ القَــــــلَمِ[91]

أَحَطتَ بَينَهُمـا بِالسِــرِّ  وَانْكَشَفَتْ      لَكَ  الخَزائِنُ مِن عِلـمٍ  وَمِن حِكَـــــــمِ[92]

وَضاعَفَ القُــربُ ما قُلّدتَ مِن مِنَنٍ     بِلا  عِــدادٍ  وَما  طُوِّقتَ  مِن نِعَــــــمِ[93]

هجرة الرسول (ص) إلى المدينة

سَل عُصبَةَ الشِركِ حَولَ الغارِ سائِمَةً     لَولا  مُطــــــارَدَةُ  الـمُختــــــارِ  لَم تُسَـــمَ[94]

هَل أَبصَــــــروا الأَثَرَ الوَضّاءَ أَم سَمِعوا      هَمسَ التَســــابيحِ  وَالقُرآنِ  مِن  أمَمِ[95]

وَهَل تَـمَثَّلَ نَســـجُ  العَنكَبوتِ   لَهُم      كَالغابِ وَالحائِماتُ الزُغبُ كَالرُخَــمِ[96]

فَأَدبَروا   وَوُجــــوهُ  الأَرضِ   تَلعَنُـهُم       كَباطِـلٍ مِن  جَلالِ  الحَقِّ  مُنهَـــــزِمِ[97]

لَولا   يَدُ  اللهِ  بِالجارَينَ  ما سَــــــلِما      وَعَينُـــهُ  حَــولَ  رُكنِ الدينِ  لَم  يَقُمِ[98]

تَوارَيا   بِجَنـــــــاحِ    اللهِ     وَاِســــــــتَتَرا      وَمَن  يَضُــــــمَّ  جَنـــــاحُ  اللهِ لا  يُضَمِ[99]

في المدح النبوي

يا  أَحمَـــدَ  الخَيرِ  لي  جاهٌ بِتَسمِيَتي      وَكَيفَ  لا يَتَسامى  بِالرَســـــولِ سَمي[100]

المادِحــــونَ   وَأَربابُ  الهَـــــوى   تَبَعٌ      لِصاحِبِ البُردَةِ الفَيحــاءِ ذي القَدَمِ[101]

مَديحُـهُ فيكَ  حُبٌّ خالِصٌ وَهَـــــوىً      وَصادِقُ الحُبِّ يـُملي صـادِقَ الكَلَمِ[102]

اللهُ   يَشــــــهَدُ   أَنّي  لا   أُعارِضُـــــــهُ      من ذا يُعارِضُ صَــوبَ العارِضِ العَرِمِ[103]

وَإِنّـَمـا  أَنا  بَعضُ الغابِطــــــــينَ  وَمَن      يَغبِط  وَلِيَّـــــــكَ  لا  يُذمَمْ  وَلا  يُلَـمِ[104]

هَذا  مَقــــامٌ   مِنَ  الرَحمَنِ  مُقتَبَسٌ      تَرمي   مَهابَتُــــــهُ  سَحبانَ   بِالبَكَــــمِ[105]

البَدرُ دونَكَ في حُســنٍ  وَفي شَرَفٍ      وَالبَحرُ دونَكَ  في خَـــــــيرٍ  وَفي  كَرَمِ[106]

شُـمُّ  الجِبالِ إِذا طاوَلتَهــا  اِنخَفَضَت      وَالأَنجُــمُ  الزُهرُ  ما  واسَمتَها  تَسِــــــمِ[107]

وَاللَيثُ دونَكَ  بَأسًـــــا عِندَ  وَثبَتِــــهِ        إِذا مَشَيتَ إِلى شاكي السِلاحِ كَمي[108]

تـَهفـــــــو  إِلَيكَ  وَإِن  أَدمَيتَ حَبَّتَها      في الحَربِ أَفئِـــــدَةُ  الأَبطـالِ  وَالبُهَمِ[109]

مَحَبَّــــــــةُ    اللهِ    أَلقــــــــــــاها   وَهَيبَتُــــــهُ      عَلى اِبنِ آمِنَــةٍ  في  كُلِّ  مُصطَــــدَمِ[110]

كَأَنَّ وَجهَكَ تَحتَ النَقعِبَدرُ دُجىً       يُضيءُ  مُلتَثِمـًـــــــا  أَو  غَـــــيرَ   مُلتَثِمِ[111]

بَدرٌ   تَطَلَّــــعَ   في   بَـــــــدرٍ   فَغُرَّتُـهُ      كَغُرَّةِ  النَصــــرِ  تَجلو  داجِيَ الظُلَــمِ[112]

ذُكِرتَ  بِاليُتمِ  في  القُرآنِ  تَكرِمَـــةً      وَقيمَــــةُ  اللُؤلُؤِ   المكنـــونِ في  اليُتُمِ[113]

اللهُ   قَسَّـــــــمَ  بَينَ  الناسِ   رِزقَهُــــمُ      وَأَنتَ خُيِّرتَ  في الأَرزاقِ  وَالقِسَــمِ[114]

إِن قُلتَ في الأَمرِ لا أَو قُلتَ فيهِ نَعَم   فَخيــــرَةُ  اللهِ  في  لا  مِنكَ  أَو نَعَمِ[115]

أَخــوكَ  عيسى دَعــا مَيتًا  فَقامَ  لَهُ      وَأَنتَ  أَحيَيتَ  أَجيالًا  مِنَ  الرِمَــــمِ[116]

وَالجَهـلُ  مَوتٌ فَإِن  أوتيتَ مُعجِـزَةً      فَابعَث مِنَ الجَهلِ أَو فَابعَث مِنَ الرَجَمِ[117]

غزواته (ص)

قالوا  غَزَوتَ وَرُســـــلُ  اللهِ ما  بُعِثــوا      لِقَتلِ نَفسٍ  وَلاجاءوا لِسَــــــفكِ  دَمِ[118]

جَهــــلٌ  وَتَضليلُ أَحـلامٍ  وَسَفسَطَةٌ      فَتَحتَ بِالسَيفِ بَعدَ الفَتحِ بِالقَلَـــــمِ[119]

لَمّا أَتى لَكَ عَفــوًا كُلُّ ذي حَسَـبٍ      تَكَفَّلَ  السَيفُ  بِالجُهّــــــالِ  وَالعَمَم[120]

وَالشَـــــرُّ إِن تَلقَهُ بِالخَــــــيرِ  ضِقتَ بِـهِ      ذَرعًا  وَإِن  تَلقَهُ  بِالشَـــــــــرِّ  يَنحَسِمِ[121]

سَــــلِ  المسيحِيَّةَ الغَــــرّاءَ كَم  شَـرِبَت      بِالصابِ مِن شَـــهَواتِ الظالِمِ  الغَلِمِ[122]

طَريدَةُ الشِـــــركِ  يُؤذيها  وَيوسِعُهــــــــا      في كُلِّ  حينٍ  قِتــــالًا ساطِعَ  الحَدَمِ[123]

لَولا  حُمــــــاةٌ   لَها   هَبّــــوا  لِنُصــرَتـِهـا      بِالسَيفِ ما انْتَفَعَت بِالرِّفــقِ وَالرُحَمِ[124]

لَولا  مَكانٌ  لِعيسى  عِندَ  مُرسِــــلِهِ      وَحُرمَـــــــةٌ   وَجَبَت لِلروحِ  في القِــدَمِ[125]

لَسُــمِّرَ البَدَنُ الطُهرُ  الشَريفُ عَلى      لَوحَــينِ  لَم يَخشَ  مُؤذيــــــــهِ  وَلَم  يَجِـمِ[126]

جَلَّ المســـيحُ  وَذاقَ الصَلبَ شـــانِئُهُ      إِنَّ  العِقابَ  بِقَــــدرِ الذَنبِ  وَالجُرُمِ[127]

أَخـــو  النَــبِيِّ   وَروحُ  اللهِ  في  نُــــــزُلٍ      فَوقَ  السَـماءِ  وَدونَ  العَرشِ مُحتَرَمِ[128]

عَلَّمتَهُـــم كُلَّ  شَيءٍ  يَجهَلــــــــونَ  بِهِ      حَتّى القِتـــال وَما  فيــــــهِ  مِنَ  الذِمَمِ[129]

دَعَوتَهُـــم  لِجِهـــــــاد   فيهِ  سُــــؤدُدُهُم      وَالحَربُ  أُسُّ نِظــامِ  الكَونِ  وَالأُمَمِ[130]

لَـــولاهُ  لَم  نَــــرَ  لِلدَولاتِ  في  زَمَـنٍ      ما طالَ مِن عُمُــــــدٍ  أَو قَرَّ مِن دُعُمِ[131]

تِلكَ  الشَــــــــــواهِدُ  تَترى  كُلَّ  آوِنَـةٍ      في الأَعصُـــرِ الغُرِّ  لا في الأَعصُــرِ الدُهُمِ[132]

بِالأَمسِ مالَت عُروشٌ وَاعْتَلَتْ سُرُرٌ     لَــــــولا القَذائِفُ  لَم  تَثلَمْ  وَلَم  تَصُــــمِ[133]

أَشياعُ عيسى  أَعَدّوا  كُلَّ  قاصِمَةٍ      وَلَم  نُعِـــدَّ  سِــــــــوى حالاتِ  مُنقَصِمِ[134]

مَهما دُعيتَ إِلى الهَيجـاءِ قُمتَ لَهــــا      تَرمي  بِأُســـــدٍ  وَيَرمياللهُ  بِالرُجُــــــــمِ[135]

عَلى  لِوائِكَ  مِنهُــــم  كُلُّ   مُنتَقِــــــــمٍ     للهِ   مُســــتَقتِلٍ   في   اللهِ   مُعتَــــــــزِمِ[136]

مُسَــــبِّحٍ    لِلِقاءِ   اللهِ    مُضطَـــــــــرِمٍ      شَـــــوقًا عَلى سابِحٍ كَالبَرقِ مُضطَــرِمِ[137]

لَو صادَفَ الدَهـــرَ يَبغي نَقلَةً فَرَمى      بِعَزمِـــــــهِ  في رِحـــالِالدَهــــــرِ لَم  يَرِمِ[138]

بيضٌ مَفاليـلُ مِن فِعلِ الحُروبِ بـِهِم      مِن  أَسيُفِ اللهِ لا  الهِنــــديَّةِ  الخُذُمِ[139]

كَم في التُرابِ إِذا  فَتَّشتَ عَن رَجُــــلٍ     مَن ماتَ بِالعَهدِ أَو مَن ماتَ بِالقَسَمِ[140]

لَولا  مَواهِبُ في بَعضِ الأَنامِ  لَمـــــا       تَفاوَتَ الناسُ  في  الأَقـــدارِ  وَالقِيَمِ[141]

الشريعة الإسلامية

شَـــريعَةٌ لَكَ  فَجَّرتَ  العُقــــــولَ  بـِها      عَن زاخِــــرٍ بِصُنوفِ  العِلــمِ  مُلتَطِــمِ[142]

يَلوحُ حَولَ سَــــنا التَوحيدِ  جَوهَرُهـــــا      كَالحَليِ لِلسَيفِ أَو كَالوَشـيِ لِلعَـــــلَمِ[143]

غَرّاءُ حامَت  عَلَيهَـــــا  أَنفُسٌ وَنُـهىً      وَمَن  يَجِد سَلسَــلًا مِن حِكمَـــةٍ يَحُمِ[144]

نورُ  السَبيلِ  يُساسُ العالِمـــونَ بـِهـا      تَكَفَّلَتْ  بِشَــبابِ  الدَهـــــــرِ   وَالهِرَمِ[145]

يَجري الزَمانُ  وَأَحكامُ  الزَمانِ عَلى      حُكمٍ لَهــــــــا نافِذٍ  في  الخَلقِ مُرتَسِـــمِ[146]

لَمّا اِعتَلَتْ دَولَةُ الإِسْـلامِ وَاتَّسَعَتْ      مَشَـــتْ  مَمالِكُــــــــــهُ في  نورِهــا  التَمَمِ[147]

 وَعَلَّمَتْ  أُمَّـــةً  بِالقَفـــرِ    نازِلَةً          رَعيَ القَياصِرِ بَعدَ  الشــــــــاءِ وَالنَعَمِ[148]

كَم شَـــيَّدَ الـمُصلِحونَ العامِلونَ بـِها    في الشَرقِ وَالغَربِ مُلكًــــا باذِخَ العِظَمِ[149]

لِلعِلمِ  وَالعَدلِ وَالتَمدينِ  ما عَزَمـــــوا      مِنَ الأُمـــــورِ  وَما شَــــــدّوا  مِنَ الحُزُمِ[150]

سُرعانَ ما فَتَحــــــــــوا  الدُنيا  لِمِلَّتِهِم      وَأَنْهَلـــوا  الناسَ مِن سَلســالِها الشَبِمِ[151]

سَاروا عَلَيهـــا هُداةَ الناسِ فَهيَ بِـهِم      إِلى الفَلاحِ  طَريقٌ  واضِـــــحُ  العَظَمِ[152]

لا يَهدِمُ  الدَهرُ  رُكنًا  شـــادَ عَدلَهُمُ      وَحائِطُ البَغيِ إِن  تَلمَسْــــــــهُ  يَنهَدِمِ[153]

نالوا السَـــعادَةَ في الدارَيْنِ وَاجْتَمَـعوا      عَلى  عَميمٍ مِنَ الرُضـــــــوانِ  مُقتَسَمِ[154]

دَع  عَنكَ روما  وَآثينا  وَما  حَوَتـــا      كُلُّ  اليَواقيتِ  في  بَغــــــــدادَ  وَالتُوَمِ[155]

وَخَــــــلِّ  كِسـرى   وَإيوانًا يَدِلُّ  بِهِ      هَـــــــوى  عَلى  أَثَرِ  النـيــــــرانِ  وَالأَيُمِ[156]

وَاِترُك رَعمَسيسَ إِنَّ الـمُلكَ  مَظهَــرُهُ     في نـَهضَــــةِ العَدلِ لا في نـَهضَةِ الهَــرَمِ[157]

دارُ  الشَـــرائِعِ  روما  كُلَّمــا  ذُكِرَت      دارُ السَـــــــــلامِ لَها  أَلقَت يَدَ السَــــلَمِ[158]

ما   ضارَعَتهـــا بَيانًا   عِنــــــدَ  مُلتَأَمٍ      وَلا  حَكَتها  قَضاءً   عِندَ  مُختَصَــمِ[159]

وَلا  اِحتَوَت في طِرازٍ مِن قَياصِــرِها      عَلى  رَشــيدٍ  وَمَأمـــــــونٍ   وَمُعتَصِـــمِ[160]

مَنِ الَّذينَ  إِذا  ســــــــارَت  كَتائِبُهُم      تَصَـرَّفـــــــوا  بِحُـــــدودِ  الأَرضِ  وَالتُخُمِ[161]

وَيَجلِســـــونَ   إِلى   عِلمٍ   وَمَعرِفَـــــــــــةٍ      فَلا  يُدانَـــــــــونَ  في  عَقلٍ  وَلا  فَهَمِ[162]

يُطَأطِئُ  العُلَمــــــاءُ  الهامَ إِن  نَبَسُـوا      مِن هَيبَةِ العِلــــمِ لا مِن هَيبَةِ الحُكُـــمِ[163]

وَيـُمطِـرونَ فَمـــــــا  بِالأَرضِ مِن مَحَلٍ    وَلا بـِمـَن باتَ فَوقَ الأَرضِ مِن عُدُمِ[164]

الخلفاء الراشدون

خَلائِفُ اللهِ  جَلّــــوا  عَن  مُوازَنَـــــــــةٍ      فَلا  تَقيسَـنَّ  أَمــــلاكَ  الوَرى  بِـهِــــمِ[165]

مَن  في البَرِيَّــــــــــــةِ  كَالفاروقِ  مَعدَلَةً      وَكَاِبنِ عَبدِ العَزيز  الخاشِــــــعِ  الحَشِمِ[166]

وَكَالإِمــــــــامِ  إِذا  ما   فَضَّ  مُزدَحِمًـــا      بِـمَدمَـــــــعٍ  في  مَآقي القَومِ  مُزدَحِــمِ[167]

الزاخِـــــرُ العَذبُ في عِلـمٍ  وَفي أَدَبٍ      وَالناصِـرُ النَدبِ في حَربٍ وَفي سَـلَمِ[168]

أَو كَاِبنِ  عَفّانَوَالقُـــــرآنُ  في يَـــدِهِ      يَحنـو عَلَيــــهِ كَما  تَحنــو  عَلى الفُطُمِ[169]

وَيَجمَـــــــــعُ   الآيَ   تَرتيبـًــا  وَيَنظُمُهــا      عِقدًا بِجيدِ  اللَيـــــالي غَيرَ   مُنفَصِــــــمِ[170]

جُرحانِ في كَبِدِ الإِسلامِ ما اِلتَأَمــا       جُرحُ الشَـهيدِ وَجُرحٌ بِالكِتابِ دَمي[171]

وَما    بَـــــلاءُ   أَبي بَكـــــرٍ   بـِمُتَّـهَـــــمٍ      بَعـــدَ الجَلائِلِ  في  الأَفعـالِ  وَالخِدَمِ[172]

بِالحَزمِ  وَالعَـــــزمِ حاطَ الدينَ في مِحَنٍ      أَضَلَّتِ  الحِلمَ  مِن  كَهــــــــلٍ  وَمُحتَلِمِ[173]

وَحِدنَ بِالراشِـــدِ الفاروقِ  عَن رُشــدٍ      في المَوتِ  وَهـوَ يَقــينٌ  غَيرُ مُنبَهِـــمِ[174]

يُجادِلُ   القَـــــومَ   مُســــــــتَلاً   مُهَنَّدَهُ      في أَعظَمِ الرُســــلِ قَدرًا كَيفَ لَم يَدُمِ[175]

لا تَعذُلوهُ  إِذا  طافَ الذُهـــــولُ بِـــــهِ      ماتَ الحَبيبُ فَضَـلَّ الصَبُّ عَن رَغَمِ[176]

في الصلاة على النبي(ص)

يا رَبِّ صَلِّ وَسَـــــلِّم ما أَرَدتَ  عَلى    نَزيلِ  عَرشِــــــكَ خَيرِ  الرُســــلِ كُلِّهِمِ[177]

مُحيِ  اللَيالي صَـــــــلاةً  لا   يُقَطِّعُها      إِلا بِدَمـــــعٍ  مِنَ الإِشـــــفاق  مُنسَجِمِ[178]

مُسَبِّحًا  لَكَ جُنحَ  اللَيــلِ مُحتَمِــــلًا       ضُرًّا مِنَ السُـــــهدِ أَو ضُـــــرًّا مِنَ الوَرَم[179]

رَضِيَّةً  نَفسُـــــــهُ  لا  تَشتَكي سَأَمًا      وَما مَعَ الحُبِّ إِن أَخلَصـتَ مِن سَأَمِ[180]

في الصلاة على آل النبي(ص)

وَصَــــلِّ  رَبــّي  عَلـى  آلٍ  لَهُ   نُخَبٍ      جَعَلتَ فيهِــــــم  لِواءَ  البَيتِ  وَالحَرَمِ[181]

بيضُ الوُجوهِ وَوَجــهُ الدَهرِ ذو حَلَكٍ      شُــــمُّ الأُنوفِ وَأَنفُ الحادِثـاتِ حَمِى[182]

في الصلاة على أصحاب النبي(ص)

وَأَهدِ خَيرَ  صَـلاةٍ   مِنكَ   أَربَعَــــــــةً      في الصَحبِ صُحبَتُهُـــم مَرعِيَّةُ الحُرَمِ[183]

الراكِبـــــــينَ  إِذا  نادى   النَبِيُّ  بـِهِــــم     ما هالَ مِن جَلَلٍ وَاشْــــــــتَدَّ مِن عَمَمِ[184]

الصابِرينَ  وَنَفسُ  الأَرضِ  واجِفَـــــةٌ      الضاحِكينَ إِلى الأَخطــــارِ  وَالقُحَـمِ[185]

في المناجاة

يارَبِّ  هَبَّت شُـــعوبٌ  مِن  مَنِيَّتِهـــــا      وَاِستَيقَظَت أُمَمٌ  مِن رَقــدَةِ  العَـــــدَمِ[186]

سَــــعدٌ  وَنَحسٌ وَمُلكٌ  أَنتَ  مالِكُهُ      تُديلُ  مِن نِعَـــــــمٍ   فيهِ  وَمِن  نِقَـــــــــمِ[187]

رَأى قَضـــــــاؤُكَ  فينا   رَأيَ  حِكمَتِهِ      أَكرِم  بِوَجهِــــــكَ  مِن قاضٍ وَمُنتَقِمِ[188]

فَالْطُف لِأَجلِ رَســــولِ العالَمينَ  بِنا      وَلا تَزِد   قَومَهُ  خَســـفًا  وَلا  تُسِـــمِ[189]

يا رَبِّ  أَحسَـنتَ بَدءَ المسلِمينَ  بِهِ      فَتَمِّمِ الفَضـــــلَ وَاِمنَح  حُســـنَ مُختَتَمِ[190]

[1] ريم: الريم ولد الغزال، تشبّه به الحسان لجمال عينيه، القاع: الأرض السهلة المنبسطة، البان: شجر البان المعروف بليونة أغصانه، العلم: الجبل، الأشهر الحرم هي محرم، ورجب، وذو القعدة، وذو الجحة. وأحل سفك دمي في الأشهر الحرم كناية عن قوة القاتل وسلطانه ورفضه لأية مواثيق أو شرائع، فإذا كان هذا القاتل فتاة في جمال ولد الغزال فإن قوتـها وسلطانـها يكمنان في هذا الجمال، وأحل سفك دمي هنا معناها أصابه بالعشق إصابة مباشرة، يتحدث الشاعر في هذا البيت عن فتاة جميلة أحبها.

[2] جؤزر: ولد البقرة الوحشية، يقصد الفتاة على سبيل الاستعارة التصريحية، وكناها بساكن القاع، ويقصد بالأسد نفسه أيضًا على سبيل الاستعارة التصريحية وكناه بساكن الأجم، والأجم وهو الشجر الكثيف الملتف وتسكنه الأسود، ثم يستغيث بـمن رمته أن تدركه بعدما أصابه من العشق ما أصابه.

[3] رنا: أطال النظر، يقول إنـها لما أطالت النظر إليه حدثته نفسه بأن جنبه أصيب برمية سهم لم يخطئ طريقه إلى قلبه.

[4] جحدتـها: أنكرتُ عليها ما تقول وتجاهلتها، يقول الشاعر بأنه لم يول ما حدثته به نفسه اهتمامًا، وكتم السهم الذي أصابه في كبده، لأن جرح الأحبة غير مؤلم.

[5] خلق: خلق المرء طباعه التي يتحلى بـها، شيم: جمع شيمة وهي الخصلة، يقول الشاعر: إن من أسمح الخلق التماس العذر في أي فعل لا يُعلم ما وراءه.

[6] شفك: شفه الحزن أو الحب ونحوهما أظهر ما به من جزع، وقيل أنحله وأذهب عقله، الوجد: وجد به: أحبه حبًّا شديدًا، والوجد هو شدة الحب ولوعته، تعذل: تلوم أو تكثر من اللوم، يخاطب الشاعر من يلومه في حبه والحب قدر قائلًا: لو أصابك الحب فأظهر ما بك من وجد لم تقدم على لوم أحد.

[7] واعية: منتبهة لما يقال أو يحدث، منتصت: الإنصات استراق السمع، الصمم: انسداد الأذن وثقل في السمع، ورجل أصم لا يسمع، وتجمع صُم، يقول الشاعر: إنه تجاهل من يلومه وأعطاه أذنًا لا تسمع، وقد ينصت المرء بينما قلبه لا يعي ما يقال.

[8] ناعس الطرف: النعاس النوم أو مقاربته، وفي التنزيل ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾، الطرف: العين، وفي التنزيل﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾، وفيه أيضًا ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾، والطرف إطباق الجفن على الجفن، والطرف تحريك الجفون في النظر، والطرف إصابة العين بثوب أو بنحوه. لا ذقت الهوى أبدًا: دعاء بألا يذوق الحب كي يهنأ بالنوم، على عكس من أضناه الهوى يظل ساهرًا لا يطعم النوم من وجده وشوقه، هنا يخاطب الشاعر محبوبته فيدعو لها بألا يصيبها ما أصابه من عشق فأبعد عنه النوم.

[9] إلفًا: الإلف الذي تألفه والمقصود محبوبته، آلو: آلى يألو: قصّر أو أبطأ، والضمير في أغراه متعلق بالخيال؛ أي لا أقصر في افتداء خيالك، يقول الشاعر لمحبوبته: أفديك محبوبةً ألفتها ولا أقصر في افتداء خيالك، لأنه أكرم منك فهو يزورني وأنت تتمنعين عليّ.

[10] سرى: سار ليلًا، أسا: داوى، أسا يأسو فهو آسي أي مداوي أو معالج، أي جاءني ليلًا فوجد جرحي يدمي فداواه، وقليلًا ما يكون الحلم ذا فضل على العشاق.

[11]الموائس: ماس الغصن تـمايل، وموائس جمع مائسة وهي التي تتمايل في سيرها، بانا: البان شجر معروف بليونة أغصانه، قنا: جمع قناة وهي الرمح، يقول الشاعر: من هؤلاء النسوة المتمايلات كغصون البان ليونة وكالرماح طولًا واعتدالًا، فقد لعبن بروحي وقتلنني وسفحن دمي عشقًا.

[12] العصم: جمع عصمة وهي القلادة، أي إن هؤلاء النسوة سافرات في الضحى كالبدور، تغار شمس الضحى من حلاهن وقلائدهن.

[13] سقم: السقم المرض، والمقصود هنا انكسار في الجفن يودعه حسنًا، المنية: الموت، أي إنـهن يقتلن بأجفان بـها انكسار فاتن ولا غرابة فالسقم من أسباب الموت.

[14] العاثرات: عثر: كبا، ألباب جمع لب وهو العقل، أقلن: أقاله من عثرته أعانه على ما ألم به، الدل: دل المرأة ودلالها تدللها على زوجها، والدل حسن الحديث وحسن الهيئة، الرسم: حسن المشي، أي يعثرن من دلهن وحسن مشيهن، والمعنى أن هؤلاء النسوة يعثرن بعقول الرجال ولا ينجين من عثرات دلالهن وحسن سيرهن.

[15] المضرمات: أضرم النار: أشعلها، والتعبير كناية عن شدة احمرار الخدود، أسفرت: أشرقت، وفي التنزيل ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾، جلت: كشفت وأظهرت، للضرم: الضرم الاشتعال والمقصود حبًّا ولهفة وشوقًا، يصف الشاعر هؤلاء النسوة بأن خدودهن شديدة الاحمرار كشفت عن فتنة تجعل الأكباد تصطلي بنيران العشق والغرام.

[16] لواء الحسن: اللواء العلم، أي إن هؤلاء النسوة يحملن لواء الحسن بأشكال مختلفة، ولكنه في أول الأمر وآخره حسن واحد لا ينقسم.

[17] زينتا: بدا حسنهما للعين، والآرام: الأعلام وهي حجارة توضع في الصحراء للاهتداء بـها، كالعصم: العصم جمع عُصمة، وأصل العصمة الحبل وكل ما أمسك به شيئًا فقد عصمه، وفيها معنى اللزوم، والمعنى: كما يلزم السائر في الصحراء الآرام ليهتدي بـها تتعلق العين بحسن الجميلات البيضاء منهن والسمراء.

[18] يرعن: يخفن ويفزعن، السامي: الصياد، بالعنم: العنم نبات له ثـمر أحمر تشبه به بنان النساء المخضبة، أي يفزعن إذا تعلق بِهن البصر الصياد، وللعجب يأسرن الأسد بإشارة من بنانـهن.

[19] وضعت خدي: وضع خده: تواضع عكس صعّر خده كبرًا، كنس: جمع كناس وهو مستقر الظباء، والأكم جمع أكمة وهي الرابية، يقول الشاعر: إنه استسلم لهؤلاء الحسناوات، وقسم فؤاده ربًا ليرتعن فيه كيف شئن.

[20] ذي اللبد: كناية عن الأسد، الغاب جمع غابة وهي المكان تكثر فيه الأشجار، الأُطُم: الحصن وهو البيت أيضًا يتحصن فيه ساكنوه، يتساءل الشاعر هل يلقى ابنة الأسد التي فتن بـها في الغاب حيث يسكن أباها، أم في الحصن حيث تتمنع عليه.

[21] عنّ: ظهر وبان، أي ما كنت أعلم قبل أن يظهر لي مسكن من أحبه أن المنى والموت يجتمعان في المكان الذي تنصب فيه الخيم حيث تسكن محبوبته.

[22] صمصامة: من أسماء السيف، ذكر: فحل، الريم: ولد الغزال، وضرغامة من أسماء الأسد، القرم: النهم، والشاعر يعجب كيف جاء هذا الغصن من صلب السيف، وكيف خرج الريم من الأسد النهم، يقصد بالغصن والريم محبوبته، وبالسيف والأسد أباها.

[23] سمر القنا: الرماح، عذرية: منسوبة إلى قبيلة عذرة؛ أي إن الرماح تحجبك عني كما تحجبك عفتي التي تعصمني من الزلل.

[24] مغناك: منزلك، في غضون كرى: أي أثناء النوم، وإرم: البلدة التي كان يسكنها قوم عاد، وفي التنزيل﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾؛ أي لم أصل إلى منزلك إلا في حلمي، فمنزلك أبعد من إرم للمشتاق.

[25] مبكية: ما يثير البكاء من مفجعات ونوازل ونحوهما، هنا يبدأ الشاعر حديثه عن الدنيا فيقول: إن الدنيا تخفي ما يبكي وإن ظهرت بوجه باسم.

[26] فضي: فض فاه كسر أسنانه، وفي الدعاء (لا فض فوك) تقال لمن يحسن الكلام، فاهًا؛ أي فاه الدنيا، الرقشاء: الحية، بالثرم: الثرم انكسار الأسنان، وقيل الأسنان الأمامية، والشاعر يطلب من نفسه أن تكسر بالتقوى أسنان فم الدنيا إذا ابتسمت كما تكسر أسنان الحية اتقاء لأذاها؛ والمقصود أن تتخذ من تقوى الله عز وجل حماية لها من الدنيا.

[27] أي مخطوبة تارة خاطبة أخرى، يقصد الدنيا، وكان هنا (تامة) أي مذ وجد، ترمل: تفقد زوجها بـموته، تئم: المرأة الأيم التي لا زوج لها، أي إن الدنيا مذ وجد الناس مخطوبة تارة، خاطبة تارة لم تفقد زوجًا ولم تعش بلا زوج.

[28] الأدم والأدمة الصلة والقرابة، أي ستبقى في آدم من الدنيا إساءة على مر الزمان، والمقصود هنا البشر على وجه العموم وإنـما خص آدم لأنه أبو البشر.

[29] جناها: جنى الشجرة ثـمرها، وجنى الدنيا ما يأخذه المرء منها، جنايتها: ما ترتكبه من جنايات تصيب الناس في أنفسهم وفي ذويهم وفي ممتلكاتـهم، هنا يطلب الشاعر من نفسه ألا تـهتم نفسه بحلو الدنيا ولا مرّها فكل الأمور تستوي عند الموت.

[30] نائم: المقصود غافل عما يجري من حوله تأخذه الأماني والأحلام هنا وهناك، ساهرة؛ أي لا تنفك تشغل الناس بـمباهجها، والمعنى أن الناس ينشغلون عما تفعله الدنيا بأمانيهم وأحلامهم.

[31] نعمى: نعمى ونعيم ونعمة ونعماء: الدعة والمال، وهو ضد البأساء والبؤسى، والوصم: الصدع في العود من غير بينونة، والوصمة العيب في الكلام، وموصوم الحسب معيبه، والوصم المرض، وأيضًا العيب والعار، أي إن هذا حال الدنيا تجعل المرء يعيش في دعة واطمئنان حينًا، وفي بؤس وشقاء حينًا آخر.

[32] صابًّا: الصاب عصارة شجر مر في طعمه، يرد: الغرض هو ورود الماء اتجه إليه بغرض الأخذ منه، يسم: سامت الماشية تسوم رعت حيث شاءت فهي سائمة والعلقم شجر الحنظل وكل مرٍّ علقم، والمعنى أن الدنيا كم تضلل الناس وتعميهم عن الحقيقة، فتراهم يقبلون على الشراب المر فيستسيغونه، ويسومون أنفسهم في شجر العلقم وهم لا يعلمون.

[33] راعها: أفزعها وأخافها، ودها: دهاها أصابـها بسوء، مسودة الصحف: يقصد صحيفة الأعمال، ومسودة من كثرة الذنوب، اللمم: اللمة اللحية، ومبيضة اللمم أي التي أصابـها الشيب، يفزع الشاعر لنفسه التي وجدت أن صفحة ذنوبِها مُمتلئة وقد بلغت من الكبر عتيًّا.

[34] ركضتها: ركض الدابة ضربـها برجليه لتسرع في السير، مريع: مكان الرعي، حمية: ما يحتمي به، أي سارت طويلًا في طريق المعاصي ولم أحتم بطاعة الله عز وجل من الوقوع في الزلات.

[35] هامت: سارت في كل اتجاه على غير هدى، داعي الصبا: أي ما يرجع بـها إلى عهد الصبا بعد أن يتولى من لهو ونحوه، والمعنى أن النفس تسير على غير هدى إذا استمرأت اللهو والمجون.

[36] مرجعه مبتدأ مؤخر خبره للأخلاق والجملة خبر صلاح، فالسياق إذًا: صلاح أمرك مرجعه للأخلاق. قوِّم: أقِمْ ما فيها من اعوجاج، والشاعر يحض على التمسك بالأخلاق لأن بـها تستقيم أمور النفس.

[37] مرتع: الرتع هو الأكل بشرَهٍ أو هو الأكل والشرب رغدًا، ومرتع: كل مخصب أي مكان الرتع، وفي التنزيل ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾، وفي الحديث إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، يقصد (ص) برياض الجنة ذكر الله، وخِم: وخْم ووخِم ووخيم: ثقيل بيِّن الثِقَل، وطعام وخيم؛ أي ثقيل لم يُستمرأ، أو طعام غير موافق، ووخيم العاقبة أي ثقيل رديء، يقول الشاعر: إن النفس بـها من الخير ما يجعلها تنعم في عافية حسنة، وبـها من الشر ما يجعلها ترتع في الشرور والمفاسد.

[38] تطغى: تتجاوز الحد، الجياد: الخيل، الشكم: الشكم حديدة توضع في فم الحصان ليسهل سوقه، أي إن النفس حين تجد اللذة متاحة لها وتلاقي الهوى رخيصًا تطغى ولا تقف عند حد كما تفعل الخيل حين تعض على الشكم.

[39] جلَّ: عظُم، معتصَم: ملاذ وملجأ، وفي التنزيل ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾، هنا يبدأ الشاعر في مناجاة الله عز وجل فيقول: إن أمله في الله لا ينقطع مهما عظم ذنبه فهو دائم اللجوء إليه سبحانه.

[40] رجائي: الرجاء من الأمل نقيض اليأس، عزَّ: قلَّ وندُر، المجير: أجاره يجيره فهو مجيره أي أدخله في جواره ومنعه من أعدائه، مفرج: الفرج الخلل بين شيئين، والفرج من الغم: كشفه وانزياحه، وفي الدعاء: فرَّج الله همك، ومفرج الكرب كاشفه ومبعده هو الله جلّ وعلا، يقول الشاعر: إن رجاءه في الله وحده لا يستجير بغيره لأنه هو القادر على أن يفرج همه ويكشف غمه.

[41] خفضت جناح الذل: كناية عن إذلال النفس وإهانتها أمام من له العزة والكبرياء على إطلاقهما وهو المولى سبحانه، وفي التنزيل ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، أسأل: السؤال هنا بـمعنى الدعاء، أمَم: الأمم الشيء اليسير؛ أي لم أسأله إلا شيئًا يسيرًا إذا قيس بفضله سبحانه.

[42] ذو تقوى: التقوى هي الخشية ومراقبة الله عز وجل، بصالحة: أي بعمل صالح، عبرة: دمعة، ويقول الشاعر: “أقدم بين يدي ربي دموع الندم إذا تقدم المتقون بالأعمال الصالحة”.

[43] هنا يبدأ الشاعر حديثه عن رسول الله (ص)، وقد لقبه بأمير الأنبياء، وهو لقب ربما يكون شاعرنا هو أول من أطلقه عليه، ولزوم بابه: اتباع سنته وشريعته ومنهاجه، يـمسك بـِمفتاح باب الله: كناية عن الطاعة والالتزام بـِمنهج الله سبحانه وتعالى في الحياة، يغتنم: غنم واغتنم: فاز بالشيء دون مشقة، والغنيمة هي الأموال التي يصيبها المنتصر في الحرب وتجمع غنائم.

[44]فضل: الزيادة من كل شيء، قال (ص): “من كان عنده فضل زاد فليجد به على من لا زاد له”، أو كما قال: وإحسان: الإحسان أن يؤتى بأكثر من المطلوب من جنسه، عارفة أي المعروف، والمعنى أن هذه الأشياء إما أنـها مأخوذة عنه (ص)، أو أنـها كانت منه محل التزام.

[45] أعز به: العزة الرفعة والمنعة، واللُّحم: القرابة، ويوم لا عز بالأنساب واللحم هو يوم القيامة، أي إن الشاعر سيستمد عزته من مدح الرسول (ص) يوم القيامة يوم لا عز بأنساب أو قرابة، أو هو يرجو ذلك.

[46] يزري: يعيب، قريضي شعري، وزهير هو زهير بن أبي سلمى، وهو شاعر جاهلي من أصحاب المعلقات، وهرم هو هرم بن سنان من كرماء العرب، وكان زهير يـمدحه بشعره، أي إن الشاعر حين يـمدح محمدًا (ص) يفوق شعره شعر زهيرًا، ولا يقاس إلى كرمه ما عند هرم بن سنان.

[47] صفوة: الصفو والصفاء نقيض الكدر، صفا يصفو صفاء وصُفُوًّا، والصفوة ما صفا من الشىء، وصفوة كل شيء: خالصه، بغيته: بغى وابتغى: طلب، والاسم البُغية والبِغية: أي طِلبة وحاجة. نسَم: النسم نفس الروح، والنسمة النفس والجمع نسم، أي إن محمدًا هو الذي اصطفاه الخالق جلّ وعلا ليحمل هذه الرسالة وليكون خاتم الرسل (ع)، أرسل رحمة للعالمين، وهو بغيته من خلقه، وفي هذا الشطر تجاوز أشرنا إليه في المقدمة.

[48] الورود: ورد الماء دنا منه، والورود الاقتراب من الماء للارتواء، ومحمد (ص) هو صاحب الحوض المورود يسقي منه أتباعه ويـمنع غيرهم.

[49] سناؤه: السناء بالمد الرفعة والمجد، سناه: السنا بالقصر ضوء النار أو حَدُّ مُنْتَهى ضوْءِ البرْقِ، الجِرم: الجسد، والعلم: الجبل، والمعنى أن الرسول (ص) مثل الشمس رفعة وضياء، فكأن جسده الكريم فى ارتفاع الفلك، وضوءه منبعث من جبل.

[50] سؤدد: مجد، باذخ: البذخ الكبر والافتخار، سنِم: السنِم من النبات المرتفع الذى خرجت سنمته أي نوره، أي لم يحظ النجم على ارتفاعه بـما حظى به آباء الرسول (ص) من مجد وسؤدد.

[51] نُـموا إليه: نـماه إلى: عزاه ونسبه، ونُمو إليه؛ أى انتسبوا إليه؛ أي إن آباءه (ص) ينتسبون إليه ويستمدون من هذا النسب الشرف، وقليلًا ما يكون افتخار الأصل بالفرع.

[52] سبحات: أنوار، والمعنى أن الرسول (ص) خلق من نور كان موجودًا قبل أن يوجد آباؤه، وقد قام هذا النور مقام النطفة الذكرية والنطفة الأنثوية.

[53] بحيرا: من أحبار اليهود، السيم: العلامات، هذه قصة معروفة اختصرها الشاعر في هذا البيت.

[54] حراء: اسم الغار الذي كان يتعبد فيه الرسول (ص) قبل البعثة، وفيه تلقّى الوحي من جبريل (ع)، روح القدس: جبريل (ع)، مصون: محفوظ، منكتم: ضد مذاع. والشاعر يتساءل هل علم غار حراء، وهل علم جبريل (ع) بأمر بعثته (ص)، ولعل هذا المقصود بالسر المصون.

[55] بطحاء مكة: مسيل واديها، الغسم: ظلمة الليل، والمقصود أن طرقات مكة قد شرفت بجيئة محمد (ص) إلى الغار صباحًا ورواحه منه ليلًا.

[56] ووحشة: الوحشة ضد الأنس أي الانفراد، الحشم: الأتباع، وابن عبد الله هو الرسول (ص)، ولا أعتقد أنه عرف بـهذه الكنية قبل أن يبتدعها شاعرنا، يقول: إن طرقات مكة كان تشعر بالوحشة بين جيئة الرسول (ص) ورواحه.

[57] سيمى: علامات وفي التنزيل ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾، يتسم: يتصف أو يتحلى، أي إن الرسول (ص) جاء مبشرًا بعلامات الخير لذلك تحلّى بـهذه العلامات من قبل بعثته.

[58] تسنيم: جريان الماء من أعلى، وهي أيضًا عين ماء بالجنة، بالسنم: السنم هو الماء على وجه الأرض، والشاعر يروي في هذا البيت قصة انسياب الماء من يده (ص).

[59] غمامة: سحابة، الديم: جمع ديمة وهي المطر لا رعد فيه ولا برق، وفي هذا البيت يروي الشاعر قصة الغمامة التي كان تظلل الرسول (ص) في ذهابه وإيابه، وقد أخبر بذلك ميسرة غلام السيدة خديجة (رض) الذي كان يرافقه.

[60] قعائد الدير: يقصد من يلزمون الدير من أهل الكتاب يعبدون الله على طريقتهم: الرهبان: جمع راهب وهو رجل الدين المسيحي، أي إن هؤلاء قد أحبوا الرسول (ص) من قبل بعثته.

[61] الشمائل: الأخلاق، كل ذي نسم: أي كل بني البشر، والمعنى أن المرء يستحوذ على محبة الناس حين ترق أخلاقه، حتى إن الجماد يغرى بـمحبته.

[62] لم تتصل قبل من قيلت له بفم: لم تُقل من قبل لمن قيلت له وهو رسول الله (ص)، يشير الشاعر إلى أول البعث حينما نزل جبريل (ع) بالرسالة على سيدنا محمد (ص) فقال له: إقرأ، قال ما أنا بقارئ.. إلى آخر ما روي.

[63] هناك: أي في غار حراء حيث بعث الرسول (ص)، أذن للرحمن: دُعِي لعبادة الله الواحد، قدسية النغم: طهره، حين دعي في هذا الغار لعبادة الله الواحد عمت أنغام النداء المطهرة أرجاء مكة.

[64] نفرتـها: نفرت الإبل تفرقت، والنفر التفرق، ونفرة اسم مرة، العلم: الجبل، هنا يتحدث الشاعر عن مكة حينما جهر الرسول (ص) بدعوته، إذ حارت وتفرق شملها بين السهل والجبل.

[65] ألمّ بـهم: نزل، اللمم: الجنون والضمير في بـهم متعلق بقريش في البيت السابق إذ تساءلوا عن حدث جلل وقع لهم أصابـهم بالجنون.

[66] العلم: المعروف بين القوم، يخاطب الشاعر في هذا البيت هؤلاء الذين كذبوا الرسول (ص) في دعوته، مع أنـهم يعرفونه صادقًا في كل ما يخبر به أو يتحدث بشأنه.

[67] يشير الشاعر إلى أن الرسول (ص) كان معروفًا بالصادق الأمين، أي إنه لا محل لتكذيب من لقب بالصادق الأمين، فكيف يتهمونه بالكذب.

[68] فكم بالخلق…: أي إنه كثيرًا ما يكتسب الإنسان من خُلقه ومن خَلقه حسنًا وعظمة، والحسن يناسب الخَلق، والعِظم يناسب الخُلق، والمعنى أنه (ص) فاق البدور حسنًا وقدرًا، وفاق الأنبياء كذلك.

[69] فانصرمت: الصرم القطع، وانصرمت أي انقطعت، بحكيم: أي القرآن الكريم الذي لا ينقطع مده أبدًا قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾، (سورة الكهف، الآية 109)، أي إن المعجزات التي جاء بـها الأنبياء كانت وقتية رآها من رآها وآمن بـها من آمن ثم انقطعت بعد أن مرت عليها الأزمان، ولكن معجزة القرآن الكريم التي بعث بـها محمد (ص) باقية أبد الدهر.

[70] جدد: متجددة، العتق: القِدم، أي إن آيات القرآن الكريم متجددة لا تبلى من كثرة ترديدها، ولا يضفي عليها القدم إلا بـهاء وجلالًا.

[71] يشير الشاعر إلى إحدى نواحي الإعجاز في ألفاظ القرآن الكريم، وهي أن اللفظ الواحد يحمل معاني كثيرة.

[72] الفهم: الكثير الفهم، هنا يتحدث الشاعر عن الحديث الشريف فيصف محمدًا (ص) بأنه أفصح من تكلم العربية، وأن حديثه كالشهد عند متذوقي اللغة.

[73] عطل: الافتقار إلى الحلى، جيد البيان، عنقه وفيه استعارة، في كل منتثر: ما أخذ شكل النثر، منتظم: أي الشعر، أي إن البيان كان عاطلًا من الحلي قبل ما تركه الرسول (ص) من أحاديث فيها من البلاغة ما زينت البيان نثره وشعره.

[74] ميت الهمم: الذي لا عزيمة له، أو الذي لا يهتم بـما حوله، والبيت شرح للبيت السابق.

[75] بشائر للهادي: علامات مبشرة بقدوم الرسول (ص) وقد تحدثت عنها كتب السيرة وإن لم تؤكد بعضها منها تصدع إيوان كسرى، وغير ذلك مما يقال إنه وقع قبيل مولده (ص).

[76] فاعل تخطفت هو بشائر في البيت السابق، وكذلك فاعل طيرت، مهج: أرواح، الطاغين الذين تجاوزوا الحد في الظلم، الباغين: الذين يعتدون على ممتلكات الآخرين بغير حق، والمعنى واضح.

[77] الضمير في لها متعلق ببشائر في البيت قبل السابق، شرف: جمع شرفة وهي النافذة أي ما يشرف بـها ساكن البيت على الخارج، الإيوان: إيوان كسرى وهو قصر الحكم في بلاد الفرس، فانصدعت: أي تـهدّمت، والصدع هو الشق في الشيء الصلب، القدم: آلات الهدم، والمعنى أن تصدع شرف الإيوان كان بسبب مولده (ص) وليس بفعل آلات الهدم.

[78]فوضى: قوم فوض؛ أي متساوون لا رئيس لهم، أو متفرقون مختلط بعضهم ببعض، وأمرهم فوضى، وفوضى (وأصلها فوضويًّا بالقصر بحرف الألف المقصورة وتُكتب مثل الياء، والمد الساكن بالهمزة المهملة في آخر الكلمة مثل فوضئيًّا، ولكن تم اعتماد كلمة فوضى)، والمعنى هو، أي إذا كانوا مختلطين يتصرف كل منهم فيما للآخر، يقول الشاعر: إن محمدًا (ص) بعث والناس مختلطون يفعل كل منهم ما يريد دون مراعاة لحرمات الآخرين، كأنـهم أصنام يعبدون أصنامًا.

[79] جورًا: ظلمًا، والمعنى أن محمدًا (ص) بعث والظلم يـملأ الأرض، والطغاة يسخرون الناس لخدمتهم، ويتحكمون فى أمورهم.

[80] أصم عم: أي لا يستمع إلى صوت الحق ولا يرى علاماته، أي إن ملك الفرس يظلم رعيته بالبغي والجور، وقيصر الروم يصم أذنيه عن الحق، ويغلق عينيه فلا يرى الظلم الذي يحيق بالناس، والبيت شرح لما قبله.

[81] في شبه: أي لمجرد الاشتباه دون جريرة مثبتة، والبيت استطراد لما قبله.

[82] كالليث: الليث من أسماء الأسد، بالبلم: البلم صغار السمك، أي إن قانون الغابة هو الذي كان يحكم الحياة آنذاك فالقوي يفتك بالضعيف كما يفتك الأسد بالحيوانات الأخرى، أو كما يأكل السمك الكبير السمك الصغير.

[83] على قدم: كناية عن لهفة الملائكة والأنبياء (ع) وشوقهم وتسابقهم للقاء الرسول (ص)، والشاعر يشير في هذا البيت إلى حادثة الإسراء والمعراج.

[84] أي حين أتيتَ المسجد الأقصى التف الرسل والأنبياء بك كما تلتف النجوم حول البدر، وكما ينتظم الجند تحت الراية.

[85] خطر: قدر عظيم، يأتمم: يأتـمُّ به يتخذه إمامًا، وفك الإدغام للجزم، وفي هذا الشطر تقديم جواب الشرط على فعله، فهي في الأصل: ومن يأتـمم بحبيب الله يفز، وإنـما قدّم الفوز ليقصره على الائتمام به (ص).

[86] جبت السماوات: قطعتها، دريَّة: مضيئة متلألئة، اللجم: جمع لجام وهو ما يوضع حول رقبة الفرس ليسهل سوقه، والوصف للبراق الذي حمل الرسول (ص) في رحلة الإسراء والمعراج فجاب السماوات أو ما فوقها على ظهره.

[87] الجياد جمع جواد، والأينق: جمع ناقة، الرُّسم: الرسيم ضرب من السير سريع ومؤثر في الأرض، والرسم: حسنة السير، أي إن هذه الركوبة صيغت من عز ومن شرف، لا مثيل لها بين الجياد ولا بين النوق حسنة السير.

[88] مشيئة هنا خبر لمبتدأ محذوف تقديره هي أو هذه، وصنعته معطوف، وقدرة: مبتدأ خبره جملة فوق الشك والمعنى أن ما حدث إنـما حدث وفقًا لمشيئة الله تعالى، الذي قدرته فوق أي شك ولا مجال لتكذيبها.

[89] يقول الشاعر: إن الرسول (ص) وصل إلى سماء لا يستطيع أحد الوصول إليها.

[90] المعنى أن كل نبي وقف عند الحد، الذي قدر له، بينما استلم محمد (ص) العرش تكريمًا له ولمنزلته عند ربه.

[91] اللوح هو اللوح المحفوظ الذي كتبت فيه أقدار الخلق أجمعين، والقلم هو أول ما خلق المولى جلّ وعلا، ثم قال له اكتب، قال وما أكتب قال ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل أو أجل أو رزق أو أثَر فجرى القلم بـما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم خُتم فَمُ القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة.

[92] أحطت بالسر: اطلعت عليه وعلمته، وبينهما أي بين اللوح والقلم، يقول الشاعر: إن الرسول (ص) في رحلة المعراج أطلعه رب العزة على ما لم يطلع عليه أحدًا سواه، والبيت شرح واستكمال لما قبله.

[93] القرب: أي من الله عز وجل، منن: جمع منة وهي النعمة والإحسان، طوقت: أي أعطيت على سبيل الفضل والتجمل، والمعنى أن قربه (ص) من الله عز وجل ضاعف المنن التي تقلدها والنعم التي طوقه بـها رب العزة سبحانه وتعالى، لأن ذلك تم بطريقة مباشرة، وهو ما لم يحدث لأحد سواه.

[94] الغار: المقصود هو غار ثور الذي توارى فيه الرسول (ص) وصاحبه أبو بكر عن أعين الكفار والمشركين الذين اقتفوا أثرهما في رحلة الهجرة إلى المدينة المنورة، سائمة: هائمة، والسوم هو تجشم المشاق وسوء الأعمال.

[95] أمم: قرب، والبيت استكمال لما قبله، أي سل هؤلاء الذين اقتفوا أثره (ص) وصاحبه وهم هائمون حول الغار هل أبصروا أثره الوضاء، أم هل سمعوا همس التسابيح قريبة منهم؟

[96] كالغاب: الغاب جمع غابة وهي الشجر الكثير، الحائمات الزغب: كناية عن الحمام، كالرخم: الرخم طائر يشبه النسر، يقول الشاعر: وسلهم هل تمثل لهم نسج العنكبوت غابة تحول بينهم وبينه (ص)، وهل تمثلت الحمامة طائرًا جارحًا أخافهم منظره وأفزعهم.

[97] فأدبروا: فرجعوا من حيث أتوا، والشاعر في هذا البيت والبيت السابق عليه يتحدث عما ورد في بعض كتب السيرة من أن المشركين وجدوا على باب الغار نسيج العنكبوت، وشاهدوا حمامة راقدة على بيضها فاستبعدوا أن يكون محمد (ص) وصاحبه بالغار فتركوه وانصرفوا.

[98] بالجارين: النبي وصاحبه، عينه: معطوف على يد في الشطر الأول؛ أي لولا عينه.. والمعنى أن عناية الله كانت وراء ما حدث، فلولاها ما سلم الصاحبان من الكفار، وما قام للدين ركن.

[99] تواريا: اختفيا، واستترا: احتجبا، لا يُضَم: الضيم الهوان، والمقصود بجناح الله حمايته، والبيت شرح لما قبله.

[100] جاه: عز ومجد، يتسامى: يرقى، يقول الشاعر مخاطبًا الرسول (ص): إن لي عزة وفخارًا أن إسمي أحمد لأنه من أسمائك، وكيف لا يرقى من تسمى باسمك.

[101] صاحب البردة: هو الإمام محمد شرف الدين البوصيري صاحب قصيدة البردة التي يقول في مستهلها: أمن تذكّرِ جيرانٍ بذي سلمِ  مزجتَ دمعًا جرى من مقلةٍ بدمِ، وعلى هذا يعد الإمام البوصيري أول من كتب شعرًا في مدح الرسول (ص) على هذا النهج الذي التزمه شعراء كثيرون من بعده، وهذا ما يقصده الشاعر هنا، وذي القدم: يقصد قدم سبق في هذا الميدان.

[102] الضمير في مديحه متعلق بصاحب البردة في البيت السابق، أي إن ما قاله من مدح فيك هو حب خالص لك لأن كلماته صادقة قالها عن حب صادق لا تشوبه شائبة من كذب أو رياء.

[103] لا أعارضه: هنا يقرر شوقي أنه لا يعارض الإمام البوصيري في قصيدته البردة مدعيًا تفوقه عليه، الصوب: نزول المطر، العارض: السحاب الذي يعترض الأفق، العرم: الشديد، وفي التنزيل ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا..﴾، والمعنى أنه لا يقدر على معارضته في شعره وبلاغته لأنه مثل المطر الشديد لا يستطيع أحد أن يقف في طريقه.

[104] الغابطين: الغبطة كالحسد، ولكن ليس فيها تـمني زوال الحال، وليك: نصيرك ومحبك، يقصد الإمام البوصيري، أي إن أحدًا لا يذم من يتمنى أن يصل إلى ما وصل إليه وليّك من مكانة مرموقة في عالم الشعر ولا يلومه.

[105] مقتبس: مأخوذ، مهابته: الهيبة والمهابة: الإجلال والمخافة، ورجل مهيب: يخافه الناس، سحبان من بلغاء العرب، بالبكم: البكم فقد القدرة على الكلام، أي إن مقام المدح النبوي مقتبس من الرحمن عزّ وجل تصيب مهابته أبلغ البلغاء بالبكم.

[106] دون: ضد فوق وهو تقصير للغاية ويكون ظرفًا، ودونك أي أقل منك، أي إن البدر أقل منك حسنًا وشرفًا، ولا يقاس كرم البحر بكرمك.

[107] شم الجبال: الشاهقة الارتفاع، طاولتها: غالبتها في الطول، الزهر: المضيئة، وأسمتها: غالبتها في الحسن، تسم: تؤثر فيها بِسِمَةٍ، والمعنى أن الجبال تنخفض لعزتك ومكانتك وكذلك النجوم لا تجاريك في الحسن.

[108] الليث: من أسماء الأسد، بأسًا: البأس القوة والشدة، وثبته: قفزته، شاكي السلاح: متقلده، كمي: الكمي الشجاع، والمعنى إذا مشيت لملاقاة شجاع متقلد سلاحه تكون أشد قوة وبأسًا من الأسد.

[109] تهفو: تميل، أدميت: أسلت دمها، والضمير في حبتها متعلق بأفئدة في الشطر الثاني، البهم: الشجعان جمع بهمة، أي تميل إليك قلوب الشجعان في الحرب حبًّا حتى إن طعنتها وأسلت دمها.

[110] هيبتة: الهيبة المخافة والإجلال، ابن آمنة هو محمد (ص).

[111] النقع: اجتماع الماء في الغدير، ملتثمًا: اللثام رد القناع على الأنف، أي حين تنظر في ماء صاف يطل منه وجهك كالبدر سواء كنت ملتثمًا أو غير ملتثم، وفيه كناية عن النور المنبعث من وجهه (ص).

[112] غرته: الغرة مقدم الوجه أو الجبهة، تجلو: تكشف، والبيت شرح لما قبله.

[113] ذكرت باليتم: إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى﴾، (سورة الضحى، الآية 6)، واليتم: انقطاع النظير، والمعنى أن إشارة القرآن الكريم إلى يتمك تكريم لك لأن اللؤلؤ تزداد قيمته إذا كان منقطع النظير.

[114] القسم: جمع قسمة وهي النصيب، في البيت إشارة إلى أن محمدًا (ص) خُيِّر بين أشياء دنوية فآثر الآخرة على الدنيا.

[115] أي حين تقول لا في أي أمر أو تقول نعم فما قلت هو خيرة الله سبحانه وتعالى في ذلك الأمر.

[116] الرمم: جمع رمة وهي العظام البالية، وقد قصد الشاعر المقابر على سبيل المجاز المرسل، يقول الشاعر: إذا كان عيسى (ع) قد أحيا ميتًا بإذن الله، فقد أحييت أنت بدعوة الإسلام أممًا وأجيالًا على مر القرون أُنقذوا من الجهل باتباعهم دين الإسلام.

[117] الرجم: المقابر جمع رجم، يقول الشاعر: من أحيا من الجهل كمن أحيا من الموت لأن الجهل موت وفي الحالتين تكون المعجزة قد وقعت.

[118] سفك دم: سفك الدم إراقته، وما جاء في البيت من ادعاءات أعداء الإسلام هي ادعاءات مغرضة ومردود عليها.

[119] أحلام: عقول، سفسطة: السفسطة هى لفظة تعني الكلام، الذي لا ينسجم مع المنطق والواقع، بالقلم: المقصود الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والبيت محاولة من الشاعر للرد على الادعاء الذي تضمنه البيت السابق.

[120] عفوًا:أدرك الأمر عفوًا؛ أي في سهولة وسراح، والعممِ: العامَّةُ اسم للجمع، أي إن السيف لم يستعمل إلا للجهال والعامة لما أبدوا حقدهم على الإسلام وباتوا خطرًا عليه.

[121] ضقت به ذرعًا: كناية عن نفاد الصبر وانقطاع الحيلة، ينحسم: الحسم القطع، والمعنى أن الشر لا ينحسم إلا بالشر، ولنا رأي في هذا التعبير أثبتناه في المقدمة.

[122] بالصاب: الصاب شجر مر، الغلم: الغلمة شهوة الضراب، وغلم الرجل هاج، يشير الشاعر إلى أن المسيحية عانت طويلًا من الاضطهاد ظلمًا وعدوانًا.

[123] ساطع الحدم: الحدم شدة إحماء الشيء بحر الشمس والنار، واحتدم أي اشتد إحماؤه، أي إن المسيحية عانت كثيرًا من الشرك حتى باتت طريدته في كل مكان وكان إيذاء المشركين لها يزداد ضراوة، وقتالهم إياها يزداد احتدامًا.

[124] بالرفق: الرفق لين الجانب، وهو ضد العنف، الرحم: الرحمة، أي إن المسيحية لم تركن إلى الحلم والدعة، بل هب المدافعون عنها يقاتلون أعداءها ويحمون دعوتـها.

[125] وجبت: لزمت.

[126] يجم: وجم اشتد حزنه حتى سكت عن الكلام، ومعنى هذا البيت والبيت السابق عليه أن إيذاء المشركين لها وصل إلى حد أنـهم هموا بصلب المسيح (ع) لولا أنه رفع إلى السماء لمكانته عند الله.

[127] شانئه: مبغضه، والمعنى أن مبغضه هو الذي ذاق الصلب فكان عقابًا له على جرمه بالإقدام على صلب المسيح (ع).

[128] أخو النبي: يقصد عيسى (ع)، نُزل: المكان الذي يحل فيه الضيف، ومحترم أي له حرمته، أي إن المسيح (ع) حلّ في مكان هو فوق السماء ودون العرش.

[129] الذمم: العهود، والمعنى أن محمدًا (ص) علّم أتباعه كل شيء حتى القتال وما يجب أن يراعوه من ذمم وعهود.

[130] سؤددهم: السؤدد المجد، أس: أساس، يقول الشاعر: إن الجهاد هو السبيل الوحيد لبناء المجد، لأن الحرب هي الأساس الذي يقوم عليه نظام الأمم.

[131] الضمير في لولاه متعلق بالجهاد في البيت السابق، عمد: أعمدة، وطول العمد كناية عن القوة وطول العهد، قر: سكن وثبت في مكانه، دعم: دعائم، أي لولا الجهاد ما قويت الدول وطال عهدها وثبتت الدعائم التي قامت عليها.

[132] تترى: متتابعة وبينها فجوات وفترات، وهي مصدر مثل دعوى وشكوى، وفي التنزيل ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾، الغر: الغرة بياض في الجبهة، والغر البيض بمعنى عصور التقدم، الدهم: المظلمة؛ أي عصور الجهل، أي إن ما جاء فى البيت السابق تشهد عليه الدول في العصور المختلفة.

[133] مالت عروش: العرش كرسي الملك، ومالت عروش كناية عن انتهاء حكم وتولي غيره، واعتلت سرر: السرر جمع سرير ويعبّر به عن الملك والنعمة، القذائف: من أدوات الحرب الحديثة، تثلم: ثلم السيف ونحوه: كسر حرفه، تصم: تتصدع، الحديث هنا عن الدول التي زالت وحلّت محلّها دول أخرى في العصر الحديث.

[134] أشياع: متبعون ومناصرون، قاصمة: قصم الشيء كسره كسرًا شديدًا، والقاصمة هنا هي آلات الحرب المدمرة من مدافع وبوارج وغيرها، منقصم: منكسر، نقول رجل قصم سريع الانقصام هياب ضعيف، والمقصود أننا لم نعد مقابل ما أعد أشياع عيسى من أسباب القوة إلا حالات ضعف وانـهزام.

[135] الهيجاء: الحرب، بالرجم: النجوم التي يرمي بـها، يعود الشاعر لمخاطبة الرسول (ص) فيقول: إذا كانت هناك أسباب للحرب هببت لها ومعك أسود يحاربون، ومعك الله مساند ومعين.

[136] على لوائك: أي يحارب تحت قيادتك، منتقم لله: أي لحرمات الله، معتزم: العزم الجد، واعتزم على الشيء أراد فعله، والمعنى أن من يحاربون تحت لواء الرسول (ص) يدافعون عن حرمات الله، فيستقتلون في الحرب وكلهم عزيمة وصبر.

[137] على سابح: على جواد، أي إن المحارب منهم يسبح لله عز وجل وقلبه يضطرم شوقًا للقائه، وتحته جواد سريع كأنه البرق.

[138] فاعل صادف هو المقاتل في سبيل الله، يرم: رام يريم يبرح المكان، والمعنى أنه لو أراد له الدهر انتقالًا رمى بعزمه في رحال الدهر فلم ينتقل، وفيه تجاوز لا يخفى.

[139] بيض: سيوف، مفاليل: الفلُّ: الثلم في السيف ونحوه، أسيف: جمع سيف وأسيف الله جنوده الذين يحاربون لإعلاء كلمته، الهندية: السيوف الهندية، الخذم: القاطعة، أي إنـهم سيوف، ولكن ليست من السيوف الهندية، بل من سيوف الله أصابـها تكسُّر في الحد من كثرة الحروب.

[140] بالعهد: العهد الذمة والميثاق، بالقسم: القسم الرأي وقيل الشك، وقيل القدر، وفى البيت كناية عن كثرة هؤلاء المقاتلين حتى إننا لو فتشنا في التراب لوجدنا منهم من أخذ على نفسه عهدًا أن يـموت في سبيل الله، ومن مات بـما قسم له، أي بقدره سبحانه وتعالى.

[141] الأنام: الناس، تفاوت الناس: اختلف بعضهم عن بعض، أي إن الناس يختلفون بسبب مواهب عند بعضهم ليست عند البعض الآخر.

[142] عن زاخر: أي عن بحر زاخر، وزخر البحر: مد وكثر ماؤه وارتفعت أمواجه، ملتطم: أمواجه متسارعة، يقول الشاعر: إن الرسول (ص) قد جاء بشريعة غراء جعلت العقول تتتفجر عن علوم تزخر بكل ما هو ثـمين ونفيس.

[143] يلوح: يظهر، سنا: نور، والمقصود بجوهرها الأسس التي تقوم عليها الشريعة، كالوشي: الوشي النقش على الثوب ونحوه، أي إن محور هذه العلوم توحيد الله عز وجل، تحيط به أسس الشريعة كما تحيط الحلي بالسيف، أو كالنقش في الراية.

[144] غراء: الغرة بياض في الجبهة، وشريعة غراء؛ أي بيضاء صافية، حامت: حام الطائر وغيره حول الماء دار، وكل من رام أمرًا حام عليه، نُـهى: عقول، سلسلًا: السلسل الماء العذب، والمعنى أن النفوس والعقول تحوم حول هذه الشريعة لما تجده فيها من يسر.

[145] يُساس: ساسه: تولى أمره، والسياسة: القيام على الشيء بـما يصلحه، والهرم: الهرم ما قبل الشيخوخة من العمر، والمقصود أول الدهر وآخره أي إنـها صالحة لكل زمان.

[146] مرتسم: ارتسم الشيء امتثله، وحكم مرتسم أي يَـمتثل له الناس، والمعنى أن أحكام الزمان تسير على أحكام الشريعة التي يَـمتثل لها الناس لعدلها.

[147] اعتلت: أخذت مكانًا عاليًا بين الأمم، والمعنى أن دولة الإسلام في أوج عظتمها كانت تـهتدي بأحكام الشريعة.

[148] أمة بالقفر: هي أمة الإسلام التي نشأت في الجزيرة العربية وهي أرض مقفرة، رعي القياصر: سوقهم والرعي يكون للماشية وكل ما لا يعقل، والقياصر هم ملوك الروم، أي إن هذه الشريعة نـهضت بالأمة فأخضعت القياصر لحكمها.

[149]باذخ: البذخ الكبر والتطاول والافتخار، يقول الشاعر: إن المصلحين شيدوا باتباع أحكامها ملكًا عظيمًا يدعو للفخر.

[150] ما عزموا: العزم الجد، وعزم على الأمر أراد فعله وعقد عليه قلبه، الحزم: جمع حزام، وشد الحزام كناية عن عقد النية على أمر والبدء في تنفيذه، أي إن هؤلاء كانت عزائمهم وأفعالهم من أجل العلم والعدل والتمدين.

[151] سلسالها: السلسال: الماء العذب، الشبم: برد الماء، والمعنى أنـهم باتباع أحكام الشريعة فتحوا كثيرًا من الأمصار والبلدان لملة الإسلام، وجعلوا الناس ينعمون بعدلها.

[152] الفلاح: الفوز والنجاة والبقاء في النعيم، واضح العظم: بيّن المعالم، أي إنـهم ساروا على أحكامها فهدوا الناس إلى الفلاح في طريق بيّن المعالم.

[153] شاد: بنى أو أقام، البغي: الظلم، أي لا يهدم الدهر بنيانًا قام على العدل، ولكن حائط الظلم لا يصمد أمام أقل دفعة.

[154] عميم: كل ما اجتمع وكثر، والمعنى أنـهم باتباع أحكام الشريعة نالوا الخير العميم في الدنيا والآخرة.

[155] روما وأثينا من عواصم الحضارة الغربية، وبغداد عاصمة الحضارة الإسلامية، التوم معطوفة على اليواقيت وهي حبات الفضة تصنع على شكل درر، المفرد تومة، أي إن جواهر العلم موجودة في بغداد وليست في روما أو أثينا.

[156] كسرى: ملك الفرس، وإيوانًا: الإيوان كرسي ملكه، يدل به: يزهو ويتباهى، هوى: سقط، والأيم: جمع إيَام وهو الدخان، والمعنى لا تحفل بكسرى، الذي قام ملكه على عبادة النار فسقط أمام دعوة التوحيد.

[157] رعمسيس: أحد فراعنة مصر، يقول الشاعر: ولا تحفل برعمسيس وبناة الأهرام لأن الملك لا بدّ أن يقوم على العدل لا على شوامخ البنيان.

[158] دار السلام: بغداد، ألقت يد السلم: كناية عن التسليم بالهزيمة.

[159] ضارعتها: نافستها، ملتأم: مجتمع، حكتها: شابـهتها، أي إن بغداد فاقتها في مجالي الأدب والقضاء.

[160] رشيد ومأمون ومعتصم من خلفاء الدولة العباسية.

[161] والتخم: التخوم الفصل بين أرضين من الحدود والمعالم والجمع تُخُم، والمعنى أن الخلفاء الذين ذكرهم لا يجورون على ملك غيرهم، وتصرفهم يكون بحدود بلادهم، أو المعنى أنـهم يفتحون البلاد لحكمهم ويكون هذا معنى تصرفهم بالحدود والتخم.

[162] يدانون: يٌقاربون، يقول الشاعر: إن هؤلاء الخلفاء حينما يكونون في جلسة علم لا يجاريهم أحد علمًا وفهمًا.

[163] الهام: الرؤوس، ويطأطئ الرأس: ينحني إجلالًا واحترامًا، نبسوا: نطقوا بأقل الكلام، يقال لم ينبس ببنت شفة؛ أي لم يتكلم، هيبة: مخافة وإجلال، أي إذا تكلم هؤلاء قدرهم العلماء لعلمهم الغزير لا لكونِهم حكّامًا.

[164] محل: المحل القحط، نقيض الخصب، عدم: العَدَمُ والعُدْمُ والعُدُمُ: فِقدان الشيء وذهابه، وغلَبَ على فَقْد المال وقِلَّته، والمعنى أن هؤلاء إذا أعطوا لم يبق بعد عطائهم فقير ولا معدم، والبيت كناية عن جودهم وكرمهم.

[165] خلائف: جمع خليفة، وأملاك جمع ملك، الورى: الناس، والمقصود بخلائف الله الخلفاء الراشدون وتابعوهم، والمعنى أن هؤلاء الخلفاء أجلّ من أن يقارنوا بغيرهم، ولا تقاس أملاك الناس جميعًا بـهم.

[166] هو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وابن عبد العزيز هو عمر بن عبد العزيز، الحشم: الحشمة الحياء والانقباض، والحشم ذو الحياء.

[167] الإمام هو الخليفة الإمام علي بن أبي (ع)، فض: كسر وفرق، مآقي: جمع مؤق وهو مؤخر العين أو مكان الدمع منها، والمعنى أن خطبه وأحاديثه كانت تثير شجون الناس فيبكون ويفض جمعهم وأعينهم تفيض من الدمع.

[168] الزاخر: أي البحر الزاخر على سبيل الاستعارة التصريحية، الندب: الرجل الندب: الخفيف في الحاجة السريع، الشاعر هنا يصف علي بن أبى طالب بأنه كالبحر في علمه وأدبه، وأنه كان يخف لنصرة الضعيف في الحرب والسلام.

[169] ابن عفان هو الخليفة الثالث عثمان بن عفان، الفطم: الطفل بعد أن يفطم عن الرضاعة.

[170] بجيد الليالي: الجيد العنق، منفصم: الفصم القطع من غير بينونة، أي إنه جمع الآيات ورتبها في مصحف واحد فكانت كأنـها عقد في عنق الليالي لا ينقطع.

[171] يقصد عثمان بن عفان، والمقصود بجرح بالكتاب ما سال من دمه على المصحف، الذي كان يقرأ فيه ساعة قتل، وقد أدى قتله إلى فتنة في الأمة الإسلامية لم تلتئم بعد في رأي كثيرين.

[172] بلاء: البلاء الامتحان والاختبار، بـمتهم: التهمة: الظن، ومعنى ليس البلاء بـمتهم: لا شك في أنه بلاء حسن. الجلائل: العظائم، الخدم: خدم جمع خدمة وهي المهنة، أي لا يشك أحد في أن أبا بكر (رض) قام بجلائل الأعمال.

[173] محن: مصائب، حلم: الحلم بكسر الحاء الأناة والعقل، كهل: الكهولة بين الشباب والهرم، ومحتلم: بلغ الحُلُم وهو سن البلوغ، والمعنى أن من أجلّ أعماله رعايته للدين بالحزم والعزم حين تعرض لمحن شديدة أضلت عقول الناس ولم تفرق بين كهل وشاب يافع.

[174] وحدن: ملن أي المحن، رشد: الرشد نقيض الغي، ونقيض الضلال، يتحدث الشاعر هنا عن محنة موت الرسول (ص) مع أن الموت يقين لا شك فيه ولا مراء.

[175] مستلًا مهنده: شاهرًا سيفه.

[176] تعذلوه: تلوموه، الذهول: أن يؤخذ المرء بـما يدور حوله، الصب: العاشق، عن رغم: أي دون إرادته، أي لا تلوموه فيما فعل فقد أفقده خبر موت الحبيب (ص) القدرة على التحكم فى نفسه.

[177] نزيل عرشك: هو محمد (ص).

[178] صلاة: منصوبة على التمييز، منسجم: منصب، أي يقضي الليل في صلاة متصلة لا يـمنعه عنها إلا انسكاب دمعه خشية وإشفاقًا.

[179] جنح الليل: جانبه، وهي منصوبة على الظرفية، السهد: السهد نقيض الرقاد، أي يقوم الليل مسبحًا لله متحملًا السهر وما يجلبه من تعب، وتورم أقدامه وما يسببه من ألم.

[180] رضيةً: حال، ونفسُه فاعل، سأمًا: السأم الملل، أي يقوم الليل بنفس رضية لا تشتكي مللًا، فليس مع الإخلاص في الحب من ملل.

[181] نخب: مختارون، يقول الشاعر: وصل اللهم على آل محمد المصطفين الأخيار وقد حملوا لواء بيت النبوة ولواء الحرم.

[182] بيض الوجوه: كناية عن سماحتهم، ذو حلك: الحلك الاسوداد، شم الأنوف: ذوو كبرياء، وأنف الحادثات حمي: كناية عن اشتدادها، ومعنى البيت أن آل محمد ذوو وجوه سمحة قابلوا بـها أيامًا عصيبة، وعند اشتداد الأحداث قابلوها بكبرياء وأنفة.

[183] أربعة: هم الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.

[184] ما: في محل نصب مفعول به لاسم الفاعل؛ الراكبين، هال: هاله الأمر أفزعه، جلل: الأمر الجلل العظيم، عمم: تام، أي إذا دعاهم النبي (ص) عرضوا أنفسهم إلى ما يفزع من الأمور العظيمة وما يشتد من الأمور العميمة.

[185] واجفة: مضطربة، القحم: الأمور العظيمة، أي الصابرين إذا اضطربت الأرض، المبتسمين للأهوال والأمور العظيمة.

[186] هبّت: نـهضت، منيتها: المنية الموت والمقصود جهلها وتخلفها، وهو المقصود أيضًا من رقدة العدم، يقول الشاعر مناجيًا ربه: إن شعوبًا كثيرة نـهضت وأخرى استيقظت وواكبت الحضارة، أما ما لم يقله الشاعر فهو أننا لا نزال على جهلنا لم ننهض ولم نفق من غفوتنا.

[187] النحس: الجهد والضر، وهو خلاف السعد، وفي التنزيل ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ أي مشؤومات، تديل: دالت الأيام دارت، والله يداولها بين الناس، يواصل الشاعر مناجاته بقوله: إن هذا قدرك يا رب تداول الأيام بين الناس سعدًا ونحسًا، تـمنح نعمك هؤلاء وتصيب بنقمك هؤلاء فهو ملكك وحدك لا شريك لك.

[188] قضاؤك: القضاء الفصل والحكم، في هذا البيت يواصل الشاعر مناجاته فيقول: إن قضاءك يارب قد حكم بـما نحن عليه من حال، لحكمة لا نعرفها، وما أكرم وجهك حين تقضي وحين تحكم وتنتقم.

[189] فالطف: ترفق وارحم، خسفًا: الخسف: سؤوخ في الأرض، وخُسف بالشيء أُدخل في الأرض وذهب فيها وخُسف بالقوم: أُدخلوا في الأرض وغُيبوا فيها، وفي التنزيل ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾، تسم: سامه الأَمَرَ سَوْمًا كَلَّفَه إِياه وأَكثر ما يستعمل في العذاب، وفي التنزيل ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾، يقول الشاعر مناجيًا وداعيًا: يا رب أرفق بنا وارحمنا ولا تزدنا جهلًا ولا تسمنا أكثر مما نحن فيه.

[190] الضمير في به متعلق بالرسول، والفضل: ضد النقص، والفضل أيضًا البقية من الشيء والمقصود هنا ما أنعم به المولى جل وعلا علينا، يقول الشاعر داعيًا ربه: يا رب لقد أحسنت بدء المسلمين به أي بـمحمد (ص)، فامنحنا من فضلك ومنّك وكرمك حسن الختام.



المقالات المرتبطة

في فلسفة الإمامة الدينية ومنطق الاجتماع المعرفي الديني

هل من الواجب وجود مرجعية دينية بعد رسول الله (ص) تقوم بدور بيان الدين ورفع الاختلاف في دلالات الكتاب وتأويله، بحيث يكون قولها القول الفصل، وبيانها البيان الذي يعبّر عن حقيقة الدين ومعاني الكتاب، فلا يكون إخبارها عن اجتهاد قد يصيب وقد يخطئ، بل يكون عن علم إلهي لا يعتريه الخطأ؛ أم أنه ليس من الواجب وجود هكذا مرجعية دينية، وأنه لا ضرورة لاستمرار مهمة بيان الدين والكتاب بعد وفاة رسول الله (ص)؟

في فلسفة الحكم عند الإمام عليّ (ع)

يستشهد عليّ (ع) بالقرآن فيقول: “هل أنزل الله سبحانه دينًا ناقصًا، أم أنزل سبحانه دينًا تامًّا فقصر الرسول عن تبليغه وأدائه، والله سبحانه يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ﴾ (الأنعام/38) . فهل الحكم لا شيء حتى يتجاهله الله تعالى؟

الفكر العربي الحديث والمعاصر | الأخلاق وموقعيتها في فكر الدكتور علي زيعور

بعد أن ألقينا نظرة على البعد النظري في فكر علي زيعور في الفلسفة والتصوف، ورأينا موقفه منهما، ندخل في المجال العمليّ والحكمة العملية لديه، هذا الجانب الذي شغل مساحة كبيرة

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<