الجهاد والشهادة في غزة هل نشهد “طوفان الأقصى 2؟”

الجهاد والشهادة في غزة هل نشهد “طوفان الأقصى 2؟”

على الرغم من عدم انتهاء أو وقف الحرب الصهيونية على قطاع غزة بعد قيام حركة حماس بعملية عسكرية مباغتة في السابع من شهر أكتوبر الماضي، سميت بـ”طوفان الأقصى”، فإن هناك مَن يرى إمكانية اندلاع حرب “طوفان الأقصى 2”.

تلك العملية التي يمكن القيام بها في الشمال الصهيوني انطلاقًا من الجنوب اللبناني، بمعنى اختراق مستوطنات الشمال الفلسطيني وأسر عدد من المدنيين أو الجنود الصهاينة، واحتلال عدد من تلك المستوطنات، خروجًا من أنفاق محتملة بين الجانبين اللبناني والصهيوني.

شبكة أنفاق

ثمة تخوف يسود الكيان الصهيوني من وجود أنفاق كبيرة وعميقة تربط الجنوب اللبناني والشمال الفلسطيني المحتل؛ شبكة أنفاق قامت عليها عناصر وكوادر حزب الله بهدف اقتحام متوقع لمستوطنات الشمال، ومحاولة استعادة أجزاء محتلة من الكيان الصهيوني الغاصب، وهو التخوف الذي يسود أوساط صهيونية، سياسية وعسكرية ومدنية، أيضًا.

في أعقاب اكتشاف أنفاق عميقة تابعة لحركة حماس شمالي قطاع غزة، بالقرب من معبر إيريز، كما نشر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، زاد التخوف داخل الكيان من وجود أنفاق مشابهة تربط الجنوب اللبناني بالشمال الصهيوني، تحاول قوات الرضوان اللبنانية استغلالها للدخول إلى تلك المستوطنات والبقاء فيها.

الشاهد أن اقتحام بعض جنود الجيش الصهيوني لهذا النفق الكبير وتعمقهم بداخله يكشف مدى قوة وتعاظم حركات المقاومة الفلسطينية داخل قطاع غزة، حتى أن شريط الفيديو المرفق لهؤلاء الجنود يؤكد أن تلك الأنفاق بعضها يستخدم في نقل السيارات والعتاد العسكري الكبير، فضلًا عن كونها مزودة بكل مقومات الحياة ويمكن الاختباء بداخلها لفترات طويلة.

جولة تفقدية وتحذيرات صهيونية

الجنرال أوري غوردين، قائد القيادة الشمالية الإسرائيلية، قد شدّد خلال تجوله في مستوطنات الشمال الفلسطيني المحتل، أن عناصر وقوات الجيش الصهيوني تقوم بعمليات بحث كبيرة ومضنية لتحديد مواقع أنفاق حزب الله اللبناني على طول الحدود المشتركة وكشفها.

وهو ما نقلته عنه وسائل الإعلام المنشورة باللغة العبرية، حيث ذكر الجنرال جوردين، أن جيش بلاده يبحث عن أي بنى تحتية أو أنفاق تابعة للحزب اللبناني كما جرى من اكتشاف نفق عميق بين حدود قطاع غزة والداخل الفلسطيني المحتل، مشدّدًا خلال الجولة التفقدية على أن الجيش يقوم ببحث أي تهديدات فوق أو تحت الأرض تمثل خطرًا على كيانه الغاصب، وأنه في حال وجود مثل هذه التهديدات فإن الجيش لن يبقيها سرًّا على سكان الشمال من المستوطنين.

نتنياهو ينفي

تزامنت هذه التصريحات مع نفي رئيس الوزراء الصهيوني، بنيامين نتنياهو، ما ورد من تقارير تفيد بأن الرئيس الأمريكي جو بايدن قد منعه من القيام بضربة عسكرية استباقية ضد “حزب الله” اللبناني، بعدما تناقلت وسائل إعلام غربية وعبرية أن الإدارة الأمريكية مارست ضغوطًا على تل أبيب لمنعها من القيام بضربة استباقية ضد الحزب اللبناني.

فقد شدّد “بيبي” (بنيامين نتنياهو) على ذلك خلال جلسة للحكومة الصهيونية، أوضح من خلالها أن هناك تصريحات أو منشورات كاذبة تدّعي أن واشنطن منعت وتمنع بلاده من القيام بعمليات عسكرية أو عملياتية في المنطقة ـ في إشارة إلى القيام بعملية استباقية عسكرية ضد حزب الله ـ وأن هذا الأمر ليس صحيحًا، بدعوى أن الكيان المحتل ذات سيادة، وقراراته في الحرب مبنية على اعتبارات عملياتية، لا تمليها الضغوط الخارجية، وأن قرارات الجيش الصهيوني مستقلة.

جبهة عسكرية جديدة

الشاهد أن عددًا كبيرًا من المسؤولين الصهاينة على رأسهم وزير الأمن، يوآف غالانت، ورئيس هيئة الأركان الجنرال هرتسي هليفي، وآخرون في المستوى الأمني والعسكري دعموا فكرة شنّ هجوم على لبنان، في الوقت الراهن، بمعنى أثناء دوران عجلة الحرب على قطاع غزة، لاعتقادهم أنه سيحدث تغييرًا استراتيجيًّا، ويغيّر من خريطة التهديدات الموجهة إلى الكيان الغاصب.

تلك الخريطة التي ربما دفعت بنتنياهو إلى التخوف من فتح جبهة عسكرية أخرى كبيرة في ذروة الحرب الدائرة على غزة، وهو ما دفعه إلى عرقلة قرار عسكري داخلي بشأن الهجوم على حزب الله اللبناني، إذ كان من بين أوائل المسؤولين الصهاينة الذين يدعون، دومًا، إلى الهجوم الكبير على الحزب، إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي، وأنه بين الفينة والأخرى، يحاول “بيبي” كبح جماح بن غفير، حتى إنه أقام حكومة طوارئ وأدخل إلى كابينيت الحرب كلًّا من بيني غانتس وغادي أيزنكوت، وهما من كبار الشخصيات العسكرية السابقة بالجيش الصهيوني اللذين عارضا الهجوم على لبنان، حيث فضّلا التركيز على الحرب ضد حركة حماس في غزة.

رسالة “لوبي 1701”

وأثناء دوران رحى الحرب على القطاع، بعثت منظمة “لوبي 1701” التي تمثل 60 ألفًا من سكان الشمال الفلسطيني الذين تم إجلاؤهم من مستوطناتهم، رسالة إلى الرئيس بايدن ومستشاره للأمن القومي جيك سوليفان، تطالب فيها بالسماح للجيش الصهيوني بضمان عودة هؤلاء المستوطنين الذين تم إجلاؤهم إلى ديارهم، عبر العمل الدبلوماسي أو عملية عسكرية موسَّعة.

وأفادت المنظمة في رسالتها بأن الدبلوماسية التي تتبعها الإدارة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط تجعل هؤلاء المستعمرين لاجئين في “بلادهم”، على حد زعمها، مضيفة في رسالتها الخطيرة بأن هؤلاء المستوطنين يتوقعون الدعم الكامل لعملية عسكرية ضد الحزب اللبناني حتى يتمكنوا من العودة إلى مستعمراتهم في الشمال الفلسطيني المحتل.

لم تأت رسالة منظمة “لوبي 1701” من فراغ، وإنما جاءت على خلفية تقارير أمريكية تفيد بأن إدارة بايدن تمنع تحركًا عسكريًّا صهيونيًّا على الحدود القريبة من لبنان، في الوقت الذي تجري اتصالات دبلوماسية مكثفة من أجل صياغة حل سياسي لا يشمل انسحاب حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني، بالتوازي مع إجراء اللوبي اتصالات في كل من واشنطن ونيويورك، على أمل الحصول على رد من الأمريكيين بهذا الشأن.

الاقتحام مجرد مسألة وقت

ويشار إلى أن منظمة “لوبي 1701” تحاول ممارسة المزيد من الضغوط على الحكومة الصهيونية في تل أبيب للمطالبة بتغيير الوضع الراهن على الحدود الشمالية لفلسطين بهدف إقامة منطقة منزوعة السلاح في الجنوب اللبناني، وإخراج حزب الله وغيره من التنظيمات اللبنانية المسلحة لما وراء نهر الليطاني.

والثابت أن رسالة تلك المنظمة قد أوضحت أن حدوث واقعة تشبه عملية “طوفان الأقصى” لحركة حماس على تلك الحدود الشمالية، مجرد مسألة وقت بالنسبة لحزب الله، زاعمة أن الفشل الدولي في تنفيذ القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي قد أدّى إلى وجود قوات حزب الله على حدود فلسطين المحتلة، والقيام بمهاجمة أهداف مدنية صهيونية بقتل أكبر عدد ممكن من المدنيين الصهاينة.

مواجهة مرتقبة

والواضح أن هناك أحداث متلاحقة تشير إلى احتمالية قرب مواجهة بين حزب الله والجيش الصهيوني، إذ قام وزير الخارجية، إيلي كوهين، بجولة مع سفراء أجانب على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، بدعوى مشاهدتهم، عن قرب، مدى التهديدات التي تشكلها قوات حزب الله على مستعمري الشمال الصهيوني، حيث هدّد كوهين الأمين العام لـ”حزب الله” اللبناني بأنه سيكون “التالي في الدور”.

ووجه إيلي كوهين رسالة إلى حسن نصر الله مفادها أنه “إذا كان لا يريد أن يكون التالي في الدور، فعليه أن ينفذ، على الفور، قرار مجلس الأمن الدولي 1701 ويبعد حزب الله عن شمال الليطاني”، مشيرًا إلى أن بلاده بمشاركة غربية ـ خاصة فرنسية ـ تعمل على الخيار السياسي أو الدبلوماسي، مضيفًا أنه “إذا لم تنجح كل الخيارات المطروحة على الطاولة. حزب الله يخدم الحكومة الإرهابية في إيران، ويعرض لبنان والمنطقة بأكملها للخطر”، على حد تعبيره.

تتزايد احتمالات اندلاع مواجهة جديدة بين الحزب اللبناني والكيان الصهيوني، في ظل كثرة الحديث عن ضرورة عودة المستوطنين الصهاينة إلى مستعمراتهم في الشمال الفلسطيني المحتل، ومطالبة المدنيين أنفسهم بذلك، قبل العسكريين.

الدكتور خالد سعيد

الدكتور خالد سعيد

أستاذ الأدب العبري بجامعة عين شمس – القاهرة



المقالات المرتبطة

الفكر العربي الحديث والمعاصر |حسين مروة وقضية المنهج الأسس والتطبيقات

قدّم حسين مروة قراءة نقدية للدراسات التي عملت على التراث العربيّ الإسلاميّ، واعتبرها لا تلبي احتياجات النهوض الحضاري، لأنّها لم تتوفر على أسس تاريخية مما أفقدها قدرتها التغييرية وأبقاها تعيد إنتاج الماضي

سنتيبيد الإرهاب

 كثيراً ما تبقى بعض ذكريات الطفولة في الذهن لما لها من أثر في تشكّل المرجعيّات اللغوية والوصفيّة للواقع المعاش، خاصّة حين يحتاج المرء لتوصيفات مختصرة لظاهرة معقّدة كثيرة التشعّب…

ميتافيزيقا المحايدة الحياد حضور عارض والتحيُّز هو الأصل

تشير صورة المحايدة إلى قوعها في منتصف الطريق بين حيِّزين. ولو عايَّنا هذه الصورة لظهرت لنا قلقة وحائرة بين بداية الطريق ونهايتها.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<