الغاية من خلق الإنسان

يُبيّن قول الله تعالى: ﴿وإذْ قَالَ ربُّكَ لِلْمَلائكَةِ إنّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[1]؛ الغاية من خلق الإنسان، فالغاية هي جعل هذا المخلوق خليفة الله في الأرض، وليست مجرّد خلق إنسان، وبذلك ندرك سرّ التعبير  بـ”جاعل” بدلًا من “خالق”. وتشير الآية الكريمة إلى أنّ الله تعالى قد حمَّل هذا المخلوق وظيفة الاستخلاف في الأرض. ولوظيفة الاستخلاف بُعْدان لا تتحقّق إلّا بكليهما، البعد الأوّل يتّصل بالله، والبعد الثاني يتّصل بالكون والإنسان.

ويتحقّق البعد الأوّل بمعرفة الله وتوحيده، فإذا عرف الإنسان خالقه ونزَّهه عن الشريك فقد حقّق البعد الأوّل من وظيفة الاستخلاف. أمّا البعد الثاني فيتحقّق بمعرفة الإنسان لطبيعة صلته بالكون وبالإنسان الآخر، فصلته بالكون الذي يشتمل على الأرض، الشمس، القمر والنجوم … يجب أن تكون مبنيّةً على معرفة أنّ هذا الكون مخلوقٌ لأجله ومسخَّرٌ له برحمة الله تعالى، وأنّه مكلَّفٌ باستغلاله والاستفادة منه لصالح المجتمع الإنسانيّ. وصلته بالإنسان يجب أن تكون مبنيّةً على معرفة أنّ علاقاته به يحدّدها الدين الذي يشرّعه له خالقه، وأنّه لا يجوز له أن يخرج عن هذا الدين في جميع علاقاته بالإنسان الآخر، فإذا عرف الإنسان طبيعة صلته بالكون وبالإنسان الآخر فقد حقّق البعد الثاني من وظيفة الاستخلاف.

وإذا حقّق الإنسان البعدين المذكورين فقد عبد الله واستحقّ أن يكون خليفته. فعبادة الله التي وردت في القرآن الكريم تعني أن يحقّق الإنسان البعدين لكي يكون خليفة الله في الأرض. قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[2]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[3]، وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾[4]، وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾[5].

قيام المجتمع الإنسانيّ

لمّا أراد الله تعالى أن يجعل في الأرض خليفةً فقد شاء أن يُولَدَ على الأرض مجتمع إنسانيّ. وحين وُلِدَ على الأرض أوّل مجتمعٍ إنسانيٍّ اقتضت رحمة الله الخالق أن يكون لهذا المجتمع نظام سُمِّيَ بالدين، ينظّم كلّ جوانب الحياة في المجتمع الإنسانيّ، فيما يخصّ صلة الإنسان بخالقه، بالكون وبالإنسان، لكي تتحقّق الغاية من خلق الإنسان، وهي الاستخلاف في الأرض، وإقامة العدل فيها.

ولمّا كان النظام أو ما سُمِّي بالدين صادرًا من خالق الإنسان، وليس من الإنسان نفسه، فلا بدّ من وجود صلةٍ بين المجتمع الإنسانيّ وبين الله تعالى، وظيفتها تبليغ الدين أو النظام عن الله تعالى، دعوة المجتمع إلى تطبيقه، إنذار الخارجين عنه بالعقاب الإلهيّ، تبشير المُطبّقين له برضا الله، والسعادة في الدنيا والآخرة. فكان الأنبياء الذين يختارهم الله من بين أفراد المجتمع هم الصلة بين الله والإنسان على الأرض، على مرّ العصور.

إنّ الوظيفة التي حملها الأنبياء عن الله تعالى هي جمع الناس في كلّ مجتمعٍ من المجتمعات الإنسانيّة على توحيد الله، وتحكيم دينه ونظامه في جميع جوانب الحياة، لكي يتحقّق مجتمع العدل الإلهي أينما وُجِدَ، مجتمعٌ إنسانيٌّ على الأرض. إنَّ توحيد الله تعالى، وتحكيم دينه في الحياة، وإقامة مجتمع العدل الإلهيّ هو جوهر بعثة الأنبياء جميعًا.

كان خاتم الأنبياء وأشرفهم هو رسول الله محمّد (ص) الذي اختاره ليكون الصلة الأخيرة بينه وبين الإنسان في كلّ مكانٍ وزمان، وليبلّغ عنه دينًا كاملًا يحتوي على كلّ ما جاء به الأنبياء من قبله، من أسسٍ وقواعدٍ في تنظيم المجتمع الإنسانيّ، ويُثبِّت قواعد تُسْتنبط بها تشريعاتٍ تنظّم كافّة الشؤون الحياتيّة التي تستجدُّ في المجتمع الإنسانيّ في كلّ زمانٍ ومكانٍ، لتحقيق مجتمع العدل الإلهيّ على الأرض.

 مواصفات المجتمع الإنسانيّ الصالح، كما يريده الخالق سبحانه وتعالى

بيّن الله عزَّ وجلَّ ورسوله الكريم (ص) المواصفات التي يجب أن يتّصف بها المجتمع الإنسانيّ الصالح الذي يقوم بوظيفة الاستخلاف في الأرض، وهذه المواصفات يمكن استخلاصها من النصوص المقدّسة، وهي:

  1. التوحيد الخالص لله: وهو إخلاص العبودية لله تعالى، والتحرّر من كلّ عبوديّات الدنيا، كعبوديّة المال، السلطان، الجاه، الهوى وغيرها. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[6]، وقال تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾[7]. إنّ المجتمع الذي يجعل إلهه هواه ويكون أفراده عبيدًا للمال أو السلطان أو الشهوات لا يصلح أن يتحمّل وظيفة الاستخلاف في الأرض.
  2. ولاية القيادة الإلهيّة المختارة من الله تعالى. وتعني معرفة القائد أو الإمام المختار من الله تعالى وتولّيه وطاعته ونصرته. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾[8]، وعن زرارة عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (ع) قال: بُني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة والزكاة والصوم والحجّ والولاية. قال زرارة: فقلت: أيّ شيء من ذلك أفضل؟ قال: الولاية أفضل، إنّها مفتاحهنّ، والوالي هو الدليل عليهنّ… ثم قال: يا زرارة، ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن الطاعة للإمام بعد معرفته، إنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، أمَّا لو أنَّ رجلًا قام ليله وصام نهاره وتصدّق بجميع ماله وحجّ دهره ولم يعرف ولاية وليّ الله فيواليه، ويكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على الله جلّ وعزّ حقّ في ثوابه، ولا كان من أهل الإيمان[9].

إنّ المجتمع الذي يستحقّ القيام بوظيفة الاستخلاف في الأرض هو المجتمع الذي يعرف القائد الإلهيّ ويواليه ويطيعه وينصره.

وثمّة سؤال يفرض نفسه على البحث هنا: ماذا يحدث لو أنّ المجتمع أعرض عن القائد الإلهي ولم يُطعه ولم ينصره؟ والجواب: إنّ مثل هذا المجتمع إمّا أن تبقى فيه جماعة، وإن كانت صغيرة، تعرف القائد الإلهيّ وتواليه وتطيعه، وهي مستعدّة لنصرته، أمّا الأكثريّة فهي واقعةٌ تحت قهر الحاكم المستبدّ وخداعه وتزييفه للحقائق، وإمّا أن يكون المجتمع كلّه منصرفًا عن القائد الإلهيّ ومواليًا للطاغوت وطائعًا له. ومثل المجتمع الأوّل لا يكون فاقدًا الأهليّة للقيام بوظيفة الاستخلاف في الأرض وأداء العبوديّة لله تعالى بصفةٍ دائمةٍ، ولكنّه ليس قادرًا على ذلك مؤقّتًا بسبب الظروف التي أوجدها الحاكم المستبدّ الظالم. وتبقى الكتلة الصغيرة الباقية فيه التي تعرف قائدها الإلهيّ وتواليه بمنزلة القلب في هذا المجتمع، فما دام القلب حيًّا فإنّ الكيان قادر على أن يستعيد قوّته وقدرته حين تزول الظروف التي أفقدته ذلك. والقائد الإلهيّ في هذا المجتمع لا يكون قادرًا على القيادة السياسية للمجتمع بصورةٍ مؤقّتةٍ أيضًا، فيعلّق قيادته السياسيّة مؤقتًا ويمارس إمامته الفكريّة المتمثّلة في الحفاظ على الكتلة الصالحة، وعلى الإسلام الأصيل، بتأصيل قواعده وتوضيح أحكامه ورد الشبهات عنه. وقد تقتضي المصلحة أن يغيب القائد الإلهيّ عن مجتمعه مؤقتًا، بسبب إصرار الحاكم المستبدّ على قتل القيادة الإلهيّة، وحينئذٍ تُعطى القيادة الفكريّة للكتلة الصغيرة مؤقتًا وفق أسس تبيّنها القيادة الإلهيّة.

إن ّكلا الأمرين قد مارسته القيادة الإلهيّة بعد الإمام الحسين (ع). إنّ مثل هذا المجتمع يُعّدُّ مؤهلًا بالقوّة لتحمل وظيفة الاستخلاف في الأرض وأداء العبوديّة الحقّة لله تعالى. أمّا مثل المجتمع الثاني (المنصرف عن القيادة الإلهيّة) فيُعَدُّ فاقدًا الأهليّة لتحمّل وظيفة الاستخلاف في الأرض، وأداء العبوديّة الحقّة لله بصفةٍ دائمةٍ، وبذلك يكون فاقدًا لمبرّرات وجوده التي خلق الله الإنسان من أجلها كما حصل لكثير من المجتمعات التي كانت قبل الإسلام.

  1. البراءة من أعداء الله: وهي تعني حماية المجتمع الإلهيّ الصالح من أعداء الله ومحاولاتهم في حرفه عن الخطّ الإلهي، والتأثير عليه في قدرته على أداء العبوديّة الحقّة لله والقيام بوظيفته في خلافة الأرض، ويتمّ ذلك بإعلان أفراد المجتمع الابتعاد والانفصال عن أعداء الله ومناهجهم وثقافاتهم، وعدم موالاتهم والرضا بهم قولًا وعملًا. ويشمل مصطلح أعداء الله الشيطان والطاغوت وأتباعهما. قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾[10]. إنّ المجتمع الذي لا يحمي نفسه بالبراءة من أعداء الله هو مجتمع غير مؤهّلٍ للقيام بوظيفة الاستخلاف في الأرض وأداء العبوديّة الحقّة لله.
  2. العزّة والكرامة: وتعني الامتناع من الذلّ، الهوان، الخنوع وعدم الخضوع لغير الله، من جهة السلب، والامتلاء بالشعور بالأصالة والريادة والقيادة والمسؤوليّة، والانتماء إلى القوّة المطلقة من جهة الإيجاب. إنّ المجتمع الذي يتصف أفراده بالعزّة والكرامة قادر على القيام بالوظائف التالية:

أ. الأمر بالمعروف والنهيّ عن المنكر، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾[11].

ب. الجهاد في سبيل الله والدفاع عن الإسلام والمسلمين، وذلك حين يتعرّض الإسلام أو المسلمون أو أرضهم أو مصالحهم للخطر من قبل أعداء الله. ويعني ذلك استعداد أفراد المجتمع لبذل أرواحهم ودمائهم وأموالهم في سبيل الله.

ج. الوقوف بوجه الحاكم المستبدّ، إذا حاول أن يذلّ المجتمع، أو يبيع كرامتهم للأجنبيّ. وقد يتحقّق الوقوف بوجه الحاكم المستبدّ بالثورة المسلّحة، بالعصيان أو بإظهار حقيقته بوسائل الإعلام المتاحة.

د. نصرة المظلومين وإغاثة الملهوفين والوقوف إلى جانب المستضعفين.

  1. الحريّة: وتعني القدرة على اتخاذ القرار، الاختيار والتعبير دون خوفٍ أو ضغطٍ أو تأثيرٍ من أحد. إنّ المجتمع الذي يتمتّع أفراده بالحريّة يكون قادرًا على اختيار قيادته الصالحة، وقادرًا على موالاة هذه القيادة وطاعتها، وقادرًا على التعبير عن نفسه وطرح الآراء ومناقشتها والاجتهاد فيها. إنّ المجتمع الذي يفقد حريّته لا يكون مؤهّلًا لأداء العبوديّة الحقّة لله تعالى، وللقيام بوظيفة الاستخلاف في الأرض.
  2. الوحدة السياسيّة والاجتماعيّة: الوحدة السياسيّة تعني أن يكون المجتمع موحّدًا في قبول القائد وإسناده وطاعته، ويكون موحّدًا في المواقف المصيريّة. والوحدة الاجتماعيّة تعني التعايش الكريم بين جميع أفراد المجتمع وإن اختلفوا في القوميّة، الدين، اللغة أو اللون، ما داموا يعيشون في مجتمعٍ واحدٍ، وقبلوا أن يحكمهم نظامٌ واحدٌ، ورضوا أن يتولّى أمورهم قائدٌ صالحٌ. إنّ المجتمع الذي تمزّقه المواقف المختلفة، وتشرذمه الآراء المتعدّدة، وتشتّت كيانه الطائفيّة والعنصريّة هو مجتمع غير قادرٍ على القيام بوظيفة الاستخلاف في الأرض.

الكتلة الشيطانيّة في المجتمع الإنسانيّ

وقف الشيطان أمام الله عزَّ وجلَّ، وأقسم بعزّته لَيُغْوِيَنَّ بني الإنسان، ولَيُضِلَّنَّهم عن صراطه المستقيم وشرعه القويم، إلاّ عباده المخلصين، فقد أعلن عجزه عن قدرته على إغوائهم وإضلالهم. وأقسم أمام الله عزَّ وجلَّ لَيتَّخِذَنَّ الذين يُضِلُّهم ويُغويهم أولياء، ولَيَأْمُرَنَّ أولياءه بالفساد في الأرض، وتدمير المجتمع الإنسانيّ الصالح، وتجريده من صفاته التي سبق ذكرها، وصدّ الناس عن دين الله، والتسلّط عليهم، واستعبادهم وكسر إرادتهم، وهتك كرامتهم وعزّتهم، ومصادرة حقوقهم ظلمًا بقوّة التسلّط، ومصادرة حريّاتهم وقدراتهم على اتّخاذ القرار في مواجهة الشيطان وأتباعه، يأمرهم بذلك كله، لأجل تحقيق الهدف الشيطانيّ وهو إقامة المجتمع الشيطاني في الأرض بدلًا من المجتمع الإلهيّ الذي يقوم بوظيفة الاستخلاف في الأرض، وهي الغاية التي خُلِق الإنسان من أجلها.

إنّ الكتلة الشيطانيّة التي تُسمّى أحيانًا بــ”الطاغوت” كانت وما زالت تمتلك القوّة والسطوة والسيطرة، فهي تستعمل قوّتها وسطوتها للسيطرة على المجتمع الإنساني الصالح. وحين تسيطر تلك الكتلة على المجتمع تعمل على تدميره وقلبه، وبنائه وفق رؤيتها ومفاهيمها الشيطانيّة، فهي تستعمل الظلم والطغيان لإشباع رغباتها التي لا تنتهي عند حدٍّ معيّنٍ، وتمارس القتل وسفك الدماء لفرض سلطانها وإرادتها، وتصادر حريّات أبناء المجتمع الصالح، وتمارس بحقّهم أنواعًا من الإرهاب والتخويف، لكسر إرادتهم، ثمّ إذلالهم وهتك عزّتهم وكرامتهم، لكي لا يستطيع أحدٌ منهم أن يأمر بمعروفٍ وينهى عن منكرٍ، ولكي لا يقوم أحدٌ منهم بواجب الجهاد في سبيل الله وتحرير الناس من الطاغوت، فيفرض الطاغوت سلطانه على المجتمع الإنساني، ويحكمه نيابةً عن الشيطان.

مشروعيّة المقاومة

شرّع الله تعالى المقاومة لأجل حماية المجتمع الإنسانيّ الصالح الذي يقوم بوظيفة الاستخلاف في الأرض من تسلّط الطاغوت “الكتلة الشيطانيّة”. ولا بدّ في هذه النقطة من التعريف بمعنى المقاومة، لأجل الوصول إلى حقيقة المقاومة وأنواعها المشروعة.

معنى المقاومة

المقاومة مشتقّةٌ من الجذر “ق و م”، وهو أصلٍ لمعانٍ عديدةٍ، مثل: معنى “القيام” الذي هو ضدُّ الجلوس، قال في لسان العرب: “القيام نقيض الجلوس، قام يقوم قومًا وقيامًا وقومةً وقامةً، والقومة: المرّة الواحدة”[12]، ومعنى “القيام” الذي هو ما يقوم به بِنْيَةُ الإنسان، وما يقوم به الشيء، كالسِّناد والعِماد اسم لما يُسْنَد به ويُعمد به”[13]، ومعنى “القيام” الذي هو العزم على فعل الشيء،  كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾[14]، أيّ لمّا عزم، وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾[15]، أي: إذْ عزموا فقالوا[16].

ومعنى “القيام” الذي هو ملازمة الشيء والدوام عليه، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾[17]، أي: ملازمًا محافظًا[18]، ومعنى “القيام” الذي هو الوقوف والثبات، يُقال للماشي: قِفْ لي، أي: تثبّت مكانك حتّى آتيك، وكذلك “قُمْ” لي، أي: اثبت، وعليه فسّروا قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾[19]، قال أهل اللغة والتفسير: “قاموا” هنا بمعنى وقفوا وثبتوا في مكانهم غير متقدّمين ولا متأخّرين[20]، ومعنى “القيام” الذي هو التكلُّف بالقيام بالشيء،  كقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾[21]، إنّما هو من قولهم قمتُ بأمرك، فكأنّه – والله أعلم- الرجال مُتكلِّفون بأمور النساء، معنيّون بشؤونهنَّ[22]، ومعنى “القيام” الذي اشْتُقَّ منه “القوم” و”المَقامة” (بفتح الميم) و”القامة” وهي تعني: الجماعة من الناس، ومعنى “القيام” الذي هو المنازلة، وهو أن يقوم بعض الناس لبعضٍ للقتال يقال: “تقاوموا في الحرب أي قام بعضهم لبعضٍ للقتال”، ويقال: ما زلتُ أقاوم فلانًا في هذا الأمر؛ أي: أنازله، وفي الحديث: “مَنْ جالسَه أو قاوَمه في حاجة: صابره”[23]. و”المقاومة” مصدر “قاوم، يقاوم”، وهي تعني: منازلة العدو، مدافعته، ومنعه من تحقيق مآربه وأهدافه. 

ويتبيّن لنا من هذا العرض أنّ لفظ  “المقاومة” يجمع المعاني التالية: قيام المظلومين والمستضعفين لأولياء الشيطان من المستكبرين والطواغيت، لقتالهم ومنازلتهم ومدافعتهم، لمنعهم من استعبادهم ومصادرة حقوقهم، وقيام أبناء المجتمع الصالح لأولياء الشيطان لقتالهم ومنازلتهم ومدافعتهم، لمنعهم من تدمير مجتمعهم، ومنعهم من الصدّ عن دين الله أو تعطيله أو تشويهه، ومنعهم من سفك دماء الأبرياء وقتلهم، ومن هتك أعراض الناس في ذلك المجتمع، ومنعهم من هتك عزّتهم وكرامتهم وإذلالهم، ومنعهم من نهب ثرواتهم وأموالهم.

وتعني “المقاومة” أيضًا قيام أبناء المجتمع الصالح لأولياء الشيطان لقتالهم ومنازلتهم ومدافعتهم عند ثغور الوطن، لمنعهم من اجتياز حدود بلدهم واحتلاله.

ويتبيّن لنا من هذا العرض أيضًا أنّ المقاومة التي تجمع المعاني السابقة هي عماد الأمّة التي يستضعفها الطاغوت ويفرض عليها سلطانه، أو يريد الطاغوت أن يأتي إليها ليحتلّها ويفرض عليها سلطانه، وأنّ هذه المقاومة هي سناد الأمّة لدفع أولياء الشيطان بعيدًا عنها. ويتبيّن لنا أيضًا أنّ هذه المقاومة يجب أن يقوم بها جماعة أو قوم من المجتمع مكلّفون أو معنيّون بأمور المجتمع للحفاظ على المجتمع وحمايته من أولياء الشيطان. وقد أُطْلِقَ على هذه الجماعة التي تقوم بالمقاومة اسم “المقاومة” مجازًا. ويتبيّن لنا أيضًا أنّ هذه المقاومة لا تحقّق أهدافها وتُؤتي أُكُلها إلّا إذا توافرت في مَنْ يقوم بها الإرادة، العزم، الصبر، ملازمة الجهاد والمداومة عليه، والثبات في القتال والمواقف المصيريّة وعدم التراجع قيد أنملة.

بين المقاومة والجهاد

قد تقدّم معنى “المقاومة”، وهذا المعنى يلتقي مع معنى الجهاد في مواضع، فالجهاد مشتقٌّ من الجذر (ج هـ د)، وهو جامع لمعاني الطاقة، المشقّة، بلوغ الغاية في الأمر والجدّ في الشيء، يقال: جَهَدَ الرجل في كذا، أي: جدّ فيه وبالغ. ومنه: جاهد العدوّ مجاهدةً وجهادًا: قاتله، والجهاد في سبيل الله: محاربة الأعداء[24]، وهو استفراغ الوسع والطاقة في مدافعة العدو[25]، ومعناه الشرعيّ: قتال أعداء الله ورسوله وأعداء المسلمين، منازلتهم ومدافعتهم، لمنعهم من احتلال بلاد المسلمين، منعهم من استضعاف الناس وظلمهم، منعهم من الصدّ عن دين الله أو مصادرته أو تشويهه، منعهم من إذلال المسلمين، كسر إرادتهم، هتك كرامتهم وعزّتهم، منعهم من نهب ثروات المسلمين، تدمير ممتلكاتهم، ومنعهم من نشر الفساد في المجتمع الإسلامي الصالح. ويلزم معنى بذل الطاقة والمشقّة والجدّ في بلوغ الغاية في الجهاد أن تتوافر في المجاهد الإرادة، العزم، الصبر، ملازمة الجهاد والمداومة عليه، الثبات في القتال وعدم التراجع أو الفرار من الزحف.

وبهذا يتبيّن لنا أنّ المقاومة والجهاد يلتقيان في معانٍ كثيرة، إلاّ أنّ الجهاد أخصُّ من المقاومة، لأنّه مصطلحٌ إسلاميّ، وهو فعلٌ يقوم به المسلم، أمّا المقاومة فهي أوسع من الجهاد، لأنّها فعلٌ لا يقتصر القيام به على المسلم فقط، بل يقوم به المسلم وغير المسلم، فالمقاومة بناءً على ذلك قد أقرّتها الشريعة الإسلاميّة، وأوجبتها بالنظر إلى كونها جهادًا ضدّ أعداء الله ورسوله وأعداء المسلمين من الطاغوت وأولياء الشيطان. قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾[26]، وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾[27]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾[28]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾[29]، وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾[30]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾[31]. ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[32]، وقال تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾[33]. وأقرّتها أيضًا الشرائع الأخرى باعتبارها قتالًا مشروعًا يقوم به الإنسان ضدّ كلّ مَن يريد أنْ يحتلّ بيته، أرضه، وطنه، أو يريد أن يقتله ويسفك دمه، أنْ يسلب ثروته وأمواله، أنْ يدمّر ممتلكاته، أو يريد أن يعتدي على مقدّساته أو عرضه، أن يستعبده ويصادر حريته ويذلّه وينتهك كرامته. وأقرّتها القوانين والأنظمة الوضعيّة، ومنها قوانين منظّمة الأمم المتّحدة.

المقاومة وإرادة الاستقلال

“الاستقلال” استفعال من الجذر (ق ل ل) وهو أصلٌ جامعٌ لمعانٍ عديدةٍ، منها: معنى “الإقلال” وهو حَمْلُ الشيء ورفعه، يُقال: أقلّ الشيء يُقِلُّهُ واستقلَّهُ يستقلّه إذا رفعه، ومعنى “الإقلال” وهو النهوض والارتفاع، يُقال: استقلّ الطائر في طيرانه، أي: نهض للطيران وارتفع في الهواء. وفي الحديث: “حتّى تقالَّت الشمس”؛ أي استقلَّت في السماء وارتفعت. ومعنى “الإقلال” وهو الذهاب والارتحال مع الاحتمال، يُقال: استقلَّ القوم، أي: ذهبوا واحتملوا سارِين وارتحلوا، ومعنى “القَلَّة” بفتح القاف، وهو النهضة من عِلَّة أو فقر، ومعنى “القِلَّة” وهو خلاف الكثرة، ومعنى “القُل” وهو النقص، وفي  الحديث:  قال له: “إذا ارتفعت الشمس فالصلاة محظورة حتّى يستقلَّ الرمح بالظلّ”، أي: حتّى يبلغ ظِلُّ الرمح المغروس في الأرض أدنى غاية القِلَّة والنقص[34].

ويتبيّن لنا من هذا العرض أنّ “الاستقلال” هو طلب حمل الشيء ورفعه من غير تدخّلٍ من الغير، وهو طلب النهوض بالشيء والارتفاع به من غير تدخلٍ من الغير، وهو احتمال القيام بالشيء من غير تدخلٍ من الغير، وهو طلب النهوض من عِلّةٍ، مرضٍ، فقرٍ أو غير ذلك من غير معينٍ أو تدخّلٍ من الغير، وهو طلب أقلّ الشيء وأدناه.

و”الاستقلال” في المعجم السياسي يُستعمل بمعنى أن يكون الوطن والشعب منقطعين عن أيّ تدخّلٍ خارجيٍّ في شؤونهما. وهذا المعنى ليس بعيدًا عن المعنى اللغوي، لأنّ كلّ شعب يعيش في وطنٍ يطلب أن يحمل شؤونه وشؤون الوطن، ويديرها ويرفعها بنفسه من غير تدخلٍ خارجيٍّ، ويطلب أن ينهض بشؤونه وشؤون وطنه، ويرتفع بها بنفسه من غير تدخّلٍ خارجيٍّ، ويطلب أن يقوم بكافّة الأفعال في المجالات السياسيّة، الاقتصاديّة، العسكريّة، الاجتماعيّة والدينيّة بنفسه من غير تدخّلٍ خارجيٍّ، وإذا احتلّ عدوٌّ الوطن يطلب الشعب أن يقوم بتحرير الوطن من المحتلّ بنفسه، وإنقاص نفوذه وهيمنته على الوطن إلى غاية القلّة والنقص من غير تدخلٍ خارجيٍّ. وهذا الذي يقوم به الشعب هو أقلّ الواجبات، وما يطلبه هو أقلّ الحقوق.

وحين يتعرّض الوطن والشعب إلى تدخّلٍ خارجيٍّ في شؤونهما من قِبَلِ عدوٍّ خارجيٍّ، سواء أكان هذا التدخّل حاصلًا بسبب الاحتلال المباشر، أم كان بسبب التهديد والضغط الذي يمارسه ذلك العدوّ من وراء الحدود، فإنّه في هذه الحالة تكون المقاومة واجبةً لتحقيق إرادة الاستقلال، ويجب على الجماعة التي تحمل على عاتقها مسؤوليّة المقاومة أن تقوم بواجبها لحماية الشعب والوطن من أيّ تدخّلٍ خارجيٍّ في شؤونهما.

كيف تحقق المقاومة إرادة الاستقلال؟

 المرابطة عند ثغور الوطن

إذا كان الوطن مهدّدًا من قِبَلِ عدوٍّ خارجيٍّ متواجدٍ على حدوده، أو قريبٍ منها، وجب على الجماعة التي تحمّلت مسؤوليّة المقاومة أن تحمي حدود الوطن، وتمنع ذلك العدوّ من الدخول إلى أرض الوطن، لاحتلال جزءٍ منه، أو للإغارة على بعض المناطق فيه بقصد نهب أموال الناس، سرقة ممتلكاتهم أو تدميرها، أسر أو قتل أبناء الشعب الذين يعيشون في تلك المناطق. وتتحقّق حماية الوطن والشعب في هذه الحالة بالمرابطة عند ثغور الوطن على طول الحدود التي يحتمل أن يأتي منها العدوّ.

   إنّ الجماعة التي تقوم بالمرابطة عند ثغور الوطن لحراسته هي الجماعة التي يُطلَقُ عليها اسم  “المقاومة”، وهم جُندٌ متطوّعون غير نظاميين، ولا يتبعون للمؤسّسة الحكوميّة الرسميّة، ولا يتقاضون رواتب من الحكومة، وفي ذلك يقول المجاهد التونسي الكبير السيد محي الدين القليبي، في بحثٍ له عن المرابطة: وإذا كان الثغر هو الموقع (الاستراتيجي) الذي له شأنه في حدود الوطن الإسلاميّ المجاور للعدوّ المحارب والحدود الساحليّة منها على الخصوص، فإنّ المرابطين به هم الجنود الفدائيّون الذين أخذوا على أنفسهم دفع العدوان المهاجم للثغور الإسلاميّة، وردّ غزوه المفاجئ. تجمّعوا في تلك المواقع، ورابطوا بها يفتدون أرض الإسلام وإخوانهم الآمنين فيها بأنفسهم، ويتعرّضون للصدمة الأولى، ويشغلون العدوّ بمحاربتهم له مهما كان عدده وعدّته، حتّى يأتي أصحاب النوبة، وهو الاسم الذي أطلق يومئذٍ على الجندي النظامي الذي يستقرّ مع عائلته وراء خطوط المرابطين الأولى، ويعمل في الزراعة والصناعة والتعمير وتكوين القرية، إلى جانب قيامه بالحراسة متناوبًا، وهذا الجندي النظاميّ يأخذ الجرايات والأرزاق من الحكومة، أمّا المرابطون فمتطوّعون بأموالهم وأنفسهم، لا يأخذون شيئًا من الحكومة ولا من الناس، ولكنّهم يعتمدون في حياتهم البسيطة على كدّهم وعملهم الخاص[35].

وتصبح المرابطة لحراسة حدود الوطن واجبةً على أبناء الوطن الذي يهدّده وجود العدوّ الغادر على حدوده، على نحو الوجوب الكفائيّ. فإذا وُجِدتْ جماعةٌ من أبناء الوطن تملك القوّة والسلاح وجب على تلك الجماعة أن تتحمّل مسؤوليّة المرابطة لحراسة حدود الوطن، قال الله عزّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[36].

إنّ هذه الآية الكريمة هي خاتمة سورة آل عمران، وقد عرضت السورة قبل هذه الآية لمعركة أُحُد، وما أصاب المسلمين من هزيمةٍ فيها، وشغل الحديث عن هذه المعركة مساحةٍ واسعةٍ من السورة، وهي الآيات من 121 إلى 186. فالمعنى الخاصّ للآية ينصرف في سياق ما أصاب المسلمين يوم أُحُد، لذلك أمرهم الله تعالى بالصبر، وهو طاقة روحيّة إذا زوّد الإنسان بها نفسه صار ذا قدرةً على تحمّل الشدائد، وذا قوةً في الثبات والتماسك أمام الهزّات النفسيّة التي يتعرّض لها الفرد والمجتمع بسبب الهزيمة أو الإرهاب والخوف أو المغريات الدنيويّة. ثمّ أمرهم بالمصابرة، وهي “مفاعلة” من الصبر، وتقتضي أن يقوم بالفعل جهتان أو طرفان، فالطرف الأوّل هم المسلمون المأمورون بالصبر، والطرف الثاني هم العدوّ الصابرون أيضًا في حربهم على المسلمين، وعلى هذا فالمصابرة التي أمر الله بها المسلمين هي “الصبر في وجه الصابر، وهذا أشدّ الصبر ثباتًا في النفس، ذلك أنّ الصبر في وجه صابر آخر شديدٌ على نفس الصابر، لما يلاقيه من مقاومة قِرن له في الصبر، قد يساويه أو يفوقه”[37]. وتكون نتيجة الصبر بين الطرفين لصالح أشدّهم وأطولهم صبرًا. ويدلّ على هذا أنّ الأمر بالمصابرة جاء في سياق قوله تعالى:  ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أي، فلا يغلبوكم بالصبر على قرحهم أكثر من صبركم على قرحكم[38]. ثمّ أمرهم بالمرابطة، وهي “مفاعلة” من الربط، وهو اللزوم والثبات، يُقال: ربطَ جأشُه: اشتدّ قلبُه فلم يفرّ عند الفزع، وربطَ الشيء ربطًا: شدّه، وربطَ الدابّة: شدّها إلى شيءٍ لتلزمه وتثبت فيه فلا تبرحه، ومنه “الرباط” وهو: ما يُرْبَطُ به. ورباط الخيل: مَرَابِطُها لخمسٍ منها فما فوقها، ورباط الخيل: الخيل نفسها تُربَطُ انتظارًا للعزو أو الجهاد. والرّباط والمُرابِطة: ملازمة ثغر العدوّ، وأصله أنْ يَرْبِطَ كلُّ واحد من الفريقين خيله، ثمّ صار لزوم الثغر رباطًا[39]. وأُطلِق الرباط على المكان الذي تقف فيه الخيل لحراسة الثغور المخوفة، “لأنهم كانوا يحرسون الثغور المخوفة راكبين على أفراسهم … ثمّ أُطْلِقَ الرباط على مَحْرَس الثغر البحري، وبه سمَّوا رِباط دمياط بمصر ورباط المُنستير بتونس، ورباط سَلا بالمغرب الأقصى”[40].

ويتبيّن من قرائن عطف المرابطة على المصابرة، ومجيء الجميع في سياق قتال العدوّ أنّ الأمر بالمرابطة ينصرف إلى المرابطة على الثغور التي يُخاف أن يهجم منها العدوّ على بلاد المسلمين. وما رُوي عن الإمام أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (ع) أنّه قال في معنى الآية: “معناه: اصبروا على المصائب، وصابروا على عدوّكم، ورابطوا عدوّكم”[41]، يُؤيِّدُ ما ذهبتُ إليه. وقد رُوي فيها معانٍ أخرى منها ما رُوي عن الإمام الصادق (ع) أنّ المعنى: ورابطوا إمامكم[42]، وما رُوي عن الإمام عليّ (ع) أنّ المعنى: “رابطوا الصلوات، أيّ: انتظروها واحدة بعد أخرى”[43]. وكلّ هذا واردٌ باعتبار المعنى العام للمرابطة، وهو اللزوم والثبات. ولكنّ حملها على المعنى الخاصّ بلحاظ القرائن أولى.

وإذا كان حاكم المسلمين ظالمًا جائرًا وكان على حدود الوطن الإسلاميّ عدوّ شرس يُخشى من غدره وجب على المسلمين المرابطة على نحو الوجوب الكفائيّ، فيجب على الجماعة التي تملك القوّة والسلاح أن تقوم بها. ونستدل على ذلك بسؤالٍ وجّهه رجلٌ إلى الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا (ع)، عن رجل يرابط على ثغور المسلمين، وحاكم المسلمين جائرٌ ظالم، فأجاب الإمام قائلًا: فلْيُرابط ولا يُقاتل، قال يونس، وهو أحد أصحاب الإمام الرضا، وكان جالسًا في المجلس: مِثل قزوين وعسقلان والديلم وما أشبه هذه الثغور؟ قال الإمام: نعم. قال الرجل السائل: فإن جاء العدوّ إلى الموضع الذي هو فيه مرابطٌ، كيف يصنع؟ قال الإمام: يقاتل عن بيضة الإسلام. قال الرجل: يُجاهد؟ قال الإمام: لا،  إلّا أن يخاف على ذراري المسلمين. قال يونس: أرأيتك لو أنّ الروم دخلوا على المسلمين لم ينبغي لهم أن يمنعوهم؟ قال الإمام: يرابط ولا يقاتل، فإن خاف على بيضة الإسلام والمسلمين قاتل  فيكون قتاله لنفسه لا للسلطان، لأنّ في دروس الإسلام دروس ذكر محمد (ص)[44].

ويُسْتَدلّ بالأمر الصادر من الإمام “فليرابط” إنّ المرابطة، أو حراسة ثغور الوطن الإسلاميّ واجبةٌ حتّى في ظلّ الحاكم الجائر الظالم. ويُسْتَدَلُّ بقوله: “إلّا أنْ يخاف على ذراري المسلمين”، وبقوله: “يقاتل عن بيضة الإسلام”[45]، إنّ الجهاد الدفاعيّ عن الشعب والوطن (ذراري المسلمين، والأرض التي يعيشون عليها)، وعن بيضة الإسلام، واجبٌ على أبناء الوطن. ويُفهم من وجوب المرابطة ووجوب الجهاد الدفاعيّ أنّهما على نحو الوجوب الكفائيّ.

ويُسْتَدَلُّ بقوله: “ولا يقاتل” إنّ القتال دفاعًا عن الحاكم الظالم، أو لأجل إطالة بقائه في الحكم، أو إطالة حكمه غير جائز. وأمّا سؤال السائل  “يجاهد”؟ فيقصد الجهاد الابتدائيّ بغزو العدوّ الكافر خارج حدود الوطن الإسلاميّ، ولذلك أجابه الإمام: “لا” ثمّ استثنى الإمام مَنْ يجاهد دفاعًا عن المسلمين بقوله: “إلّا أن يخاف على ذراري المسلمين”.

وورد في فضل المرابطة عند الثغور أحاديث منها: روى البخاري عن سهل بن سعد الساعدي أنّ رسول الله (ص) قال: “رباط يوم في سبيل الله خير عند الله من الدنيا وما فيها”[46]. وروى مسلمٌ عن سلمان (رض) قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: “رباط يوم وليلة خيرٌ من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجري عليه رزقه، وأمِنَ الفتَّان”[47]. وروى أبو داوود في سننه عن فضالة بن عبيد أنّ رسول الله (ص) قال: “كلّ ميّت يختم على عمله إلّا المرابط فإنّه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتّان القبر”.

وفي الحال الذي عليه الوطن اللبنانيّ حيث يجاوره عدوٌّ شرسٌ مشهورٌ بالغدر والمكر والخداع، وهو العدوّ الصهيونيّ، يقع واجب المرابطة على عاتق المقاومة، وهي الجماعة التي تملك القوّة والسلاح من غير الجيش النظاميّ. وقد أثبتت الوقائع عبر التاريخ أنّ العدوّ الصهيونيّ غادرٌ يأخذ المسلمين على حين غِرّة، وعلى هذا فلا يجوز أن يؤمن جانبه، بل يجب أن يكون أبناء الوطن الذين يجاورونه يقظين على الحدود معه في جميع الأوقات وفي كلّ الأحوال قال تعالى: ﴿وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾[48]. ولا يجوز أن تتولّى هذا الواجب قوّةٌ من غير أبناء الوطن، متواطئة مع العدوّ الصهيوني، مثل قوّات اليونيفيل في الوقت الحاضر، ولا يحقّ لأيّ جهةٍ منع المقاومة عن الوصول إلى ثغورهم مهما كانت الأسباب والمبرّرات، ومن يفعل ذلك فيخشى أن يكون في خندق الأعداء ومواجهًا للمجاهدين، ممّا يترتّب عليه مفاسد عظيمة في المجتمع الواحد.

الإعداد والاستعداد

يعني “الإعداد” توفير مستلزمات القوّة للمقاومة، ويشمل التزوّد بالأسلحة الخفيفة والثقيلة، وبجميع أصنافها المعروفة أو التّي لم يُكْشَف عنها، ومن مصادرها المختلفة التي يمكن الوصول إليها، ويشمل أيضًا الإعداد البدني، كالتدريب والتمرين المتواصل، والإعداد النفسيّ، مثل دوام الصلة بالله تعالى والقرب منه، وذلك عن طريق المحاضرات التي يقوم بها علماء ربّانيّون، وإقامة الصلوات وسائر العبادات، وقراءة القرآن الكريم، والأدعية المأثورة، ويشمل سائر الرياضات الروحيّة التي تبني الإنسان المجاهد، المستعدّ للتضحيّة والجهاد في سبيل الله تعالى. أمّا “الاستعداد” فيعني أن يكون المقاومون جاهزين، متأهّبين، يقظين لساعة المواجهة مع العدوّ إذا قام بالاعتداء على الوطن أو الشعب.

يؤدّي الإعداد والاستعداد – إضافةً إلى ما سبق- وظيفة تخويف العدوّ وإرهابه وتحذيره من القيام بأيّ عملٍ عدوانيٍّ. والإعداد والاستعداد واجبٌ على المقاومة التي تشارك الجيش النظاميّ في الدفاع عن استقلال الوطن والشعب، إذا كانت المقاومة مستطيعة على ذلك، وذلك عملًا بقوله عزَّ وجلّ:  ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾[49].

ويدخلُ في قوله تعالى “ما استطعتم” كلُّ ما يدخل تحت قدرة الناس من العُدّة. وتُطْلَق “القوّة”  مجازًا على قوّة الجيش الناتجة عن الإعداد البدنيّ والنفسيّ، وعلى قوّة السلاح والعتاد الذي يستعمله الجيش. وتنكير “القوّة” في الآية الكريمة دليل على استغراق القوّة لجميع أنواع الأسلحة والعتاد في كلّ زمنٍ وعصرٍ، ولعلّ في الحديث الذي رواه الترمذي وأبو داوود، عن عقبة ابن عامر إشارة إلى فعاليّة نوع من أنواع الأسلحة في القتال مع العدوّ، فقد قرأ رسول الله (ص) هذه الآية على المنبر، ثمّ قال: “ألا إنَّ القوَّةَ الرَّمْيُ” قالها ثلاثًا[50]. وفي ذلك إشارةٍ إلى فعاليّة المدفعيّة والصواريخ في عصرنا الحاضر.

ولعلّ سؤالًا يُطْرَحُ هنا، وهو: لماذا تقوم المقاومة بالإعداد والاستعداد والجيش النظاميّ موجود؟ والجواب عن ذلك هو: إذا كان العدوّ الذي يهدّد الوطن والشعب قويًّا شرسًا غادرًا، لا يحترم المواثيق والمعاهدات، وكان الجيش النظاميّ الذي يواجه هذا العدوّ أقلَّ قوّةً وتسليحًا، أو أقلَّ عددًا منه، ووُجِدَتْ جماعةٌ تملك القوّة والاستطاعة على الإعداد والاستعداد، لمعاونة الجيش النظاميّ، وملأ الفراغ في الأماكن التي لا يستطيع الجيش النظاميّ الوصول إليها، أو في الأماكن التي يتحرّك منها الجيش النظاميّ بحكم المواجهة مع العدوّ، فيجب والحال هذه على تلك الجماعة القيام بالإعداد والاستعداد لدعم الجيش النظاميّ في مواجهة ذلك العدوّ، لأنَّ عدم قيام تلك الجماعة بهذا الواجب ينتج عنه ضررٍ كبيرٍ على الشعب والوطن. ولا يجوز في هذه الحال نزع السلاح الذي تستخدمه تلك الجماعة لمعاونة الجيش النظاميّ في صدّ عدوان العدوّ المستكبر المتغطرس، لأنّ نزع سلاح المقاومة في هذه الحال يتسبّب في حصول ضعفٍ كبيرٍ في قدرة الشعب على مواجهة العدوّ.

 القيام بالجهاد الدفاعيّ في حال احتلال العدوّ الوطن أو أجزاء منه

 إذا احتلّ العدوّ الوطن أو أجزاء منه وجب على الشعب أن يقوم بتحرير الوطن من الاحتلال، على نحو الوجوب الكفائي، فإذا وُجِدتْ الجماعة التي تملك القوّة والسلاح وقع الوجوب عليها في القيام بذلك وطرد العدوّ من كلّ شبرٍ من أرض الوطن، وتحقيق إرادة الاستقلال. وقد تقدّم أنّ هذه الجماعة عُرِفت بــ”المقاومة”. ويدخل العمل الذي تقوم به المقاومة لتحرير الوطن والشعب من الاحتلال تحت مصطلح “الجهاد الدفاعيّ”، وهو أن يقوم العدوّ باحتلال بلدٍ من بلدان المسلمين، بهدف قتل أهل ذلك البلد وتدمير ممتلكاتهم، أو الاستيلاء على ثرواتهم وأموالهم، أو إخضاعهم لسلطانه بقصد تحقيق أهدافٍ سياسية، أو محاربة لدينهم بقصد تعطيل أحكامه أو تشويهه أو مصادرته، ويكون هذا الاحتلال واقعًا حاصلًا في ذلك البلد، إمّا بسبب انهزام أهل البلد أمام العدوّ، وعدم قدرتهم على صدّه، أو بسبب تهاونهم في الدفاع عن بلدهم ودينهم، أو بسبب غفلتهم عن العدوّ حتّى تمكّن من احتلال بلدهم، فيقوم جماعةٌ من أهل ذلك البلد بجهاد العدوّ لإخراجه من بلدهم قبل أن يتمكّن من تنفيذ أهدافه، وهذا النوع من الجهاد هو الذي يُسمّى في الوقت الحاضر بالمقاومة.

وقد بحث علماء الإسلام الجهاد الدفاعيّ في عصرنا الحاضر، وبيّنوا أحكامه، وأصدروا فيه فتاواهم المستنبطة من القرآن الكريم والسنّة الشريفة. قال السيد الخميني: “لو غشي بلاد المسلمين أو ثغورها عدوٌّ يخشى منه على بيضة الإسلام والمسلمين ومجتمعهم  يجب الدفاع عنها بأيّة وسيلةٍ ممكنةٍ، مع بذل الأموال والنفوس”. وقال أيضًا: “لو خيف على زيادة الاستيلاء على بلاد المسلمين وتوسعة ذلك، وأخذ بلادهم أو أسرهم، وجب الدفاع بأيّة وسيلةٍ ممكنةٍ”. وفي قضيّة وجوب أخذ الإذن في الجهاد الدفاعيّ من الفقيه أو المرجع العادل الذي يرجعُ إليه المسلم في أخذ الأحكام الإسلاميّة، يرى السيد الخميني عدم اشتراط ذلك، قال: “لا يشترط ذلك (أي الجهاد الدفاعي) بحضور الإمام (ع) وإذنه، ولا إذن نائبه الخاصّ أو العام، فيجب الدفاع على كلّ مكلّفٍ بأيّة وسيلةٍ ممكنةٍ “[51]. وقال السيد الخامنئي: “إذا شعر المكلّف حسب تشخيصه بأنّ بيضة الإسلام في خطر، فيجب عليه النهوض للدفاع عن الإسلام، وإن كان في ذلك خوف تعرّضه للقتل”[52]. وقال السيد محمّد حسين فضل الله: “في ظلّ الأعراف الدوليّة السائدة تعتبر كلّ دولةٌ مسلمةٌ وطنًا لأبنائها، وكذا كلّ دولةٌ يسكنها المسلمون بشكلٍ كثيفٍ، بحيث يكون الاعتداء عليها بالاحتلال ونحوه اعتداءً عليهم، فإذا تعرّضت للغزو من العدوّ الخارجيّ الكافر وجب على أبنائها، بالدرجة الأولى، بالوجوب الكفائيّ التصدّي لتحرير الأرض ودفع العدوّ، فإن عجزوا وجب على الأقرب إليهم فالأقرب على نحو الكفاية أيضًا مع القدرة والإمكان”. ثمّ بيّن سماحته أصناف الذين يجب عليهم القيام بالجهاد الدفاعيّ أو المقاومة لطرد العدوّ من بلدهم فقال المسألة التالية: “لا يختصّ وجوب الدفاع -في الأصل-  بالرجال والشباب، بل يشمل كلّ قادرٍ على الدفع بأيّة مرتبةٍ منه، فيعمّ الرجال والنساء، الشباب والشيوخ، المرضى والأصحّاء. نعم إذا تصدّى منهم من يتأدّى به الواجب ويتحقّق به الدفع سقط التكليف عن الباقين”.

وأوجب سماحته القيام بالجهاد الدفاعيّ على الذين يملكون خبرةً في المقاومة وطرقها، فقال المسألة التالية: “قد يكون الوجوب عينيًّا على بعض من يملكون خبراتٍ معينةٍ ممّن لا بديل لهم ولا غنى عنهم، فيجب عليهم المبادرة للقيام بدورهم ولا يجوز لهم التهاون أو الفرار، بل يجب على من كان منهم خارج وطنه أن يبادر إلى الحضور والنهوض بواجبه”. ويرى عدم اشتراط وجوب أخذ الإذن في الجهاد الدفاعيّ أيضًا، بل يكفي الوثوق بخبرة مَن يقود الجهاد الدفاعي أو المقاومة وإخلاصه، قال سماحته: “في حال عدم إمكان الانقياد للوليّ الفقيه العادل، وضرورة المباشرة الفوريّة بالدفاع، لا تشترط العدالة فيمن يقود عمليّة الدفاع من المسلمين بعد الوثوق بخبرته وإخلاصه، بل قد يجب الانقياد لغير المسلم الموثوق بخبرته وإخلاصه إذا انحصرت القيادة به”، بل لا يشترط سماحته أن يستأذن الولد أباه في القيام بالجهاد الدفاعيّ، قال في المسألة التالية: “لا يشترط في قيام الولد بمهمّة الدفاع الواجب على نحو الكفاية استئذان الأبوين، بل يجوز له ذلك حتّى مع منعهما له ونهيهما عنه”.

وأوجب سماحته على عامّة المسلمين أن يقدّموا كلّ أنواع العون لمن يقومون بواجب الجهاد الدفاعيّ أو المقاومة، فقال في المسألة التالية: “يجب على عامّة المسلمين من أبناء الوطن المحتّلة أرضه تقديم العون والحماية للمقاتلين الذين يقومون بواجب الدفاع، وذلك بجميع أشكالها ومراتبها اللّازمة في عمليّة الدفاع، سواء الماليّة أو الأمنيّة أو إظهار مناصرتهم أو تأييدهم وتكفّل أيتام وأسر شهدائهم، ونحو ذلك”[53].

   وأفتى سماحة الشيخ فيصل مولوي في الجهاد الدفاعيّ، فقال: “القتال الدفاعيّ ضدّ الأعداء الذين يغزون بلادنا واجبٌ شرعيٌّ، والمقتول فيه شهيدٌ عند الله تعالى. والإعداد له مطلوبٌ لكن بقدر المستطاع، وليس مطلوبًا من المسلم أن يمتنع عن الجهاد حتّى يُعِدّ جيشًا مكافئًا للعدوّ. فالله تعالى يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. ويبيّن لنا أنّ هذه القوّة التي نستطيعها إذا أعددناها فهي ترهب العدوّ ولو كان يملك من القوّة أضعافها”[54].

    وجوابًا عن سؤالٍ وجّهه إليه جماعةٌ من الشباب السوريين حول واجبهم فيما إذا قامت أمريكا باحتلال سوريا بعد العراق، قال سماحته: “إذا دخلت قوّاتٌ أجنبيّةٌ إلى أرض سوريا يصبح الجهاد فرض عين على جميع المسلمين المقيمين فيها، ولا يكون فرض عين على من هو خارجها سواء كان سوريًّا أو غير سوري إلّا إذا كان قادرًا على المشاركة في الجهاد، وإذا كانت مشاركته مفيدةٌ في النكاية بالعدوّ؛ ذلك لأنّ القتال اليوم لا يعتمد على قوّة الساعد ولا على السلاح اليدويّ، إنّما يعتمد على أسلحةٍ متطوّرةٍ تحتاج إلى تدريبٍ عليها، وهو أمر لا يتيسر لكثيرٍ من الناس”. وقال أيضًا: “أمّا الإعداد فهو واجبٌ على كلّ مسلمٍ قبل القتال وأثناء القتال وبعد القتال. ولا يمكن أن يكون سببًا في التهرّب من القتال. وإذا كان الأمر يتعلّق بالدولة فيجب عليها أن تستعّد بما تستطيع. وإذا كان الأمر يتعلّق بالأفراد فإنّ قتالهم للعدوّ الغازي هو مقاومة شعبيّة، وهو يحتاج إلى إعداد بشكلٍ مختلفٍ تمامًا عن إعداد الجيوش المنظّمة التي تقوم بها الدول. أمّا القول بأنّ القتال ضدّ العدوّ الغازي انتحارٌ جماعيٌّ فهو كلام لا يجوز صدوره عن مسلم؛ لأنّه يعني بالنتيجة الاستسلام أمام العدوّ إذا كان أكثر منّا قوّة”[55].

 القيام بنشر الوعيّ بين أبناء الشعب

  إنّ القيام بهذا العمل لا يقلّ أهميّةً في تحقيق إرادة الاستقلال عن الأعمال التي سبق ذكرها. ونشر الوعيّ بين أبناء الشعب هو عنوان لعملٍ عامٍ تندرج تحته الأعمال الفرعيّة التاليّة:

أ. الكشف عن النوايا والتحرّكات التي يقوم بها العدوّ، والكشف عن الأهداف التي يسعى العدوّ إلى تحقيقها من وراء كلّ فعلٍ يقوم به، وإن كان صغيرًا أو تافهًا في نظر الآخرين.

  • نشر الوعي السياسي بين أبناء الشعب.

                         ج.  كشف العملاء والمتعاونين مع العدوّ، وفضح دورهم أمام الشعب.

                          د. توضيح الحقّ للشعب، وعدم خلط الأوراق عليه.

                          هـ.  تعبئة أبناء الشعب، وبثّ روح الصمود والثبات في نفوسهم، وإشعارهم بالقوّة والعظمة، العزّة الكرامة، نفي الشعور بالانكسار والهزيمة عنهم، والتوكيد على حصول النصر على عدوّهم.

   ويلزم المقاومة التي تقوم بهذا العمل أن تمتلك مستلزمات تحقيقه من وسائل إعلامٍ مرئيّةٍ ناطقةٍ، كمحطّات التلفاز، والمحطّات الفضائيّة، ووسائل إعلامٍ مسموعةٍ ناطقةٍ، كمحطّات الإذاعة، أو الراديو، ووسائل إعلامٍ مقروءة، كالصحف والمجلات، وغير ذلك من مستلزمات الإعلام مثل المواقع الإلكترونيّة في شبكة الإنترنت.

المقاومة وإرادة الحرية

الحُريّة في اللّغة تعني الخلوص من الشوائب أو الرّق أو اللؤم[56]. وهذا يعني أنّ الإنسان الحُرّ هو الإنسان الذي يتخلّص من كلّ شيءٍ يؤثّر على قدرته وإرادته على اتّخاذ القرار، لأنّ الله تعالى خلق الإنسان ليقوم بوظيفة الاستخلاف في الأرض، وهذه الوظيفة العظيمة تقتضي أن يكون الإنسان خالصًا لله عزّ وجلّ، ومتخلّصًا من كلّ ما سواه، ليكون ممتثلًا لله تعالى امتثالًا كاملًا فيما يشرّعه له، للقيام بتلك الوظيفة، ويكون ذا إرادةً كاملةً فيما يفعل ويقرّر، ومتحرّرًا من كلّ شيءٍ يمكن أن يؤثّر على إرادته، كالعبوديّة لغير الله من الطواغيت أو الملوك والسلاطين، أو العبوديّة لشهوات النفس، أو العبوديّة للمال أو الجاه أو المنصب، أو كأن يكون عبدًا مملوكًا بالرقّ. وحريّة الشعب في المصطلح السياسيّ تعني قدرته على اتخاذ القرار، الاختيار والتعبير دون خوفٍ أو ضغطٍ أو تأثيرٍ من أحد. وقد تُصادر حُريّة الشعب في حالاتٍ منها:

أ. أن يأتي عدوٌّ غازٍ، فيحتلّ الوطن الذي يعيش فيه ذلك الشعب، ويسوم أبناء الشعب المحتلّة أرضه ووطنه ظلمًا وخسفًا، ويستولي على ثرواتهم وممتلكاتهم، ويحرمهم من الخدمات الإنسانيّة، ويجوّعهم حتّى يجعلهم محتاجين إليه دائمًا، ويستعمل معهم صنوف التخويف والتعذيب، يفعل كلّ ذلك ليصادر حريتهم، ويكسر إرادتهم في طلب الاستقلال والحرية.

ب. أنْ تُهيمِنَ قوّةٌ طاغوتيّةٌ متجبّرةٌ معاديةٌ على مراكز السياسة واتّخاذ القرار في الوطن من خارج حدود الوطن. وتحصل هذه الهيمنة بطرقٍ مختلفةٍ، منها: أن يقوم العدوّ الذي يحتلّ الوطن بالجلاء عن أرض الوطن، بعد أن يضع حكومةٌ من المنهزمين نفسيًّا، المنكسرين إراديًّا التابعين له فكريًّا، ويسلّطها على الشعب، فتقوم بتحقيق أهداف المحتلّ في مصادرة حريّات الشعب، وكسر إرادته نيابة عن ذلك المحتلّ، وهذه الصورة متحقّقة في أكثر البلدان المحتلّة التي رحل عنها المحتلّ بعد أن أقام فيها حكوماتٍ مرتبطةٍ به، منقادةٍ إليه، لا تملك إرادة اتّخاذ القرار إلّا بعد الرجوع إلى سيّدها الذي نصّبها، وتحصيل موافقته. أو أن تُسلّم حكومة أمرها للقوّة الطاغوتيّة المتجبّرة، وإن لم تأتِ إليها أو تحتلّ وطنها، ولكن خوفًا من بطشها، أو اتّقاءً لشرّها أو خشيةً من التحريض على إزالتها عن الحكم، وطمعًا في إطالة بقائها على كراسي الحكم. وهذه الصورة متحقّقة في عصرنا الحاضر في الحكومات التي سلّمت أمورها للولايات المتّحدة الأمريكيّة، أو لغيرها من القوى المتجبّرة. وكانت في الزمان الماضي متحقّقة في الحكومات التي سلّمت أمورها لإحدى القوى الطاغوتيّة المتجبّرة، كالإمبراطوريّة الفارسيّة، أو الإمبراطوريّة الرومانيّة. وتكون مثل هذه الحكومات مغلوبةً على أمرها، مصادرةً حريّاتها، مسلوبة الإرادة في اتّخاذ القرارات المصيريّة التي تهمّ الشعب، ولكنّها في الوقت نفسه تصادر حريّات الشعب، وتكسر إرادته استجابة للأوامر التي تُملَى عليها من خارج الوطن.

ومن أبرز صور مصادرة حريّة الشعب

  1. منع الشعب من ممارسة حقوقه في التعبير عمّا يهمّ الفرد نفسه باعتباره فردًا، وعمّا يهمّ الشعب باعتباره مجتمعًا، ومن حقّ التعبير عن تقويم الحكومة وعملها بالنقد البنّاء.
  2. منع الشعب من ممارسة حقّه في تحقيق الاستقلال الكامل عن إرادة القوى الكبرى.
  3. منع الشعب من امتلاك أسباب القوّة في جميع النواحي الاقتصاديّة والعسكريّة والسياسيّة والصناعات الثقيلة، والتكنولوجيا المتطوّرة.
  4. كسر إرادة الشعب وتحطيم نفسيّته بالإذلال عن طريق سجن كلّ حرٍّ معارضٍ، أو مطالبٍ بحقٍّ، أو مدافعٍ عن المظلومين والمستضعفين، أو مقاومٍ للاحتلال، أو داعمٍ للمقاومة، ثمّ ممارسة صنوف التعذيب المختلفة التي لا تُبقي للإنسان عِزَّةً ولا كرامةً بحقّ أولئك السجناء الأحرار، وصولًا إلى تحقيق كسر إرادة الشعب.
  5. إشاعة الإرهاب والخوف بين الشعب عن طريق تسليط الإرهابيين القتلة على أبناء الشعب، لينشروا القتل وسفك الدماء، ويعيثوا فسادًا في أعراض الناس وأموالهم وممتلكاتهم، وصولًا إلى كسر إرادة الشعب، ليرتضي الشعب أن يعيش عيشة العبيد المسلوبة إرادتهم، المصادرة حريّتهم الذين يعيشون بحماية السيد القوي، مع توفير مستلزمات العيش الذليل. ومثل هذه الصورة متحقّقة الآن في العراق، حيث سلّط المحتلّ الإرهابيين والقتلة على الشعب العراقي، ليحقّق بذلك كسر إرادته، وتحطيم نفسيّته، وإيصاله إلى الرضا بالأمر الواقع، والتسليم له.

إنَّ الحريّة والعزّة والكرامة أمران مترابطان، إذا فُقِدَ أحدُهما فُقِدَ الآخر، فإذا فَقَد الإنسان حريّته فقد عزّته وكرامته، وحينئذٍ يصير إنسانًا تابعًا لغيرة، فاقدًا الاستقلال بنفسه، وكذلك الشعب. وهناك أمرٌ آخر مرتبطٌ بالحريّة والعزّة والكرامة والاستقلال لا بدَّ من الإشارة إليه، وهو قدرة المجتمع على أداء الوظائف التي يفرضها عليه التكليف بوظيفة الاستخلاف في الأرض، فالمجتمع الذي يتّصف بالحريّة والعزّة والكرامة والاستقلال هو المجتمع القادر على القيام بالوظائف التالية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، والدفاع عن الإسلام والمسلمين، والوقوف بوجه الحاكم المستبدّ إذا حاول أن يذلّ المجتمع، أو يبيع كرامتهم للأجنبي، ونصرة المظلومين وإغاثة الملهوفين، والوقوف إلى جانب المستضعفين.

   والنتيجة التي نصل إليها هي: إذا فقد المجتمع حريّته وعزّته وكرامته واستقلاله فقد القدرة على القيام بتلك الوظائف، وإذا فقد القدرة على القيام بتلك الوظائف فقد الأهليّة للقيام بوظيفة الاستخلاف في الأرض.

وجوب تحقيق إرادة الحريّة

وبناءً على النتيجة التي وصلنا إليها يجب على الجماعة التي تملك القدرة والسلاح أن تحقّق إرادة الحريّة للشعب، حين يعجز الشعب عن تحقيقها. وهذا الوجوب مستندٌ إلى العلّة من خلق الإنسان، التي هي القيام بوظيفة الاستخلاف في الأرض، وإلى النتيجة التي وصلتُ إليها وهي أنّ فقدان الإنسان حريّته وإرادته واستقلاله يعطّل أهليّته للقيام بتلك الوظيفة.

إنَّ المقاومة التي هي الجماعة التي تملك القدرة والسلاح يجب عليها أن تقوم بتحقيق إرادة الحريّة والاستقلال للشعب، إذا عجز الشعب عن تحقيقها، وإن كلّفها أداء هذا الواجب أن تبذل الأموال وتضحّي بالدماء والنفوس.

المثل الأعلى للمقاومة في تحقيق إرادة الحريّة والاستقلال

إنّ المثل الأعلى للمقاومة هو سبط رسول الله (ص) الإمام الحسين بن عليّ (ع)، ففي عصره تسلّطت على الأمّة الإسلاميّة حكومةٌ متجبّرةٌ برئاسة يزيد بن معاوية، وكان الإنسان المسلم في عصر يزيد فاقدًا حريّته، فاقدًا إرادته في الاختيار واتخاذ القرار والتعبير عن رأيه، فلا يستطيع أن يقول رأيه في الحكم، أو أيّ نظريّةٍ سياسيّةٍ مخالفةٍ لنظريّة يزيد، ولا يستطيع أن يختار القيادة التي تخدم مصالحه، لأنّ ما فعله يزيد، ومن قبله أبوه معاوية، بعامّة الأمّة من تخويف عن طريق القتل أو التهجير أو التشريد أو مصادرة أملاك الفرد وهدم داره، وما فعلاه من شراءٍ للذمم والضمائر بالمال والوعود الكاذبة، ونشر الفسق والمجون بين الناس عامّة، والشباب خاصّة، كلّ ذلك أدّى إلى فقدان الحريّة، وفقدان الشعور بالعزّة والكرامة، والشعور بالمسؤوليّة والأصالة. وأنتج شرائح من الأمّة من أمثال زياد بن أبيه، وعبيد الله بن زياد، وعمر بن سعد، وشمر بن ذي الجوشن، وغيرهم كثير.  

وحين تفقد الأمّة حريّتها وشعورها بالعزّة والكرامة يُعَطَّل ضميرها أو يموت، وإذا تعطّل ضمير الأمّة أو مات تصير أمةً لا تستطيع أن تأمر بالمعروف، ولا تنهى عن المنكر، ولا تستطيع أن تقف بوجه الظالم المستبد، ولا تستطيع نصرة المظلومين وإغاثة الملهوفين والوقوف إلى جانب المستضعفين. والأمّة التي يُعَطَّلُ ضميرها أو يموت تصبح أمّة لا يهزّ مشاعرها تضوّر جائع، ولا ألم محروم أو مسكين، ولا دمعةُ أمّ على وليدها المقتول بسيف الظالم، ولا آهة زوجة تندب حاميها ورفيق دربها، ولا أنَّةُ جريح يتشحّط بدمائه التي سفكها الظالم.

وكان الإمام الحسين يرى ذلك ويُحسّه، فهل رضي بالأمر الواقع، واستسلم له؟ وهل بايع الإمام الحسين يزيد، أو سكت عنه؟

إنّ شيئًا من ذلك لم يحدث من الإمام الحسين، لأنّه لو رضي الحسين بالأمر الواقع، واستسلم له، فبايع يزيد أو سكت عنه لكان ذلك قبولًا منه بحالة العبوديّة التي يعيشها المسلمون، ولترجم المجتمع ذلك الموقف، لو حصل من الحسين، إلّا أنّ الحسين الذي هو أفضل إنسان في الكون قد رضي بهذه الحالة، فما بالنا لا نرضى بها؟ ولكن الحسين سلك طريق المقاومة التي رفع فيها شعار الحريّة لكلّ إنسان: لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد ومضى على هذا الشعار أنصاره وأهل بيته، وكلّهم بلسانٍ واحد:

أقسمتُ أن لا أُقتلَ إلاّ حُرّا                وإن رأيتُ الموت شيئاً نُكْرا

فكانت عاشوراء، وقدّم الحسين وأهل بيته وأنصاره فيها دماءهم وأرواحهم فداء للحريّة وصارت عاشوراء الحسين شعارًا للمقاومين الأحرار الذين يعملون على تحقيق إرادة الحريّة لهم ولشعوبهم على مرّ العصور.

إنّ الدماء التي سُفكت في عاشوراء على ثرى كربلاء أعادت للأمّة عزّتها وكرامتها وأوقدت جذوة ضميرها من جديد. فإذا بضمير الأمّة يحيا ويتقد، وإذا بالأمّة تُبعث من جديدٍ وتنفض عنها تراب الذلّ والهوان، وإذا بالجماعة المقاومة التي والت القيادة الإلهيّة تمسك بالسيف وتثور انتصارًا لصرخات المظلومين، ولآلام الجائعين والمحرومين، وإذا بالثورات تتابع من هذه الجماعة، وتتابع قوافل الشهداء في هذا الطريق جيلًا بعد جيل، حتّى وصلت راية المقاومة إلى يد المقاومة اللبنانيّة، حيث تحوّل كلّ مقاوم إلى ثورة من أجل تحرير الوطن، ومن أجل العزّة والكرامة التي دنّسها العدوّ الإسرائيلي، فقدّمت الدماء سخيّة على طريق عاشوراء من أجل الحريّة والاستقلال، ومن أجل نصرة المظلومين، وإغاثة المحرومين. وأنتجت هذه الدماء نصرًا يعزّ مثله في هذا العصر الذي عزّ فيه النصر.

ونرى الدماء التي سُفِكَتْ في عاشوراء تغلي في قلب كلّ فلسطينيٍّ يقدّم دمه على طريق الشهادة من أجل الحريّة والاستقلال، ومن أجل العزّة والكرامة، ونراها في عين كلّ أمٍّ أو زوجةٍ أو أبٍ فلسطينيٍّ يقول: اللّهم تقبّل منّا هذا القربان.

[1]  سورة البقرة، الآية 30.

[2]  سورة الذاريات، الآية 56.

[3]  سورة البقرة، الآية 21.

[4] سورة يوسف، الآية 40.

[5] سورة هود، الآيتان 1 و2.

[6]  سورة الأنبياء، الآية 108.

[7]  سورة الحج، الآية 34.

[8]  سورة النور، الآية 51.

[9]  الكليني، الكافي، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري (طهران: دار الكتب الإسلاميّة، الطبعة 3، 1367ه. ش)، الجزء 1، الصفحة 18.

[10]  سورة آل عمران، الآية 110.

[11]  سورة التوبة، الآية 3.

[12]  ابن منظور، لسان العرب (بيروت: دار صادر)، الجزء 12، الصفحة 496.

ابن السمين الحلبي أحمد بن يوسف، عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ (حلب، المكتبة العثمانية).  [13]

[14] سورة الجنّ، الآية 19.

[15] سورة الكهف، الآية  14.

[16] لسان العرب، مصدر سابق، الصفحة 497.

سورة آل عمران، الآية 75. [17]

[18]  لسان العرب، مصدر سابق، الصفحة 501.

[19]سورة البقرة، الآية 20.

[20]  لسان العرب، مصدر سابق، الصفحة 497.

[21] سورة النساء، الآية 34.

[22] لسان العرب، مصدر سابق، الصفحة 503.

[23]  المصدر نفسه، الصفحة 504.

[24] لسان العرب، مصدر سابق، الصفحة 133.

[25] راجع، ابن السمين الحلبي، عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ.

[26] سورة البقرة، الآية 190.

[27] سورة البقرة، الآية 193.

[28] سورة النساء، الآية 76.

[29] سورة التوبة، الآية 12.

[30] سورة التوبة، الآية 36.

[31] سورة الأنفال، الآية 39.

[32] سورة التوبة، الآيتان 13و 14.

[33]  لسان العرب، مصدر سابق، الصفحة 566.

[34] محيي الدين القليبي، الرباط في سبيل الله (طهران: مجلّة رسالة الإسلام، العدد 15).

[35] سورة آل عمران، الآية 200.

[36]راجع، ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير.

[37] راجع، السيّد محمّد حسين فضل الله، من وحي القرآن.

[38]  لسان العرب، الجزء 7، الصفحتان  302 و 303.

[39] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مصدر سابق.

[40]  أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن (بيروت: دار المعرفة، مجلّد 1، 1406هـ – 1986 م)، الجزء 2، الصفحة 918. 

[41]  محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن (بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة 1، 1417هـ – 1997م)، الجزء 4، الصفحة 137.

[42]  المصدر نفسه.

[43]  أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، تهذيب الأحكام (طهران: مكتبة الصدوق، الطبعة 1، 1417 هـ)، الجزء 6، الصفحتان 137 و 138.

[44]  بيضة الإسلام: يعني سيادة الإسلام، أصل الإسلام وأحكامه. وبيضة المسلمين: يعني سيادتهم، أرضهم، أموالهم وممتلكاتهم. يقال: بيضة الشيء، أي: أصله، وبيضة القوم أي: حوزتهم وحِماهم، ويقال: فلان بيضة البلد، أي: سيادته على البلد.

[45] راجع، البخاري، الجهاد والسير.

[46] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار (بيروت: مؤسّسة الوفاء، الطبعة2 المصحّحة، 1403ه، 1983م)، الجزء 101، الصفحة 283.

[47]  المصدر نفسه.

[48] سورة النساء، الآية 102.

[49] سورة الأنفال، الآية 60.

[50] راجع، الترمذي، سنن الترمذي.

[51] راجع، الإمام روح الله الخمينى، تحرير الوسيلة.

[52]  السيد علي الحسيني الخامنئي، أجوبة الاستفتاءات.

[53] محمد حسين فضل الله، فقه الشريعة (بيروت: دار الملاك للطباعة والنشر، الطبعة 4، 1422 هـ – 2002). 

[54]  راجع، المستشار فيصل مولوي.

[55]  راجع، المستشار فيصل مولوي.

[56] المعجم الوسيط (القاهرة: الطبعة 3، 1405 هـ – 1985م )، الجزء 1، الصفحة 172.  


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.