الإشكال في مفهوم الإرادة لا يكمن في تعدد دلالاته، بل في التعامل مع هذا التعدد وكأنه انفصال في الجوهر، بينما هو في حقيقته تدرج واحد في مستويات التحقق: من (الأنطولوجي) القوة، إلى (المعياري) السلطة، إلى (الواقعي) التعيّن التاريخي.

فالإرادة، في مستواها الأول، هي قوة؛ أي طاقة وجودية للفعل تتجاوز القيود المسبقة على الخير والشر، كما يظهر عند نيتشه حين يجعل من “إرادة القوة” محرّكًا يتقدم على كل تصنيفات أخلاقية جاهزة. لكنها لا تبقى طاقة مجردة، إذ لا يمكن للقوة أن تستمر دون شكل ينظمها، وهنا تتحول الإرادة إلى سلطة، أي قدرة على الإلزام لا تقوم فقط على الإكراه، بل على إنتاج معيار يحدد ما يجب أن يكون، وهو ما يقترب من التصور الكانطي للإرادة حين تُفهم في أفق الواجب لا في أفق الرغبة.

لكن الإرادة لا تكتمل لا كقوة ولا كسلطة إلا حين تدخل التاريخ، فتغدو تعيّنًا واقعيًّا في مؤسسات وقرارات وصراعات. هنا فقط تصبح مفهومًا مرئيًّا في العالم، كما في التحولات الكبرى التي تكشفها الثورات أو انهيارات الأنظمة، حيث لا تبقى الإرادة فكرة مجردة ولا معيارًا أخلاقيًّا، بل تصير بنية تاريخية تتجسد فيها تناقضات المجتمع وتتحرك داخلها.

ومن ثم، فإن الإشكال الحقيقي ليس في تعدد مستويات الإرادة، بل في تجميدها داخل تعريف واحد أو فصلها إلى جواهر مستقلة. بينما حقيقتها أنها حركة واحدة تتبدل أشكالها داخل مسار جدلي: قوة تتطلب تنظيمًا، وسلطة تحتاج إلى شرعية، وتعيّن تاريخي يكشف حدودهما معًا.

وبهذا المعنى، لا تُفهم الإرادة كخاصية يمتلكها فاعل منفرد، بل كبنية ديناميكية تتشكل عند تقاطع الإنسان مع القيم والمؤسسات والتاريخ. إنها ليست شيئًا يُعرَّف مرة واحدة، بل عملية مستمرة لإنتاج المعنى داخل العالم؛ حيث لا تنفصل القوة عن المعيار، ولا المعيار عن الواقع، بل يتولد كل منها من الآخر في حركة واحدة لا تهدأ.

وهكذا، لا تكون الإرادة مفهومًا متعددًا، بل حقيقة واحدة تتكشف عبر مستوياتها المختلفة، وكل انفصال بينها ليس إلا خطأ في الرؤية، لا في طبيعة المفهوم نفسه.


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.