إيقاعٌ بعدَ هُدوء

إيقاعٌ بعدَ هُدوء

“قراءة سوسيولوجية في أطروحة العالِم الشيخ الفاضل: عبد الجليل البن سعد،

الطليعة الرسالية في مُحيط أهل البيت (ع)”

يجدر بنا توضيح الأسلوب الفني في قراءة هذا المقال بالنسبة للقارئ الكريم، أنَّ (الفعل بصيغة الجمع)، و(ناء الدالة على الفاعلين) يرجع “لكاتبة المقال”، أمَّا ما يخص إدلاءات “الشيخ الفاضل البن سعد” فهي مذكورة بإسمه أو ما يرتبط به. 

والبدايةُ كما يلي:

لماذا نبقى نتأمّل أطروحات العلماء الماضين أمثال ماكس فيبر، الذي أبهرَ أصحاب السوسيولوجيا بفرادة أطروحاته وعصريتها؟ إذ عُدَّ مهندسًا لعلم الاجتماع بجانب رفيقيه كارل ماركس وإميل دوركايم، ومن أجله تُناقَش رسائل جامعية ودراسات علمية إلى الآن، مثل الأساس الأخلاقي للرأسمالية عند ماكس فيبر: “أطروحة ماجستير من جهة الكيحل عبير، جامعة محمد خيضر بسكرة، 2019”.

كذلك العقلنة البيروقراطية في فكر ماكس فيبر: “دراسة علمية من جهة قويدري ثامـر وبكاي المبلود، دون تاريخ نشر”.

إلى جانب دراسة ماكس فيبر، الدين وأخلاق العمل والرأسمالية: “دراسة علمية من جهة برَّاق زكريا، 2021”.

  كذلك ما يُلفِت النظر من العلماء الماضين بيار بورديو ومشروعه التجديدي، الذي أدَّى به إلى تأسيس علم اجتماع خاص به، أطلق عليه (علم اجتماع بيار بورديو).

حيث تفرده بالنظر إلى المثقف على أنه مشروع إنتاج لأسواق ضخمة، تعمل هذه الأسواق على تحويل رأس المال الاقتصادي إلى رأس مال ثقافي.

كل تلك الخصائص لأطروحات العلماء المذكورين أعلاه تشكّل الإيقاعات الموسيقية المائزة لكل منهم، فالإيقاع الموسيقي بمعنى كيفية تنظيم الصوت له عناصر متعددة كمستوى النبضات واللكنة وتدوين الوقت، أكثر هذه العناصر جذبًا بالنسبة لدينا في هذا المقال هو “اللكنة” التي تعني التأكيدات للنغمات الصوتية في كل مقطوعة موسيقية فتميزها عن غيرها من المقطوعات.

تحدَّثتْ بي بي سي (BBC) عن أهمية الإيقاع الموسيقي في المهارات اللغوية في دراسة أُجريت عن العلاقة بين الموسيقى واللغة، خلُصَت أنَّه كلما زاد إتقان الإنسان للمهارات الموسيقية كلما زاد إتقانه لأصوات الكلام، هذه النتيجة ظهرت من خلال التخطيط الكهربائي للدماغ والأعصاب لعيّنة الدراسة.

اتفق مع هذه الدراسة جون إيفرسون الموسيقي، والروائي من جامعة كاليفورنيا.

يُفهَم مما سبق أن الموسيقى متواجدة في كل العلوم، وهي تميز المضمون العلمي بامتياز.

تبَعًا لهذه المؤثرات السببية قصَدنا قراءة أطروحة العالِم الفاضل الشيخ عبد الجليل البن سعد “دامَ مجدُه”.

نُمهِّد في الدخول لقراءة الأطروحة المرادة فيما يلي من السؤال:

ماذا يحدث لو تبَنَّت فئة من الناس- جماعة أو مجتمعًا كبيرًا- معتقدات وأفكار معينة، ألا يمكن أن تؤدي هذه الأفكار والمعتقدات دورًا في تغيّر حياتهم؟ 

هكذا طرَحَ ماكس فيبر الفيلسوف وعالم الاجتماع هذا السؤال لمفهوم رؤية العالَم، لأنه يرى رؤية العالَم محرّكة  للتاريخ، فهي تميل إلى التفكير العقلاني، وترغب عن الفعل التقليدي العاطفي.

من هذا المبدأ نقرأ أطروحة الشيخ الفاضل العالِم “كما وصفه الفقيه السيد منير الخباز دام ظله”.

فسماحة الشيخ البن سعد يحفّزنا دائمًا إلى قراءة التاريخ بشكل واع، وبرؤية نافذة تحتفظ بخصوصية مجتمعنا، لكنها تعبر حدود العالَم بسلام ومشروعية.

لأن نسيان التاريخ فضلًا عن نسيان مُمَثِليه “كما جاء في أطروحته العاشورائية لهذا العام 1445 للهجرة، والمقصودة في هذا المقال: (الطليعة الرسالية في محيط أهل البيت (ع))، يأتي في العادة من طبيعة العلاقة بين الطبقات القيادية والقاعدة، وفي الغالب تكون هذه العلاقة صراعية، بل خصامية كما هي علاقة الأنبياء بأممهم، والقائد الطليعي يخرج من هذه البيئة المتناقضة دائمًا.

ولهذا نسأل أنفسنا كمتدينين وليس كسوسيولوجيين فحسب!

أين الحمدانيين والسيد مهدي القزويني من ذاكرتنا؟!

والحقيقة، كما يكملها سماحة الشيخ البن سعد: أن الأمر يصل إلى نسيان الإمام المعصوم! نشهد ذلك فيما جاء عن أبي موسى الأشعري أنه قال: “لقد ذَكَّرَنا عليًّا صلاة كُنَّا نُصلّيها مع رسول الله إما نسيناها، وإما تركناها عمدًا”؛ لأن أمير المؤمنين (ع) أُبعِد حتى عن أبسط حقوقه كصلاة الجماعة وليس القضاء وسائر مناحي الحياة فحسب “فيما عَقَّب به سماحة الشيخ البن سعد”.

مع أن دولة الإمام علي (ع)، حسب تتبع الشيخ الفاضل، كلها مفاجآت؛ أبرز تلك المفاجآت إعداده للطليعة من أصحابه، حيث كان جميعهم خطباء، أبرزهم: هاشم المرقال؛ وهو من بني أمية، وعمر الخزاعي، وحجر بن عدي، وقيس بن سعد بن عبادة، لحقهم قداسةً من طليعة الإمام الحسين (ع) ثُلةٌ من الأبرار كابن مُسَهَّر، وابن يقطر، ومسلم بن عقيل.

كان جميعهم يعيشون بمحبة وتوافق اجتماعي بفضل قيادة الإمام المعصوم.

ونُحلِّل هذا أنَّ القائد الفذ هو الذي يجعل أدوار الأفراد وخاصة الكفاءات منهم متوافقة وغير متصارعة، كما جاء في مبادئ نظرية الدور الاجتماعي المُتَقَدِّمة -Social Role theory- مما يخلق علاقات اجتماعية سليمة، وهذا هو جوهر التنمية الاجتماعية كما رآها الفيلسوف هوبهاوس أنها تطور البشر في علاقاتهم المشتركة، وهذا ما أسماه بالتوافق في العلاقات، لأن تغير البناء الاجتماعي لا يُحفِّز إلى معنى ما لم يتم تغيّر في العلاقات الاجتماعية، ولهذا السبب فهو ينظر إلى التنمية الاجتماعية أنها التبادلية في علاقات الإنسان.

وهذا ينتقل بنا إلى مفهوم السيادة والتساؤلات، الذي أثارها سماحة الشيخ “البن سعد”: كيف للعبودية أن تزاح عن الإنسان بصيغة تعاهدية تعمل على الانسجام بين الإنسان، وبين نظرائه في الخلق؟ أيضًا،كيف للوثوق أن يمارس قوته التربوية بين الخواص والعوام؟؟!!

أثناء تتبعنا لعلاقة السيد والعبد، تمّت الملاحظة أنها علاقة جدلية على مر التاريخ، يتدخل فيها النسق الإدراكي والرمزي القيمي، وأسلوب التفكير وطبيعة الفكر الإنساني لمختلف المجتمعات (ما نصطلح عليه برؤية العالَم) التي أشار إليها ماكس فيبر كما ذكرنا في بادئ المقال، بيْدَ أنَّ هيجل يرى أن العمل هو الفيصل بين السيد والعبد، وهو القوة الباطنية التي ما إن تمَلَّكَها الإنسان أعطته الحرية، بل أعطته المُلْك للحياة.

ذلك يخبرنا أن صيغة السيد والعبد حسب الرؤية الغربية ظهرت نتيجة الوهم من جانب ممثلي الكنيسة، حيث كانوا يرون أنفسهم أنهم أشخاص تتجلّى فيهم خصائص المطلق، أما غيرهم من البشر فلهم خصائص النسبية؛ فبذلك أجازوا لأنفسهم استعباد الآخرين، ونصبُّوا أنفسهم أسيادًا على خَلْق الله! 

لكن علاقة السيد بالعبد عنوان لا ترتضيه الرؤية الإسلامية، إنما تكشف عن عنوان جديد ألا وهو (النظيرُ في الخَلْق) بين الإنسان وأخيه الإنسان، كما ورد في حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): “الناس صنفان، إمَّا أخٌ لك في الدِّين، وإمَّا نظيرٌ لك في الخَلْق”.

حيث لا يُوجد سيد في الكون إلّا الله عزّ وجل، والخلق كلهم عباد له وحده لا شريك له. إنَّ التوحيد  هو الصيغة التنظيمية للعلاقات الاجتماعية في ضوء سنن التاريخ، حسب ما جاء في فكر السيد محمد باقر الصدر (قده)، باعتبار أن هذه السنن هي أول براءة اختراع تنسب إلى القرآن الكريم قبل أن يكتشفها العالَم الغربي في القرن السابع عشر الميلادي.

ومن هنا تأتي موقعية الدين في إثارة الشعوب، فيما أشار إليه “سماحة الشيخ  البن سعد” عن  أحد علماء الفيزياء الذين حازوا على جائزة نوبل أنه قال: القرن الحادي والعشرون هو قرن التدين والإله.كما أن هناك من ساندَهُ في رأيه وهو توينبي بقوله: إنَّ القرن القادم قرن دين.كما أيَّدَهُ سماحة الشيخ البن سعد برؤيته التالية: أنَّ التدين الرقمي يركّز على دراسة الظاهرة الدينية التي انتشرت عبر الإنترنت، فالدين هو الذي أحدث ثورة هائلة بفاعلية أكبر من أي عامل آخر على مدى التاريخ، فالسفاردة اليهود تأثّروا بالثقافة الإسلامية بعمق شديد، وهذا يكشف عن الأثر البالغ للتكوين العلمي في شحذ ذوي العقول التي لا تقاوم العلم على اختلاف هويته.

يعطف سماحته على ذلك أن من مظاهر إثارة الدين للإنسان ما حدث مع المفكّر العربي مالك بن نبي، حيث كان مهندسًا كهربائيًّا، لكنه أصبح بعد ذلك مفكّرًا إسلاميًّا، لأنه رأى أن دينه ووطنه بحاجة إلى هذا التحول، وبالمناسبة مع ذلك ما حدث للسيد محمد سعيد الحبوبي، الذي هو فيلسوف وفقيه وأديب شيعي عندما عمل على تكوين جيش ضد الاحتلال البريطاني مع أن الدولة العثمانية تضطهد الشيعه!!

ولهذا نرى أنَّ لا شيء أكثر من الدين يشعل الحب ويثير العاطفة ويهذب الذوق الإنساني؛ لكن العاطفة لها أدوات خاصة تتقنها المرأة أكثر من الرجل، “هذه جملة قد يراها القارئ الكريم عارضة!”، لكنها صدمة العقل الجميلة لتلاطف مشاعرنا فنتجول في متاحف الفن والجمال، ثم نرى لوحة بإيطار مُذَهَّب، ألوانها الأبيض ممزوجٌ بأزرق مُضيء، اسمُ هذه اللوحة “شرف العروج” لأم  هاني زوجة رسول الله (ص)، حينما اختُصَّت بشرف عروج رسول الله إلى سماء الملكوت من منزلها، ومن المسلّمات أنَّ اختيارات رب الأرباب هي عين التدبير المحكم، الذي لا يقبل التلقائيات بمكان.

بالإضافة إلى أنَّ هذه السيدة الجليلة احتلت مكانة خاصة لدى أمير المؤمنين (ع) عندما كتب لها تقريرًا شاملًا عن حرب الجمل.

لا شيء يفسر ذلك إلّا أنَّ ملكة العلم هي التي تحدّد مقام الإنسان وتفضُّله على غيره وليس العمل،كما حدّد هذا القانون العلّامة الطباطبائي (قده) في كتابه الميزان.

هذه المرة نتجه كسوسيولوجيين إلى العلم والإيمان لا بصفتهما السلوكية، بل بصفتهما المفهومية والتي نسميها بالمعيار!

المعيار هنا هو الوسيلة للتكيف الاجتماعي بين الأفراد، وليس معرقلًا للحياة الاجتماعية، حسب مبدأ جورج هومانز مؤسس نظرية التبادل الاجتماعي.

إنَّ معيار العلم والإيمان الديني هو الفيصل في حركتنا الإنسانية.

ما أحوجنا إلى معيار بهذه المواصفات تكمن فيه الثقافة المستقلة لصاحب كل مشروع فكري نزيه، لأن المشهد الثقافي العربي يواجه تكتيكًا دبلوماسيًّا ظاهره سليم، لكنه يرمي بالثقافات وأصالتها، ويسخّر أشباه المثقفين لكي يمرروا غاياتهم في المجتمع المراد اختراقه، يصل الأمر بالتشكيك في ثقافة الإنسان من خلال خطابات مثقفين من المجتمع نفسه فيما ذُكِر مضمونًا في خطاب سماحة الشيخ البن سعد.

لكننا نحسب أنَّ المثقف الحقيقي هو المثقف المبدع، وهو الكائن الملازم للتفكر في العالَم، وإعادة تنظيم متناقضاته، وتفجير مواطن الخير والجمال الكامنة في الأشياء، والشخصيات من حوله المتعارضة مع الواقع المادي غير المرغوب فيه.

من الشواهد المشرّفة لتاريخ المسلمين الثقافي ما قرّرهُ “بول ريكور الثاني! وهو الشيخ البن سعد”، كما أطلق على نفسه هذا الاسم على نحو الملاطفة مع جمهوره -نعتقد أنه يريد بهذه التسمية بث روح الثقة في جمهوره متجلية في الدور العلمي والنقدي للإنسان الطموح- فقد جاء على لسانه قول جاك بيريك: إنَّ استعداد العربي المسلم على الانتقال من مرحلة ثقافية إلى أخرى أقوى من انتقال الأوروبي على ذلك، حيث احتاج الأوروبي مائة وخمسين سنة ما يقارب عمر الثورة الفرنسية لكي يصل إلى تأسيس جامعات وتكوين مثقفين، معنى ذلك أن الأمر استغرق عمر جيلين أو ثلاثة.

هذا يكشف لنا عن مسيرة الشخصية الاجتماعية العربية في ممارساتها الثقافية ومدى استجابتها  مع سرعة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع، وتمثيلها للوظيفة التدعيمية للبناء الاجتماعي، وليس الوظيفة التفكيكية كما جاء في فكر عالم النفس والاجتماع إريك فروم.

* باحثة ماجستير علم الاجتماع.

فاطمة البودريس

فاطمة البودريس

باحثة ماجستير علم الاجتماع



المقالات المرتبطة

المحايثة: حياة

يبسط دولوز للحقل المجاوز بما هو مائز عن التجربة، وبما هو لا يحيل إلى موضوع أو إلى ذات؛ من حيث هو حقل محايثة محض، متفلّت من كلّ مفارقة للذات كما للموضوع،

مفهوم الشّهادة في فكر شريعتي (الثّورة، الثّأر، الوراثة)

“كم هي غيرُ قابلةٍ للتّحمّل رؤيةُ كلّ ذلك الألم، كلّ هذه المأساة في ملامح ما…

الإيمان والإنسان: مقاربة قرآنيّة

يسطّر القرآن حركة الاندفاعة الإيمانيّة نحو عالم الغيب، ويرى من مقتضياتها توافر الإنسان على المدارك الملائمة لمعرفة الغيب والإيمان به

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<