مقدمة

ما أسرع الأيام وهي تطوي صفحات العام الهجري، وما أجمل أن يختم المؤمن عامه بذكر أهل البيت (ع)، وقد مرّ عليه شهر ذو الحجة بما يحمله من نفحات الولاية؛ ففيه أشرقت آية الولاية، وفيه كان الغدير، وفيه المباهلة، وفيه تجلّت مدرسة العطاء والإيثار التي خلدها القرآن الكريم في سورة الإنسان.

ثم لا يلبث الهلال أن يعلن دخول شهرٍ آخر، شهرٍ يختلف عن سائر الشهور، شهرٍ لم يعد مجرد مناسبة تاريخية، بل تحول إلى هويةٍ ومدرسةٍ وبيعةٍ متجددة، إنه شهر محرم الحرام، شهر الإمام الحسين (ع).

فإذا كان ذو الحجة شهر إعلان الولاية، فإن محرم هو شهر الامتحان الحقيقي لهذه الولاية.

وإذا كان الغدير يوم البيعة، فإن عاشوراء يوم الوفاء بهذه البيعة.

ومن هنا، فإن الاستعداد لمحرم لا يبدأ بلبس السواد فقط، ولا بالتهيؤ للمجالس والشعائر فحسب، بل يبدأ من داخل النفس؛ لأن الحسين (ع) لم يكن يبحث عن دموعٍ تُسكب، بقدر ما كان يبحث عن قلوبٍ ثابتة لا تنقض عهدها مع الله.

ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن يسبق دخول محرم هو: هل نحن مستعدون حقًّا لأن نكون من أهل الحسين، أم أننا نكتفي بالانتماء العاطفي دون أن نحمل شيئًا من مشروعه وروحه؟

من شهر الولاية إلى شهر التضحية

لقد شاء الله تعالى أن يختم العام الهجري بموسمٍ إيماني مبارك، تتعاقب فيه الأشهر الحرم حاملةً رسائل الهداية والتقوى. ففي ذي القعدة، وهو أول الأشهر الحرم، واعد الله تعالى نبيه موسى (ع)، فكان شهر المناجاة والاستعداد والتهيؤ للقاء الله.

ثم يأتي ذو الحجة بما يحمله من نفحات الولاية، ففيه آية الولاية، وفيه يوم الغدير، وفيه المباهلة، وفيه تجلت مدرسة الإيثار التي خلدها القرآن الكريم في أهل البيت (ع). وفي هذه الأيام المباركة يمر المؤمن على هذه المحطات العظيمة، فيقف عند الغدير، ويتأمل في المباهلة، ويقرأ قصة المائدة المباركة التي نزلت فيها سورة ﴿هل أتى﴾، ليتعلم أن الدين ليس كلماتٍ تُقال، ولا شعاراتٍ تُرفع، بل ولايةٌ وطاعةٌ وتسليم.

ثم لا يلبث الهلال أن يعلن دخول شهرٍ آخر، شهرٍ يختلف عن سائر الشهور، شهرٍ لم يعد مجرد مناسبةٍ تاريخية، بل تحول إلى هويةٍ ومدرسةٍ وبيعةٍ متجددة، إنه شهر محرم الحرام، شهر الإمام الحسين (ع).

وهنا تتجلى حقيقةٌ عميقة؛ فالحسين (ع) لم يكن حدثًا منفصلًا عن الغدير، بل كان الامتداد الطبيعي له. فالغدير أعلن الإمام الحق، وعاشوراء كشفت ثمن التمسك بهذا الحق. ولهذا فإن الانتقال من ذي الحجة إلى محرم ليس انتقالًا زمنيًّا فحسب، بل هو انتقال من مرحلة إعلان الولاء إلى مرحلة اختبار صدقه، ومن بيعة اللسان إلى وفاء الموقف.
فإذا كان ذو القعدة شهر التهيؤ والمناجاة، وكان ذو الحجة شهر الولاية وإعلان العهد، فإن محرم هو شهر الوفاء لهذا العهد، وشهر الامتحان الحقيقي للثبات عليه؛ لأن المحبة إذا لم تتحول إلى تضحيةٍ وصبرٍ وثبات، بقيت مجرد شعار.

المفارقة التي تختصر المأساة

إذا كان الغدير قد شهد عشرات الآلاف ممن بايعوا أمير المؤمنين (ع)، فلماذا احتاج الحسين (ع) بعد خمسين سنة فقط إلى أن يقف وحيدًا في كربلاء وهو ينادي: “ألا من ناصرٍ ينصرنا؟”.

إنها مفارقة مؤلمة، لكنها تحمل درسًا عظيمًا.

فالمشكلة لم تكن في معرفة الحق، بل في الثبات عليه.

ولم يكن الذين خذلوا الحسين يجهلون فضل جده أو مكانته، بل إن كثيرًا منهم كانوا يعرفون ذلك، ولكن المعرفة وحدها لم تكفِ، والمحبة المجردة لم تمنعهم من السقوط، والشعارات لم تصنع منهم أنصارًا.

ولهذا، فإن الخطر الحقيقي على الإنسان ليس أن يجهل الحق، بل أن يعرفه ثم لا يثبت عليه.

ومن هنا نفهم أن أعظم ما يحتاجه المؤمن ليس كثرة المعلومات، وإنما حسن العاقبة والثبات على الطريق. ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. (سورة آل عمران، الآية 102).

 

 

لماذا نحتاج إلى التوبة قبل محرم؟

إن الحسين (ع) لم يخرج ليؤسس طائفةً تبكيه، بل خرج ليعيد الإنسان إلى الله. ولهذا فإن أول طريق الحسين هو طريق التوبة.

فربما يدخل الإنسان محرم وهو يحمل أثقالًا من الذنوب والغفلة، بينما أراد الله لهذا الشهر أن يكون محطة رجوعٍ وإنابة.

فالذي يريد أن يكون مع الحسين حقًّا، لا بدّ أن يبدأ بإصلاح نفسه، وأن يراجع صلاته، وعلاقته بالله، ونظرته إلى الحلال والحرام، وحقوق الناس، وأخلاقه وسلوكه.

فكربلاء لم تصنعها السيوف فقط، بل صنعتها القلوب.

والذين وقفوا مع الحسين (ع) لم يكونوا ملائكة، وإنما كانوا بشرًا صدقوا الله فصدقهم الله.

ولذلك، فإن التائب الصادق أقرب إلى الحسين من الغافل الذي يكتفي بالشعارات.

الثبات… بيعة لا تنكسر

لقد أخبر أهل البيت (ع) عن زمن الغيبة، وعن كثرة الفتن التي تحيط بالمؤمنين. وروي عن الإمام الباقر (ع): “يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم، فيا طوبى للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان”.

والثبات الذي تحدثت عنه الروايات لا يعني العصمة من الخطأ، ولا أن الإنسان لا يضعف أو لا يقصر، وإنما يعني أن يبقى القلب متعلقًا بالله، وأن لا يترك الإنسان طريق أهل البيت مهما تعثر.

فالضعف قد يقع، والتقصير قد يحدث، لكن المؤمن الحقيقي هو الذي لا يرضى بالابتعاد، وإذا سقط عاد، وإذا أخطأ تاب، وإذا ضعفت نفسه استعان بالله وقام من جديد.

ولهذا فإن الثبات اليوم أصبح جهادًا حقيقيًّا.

فالإنسان يعيش حربًا ناعمة، وشبهاتٍ متسارعة، ومحتوياتٍ تزين الحرام، وضغوطًا تحاول أن تجعل الالتزام شيئًا غريبًا.

وفي وسط كل ذلك يصبح الحفاظ على الصلاة، وغض البصر، والعفة، والحياء، والالتزام، من أعظم صور الجهاد.

من بيعة الغدير إلى بيعة صاحب الزمان

إن قضية الإمامة لم تتوقف عند يوم الغدير، بل امتدت عبر الأئمة الطاهرين (ع) حتى وصلت إلى الإمام المهدي (عج).

ولهذا فإن بيعة الغدير ليست حادثةً تاريخية مضت وانتهت، بل هي عهد إلهي مستمر.

وحين يقرأ المؤمن في دعاء العهد: “اللهم إني أجدد له في صبيحة يومي هذا وما عشت من أيامي عهدًا وعقدًا وبيعةً له في عنقي، لا أحول عنها ولا أزول أبدًا”.

فإنه يعلن امتداد البيعة نفسها التي بدأت مع أمير المؤمنين (ع)، واستمرت في أبنائه الأئمة (ع)، وانتهت في عصرنا إلى صاحب العصر والزمان أرواحنا فداه.

فالإمام المهدي (ع) ليس امتدادًا زمنيًّا فحسب، بل هو وارث الغدير، وحامل راية الحسين، والثمرة المباركة لشجرة الإمامة.

ومن هنا، فإن المنتظر الحقيقي ليس من يكثر الحديث عن الظهور فقط، بل من يجعل سلوكه منسجمًا مع بيعة إمامه.

المفارقة الحاسمة

ليس مؤلمًا أن يرفع الإنسان شعار الولاية ثم يعاديها، فهذا أمر واضح. ولكن المؤلم حقًّا أن يرفع شعار الولاية، ويظن أنه من أهلها، ثم يأتي يوم يكون فيه بعيدًا عن أهدافها وروحها.

فالذين قالوا يوم الغدير: “بخٍ بخٍ لك يا علي، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة”. لم يكن أحد يتصور أن بعض الأمة ستصل بعد عقود قليلة إلى كربلاء، حيث يقف سبط رسول الله (ص) عطشانًا، فلا يجد إلا قلةً قليلة تنصره.

وهنا تظهر الحقيقة الموجعة: أن المشكلة ليست في إعلان البيعة، بل في الوفاء بها.

فكم من لسانٍ يعلن الولاء، بينما القلب مشغول بالدنيا.

وكم من إنسانٍ يكثر من الشعارات، لكنه لا يستطيع أن ينتصر على شهوة، أو يترك معصية، أو يثبت عند الامتحان.

ولعل أخطر أنواع النكث ليست تلك التي يعلنها أصحابها، بل تلك التي تتسلل إلى القلوب تحت غطاء التدين والشعارات.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يحمله كل مؤمن معه إلى محرم ليس: كم سأبكي على الحسين؟ بل هل لو كنت في كربلاء لكنت من أهل “ألا من ناصر ينصرنا”؟ أم من أهل الصمت والتردد؟

 

محرم طريق العودة

إن المجالس الحسينية ليست مجرد مناسباتٍ للبكاء، بل هي مدارس لإحياء القلوب.

فالحسين (ع) لا يريد دمعةً عابرة، وإنما يريد إنسانًا جديدًا.

يريد قلبًا أكثر قربًا من الله.

وصلاةً أكثر حضورًا.

وأخلاقًا أكثر صدقًا.

وعلاقةً أقوى بالإمام المهدي (عج).

ولهذا، فإن أعظم عزاء يقدمه المؤمن للحسين (ع) أن يثبت على الطريق، وأن يكون وجوده سببًا لنشر الخير والهدى والفضيلة.

فالحسين (ع) لم يضحِّ ليبقى الناس أسرى الذنوب والغفلة، وإنما ضحى ليعيدهم إلى الله.

الخلاصة:

بين الغدير وعاشوراء خيطٌ واحد لا ينقطع، هو خيط الولاية والوفاء.

فالغدير علّم الأمة من هو الإمام، وعاشوراء كشفت من هم الثابتون.

ولذلك، فإن استقبال شهر محرم ليس مجرد انتقالٍ من شهرٍ إلى شهر، بل هو انتقال من إعلان الحب إلى امتحان الصدق، ومن رفع الشعارات إلى تحمل المسؤولية، ومن الكلام عن الولاية إلى العيش في ظلها.

ولعل أعظم ما ينبغي أن نخشاه ليس أن نكون بعيدين عن الحسين (ع)، بل أن نظن أننا معه، بينما لا يظهر لبيعته أثرٌ في أخلاقنا وسلوكنا وثباتنا.

فكم من أناسٍ هتفوا بالأمس بشعار الولاء، ثم لم يثبتوا على العهد.

وكم من قلةٍ مجهولة الأسماء، صنعت بوفائها أعظم ملحمة عرفها التاريخ.

فإذا كان الغدير قد علّمنا أن نقول: “بخٍ بخٍ لك يا علي”، فإن محرم يعلمنا كيف نكون من الذين لا يخذلون الحسين إذا نادى: “ألا من ناصرٍ ينصرنا؟”.

ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن نستقبل به شهر الحسين: هل نريد أن نكون من محبيه، أم من أنصاره؟

فالمحبون كُثُر، أما الأنصار فكانوا اثنين وسبعين.

لو اجتمع أهل الغدير اليوم مرة أخرى، فلن يُسألوا: هل تعرفون عليًّا؟

بل سيُسألون سؤالًا لم يُسألوا عنه يومها: هل كنتم لتبقوا مع الحسين لو وقف في كربلاء؟ لأن الغدير لا يُختبر في لحظة إعلان، بل يُختبر حين تتحول البيعة من كلمات تُقال، إلى دمٍ يُدفع ثمنه.

وهنا فقط يظهر الفرق الحقيقي بين من قال: “مولاي علي”، ومن كان مستعدًّا أن يكون في صف “ألا من ناصر ينصرنا”.

اللهم ثبّتنا على ولاية محمد وآل محمد، واجعلنا من الصادقين في بيعة إمام زماننا، واحشرنا مع محمد وآله الطاهرين برحمتك يا أرحم الراحمين.

المصادر:

  • القرآن الكريم.
  • الشيخ الكليني، الكافي.
  • الشيخ عباس القمي، مفاتيح الجنان، (أدعية وزيارات).


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.