خمس آيات من سورة آل عمران… الدروس والعبر

 الآيات: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (سورة آل عمران، الآيتان 169-170).

﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ…﴾ (سورة آل عمران، الآيات 177-179).

تنّزلت هذه الآيات الكريمة في أعقاب غزوة أُحد، تلك اللحظة التاريخية الحرجة التي أُثخِن فيها المسلمون بالجراح، وفقدوا فيها خيرةَ قادتهم وأكرم شهدائهم. فوسط ألم الفقد وجراح الميدان، انطلقت ألسنة المرجفين والمنافقين والذين في قلوبهم مرض بالشماتة والتشكيك، محاولين استغلال المصاب لزراعة الوهن وهز اليقين في نفوس المؤمنين، فكثرت التساؤلات تبحث عن الإجابة والشفاء. فجاء البيان الإلهي بتسلسلٍ بديع يُضمد الجراح أولًا، ثم يبطل كيد المنافقين والكافرين ثانيًا، ليُتوج المشهدُ كله ببيان الحكمة الكبرى من الإبتلاء.

يبدأ القرآن الكريم بأولى مراتب التثبيت ورأب الصدع، فيرفع الحجاب عن الغيب في الآيتين (169-170):

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (سورة آل عمران، الآيتان 169-170).

ليخاطب القلوب المحزونة على قادتها وشهدائها، ويقرر أن الذين قضوا في الساحة لم يذهبوا إلى الفناء والعدم، بل هم أحياءٌ عند ربهم يُرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله. وبهذا التكريم العظيم، يتحول الفقدُ في ثقافة الأمة من فجيعةٍ تُوهن العزائم إلى مرتبةٍ يطمح إليها الصادقون، وتستقر السكينة في أرواح المؤمنين.

وما إن اطمأنت القلوب على مصير القادة الشهداء، يلتفت التنزيل في الآية (177): ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

 ليُبطل أثر المرجفين والمنافقين الذين ارتدوا أو نكصوا على أعقابهم، فيقرر أن بيعهم الإيمان وشراءهم الكفر لن يضر الله ولا دينه بشيء، وإنما ضروا أنفسهم وهيّأوا لها العذاب الأليم. ثم تكتمل هذه الرعاية الإلهية في الآية (178): ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾.

بنزع الشبهة الأكبر التي قد تبهر العيون وسط غبار المعركة وهي نشوة الظلم وظفر الكافرين الظاهري، إذ يحسَب الضعفاء أن السلامة والتمكين للمعتدي خيرٌ له، فيأتيهم الحسم الرباني بأن هذا الإمهال ليس إكرامًا ولا محبة، بل هو (استدراج) حكيم يُترك فيه الطاغية لسكرة غروره حتى يمتلئ وعاء إثمه وتكتمل عليه الحجة.

وهذا المعنى الخالد هو ذاته الذي استحضرته عقيلة الطالبيين السيدة زينب (ع) في مجلس الشام بوجه طاغية زمانها يزيد، حين خاطبته مستشهدةً بذات الحقيقة القرآنية لتعري غروره وظفره الزائف بالقول: “أظننتَ يا يزيد… أن بنا على الله هوانًا وبك عليه كرامة؟! فمهلًا مهلًا! أنسيت قول الله عز وجل: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ …﴾.

لتؤكد أن كبرياء الطغاة ليس سوى مهلة للاستدراج وأن مصيرهم العذاب المهين.

وحين تنجلي الفجيعة برفع قدر الشهداء، وينكشف كيد المنافقين، ويزول وهمُ نصر الكافرين، يصل النص القرآني في الآية (179): ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ….﴾ إلى الذروة والغاية، فيُماط اللثام عن السر الإلهي في وقوع النازلة كلها. وهنا تتجلى أمامنا آية أخرى من (سورة البقرة، الآية  216): ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وعسى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فالله وحده يعلم السر الخفي وراء ما تكرهون.

فلم يكن ما جرى تخليًا من الله عن عباده، بل كان ضرورة ربانية؛ إذ ليس من شأن الحكمة الإلهية أن يدع الله الصف المؤمن على حالة الخلط والالتباس دون غربلة، بل تراكمت المحن وزُلزلت الأقدام لتصب تلك السنن كلها في نهر غايةٍ واحدة وهي ﴿حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.

ولا تقف هذه الملحمة البيانية عند حدود معركة أحد وتاريخها، بل تمتد لتغدو قانونًا حاكمًا لحرب الحق والباطل في واقعنا المعاصر، فالقرآن لكل زمان ومكان. فما نشهده اليوم من ارتقاء القادة الشهداء وجندهم في أتون المواجهة ليس خسرانًا، بل هو تجلٍ لكرامتهم عند ربهم. وما نراه من صلف الطاغوت وتجبره وسطوته ليس إلا مرحلة ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾، حيث يُترك الظالم ليتمرغ في عتوه حتى يكتمل جرمه أمام العالم. وفي المقابل، يخوض الصفُّ المؤمن اليوم أوج مرحلة (التمحيص)، حيث تُصقل القلوب بالابتلاء والتضحيات ليتمايز الصادق الثابت من الخبيث الزائف.

وهكذا تعود الآيات بتسلسلها المحكم ترسم لنا بوصلة الثبات: فدماء الشهداء حياة، وعلوّ الباطل استدراج، وآلام الصابرين مخاضٌ يصفو به الطيب، لتلتقي السنن مجددًا عند الحقيقة الربانية الخالدة التي لا تتخلف عبر العصور
وما أعظم مدرسة القرآن!


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.